بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)


المقال السابق: ’الجبر البولياني: مقدمة‘


ناقشت في المقال السابق المعاملات المنطقية وأنواعها، وكل معامل منطقي يعبر عن عملية منطقية (logical operation) واحدة فقط، فمعامل النفي يعبر عن عملية النفي ومعامل الاتصال عن عملية الاتصال وهكذا. والمعامل الأحادي الوحيد هو معامل النفي، أما المعاملات الثنائية فتربط بين متغيرين منطقيين، وتوجد ١٦ طريقة مختلفة للربط بين أي متغيرين منطقيين \(p\) و \(q\)، لكن الطرق الستة الآتية يمكن اختزالها ولهذا فهي عديمة الأهمية (trivial):

  1. طريقة ينتج عنها الصدق في كل الأحوال وتسمى ’تكرار المعنى‘ أو ’التوتولوجيا‘ (tautology)
  2. طريقة ينتج عنها الكذب في كل الأحوال وتسمى ’التناقض‘ (contradiction)
  3. طريقة يكون ناتجها مطابقاً لقيمة المتغير المنطقي \(p\) (affirming the first)
  4. طريقة يكون ناتجها مطابقاً لقيمة المتغير المنطقي \(q\) (affirming the second)
  5. طريقة يكون ناتجها مطابقاً لخلاف قيمة المتغير المنطقي \(p\) (negating the first)
  6. طريقة يكون ناتجها مطابقاً لخلاف قيمة المتغير المنطقي \(q\) (negating the second)

هذا يتركنا فقط مع ١٠ طرق ربط (عمليات منطقية) ذات أهمية وهي:

رموز المعاملات البوليانية
  1. الاتصال (conjunction)
  2. الانفصال (disjunction)
  3. الانفصال الحصري (exclusive disjunction)
  4. الشرط (material implication)
  5. نفي الشرط (material non-implication)
  6. الشرط المعكوس (converse implication)
  7. نفي الشرط المعكوس (converse non-implication)
  8. الشرط الثنائي (biconditional)
  9. نفي الاتصال (joint denial)
  10. نفي الانفصال (alternative denial)

في هذا المقال سأناقش النفي والاتصال والانفصال والانفصال الحصري، أما الشرط بأنواعه فسأناقشه في مقال لاحق لتشابه وارتباط أنواع الشرط ببعضها، أما نفي الاتصال ونفي الانفصال فسأرجئه للنهاية وربما تجنبته تماماً لأنه ليس ضرورياً لاستخدام الجبر البولياني، وإنما يعلب دوراً أهم في مجال الحاسبات الآلية.

وقد آثرت أن يكون كل ما يحتوي على رموز رياضية فقط—سواء كان جدولاً أو غير ذلك—مقروءًا من اليسار إلى اليمين، وذلك لعدم معرفتي بتقنيات كافية للتعبير عن الرياضيات بشكل مريح بالحروف العربية ومن اليمين إلى اليسار، وأن يكون كل ما فيه جمل عربية مقروءًا من اليمين إلى اليسار ليتماشى مع اتجاه قراءتها. وفي حالة ضرورة الالتجاء إلى المزج بين العربية وبين الرموز الرياضية تُقرَأ الكلمات العربية من اليمين إلى اليسار والرموز الرياضية من اليسار إلى اليمين، وقد حاولت تجنب هذا المزج قدر الإمكان.

النفي (Negation)

معامل النفي في الجبر البولياني يعبر عنه بالرمز \(\neg\) ويُكتَب قبل المتغير المنطقي مباشرة، فإذا كان المتغير المنطقي \(p\) يكون نفيه \(\neg p\) ويكون لناتج نفي المتغير المنطقي قيمة مخالفة لقيمة المتغير المنطقي، فإذا كان المتغير يعبر عن قضية صادقة كان الناتج كاذباً، وإذا كان يعبر عن قضية كاذبة كان الناتج صادقاً.

جداول الصدق هي جداول تعبر عن كل القيم الممكنة لناتج دخول معامل منطقي أو أكثر على متغير منطقي أو أكثر.

وفي الجبر البولياني نعبر عن قيمة الناتج من دخول معامل منطقي (أو أكثر) على متغير منطقي (أو أكثر) بجداول نسميها جداول الصدق (truth tables)، وفيما يلي جدول الصدق لمعامل النفي. وقد آثرت استخدام الرمز اللوني (color coding) في جداول الصدق، فالقيمة الصادقة باللون الأزرق والكاذبة بالأحمر، وذلك لتسهيل إدراك معاني الرموز على القارئ، لكن الرمز اللوني غير ضروري في الجبر البولياني.

\(p\)\(\neg p\)\(\neg(\neg p)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)

ونلاحظ أن قيمة الناتج من نفي \(\neg p\) مكافئة لقيمة المتغير الأصلي \(p\)، وهو ما نعبر عنه بالقول الشائع ”نفي النفي إثبات“، والأقواس في التعبير \(\neg(\neg p)\) ليست ضرورية وإنما استعملت للتوضيح، ويمكن أن يكتب نفي النفي في صورة \(\neg\neg p\).

في التعبير اللغوي عن القضية المنطقية، دخول معامل النفي على المتغير المنطقي \(p\) يعادل التعبير عن نقيض القضية التي يعبر عنها هذا المتغير. على سبيل المثال:

\(p\)\(\neg p\)

القاهرة عاصمة مصرالقاهرة ليست عاصمة مصر
الدرفيل يعيش في البحار فقطالدرفيل لا يعيش في البحار فقط
لا أحد يحب الحريةالكل يحب الحرية
كل الشموس نجومليس من الشموس ما هو نجم

ويجب الانتباه إلى معنى النقيض، فهو ليس فقط المختلف، وقد ناقشت هذا بتفصيل أكثر في حديثي عن قانون التفكير الثاني.

ولا يلزم أن يدخل معامل النفي على قضية بسيطة فقط، بل يمكن أن يدخل على قضية مركبة، والقضية البسيطة يعبر عنها في الجبر البولياني متغير منطقي واحد، والقضية المركبة يعبر عنها عدد من المتغيرات المنطقية مرتبطة ببعضها بمعاملات ثنائية (وقد يدخل على بعضها معاملات أحادية).

ناتج نفي القضية يكون صادقاً إذا كانت كاذبة ويكون كاذباً إذا كانت صادقة.

وجرى العرف في المنطق البولياني على أن المتغير المنطقي يعبر عن قضية موجبة (affirmative proposition) وتعبر عنها جملة تثبت شيئاً أو تقرر صفة لشيء (مثل قضية ’القاهرة عاصمة مصر‘)، وهذا بخلاف القضية السالبة (negative proposition) التي تنفي شيئاً أو تنزع صفة ما عن شيء (مثل قضية ’القاهرة ليست عاصمة مصر‘)، وذلك لأن نفي النفي إثبات كما رأينا، واستعمال معامل النفي مع متغير \(p\) يعبر عن قضية سالبة يجعل من \(\neg p\) مكافئاً لقضية موجبة، لكن في الجبر البولياني المتغير نفسه يرمز له بحرف واحد فقط، ولا سبيل للمستخدم إلى معرفة أن هذا الحرف يعبر عن قضية سالبة، فإذا سبقه معامل النفي أُعطِي المستخدم إيحاء خاطئاً أن \(\neg p\) يعبر عن قضية سالبة، ولأن الغرض من استخدام المنطق الرياضي التخلص من الالتباس، يكون من الأفضل استعمال المتغيرات المنطقية للتعبير عن قضايا موجبة. هذا تفضيل وليس ضرورة.

الاتصال (Conjunction)

يُعَبّّر عن معامل الاتصال في الجبر البولياني بالرمز \(\wedge\) ويوضع بين المتغيرين الذين يربط بينهما، واتصال المتغير \(p\) بالمتغير \(q\) يُعَبّّر عنه بالشكل \((p\wedge q)\) ويربط معامل الاتصال بين متغيرين منطقيين فتكون قيمة الناتج صدقاً فقط إذا كانا كلاهما صادقاً، وتكون كذباً في كل الأحوال الأخرى. واستخدام الأقواس في هذه الحالة هو الأساس، لكن يجوز إهماله في بعض الحالات كما سأناقش في مقال لاحق. وفيما يلي جدول الصدق لعملية الاتصال.

\(p\)\(q\)\((p\wedge q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)

واجتماع قضيتين هو أن يكونا صادقتين معاً، وعليه فإن ناتج الاتصال يكون صادقاً إذا اجتمعت القضيتان اللتان يربط بينهما ويكون كاذباً في غير ذلك من الأحوال. وتسمية ’الاتصال‘ من وجوب أن تتصل القضيتان في صدقهما لكي يكون الرابط بينهما صادقاً كما نرى في جدول الصدق. وكما سأناقش في مقال لاحق، اتصال أكثر من قضيتين يكون صادقاً فقط في حال اجتماع كل القضايا ويكون كاذباً في كل الأحوال الأخرى، فاتصال الصدق بين القضايا واجب لتحقيق صدق ناتج الاتصال المنطقي مهما كان عدد القضايا.

ناتج الاتصال بين قضيتين يكون صادقاً فقط في حالة صدق القضيتين معاً، ويكون كاذباً في كل الأحوال الأخرى.

للتعبير عن الاتصال باللغة الطبيعية عادة ما يستخدم حرف العطف ’و‘، لكن يمكن التعبير عنه بطرق أخرى، فعلى سبيل المثال، كل الآتي يعبر عن اتصال القضية المنطقية ’التفاح من الفواكه‘ والقضية المنطقية ’القط من الثدييات‘.

  • التفاح من الفواكه والقط من الثدييات
  • التفاح من الفواكه وكذلك القط من الثدييات
  • القط من الثدييات كما أن التفاح من الفواكه
جدول الصدق لاتصال قضية ’التفاح من الفواكه‘ وقضية ’القط من الثدييات‘
’التفاح من الفواكه‘’القط من الثدييات‘’التفاح من الفواكه والقط من الثدييات‘
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)

وتحديد إذا ما كان الربط بين قضيتين اتصال أم خلاف ذلك مسؤولية مستخدم المنطق كما سبق الذكر، والأساس في هذا التحديد هو تعريف الاتصال كما في جدول الصدق، فإذا تحقق صدق الربط بينهما وكانت إحداهما كاذبة فالربط في هذه الحالة ليس اتصالاً.

فمثلاً، قولنا ”القمر لا يُرَى والشمس في كبد السماء“ قد يكون اتصالاً وقد لا يكون كذلك على حسب المعنى المفهوم من الجملة، فإذا كانت تقريراً للواقع—أي أنني أقرر أن القمر لا يُرَى الآن وأن الشمس في كبد السماء الآن—فهو اتصال، وفي هذه الحالة فالسياق هو الوقت الحاضر ويجب حصر أي استنتاج في هذا السياق، أما إذا كان المعنى المفهوم من الجملة هو التعميم فالربط شرطي وليس اتصالاً، وتُفهَم الجملة على أنها مكافئة لجملة ”إذا كانت الشمس في كبد السماء فالقمر لا يُرَى“، وفي هذه الحالة قد يصدق أن القمر لا يرى ولا يصدق أن الشمس في كبد السماء وتكون القضية المركبة غير كاذبة (أي صادقة)، فالقمر لا يُرَى في المحاق ولا يُرَى لكثافة الغيوم.

جدول الصدق لتعميم المعنى من قضية ’القمر لا يُرَى والشمس في كبد السماء‘. لاحظ أن الجدول يختلف عن جدول الصدق للاتصال المنطقي.
’القمر لا يُرَى‘’الشمس في كبد السماء‘’القمر لا يُرَى والشمس في كبد السماء‘
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)

وبوجه عام يضع الاتصال المنطقي شروطاً قاسية لصدق الربط بين القضايا المنطقية لأنه يتطلب أن تجتمع كلها لكي يصدق الربط، وغالباً ما يستخدم الاتصال المنطقي للتعبير عن وجوب شيئين أو أكثر لا عن التخيير بين أشياء. وعملية الاتصال في المنطق مشابهة لعملية التقاطع (intersection) في نظرية المجموعات (set theory)، بل إن تعريف التقاطع في نظرية المجموعات يعتمد على الاتصال المنطقي.

الانفصال (Disjunction)

يُعَبَّر عن معامل الانفصال في الجبر البولياني بالرمز \(\vee\)، وانفصال المتغير \(p\) عن المتغير \(q\) يُعَبَّر عنه بالشكل \((p\vee q)\) ويربط معامل الانفصال بين متغيرين منطقيين فتكون قيمة الناتج كذباً فقط إذا كانا كلاهما كاذبين، وتكون صدقاً في كل الأحوال الأخرى. واستخدام الأقواس في هذه الحالة هو الأساس، لكن يجوز إهماله في بعض الحالات كما سأناقش في مقال لاحق. وفيما يلي جدول الصدق لعملية الانفصال.

\(p\)\(q\)\((p\vee q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)

وارتفاع قضيتين هو أن يكونا كاذبتين معاً، وعليه فإن ناتج الانفصال يكون كاذباً إذا ارتفعت القضيتان اللتان يربط بينهما ويكون صادقاً في غير ذلك من الأحوال. وتسمية ’الانفصال‘ من أن صدق كل قضية بشكل منفصل يؤدي إلى صدق الناتج، ونرى ذلك في جدول الصدق للانفصال. وكما سأناقش في مقال لاحق، انفصال أكثر من قضيتين يكون كاذباً فقط في حال ارتفاع جميع القضايا ويكون صادقاً في كل الأحوال الأخرى، فصدق كل قضية منفصلة عن غيرها من القضايا يكفي لتحقيق صدق ناتج الانفصال المنطقي مهما كان عدد القضايا.

ناتج انفصال قضيتين يكون كاذباً فقط في حالة كذب القضيتين معاً، ويكون صادقاً في كل الأحوال الأخرى.

للتعبير عن الانفصال باللغة الطبيعية عادة ما يستخدم حرف العطف ’أو‘، لكن يمكن التعبير عنه بطرق أخرى. في قول مثل ”أدفع العدوان عن وطني أو أموت في سبيل ذلك“، يمكن أن تصدق القضية الأولى (دفع العدوان عن الوطن) وتكذب الثانية (عدم موت المدافع) أو تكذب الأولى (فشل دفع العدوان عن الوطن) وتصدق الثانية (موت المدافع) وقد تجتمع القضيتان، لكن المفهوم من جملة مثل هذه أن ارتفاع القضيتين غير مقبول (أمر كاذب) وأن القائل لن يرضى إلا بتحقق إحداهما. وهكذا فالتعبير انفصال منطقي.

جدول الصدق لانفصال قضية ’أدفع العدوان عن وطني‘ وقضية ’أموت في سبيل ذلك‘
’أدفع العدوان عن وطني‘’أموت في سبيل ذلك‘’أدفع العدوان عن وطني أو أموت في سبيل ذلك‘
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)

وما زال المستخدم مسؤولاً عن فهم المعنى. فمثلاً، إذا أردت أن تعرف اختياراتك الممكنة من قائمة الأشربة في أحد المقاهي، وسألت النادل عن المتاح فأجاب ”شاي وقهوة وسحلب وزنجبيل ومشروبات غازية“ فهل معنى ذلك اتصال أم انفصال؟ الأمر يتوقف على ما تريد التعبير عنه. إذا كان المراد التعبير عنه هو المتاح في المقهى فالربط اتصال، لأن كلام النادل لا يصدق إلا إذا كانت هذه جميعها متاحة فعلاً في المقهى، أما إذا كان المراد التعبير عنه هو ما ستطلبه لتشرب فالربط انفصال، إذ لا يتحتم عليك أن تطلب هذه جميعها وإنما تكفي واحدة منها فقط. لاحظ أن التعبير اللفظي هنا استعمل فيه حرف العطف ’و‘ الذي غالباً ما يقترن بعملية الاتصال.

فماذا عن قولنا ”تسافر من القاهرة إلى الإسكندرية بالقطار أو بالسيارة“؟ هل هذا يعد انفصالاً؟ الربط يصدق إذا صدقت القضية الأولى وسافرت بالقطار، ويصدق أيضاً إذا صدقت القضية الثانية وسافرت بالسيارة، لكن هل يمكن أن تجتمع القضيتان؟ بمعنى هل يمكن أن تسافر من القاهرة إلى الإسكندرية بالقطار وكذلك بالسيارة في نفس السياق (نفس الوقت)؟ الربط السابق لا يعبر عن انفصال منطقي، لأن اجتماع القضيتين مستحيل (أي كاذب)، وهو ما لا يتفق مع تعريف الانفصال من جدول الصدق. هذا النوع من الربط هو الانفصال الحصري الذي أناقشه لاحقاً.

جدول الصدق المعبر عن القضية المركبة ’تسافر من القاهرة إلى الإسكندرية بالقطار أو بالسيارة‘. لاحظ أن الجدول يختلف عن جدول الصدق للانفصال المنطقي.
’تسافر بالقطار‘’تسافر بالسيارة‘’تسافر بالقطار أو بالسيارة‘
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)

وقد يقول قائل إن السفر من القاهرة إلى الإسكندرية ممكن بالطائرة أيضاً أو بالحافلة، وهكذا يمكن تحقق السفر من القاهرة إلى الإسكندرية مع ارتفاع كل من القضيتين ’تسافر بالقطار‘ و’تسافر بالسيارة‘. والخلط هنا يكمن في تعريف القضية المنطقية التي يعبر عنها المتغير البولياني، فالمتغير الأول يعبر عن ’السفر من القاهرة إلى الإسكندرية بالقطار‘ والثاني يعبر عن ’السفر من القاهرة إلى الإسكندرية بالسيارة‘، ونزع وسيلة السفر عن فعل السفر يغير معنى القضية المنطقية التي يعبر عنها المتغير المنطقي إذ أنه لا يعبر عن فعل السفر في حد ذاته وإنما عن وسيلته كذلك، وقد ناقشت في المقال السابق أهمية استعمال المعنى ذاته للمتغير المنطقي داخل نفس السياق. وفي واقع الأمر القضيتان في هذه الحالة ليستا بسيطتين، وأترك للقارئ تحليلهما إلى قضايا أبسط مع الربط بينها كتمرين.

وبوجه عام يضع الانفصال المنطقي شروطاً متساهلة جداً لصدق الربط بين القضايا المنطقية لأن صدق واحدة منها على الأقل يكفي لتحقق صدق الربط، وغالباً ما يستخدم الانفصال المنطقي للتعبير عن التخيير بين شيئين أو أكثر، ويمكن أن يشمل الاختيار جميعها، ولا يلزم أن يقتصر على أحدهما أو بعضها، لكن يلزم اختيار أحدها على الأقل. وعملية الانفصال في المنطق مشابهة لعملية الاتحاد (union) في نظرية المجموعات، بل إن تعريف الاتحاد في نظرية المجموعات يعتمد على الانفصال المنطقي.

الانفصال الحصري (Exclusive disjunction)

يُعَبَّر عن معامل الانفصال الحصري في الجبر البولياني بالرمز \(\oplus\)، والانفصال الحصري للمتغير \(p\) عن المتغير \(q\) يُعَبَّر عنه بالشكل \((p\oplus q)\) ويربط معامل الانفصال الحصري بين متغيرين منطقيين فتكون دلالة الناتج صادقة إذا اختلف المتغيران في قيمتهما، وتكون كاذبة إذا اتفقا في قيمتهما. وفيما يلي جدول الصدق لمعامل الانفصال الحصري.

\(p\)\(q\)\((p\oplus q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)

وتسمية هذا النوع من الربط بالانفصال ’الحصري‘ ترجع إلى حصر صدق ناتج الربط في وجوب انفصال القضيتين، أي أن اجتماع قضيتين ينتج ربطاً كاذباً في حالة الانفصال الحصري. ولأن اختلاف قيمة المتغيرين هو فقط ما ينتج ربطاً صادقاً، يمكن النظر إلى الانفصال الحصري على أنه عدم التساوي بين متغيرين منطقيين، فمثلاً في الرياضيات عموماً التعبير \(x\neq y\) يكون صادقاً فقط إذا كانت قيمة المتغير \(x\) تختلف عن قيمة المتغير \(y\)، ولأن الجبر البولياني فيه قيمتان فقط، فاختلاف قيمة المتغير \(p\) عن قيمة المتغير \(q\) يعني بالضرورة أن أحدهما صادق والآخر كاذب، وهكذا يكون التعبير \(p\neq q\) مكافئاً للتعبير \((p\oplus q)\)، ولأن وجود رمزين للتعبير عن نفس الشيء لا داعي له، يستخدم الانفصال الحصري بمعنى عدم التساوي بين متغيرين منطقيين.

ناتج الانفصال الحصري بين قضيتين يكون صادقاً إذا كانت إحداهما صادقة والأخرى كاذبة، ويكون كاذباً إذا اتفقتا في الصدق أو الكذب.

وكما ذكرت فيما سبق، يمكن التعبير عن الانفصال الحصري باستخدام حرف العطف ’أو‘، ويمكن فهم أن الانفصال حصري من معنى القضيتين، وإذا كان المعنى لا يُفهَم بالضرورة من القضيتين يضاف إلى الجملة ما يؤكد هذا المعنى. فمثلاً، الانفصال الحصري بين قضية ’تشتري حلوى‘ وقضية ’تشتري طعاماً‘ يمكن التعبير عنه ”بقول تشتري حلوى أو تشتري طعاماً وليس كلاهما“. وفي اللغة العربية يمكن التعبير عن الانفصال الحصري باستخدام ’إما... وإما...‘، ففي المثال السابق يجوز القول ”إما تشتري حلوى وإما تشتري طعاماً“، ولفظة ’إما‘ في معاجم اللغة تستعمل للتخيير ولا تعني بالضرورة اختياراً واحداً فقط من كثير، لكنني وجدت استعمالها الشائع يتفق مع اختيار واحد فقط كما ناقشت في الحديث عن قانون عدم التناقض.

يراعى أن الربط بين أكثر من متغيرين بشكل متسلسل بمعامل الانفصال الحصري لا يعني بالضرورة أن أحدها فقط صادق. وأعني بالربط المتسلسل بين المتغيرات المنطقية \(p,q,r,s\) تركيباً منطقياً مثل \(p\oplus q\oplus r\oplus s\). مثل هذا الاستعمال للانفصال الحصري يكون ناتجه صادقاً إذا كان عدد المتغيرات الصادقة فردياً، ويكون ناتجه كاذباً إذا كانت عدد المتغيرات الصادقة زوجياً. ولن أتطرق أكثر من ذلك للانفصال الحصري في هذا المقال، فما كنت أود التأكيد عليه هو أنه يختلف تماماً عن الانفصال من الجهة المنطقية وإن كانا قد يتشابهان في أسلوب التعبير اللفظي، ويجب على مستخدم الجبر البولياني أن يكون حريصاً لكي لا يخلط بينهما.

الخلاصة

يوجد معامل بولياني أحادي واحد وهو معامل النفي، وتوجد عشرة طرق ذات قيمة (non-trivial) تقابلها عشرة معاملات ثنائية للربط بين متغيرين منطقيين، ناقشت منها في هذا المقال الاتصال والانفصال والانفصال الحصري.

المتغير المنطقي في الجبر البولياني يعبر عن قضية منطقية (يفضل أن تكون بسيطة وموجبة لتجنب الوقوع في أخطاء)، وقيمة المتغير هي دلالة القضية من جهة الصدق أو الكذب.

معامل النفي يدخل على متغير منطقي واحد فيكون الناتج خلاف قيمة هذا المتغير، فإذا كان صدقاً يكون الناتج كذباً والعكس صحيح.

معامل الاتصال يربط بين متغيرين منطقيين فتكون قيمة الربط صادقة فقط إذا كان المتغيران كلاهما صادقاً، وتكون كاذبة في كل الأحوال الأخرى. يمكن استعمال معامل الاتصال للربط المتسلسل بين أكثر من متغيرين، وتكون قيمة الربط صادقة فقط إذا كانت كل المتغيرات صادقة، وتكون كاذبة في كل الأحوال الأخرى. الاتصال غالباً ما يستخدم في التعبير عن وجوب شيئين أو أكثر.

معامل الانفصال يربط بين متغيرين منطقيين فتكون قيمة الربط صادقة إذا كان أحدها على الأقل صادقاً، وتكون كاذبة إذا كانت كلها كاذبة. يمكن استعمال معامل الانفصال للربط المتسلسل بين أكثر من متغيرين، وتكون قيمة الربط صادقة إذا كان أحدها على الأقل صادقاً، وتكون كاذبة إذا كانت كلها كاذبة. الانفصال غالباً يستخدم في التخيير بين شيئين أو أكثر، على أن يلزم اختيار أحدها على الأقل ويمكن اختيار أكثر من واحد منها أو جميعها.

معامل الانفصال الحصري يربط بين متغيرين منطقيين فتكون قيمة الربط صادقة إذا اختلف المتغيران في قيمتهما وتكون كاذبة إذا اتفقا. الانفصال الحصري بين متغيرين يكافئ عدم التساوي بينهما في القيمة المنطقية. إذا استعمل الانفصال الحصري للربط المتسلسل بين أكثر من متغيرين تكون قيمة الربط صادقة إذا كان عدد المتغيرات الصادقة فردياً وتكون كاذبة إذا كان العدد زوجياً.

في جميع الأحوال، عبء فهم المعنى يقع بالكامل على مستخدم المنطق البولياني ولا توجد ألفاظ تحتم نوعاً من الربط المنطقي، بل يجب التفكير في كل حالة على حدة والرجوع إلى جداول الصدق الخاصة بالعمليات البوليانية لتحديد نوع الربط.


المقال التالي: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)‘


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...