بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)


المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘


ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحيد وهو معامل النفي، والمعاملات الثنائية لعمليات الاتصال والانفصال والانفصال الحصري. كما أوضحت أن طرق الربط المختلفة بين متغيرين منطقيين عددها ١٦، منها ١٠ فقط ذات قيمة (non-trivial) وقد تضمن المقال السابق ٣ منها، وأناقش في هذا المقال أنواع الشرط الخمسة في الجبر البولياني.

أسلوب الشرط المنطقي يستخدم بغزارة في الاستنتاجات المنطقية، ويعتبر من أهم الأفكار في المنطق والفلسفة، وهناك مغالطات منطقية شائعة سببها الخطأ في استخدام أسلوب الشرط، وقد أتطرق لمثل هذه المغالطات في مقال لاحق.

رموز المعاملات البوليانية

أنواع الشرط الخمسة يمكن فهمها بسهولة نسبية إذا فُهِم النوع الأساسي منها والذي قد تعبر عنه الجملة الشرطية العادية في اللغة، وقد يبدو أن فهم هذا النوع من الربط المنطقي سهلاً، لكنه ليس بالضرورة كذلك. الأنواع الأربعة الأخرى هي نفي الشرط، والشرط المعكوس (أي في الاتجاه المعاكس) ونفيه، والشرط الثنائي وهو جملة شرطية تسري في الاتجاهين.

الجملة الشرطية في اللغة

لكي نفهم كيفية الربط بين قضيتين منطقيتين بمعامل الشرط المنطقي نبدأ أولاً بتعريف أجزاء الجملة الشرطية (conditional statement).

تتكون جملة الشرط التقليدية في اللغة العربية من ’أداة الشرط‘ (مثل إنْ، إذَا، لَوْ، كُلَّمَا، مَنْ، مَا، مَتَى، أَيْنَ) ومن جملتين إحداهما تسمى جملة ’فعل الشرط‘ وهي التي تلي أداة الشرط مباشرة، والأخرى تسمى جملة ’جواب الشرط‘ وقد تلي جملة الشرط أو تسبق أداة الشرط. على سبيل المثال، الجمل الآتية كلها شرطية في اللغة:

الجملة الشرطيةجملة فعل الشرطجملة جواب الشرط
من يجتهد ينجحيجتهدينجح
يمكنك دراسة المنطق إن أردت تعلمهأردت تعلمهيمكنك دراسة المنطق
إذا فرغت فانصبفرغتانصب
ما قدّمت من خير عاد إليكقدّمت من خيرعاد إليك
متى فاض النيل فرحنافاض النيلفرحنا
أين حللتم فعلى الرحب والسعةحللتم(حللتم) على الرحب والسعة
لو أن الفقر رجل لقتلتهالفقر رجلقتلته
إذا فرغت من واجباتي فماذا أفعل؟فرغت من واجباتيماذا أفعل؟
إن فعلت ذلك فأنت نعم الصديقفعلت ذلكأنت نعم الصديق
كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاًدخل عليها زكريا المحرابوجد عندها رزقاً
النور ضروري إذا أردت أن ترىأردت أن ترىالنور ضروري

وكما نرى في الأمثلة ليست كل جملة شرط في اللغة تصلح للاستعمال في الجبر البولياني، لأن بعض أجوبة الشرط لا تصلح كقضايا منطقية في الجبر البولياني، فبعضها في صيغة الاستفهام أو الأمر أو المدح وهي كما ناقشت في المقدمة لا تصلح لأنها لا تُفهَم يقيناً إما صدقاً وإما كذباً.

ليست كل جملة شرطية في اللغة تصلح لتكون شرطاً في الجبر البولياني.

فما هو معنى الجملة الشرطية؟ ناقشت في المقدمة أن الجبر البولياني يفصل المعنى عن الدلالة من جهة الصدق أو الكذب، وهكذا يقع عبء المعنى بالكامل على مستخدم الجبر البولياني. في الجملة الشرطية التقليدية التي تصلح للجبر البولياني يؤدي تحقق قضية فعل الشرط إلى تحقق قضية جواب الشرط، فنفهم من الجملة الشرطية ”من يجتهد ينجح“ أن تحقق الاجتهاد يتبعه تحقق النجاح، ويمكن أن نعيد صياغة الجملة لتكون ”إذا اجتهدت تنجح“. ولأن المنطق البولياني يتعامل مع القضايا كصدق تام أو كذب تام فلا مجال فيه للأمور الوسط، وفي واقع الحياة يمكن أن تجتهد ولا تنجح لأن أسباب النجاح معقدة، لكن لكي نفهم الشرط في الجبر البولياني نحتاج إلى جملة شرطية ليس فيها مثل هذا التعقيد.

سأستعير في هذا السياق عبارة الفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي رينيه ديكارت (René Descartes) الشهيرة ”أنا أفكر، إذاً أنا موجود“ (cogito ergo sum) والتي يمكن التعبير عنها في صورة شرط كالآتي: ”إذا كنت أفكر فأنا موجود“. فعل الشرط أنني أفكر وجوابه أنني موجود، ونرى أن صدق فعل الشرط يتبعه صدق جوابه، وتحقق فعل الشرط أولاً يستلزم تحقق جوابه كنتيجة. لهذا السبب تسمى قضية فعل الشرط ’المُقَدَّم‘ (antecedent) أو ’القضية المُقَدَّمة‘ لأنها تتقدم في التحقق أو الصدق، وتسمى قضية جواب الشرط ’التالي‘ (consequent) أو ’القضية التالية‘ لأن تحققها أو صدقها يلي (يتبع) تحقق فعل الشرط.

ويمكن لفظياً التعبير عن الشرط بمعناه في الجبر البولياني بطرق عديدة ولا يلزم استعمال أداة الشرط فيها، والمثال الذي طرحته في المقال السابق كان تعبير ’القمر لا يُرَى والشمس في كبد السماء‘ الذي يخلو من أداة الشرط. وكل الجمل الآتية تعبر عن معنى الشرط كما في مقولة رينيه ديكارت المذكورة سابقاً:

  • يكفي أن أكون مفكراً لأكون موجوداً
  • من الضروري لأكون مفكراً أن أكون موجوداً
  • كوني مفكراً يحتم كوني موجوداً
  • أكون مفكراً فقط إذا كنت موجوداً
  • كوني موجوداً يتبع من كوني مفكراً
  • يستحيل أن أكون مفكراً ولا أكون موجوداً

ولأن الشرط في الجبر البولياني قد يقابله تعبير لفظي يخلو تماماً من أداة الشرط، ولأن ترتيب كتابة فعل الشرط وجواب الشرط لا يتبع نسقاً معيناً، يُشَكِّل استخلاص الشرط البولياني من اللغة تحدياً ليس بالقليل في الكثير من الأحيان.

الشرط (Material implication) في الجبر البولياني

يُعَبَّر عن الشرط في الجبر البولياني بالرمز \(\rightarrow\) الذي يبدأ عند المُقَدَّم وينتهي عند التالي، وفي هذا يختلف الشرط اختلافاً كبيراً عن المعاملات الثنائية التي ناقشتها في المقال السابق لأن الشرط له اتجاه، أما الاتصال والانفصال والانفصال الحصري فلا يؤثر في نتيجتها تغيير موضع المتغيرين المنطقيين. وجملة الشرط التي فيها المُقَدَّم هو المتغير \(p\) والتالي هو المتغير \(q\) يُعَبَّر عنها بالشكل \((p\rightarrow q)\) ويكون ناتج الربط بالشرط كاذباً إذا صدق المُقَدَّم وكذب التالي، ويكون صادقاً في كل الأحوال الأخرى. ويمكن الاستغناء عن الأقواس في بعض السياقات كما سأناقش في مقال لاحق. وفيما يلي جدول الصدق للشرط.

\(p\)\(q\)\((p\rightarrow q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)

يمكن للقارئ تطبيق هذا على مثال مقولة ديكارت بجعل المتغير \(p\) يعبر عن قضية ’أنا أفكر‘ والمتغير \(q\) يعبر عن قضية ’أنا موجود‘. الجملة الشرطية صادقة في حال صدق المُقَدَّم والتالي كما في الصف الأول في جدول الصدق، وهي كاذبة في حال صدق المُقَدَّم وكذب التالي والذي يعني أنني أفكر لكنني لست موجوداً (وهو أمر مستحيل) ويعبر عنه الصف الثاني في جدول الصدق، وهي صادقة أيضاً في حالة كذب المُقَدَّم بغض النظر عن قيمة التالي وهو ما يعبر عنه الصفان الثالث والرابع في جدول الصدق، فمن الممكن أن يكون الشيء (أو الشخص) موجوداً ولا يفكر، ومن الممكن أن يكون الشيء تخيلاً لا وجود له وبالتالي لا يفكر.

ناتج الربط بين قضيتين بالشرط في الجبر البولياني يكون كاذباً فقط إذا صدق المُقَدَّم وكذب التالي، ويكون صادقاً في كل الأحوال الأخرى.

الشرط في اللغة يستخدم للتعبير عن معان كثيرة، فقد يعبِّر عن مجرد تبعية جواب الشرط لفعله (وهو ما نفهمه من كلمة الشرط بالدرجة الأولى) مثل مقولة ديكارت السابقة ومثل ”إذا توفر لي المال الكافي سأشتري سيارة“، وقد يعني السببية مثل ”إذا أشرقت الشمس ارتفعت درجة الحرارة“، وقد يعبِّر عن الارتباط مثل ”إذا جاء الصيف كثر مرتادو الشواطئ“، وقد يعبِّر عن التوقع مثل ”إذا أمطرت السماء ستقل درجة الحرارة“، وقد يعبِّر عن الاستنتاج مثل ”إذا كان المصعد يعمل فالتيار الكهربي لم ينقطع“، وقد يعبِّر عن التكرار مثل ”كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً“، وقد يعبِّر عن التفسير مثل ”لو كنت جوعاناً لأكلت“. في كل الأحوال السابقة تتوافق جمل الشرط مع جدول الصدق في الشرط البولياني.

وبعض صيغ الشرط في اللغة لا يعبِّر عن شرط بولياني على الإطلاق. فمثلاً قول ”أشهد بالحق وإن أضرني ذلك“ ليس إلا تقريراً لحقيقة أنني أشهد بالحق دائماً بغض النظر عما قد يحيق بي من ضرر، وقولنا ”لو كان معي مال لساعدت به الفقراء“ هو تَمَنٍّ وليس شرطاً، فإذا كنت لا أملك المال فمن المستحيل أن أساعد ’به‘ (وهذه هي الكلمة التي تمنع كونه شرطاً بوليانياً) الفقراء ويكون الربط كاذباً في الصف الثالث في جدول الصدق أعلاه، مما يجعله غير مطابق لتعريف الشرط البولياني (لكنه مطابق للشرط الثنائي كما سأناقش لاحقاً).

الشرط في الجبر البولياني يخلو من المعنى، ولهذا يسمى أيضاً ’تَضَمُّناً‘ أو ’تَضَمُّناً مادياً‘ وتعريف العلاقة بين قضيتين على أنها شرط بولياني يعتمد فقط على جدول الصدق.

ولأن الجبر البولياني يفصل بين معنى القضية وبين دلالتها من جهة الصدق أو الكذب كما ناقشت في المقدمة، ولأن كل ما يؤثر في ناتج الجبر البولياني هو حالة الصدق أو الكذب، فالشرط في الجبر البولياني ليس كالشرط في اللغة، وهذا من أكثر الأمور التي تسبب التباساً. الشرط في الجبر البولياني يخلو من المعنى، وكل ما يحدد كون الربط بين قضيتين شرطاً أو خلاف ذلك هو جدول الصدق الخاص بهذا الربط. ولهذا فإن الشرط في الجبر البولياني يطلق عليه أحياناً التَضَمُّن (implication) بدلاً من الشرط (condition)، والتسمية راجعة إلى أن تحقق فعل الشرط يتضمن تحقق جوابه (وليس العكس، وأذكّر القارئ أن الشرط له اتجاه).

ولأن التضمُّن قد يعني عند القارئ وجود ارتباط في المعنى بين المُقَدَّم والتالي بينما مثل هذا الارتباط غائب في الجبر البولياني، يسمى أيضاً هذا النوع من الربط التضمُّن المادي (material implication) للتذكير بأنه يخلو من المعنى، وهذا ما نجده أحياناً في بعض الجمل الشرطية في اللغة التي تهدف إلى تقرير نفي كل من المُقَدَّم والتالي مثل ”إذا كانت أوراق النقد تنمو على الأشجار فالشمس تشرق ليلاً“.

الضرورة والكفاية (Necessity and sufficiency)

بالنظر فقط إلى الأحوال التي تكون فيها العلاقة الشرطية بين قضيتين في الجبر البولياني صادقة (الصفوف الأول والثالث والرابع في جدول الصدق) وإسقاط الحالة التي تكون فيها العلاقة الشرطية كاذبة (الصف الثاني) نحصل على جدول الصدق التالي. وما يمكن استنتاجه منه مرهون بافتراض صدق العلاقة الشرطية.

\(p\)\(q\)\((p\rightarrow q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)

إذا علمنا صدق المُقَدَّم \(p\) فهذا يحصرنا في الصف الأول فقط في الجدول السابق، وهو ما معناه أن التالي صادق، ولا توجد حالات أخرى. هذا معناه أن في حالة صدق العلاقة الشرطية يكون صدق المُقَدَّم كافياً ليصدق التالي. وإذا تساءلنا عن الحالات التي يكون فيها المُقَدَّم صادقاً (وهذا يختلف عن العلم بصدق المُقَدَّم) نجد أيضاً أننا محصورون في حالة واحدة فيها التالي صادق. هذا معناه أن في حالة صدق العلاقة الشرطية يكون صدق التالي ضرورياً ليصدق المُقَدَّم.

كمثال على ذلك، في العلاقة الشرطية المتمثلة في بيت الشعر ”إِذَا الشَّعْبُ يَوْمًا أَرَادَ الْحَيَاةَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَدَرْ“ من قصيدة إرادة الحياة للشاعر التونسي أبي القاسم الشابي، المُقَدَّم هو إرادة الشعب للحياة والتالي هو استجابة القدر، ويُفهَم من المعنى أن تحقق إرادة الشعب أمر كافٍ لتحقق استجابة القدر وأن تحقق استجابة القدر أمر ضروري متى تحققت إرادة الشعب، وتظهر ضرورة تحقق التالي بوضوح في قول الشاعر ’لا بد‘.

وبالنظر إلى جدول الصدق السابق وإلى الأحوال التي يُعرَف فيها صدق التالي، هل يكفينا ذلك لمعرفة صدق أو كذب المُقَدَّم؟ التالي يصدق في صفين والمُقَدَّم يصدق في أحدهما ويكذب في الآخر، وهكذا لا سبيل لنا إلى معرفة صدق أو كذب المُقَدَّم من معرفة صدق التالي، أي أن صدق التالي لا يكفي لمعرفة صدق المُقَدَّم. وبالنظر للأحوال التي قد يكون فيها التالي صادقاً، هل من الضروري أن يصدق المُقَدَّم؟ نجد أيضاً أن المُقَدَّم قد يصدق أو يكذب، أي أنه ليس من الضروري أن يصدق المُقَدَّم لكي يصدق التالي. استيعاب الفكرة جيداً يحتاج إلى قدر من التمرين، وأنصح القارئ بالتفكير في جمل شرطية مختلفة وتطبيق ما سبق عليها.

في العلاقة الشرطية البوليانية وبفرض أنها صادقة، يكون صدق المقدم شرطاً كافياً لصدق التالي، ويكون صدق التالي شرطاً ضرورياً لصدق المقدم.

ونجد علاقة شرطية مثلاً في بيت الشعر ”وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ وَيُذْمَمِ“ من معلقة الشاعر زهير بن أبي سلمى ويمكن صياغة البيت كالآتي ”إذا بخل ذو فضل بفضله على قومه فإنه يُستَغنى عنه ويكون مذموماً“، ويكون المُقَدَّم هو بخل ذو الفضل بفضله على قومه والتالي أنه يُستَغنى عنه ويكون مذموماً، وليس كافياً صدق التالي في هذه الحالة لتحقق صدق المُقَدَّم، فالعديد من الأسباب قد تجعل من الشخص مُستَغنى عنه ومذموماً، وليس من الضروري صدق المُقَدَّم لتحقق صدق التالي، فليس من الضروري أن يكون الشخص ذا فضل ويبخل على قومه بفضله لكي يكون مُستَغنى عنه ومذموماً منهم.

ولهذا يطلق على المُقَدَّم أيضاً الشرط الكافي (sufficient condition) للتالي، وعلى التالي الشرط الضروري (necessary condition) للمُقَدَّم. وأحيل القارئ إلى الطرق المختلفة التي أوردتها للتعبير عن مقولة ديكارت ”أنا أفكر، إذاً أنا موجود“ أعلاه ليراجع التعبير عن الشرط الضروري والشرط الكافي فيها. والفرق بين الضرورة والكفاية يتضح أكثر عند دراسة نفي الشرط.

نفي الشرط (Material non-implication)

نفي الشرط هو نوع آخر من الربط بين قضيتين منطقيتين في الجبر البولياني، ومثل معظم المعاملات في الرياضيات يُعَبَّر عن نفي العملية بالرمز نفسه المعبر عنها مع وضع شرطة مائلة عليه، ويُعَبَّر عن نفي الشرط في الجبر البولياني بالرمز \(\nrightarrow\). وجملة نفي الشرط التي فيها المُقَدَّم \(p\) والتالي \(q\) يعبر عنها بالشكل \((p\nrightarrow q)\) ويكون ناتج نفي الشرط صادقاً فقط إذا صدق المُقَدَّم وكذب التالي، ويكون كاذباً في كل الأحوال الأخرى. وفيما يلي جدول الصدق لنفي الشرط وينتج من استعمال النفي مع ناتج الشرط البولياني.

\(p\)\(q\)\((p\rightarrow q)\)\(\neg(p\rightarrow q)\)\((p\nrightarrow q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)

وقد يُعَبَّر لغوياً عن نفي الشرط بتكذيب الجملة الشرطية، فمثلاً جملة الشرط ”إذا كان الماء سائلاً فهو بارد للملمس“ جملة كاذبة، وبالتالي نفيها صادق (من قانون التفكير الثاني) والتعبير عنه يمكن أن يكون في صورة ”من الكذب أن الماء بارد للملمس إذا كان سائلاً“. ونعلم مما سبق أن المُقَدَّم هو الشرط الكافي والتالي هو الشرط الضروري، وهكذا يمكن أن نعبر عن نفي الشرط في صورة:

  • ليس كافياً أن يكون الماء سائلاً ليكون بارداً للململس
  • برودة الماء للململس ليست ضرورية لكونه سائلاً
  • سيولة الماء لا تحتم كونه بارداً للملمس

وكل ما سبق يعبر عن نفي كون المقدم شرطاً كافياً أو نفي كون التالي شرطاً ضرورياً، وهو ما يتفق مع مفهوم الضرورة والكفاية السابق الحديث عنه.

الشرط المعكوس (Converse implication)

الشرط المعكوس أو عكس الشرط هو جملة شرطية تبادل فيها المُقَدَّم والتالي أدوار الضرورة والكفاية. ويُعَبَّر عن الشرط المعكوس في الجبر البولياني بالرمز \(\leftarrow\) وهو سهم في الاتجاه المعاكس لرمز الشرط \(\rightarrow\)، والشرط المعكوس الذي فيه المُقَدَّم \(p\) والتالي \(q\) يُعَبَّر عنه بالشكل \((p\leftarrow q)\) ويكون ناتج الشرط المعكوس كاذباً فقط إذا كذب المقدم وصدق التالي (قارن بالشرط) ويكون صادقاً في كل الأحوال الباقية. وفيما يلي جدول الصدق للشرط المعكوس.

\(p\)\(q\)\((p\leftarrow q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)

والشرط المعكوس من \(p\) إلى \(q\) ما هو إلا شرط عادي من \(q\) إلى \(p\)، وهكذا فإن التالي \(q\) في الشرط المعكوس هو الشرط الكافي والمُقَدَّم \(p\) في الشرط المعكوس هو الشرط الضروري. وفي اللغة يُعَبَّر عن الشرط المعكوس كشرط عادي لكن مع تبديل قضية المُقَدَّم وقضية التالي مكان بعضهما البعض.

في الشرط المعكوس يتبادل المُقَدَّم والتالي الأدوار فيكون المُقَدَّم هو الشرط الضروري والتالي هو الشرط الكافي.

فمثلاً معكوس الجملة الشرطية ”إذا أشرقت الشمس فالوقت نهار“ هو الجملة الشرطية ”إذا كان الوقت نهار فالشمس أشرقت“. وفي المثال السابق تحديداً نجد أن المعنى يستقيم (لأنه شرط ثنائي كما سنرى لاحقاً) لكنه لا يستقيم في جميع الأحوال، فمثلاً معكوس الجملة الشرطية ”إذا عطشت أشرب“ هو الجملة الشرطية ”إذا شربت أعطش“ والمعنى في الشرط المعكوس لا يستقيم في هذه الحالة.

نفي الشرط المعكوس (Converse non-implication)

نفي الشرط المعكوس ينتج من استعمال معامل النفي مع ناتج الشرط المعكوس كما ناقشت في نفي الشرط، ويُعَبَّر عن نفي الشرط المعكوس في المنطق البولياني بالرمز \(\nleftarrow\)، ونفي الشرط المعكوس الذي فيه المُقَدَّم \(p\) والتالي \(q\) يعبر عنه بالشكل \((p\nleftarrow q)\) ويكون ناتج نفي الشرط المعكوس صادقاً إذا كذب المُقَدَّم وصدق التالي ويكون كاذباً في كل الأحوال الأخرى. وفيما يلي جدول الصدق لنفي الشرط المعكوس.

\(p\)\(q\)\((p\leftarrow q)\)\(\neg(p\leftarrow q)\)\((p\nleftarrow q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)

ولغوياً يُعَبَّر عن نفي الشرط المعكوس بطريقة مشابهة لطريقة التعبير عن نفي الشرط، مع الوضع في الاعتبار تبادل أدوار المُقَدَّم والتالي. والربط بالشرط المعكوس ونفيه لا يختلف عن الربط بالشرط ونفيه (بهذا الترتيب) إلا في تبادل أدوار الضرورة والكفاية للمقدم والتالي، ويمكن دائماً التعبير عن أحدهما في صورة الآخر.

الشرط الثنائي (Biconditional) أو التكافؤ (Equivalence)

الشرط الثنائي هو جملة شرطية تسري في الاتجاهين، وهو ناتج اتصال الشرط بالشرط المعكوس، وقد أعطيت مثالاً سابقاً على ذلك الجملة الشرطية ”إذا أشرقت الشمس فالوقت نهار“ والتي لا تفقد صدقها إذا عكسناها فقلنا ”إذا كان الوقت نهار فالشمس أشرقت“. وهكذا يساوي الشرط الثنائي بين المُقَدَّم والتالي ويصير كل منهما شرطاً كافياً للآخر وكذلك شرطاً ضرورياً له، وبالتالي ليس للشرط الثنائي اتجاه، ويعبر عنه بالرمز \(\leftrightarrow\) وهو سهم يسري في الاتجاهين، والربط بالشرط الثنائي بين المتغير \(p\) والمتغير \(q\) يعبر عنه بالشكل \((p\leftrightarrow q)\) ويكون ناتج الشرط الثنائي صادقاً فقط إذا اتفقت القضيتان في الصدق أو الكذب، ويكون كاذباً إذا لم تتفقا. وفيما يلي جدول الصدق للشرط الثنائي ونرى فيه كيف أنه ناتج اتصال الشرط والشرط المعكوس.

\(p\)\(q\)\((p\rightarrow q)\)\((p\leftarrow q)\)\((p\rightarrow q)\wedge(p\leftarrow q)\)\((p\leftrightarrow q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)

ونرى من الجدول السابق كيف أن الشرط الثنائي يصدق فقط في حال اتفاق القضيتين من حيث الصدق أو الكذب، وفي هذا فهو المكافئ المنطقي لعلاقة التساوي كما أن الانفصال الحصري هو المكافئ المنطقي لعلاقة عدم التساوي كما ناقشت في المقال السابق. ولهذا السبب يسمى الشرط الثنائي أيضاً ’التكافؤ‘ (equivalence) بين متغيرين منطقيين.

ناتج الربط بين قضيتين بالشرط الثنائي يكون صادقاً فقط إذا اتفقتا في الصدق أو الكذب، ويكون كاذباً إذا اختلفتا. وكل من القضيتين يكون الشرط الكافي والضروري للأخرى.

ولأن كل من المتغيرين في الشرط الثنائي يعد شرطاً كافياً وكذلك ضرورياً للآخر، فكل منهما يسمى الشرط الكافي والضروري (necessary and sufficient condition) للآخر. ومعنى الشرط الكافي والضروري أن صدق أحد القضيتين يستلزم صدق الأخرى وكذبها يستلزم كذب الأخرى. وكثيراً ما نجد في الرياضيات استخدام مصطلح الشرط الكافي والضروري، فمثلاً إذا كان \(x^2\lt9\) فإن \(-3\lt x\lt3\) وبالعكس، وهكذا نقول أن \(x^2\lt9\) شرط كافٍ وضروري ليكون \(-3\lt x\lt3\)، ونعبر عن ذلك رمزياً بالشكل \(x^2\lt9\leftrightarrow-3\lt x\lt3\).

الخلاصة

جملة الشرط التقليدية تتكون من أداة الشرط وجملة فعل الشرط وجملة جواب الشرط، وتلي جملة فعل الشرط أداة الشرط مباشرة. ليست كل جملة شرطية (conditional statement) في اللغة تصلح لتكون شرطاً في الجبر البولياني.

تسمى جملة فعل الشرط في المنطق المُقَدَّم (antecedent) وتسمى جملة جواب الشرط التالي (consequent)، وصدق المقدم يتبعه صدق التالي.

الشرط في الجبر البولياني له اتجاه، ويكون كاذباً فقط في حالة صدق المُقَدَّم وكذب التالي، ويكون صادقاً في كل الأحوال الأخرى.

الشرط في الجبر البولياني يخلو من المعنى ويتم تعريفه عن طريق جدول الصدق. لهذا يسمى الشرط البولياني التَضَمُّن المادي (material implication). الشرط في اللغة يمكن أن يعبر عن كثرة من المعاني ولا يلزم أن تُصاغ هذه المعاني في صورة الشرط التقليدية، وهذا من أسباب صعوبة تطبيق الجبر البولياني على الشرط اللغوي.

المُقَدَّم في العلاقة الشرطية البوليانية هو الشرط الكافي (sufficient condition) للتالي، والتالي هو الشرط الضروري (necessary condition) للمُقَدَّم، ويمكن التعبير عن الشرط البولياني بكفاية أو ضرورة صدق قضية لصدق أخرى. نفي الشرط (non-implication) ينفي كفاية المُقَدَّم وضرورة التالي.

الشرط المعكوس (converse implication) ونفيه (converse non-implication) يمكن التعبير عنهما بالشرط العادي ونفيه (بهذا الترتيب) ويختلفان عنهما في تبادل المُقَدَّم والتالي لأدوار الضرورة (necessity) والكفاية (sufficiency).

الشرط الثنائي هو اتصال الشرط والشرط المعكوس بين قضيتين، ويكون صادقاً إذا اتفقت القضيتان في الصدق أو الكذب وكاذباً إذا اختلفتا. الشرط الثنائي ليس له اتجاه، وهو المكافئ المنطقي للتساوي. في الشرط الثنائي تكون كل من القضيتين شرطاً ضرورياً وكافياً (necessary and sufficient condition) للأخرى.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...