بحث هذه المدونة الإلكترونية

سلوك التهام البراز في الحيوان

قد يتقزز بعض القراء من أجزاء من محتوى هذا المقال أو من كل محتواه، لذا وجب التنويه.

سلوك التهام البراز (coprophagy) موجود في عالم الحيوان بشكل ليس بالقليل، وهو يتراوح من سلوك دائم لبعض أنواع الحيوانات يوجد في كل أفراد النوع أو في الغالبية العظمى منهم، إلى سلوك نادر في بعض الأنواع الأخرى، لكن بوجه عام تمت ملاحظته في الكثير من الأنواع في عالم الحيوان. ويقسم هذا السلوك على حسب علاقة الحيوان الملتهم للبراز بالحيوان المنتج له، فإذا كان يلتهم برازه هو نفسه سمي التهام البراز الذاتي (autocoprophagy) وإذا كان يلتهم براز غيره من الحيوانات سمي التهام البراز الخَيْفي (allocoprophagy) فإذا كانت هذه الحيوانات الأخرى محصورة على نوعه تحديداً سمي التهام البراز المناوع (conspecific coprophagy).

وأحياناً تُقارَن بعض السلوكيات الموجودة في الحيوان بسلوكيات مشابهة في الإنسان بغرض الوصول إلى استنتاج أن انتشار سلوك معين بين عدد كبير من أنواع الحيوانات يعني بالضرورة أنه ’طبيعي‘ في الإنسان، أو يعني بالضرورة أنه حتمية بيولوجية لا مفر منها ولا سبيل إلى تغييرها، وهو استنتاج فاسد، ولا أهدف في هذا المقال إلى مناقشة فساد هذا الاستنتاج من وجهة النظر المنطقية (والذي سأناقشه لاحقاً في مقال منفصل) وإنما إلى استعراض سلوك التهام البراز في الكائنات الحية المختلفة (ومنها الإنسان) وكذلك التفاسير المطروحة له، ولا أهدف إلى مناقشة الدوافع الحيوانية لهذا السلوك (والتي لا يزال معظمها محل تكهنات)، وإنما الغرض استخدام هذا السلوك كدليل على فساد الاستنتاجات السابقة وإيضاح أن مقارنة سلوك حيواني بسلوك البشر لا تجوز، وسأناقش في مقال لاحق أيضاً الأسباب التي أراها تفسد أمثال هذه المقارنات. وأشجع القارئ على مراجعة المصادر العلمية العديدة المذكورة في آخر المقال وغيرها من المصادر الموثوقة للتأكد من المعلومات والاستزادة إن أراد.

الحيوانات المائية

سمكة تأكل براز أخرى بمجرد تبرزه

جميع أنواع الحيوانات المائية (aquatic animals) تتبرز في الماء وتأكل من الماء، ولهذا فهي بالضرورة تأكل شيئاً من البراز الذي تتبرزه والذي يتبرزه غيرها، لكن من وجهة نظر علمية لا يندرج هذا تحت تعريف سلوك التهام البراز، إذ أن الأخير يتطلب أن يلتهم الكائن الحي عمداً البراز نفسه وليس الغذاء الملوث بالبراز.

أما من وجهة نظر عامة، فكل الكائنات المائية تأكل شيئاً من البراز من قبيل الضرورة. الكائنات المدرجة في تصنيف الأنواع يصل عددها إلى ١٫٢ مليون نوعاً، ويقدر أحد الأبحاث[i] عدد الأنواع التي تحيا في المياه المالحة (والتي لم يتم اكتشاف معظمها بعد) بحوالي ٢٫٢ مليون نوعاً، أي أننا يمكن بكل أريحية اعتبار أن هناك عشرات الآلاف من الحيوانات المائية التي تتبرز في الماء وتأكل منه.

زيبراسوما فيليفرم[1]
نيزو فلامينجيي[2]
ميلكثيس فيدوا[3]

لكن الكثير من الحيوانات المائية تلتهم البراز ليس من قبيل الضرورة وإنما عمداً. في دراسة[ii] مبنية على المشاهدة (observational study) أجريت عام ١٩٨٠ في الشعاب المرجانية (coral reefs) المجاورة لجزيرة بالاو (Palau) في المحيط الهادي، لاحظ الدارس إخراجاً للبراز في ٥٩٧٥ مرة من ٨٨ نوعاً مختلفاً من الأسماك، وفي حوالي ٥٤٪ من هذه المرات التهمت أنواع أخرى—لا تقل في عددها عن ٤٥ ومنها الأنواع الموجودة في الصور—ذلك البراز، ولاحظ أن التهام البراز المناوع كان شبه منعدم في هذه العينة.

قسم الباحث الأسماك في هذه الدراسة إلى أنواع يحتوي غذاؤها على نسبة عالية من الكربونات (high-carbonate diet) وتخرج برازاً باهت اللون يسقط إلى القاع بسرعة نظراً لثقله (كربونات الكالسيوم هي المكون الأعظم للحجر الجيري)، وأنواع يحتوي غذاؤها على نسبة قليلة من الكربونات (low-carbonate diet) وتخرج برازاً أخف يستغرق سقوطه إلى القاع فترة أطول بشكل ملحوظ. من المشاهدات التي سجلت في الدراسة، ١٧٥٢ كانت في أسماك يحتوي غذاؤها على كمية كبيرة من الكربونات، ومن تلك المشاهدات التُهِم البراز في ١٪ منها فقط، وهذا ليس بالأمر العجيب إذ تسقط إلى القاع بسرعة، والأسماك غالباً تلتهم ما يعلق بالماء وليس ما هو على القاع، وقد ناقش الباحث هذا الأمر في بحثه. وإذا استثنينا هذه المجموعة من المشاهدات، فإن نسبة البراز الذي التُهِم ترتفع إلى حوالي ٧٦٪ من المشاهدات.

الدراسة السابقة ليست الوحيدة في هذا المجال، والتهام أنواع من الأسماك لبراز أنواع أخرى أمر معروف، لكن ما يميز الدراسة السابقة عدد المشاهدات الكبير. الباحث ناقش الأسباب التي قد تدفع بعض أنواع الأسماك إلى التهام براز أنواع أخرى، لكن من الواضح أن السلوك متعمد لأن مجموعات الأسماك (schools of fish) من الأنواع الملتهمة للبراز تصاحب مجموعات الأسماك من الأنواع المخرجة له في الترحال.

والتهام البراز ليس مقصوراً على الأسماك، بل لوحظ[iii] أيضاً في اللافقاريات المائية (aquatic invertebrates) وهي الكائنات المائية التي لا يوجد لها عمود فقري (vertebral column) مثل الجمبري (shrimp)، ووجد أن بعضها التهم ما يعادل ٨٣٪ من وزنه من البراز على مدار ٤٨ ساعة. ليس ذلك فحسب، بل إن التهام البراز يُظَن[iv] أنه من أهم آليات تدوير المواد الغذائية (recycling of nutrients) في النظم البيئية المائية (aquatic ecosystems).

اللافقاريات البرية

ذبابة المرحاض[4]
خنفساء الروث[5]

اللافقاريات البرية (terrestrial invertebrates) هي الحيوانات التي ليس لها عمود فقري وتعيش على البر، ومن أمثلتها الحشرات.

غني عن الذكر أن الكثير من الحشرات تتغذى—في طورها اليافع أو في طور اليرقة—على براز الحيوانات[v] كما تتغذى على القمامة والجيف، ومنها الذبابة المنزلية (Musca domestica) وذبابة المرحاض (Chrysomya megacephala) والفصائل التي تعرف في العموم باسم الذباب الأزرق (Calliphoridae) وذباب اللحم (Sarcophaga)، وهذا مما يجعلها من أهم طرق انتشار العدوى وبالأخص للأمراض المعوية.

وليس الذباب فقط ما يتغذى على البراز، فهناك الصراصير (cockroaches) وهي أيضاً تعد من عوامل انتشار الأمراض المعوية[vi]، وهي بوجه عام كائنات قارتة (omnivores) تتغذى على ما يتوافر لها أياً كان، وفي المدن تعيش في أنظمة الصرف الصحي وتتغذى على البراز من ضمن ما تتغذى عليه.

بل إن هناك من أنواع الحشرات ما يتغذى بصفة أساسية أو بشكل حصري على الروث، ومن أمثلة ذلك خنافس الروث (dung beetles) الذي اكتسبت اسمها من التهامها للروث، وتحتوي هذه المجموعة من الحشرات على العديد من الأنواع. وبينما كل الكائنات السابق ذكرها تلتهم على براز كائنات أخرى، نجد أن حوريات حشرة أبي مقص الأوروبية (European earwig) تتغذى على براز الحوريات الأخرى في العش[vii].

الفقاريات البرية

الفقاريات البرية (terrestrial vertebrates) هي الكائنات التي لها عمود فقري وتعيش على البر، وهي أقرب للإنسان في شجرة الحياة من اللافقاريات، والكائنات المائية التي سبق الحديث عنها منها الفقاريات (مثل الأسماك) واللافقاريات (مثل القشريات كالجمبري)، وإذا كانت الظروف البيئية سبباً ممكناً لسلوك التهام البراز في الفقاريات المائية، فإنها بكل تأكيد ليست كذلك في الفقاريات البرية.

سنونو الشجر[6]
أبو الحناء الأمريكي[7]
العقاب المصري[8]

تخرج صغار العديد من أنواع الطيور برازاً محوطاً بطبقة من المخاط فيما يعرف باسم الحويصلات البرازية (faecal sacs) وتعمل الطيور اليافعة على إزالة هذه الحويصلات من العش، ويُظَن أن هذا السلوك يساعد على إبعاد الكائنات المفترسة. لكن بعض أنواع الطيور تأكل الأفراد اليافعة منها الحويصلات البرازية—أو البعض منها على الأقل—عوضاً عن مجرد إزالتها من العش.

في دراسة[viii] لطائر السمامة المألوفة (common swift) تم فيها تصوير ١٢ عشاً بكاميرات الفيديو على مدار ٦١٨ ساعة، لوحظ أن الطيور اليافعة كانت تبحث بشكل متعمد عن الحويصلات البرازية في الأعشاش وأنها التهمت براز صغارها ٣٤١ مرة أثناء فترة الملاحظة، وأن هذا السلوك قل بشكل ملحوظ مع ازدياد عمر الصغار، لكن قل كذلك عدد المرات التي تعاود فيها الطيور اليافعة العش والوقت الذي تقضيه في رعاية الصغار.

بحثت دراسة[ix] أخرى هذا السلوك في ثلاثة أنواع من الطيور هي سنونو الشجر (tree swallow) والشحرور أحمر الجناح (red-winged blackbird وأبو الحناء الأمريكي (American robin) ولوحظ سلوك مشابه لما سبق ذكره. في كل هذه الأمثلة في الطيور يعد التهام البراز مناوعاً (conspecific).

لوحظ[x] أن بعض أنواع الطيور مثل القرزبيل أبيض الجناح (white-winged crossbill) التهمت براز القضاعات (otters)، وفي هذا المقال يذكر الباحث أنواعاً وحالات أخرى مماثلة. وفي دراسة أخرى[xi] وجد أن طائر العقاب المصري (Egyptian vulture) المعروف عنه التهام روث الحيوانات ذوات الأظلاف (ungulates) قد يكون يمارس هذا السلوك للحصول على مركبات الكاروتين التي تعطي وجهة اللون الأصفر. في مثل هذه الحالات يصنف سلوك التهام البراز على أنه خيفي، وهو نادر في الطيور بخلاف التهام البراز المناوع.

وفي دراسة[xii] عن سلوك الرعي في صحراء وايوميج الحمراء (Wyoming Red Desert وجد أن النباتات المتاحة في البيئة تحتوي على نسبة من الفوسفور لا تكفي للاحتياجات اليومية للأبقار والخيول، وعلى الرغم من ذلك لم تظهر على أي منها أعراض نقص الفوسفور، وهو من العناصر المهمة جداً في عمليات الأيض (metabolism) في الحيوان. فسر الباحث عدم وجود ذلك النقص بلجوء هذه الحيوانات إلى التهام البراز لتعويض النقص الغذائي. والتهام براز الأم سلوك شائع في الخيول حديثي الولادة[xiii]، ويظن أن الدافع لذلك هو تأسيس نبتة بكتيريا في أمعاء الوليد لأن مثل هذه البكتريا مهمة لعملية الهضم، كما وجدت دراسة[xiv] أخرى أن الخيول اليافعة تظهر فيها ظاهرة التهام البراز الذاتي عند وجود نقص غذائي وتختفي عند إضافة مكملات غذائية.

لاحظت أيضاً دراسة[xv] أخرى أن غزلان سيكا (sika deer) المتعايشة في نفس المنطق الجغرافية مع قردة المكاك اليابانية (Japanese macaque monkeys) تلتهم براز القردة، ويُظَن أن الهدف من هذا السلوك الحصول على ما تبقى من المواد الغذائية في البراز، وهذا السلوك يصنف على أنه التهام براز خيفي (allocoprophagy).

الأبقار والغزلان والخيول كلها من ذوات الأظلاف (ungulates)، وهي أقرب إلى الإنسان في شجرة الحياة من الطيور، حيث أن الإنسان وذوات الأظلاف كلها من الثدييات، والفرق أن الغزلان والأبقار من ذوات الأظلاف مزدوجة الأصابع (Artiodactyla) بينما الخيول من ذوات الأظلاف فردية الأصابع (Perissodactyla). وعلى نفس الدرجة تقريباً من القرابة إلى الإنسان توجد آكلات اللحوم (Carnivora) والتي منها الكلبيات (Canidae).

كلب يلتهم برازه

في دراستين[xvi][xvii] أجريتا عن طريق استبيان جاوب عليه أصحاب الكلاب المنزلية (ويبدو أن الدراستين تشيران إلى نفس الاستبيان) اشتملتا على ٦٣٢ كلباً، وُجِد أن حوالي ٤٩٪ من الكلاب ظهر فيها سلوك التهام البراز مرة على الأقل وأن حوالي ٢٨٪ منها كان فيها السلوك ظاهراً وقت الدراسة، وأن هذا السلوك كان أشيع بدرجة محدودة في الإناث عن الذكور وفي الذكور المخصية عن غيرها، كما أنه ارتبط بشكل ملحوظ بأعراض القلق (anxiety) والميول الغذائية الغريبة (pica).

كما لوحظ أن السلوك لم يتأثر بنوع الكلب أو سنه (مما يستثني سلوك الفضول في الجراء)، ولا بوجوده بجوار المنزل أو بعيداً عنه (مما يستثني تحديد منطقة النفوذ كعامل مؤثر)، ولا بوجود كلاب أخرى أثناء التبرز أو التهام البراز (وهو عامل آخر متعلق بتحديد منطقة النفوذ)، ولا بالوقت الذي يقضيه الكلب خارج المنزل أو توافر الألعاب له (مما يستثني الملل كعامل مؤثر)، ولا بنوعية أو معدل إطعام الكلاب. كما لم يختلف تأثير استخدام نوعين مختلفين من المكملات الغذائية التجارية المطروحة في الأسواق عن بعض محاولات تعديل السلوك التي لم تستخدم أي مكملات غذائية.

أجريت دراسة أخرى مماثلة استخدمت استبيانين أظهر أحدهما أن ١٦٪ من إجمالي ١٥٥٢ كلباً ظهر فيها هذا السلوك ٦ مرات على الأقل، بينما تضمن الاستبيان الآخر فقط الكلاب التي ظهر فيها هذا السلوك ١٠ مرات على الأقل (أي بشكل أوضح من المجموعة الأولى) وأظهر أن حوالي ٥٧٪ من إجمالي ٢٥٦١ كلباً ظهر فيها هذا السلوك بشكل أسبوعي. واشترطت هذه الدراسة ألا تكون إناث الكلاب أمهات حديثة لها جراء، إذ أن بعض أنواع الكلبيات مثل القيوط (coyote) يظهر فيها سلوك التهام براز الجراء ويُظَن أن الغرض منه تنظيف العرين لتجنب الكائنات المفترسة أو تقليل فرصة إصابة الجراء بالعدوى المعوية. ووجدت الدراسة أن ١١ من المنتجات التجارية المطروحة في الأسواق كان تأثيرها شبه منعدم على تعديل هذا السلوك.

فوق الرئيسيات

أرنب[9]
خنزير غينيا[10]

الكائنات التي تصنف تحت فوق الرئيسيات (Euarchontoglires) هي من أقسام الثدييات المشيمية (placental mammals) أي التي تُكَوِّن أجنتها مشيمة أثناء الحمل، ومجموعة فوق الرئيسيات لا يربط بين أنواعها أي خصائص تشريحية (anatomical) أو شكلية (morphological)، وإنما يربط بينها تشابه في تركيب الحمض النووي (nucleic acid) الذي يكَوّن الجينات.

وبخلاف ما سبق الحديث عنه من الكائنات فإن فوق الرئيسيات أقرب إلى الإنسان من غيرها، وهذا من ضمن أسباب استخدامها في الأبحاث الدوائية، وتشمل هذه الكائنات رتبتي الأرنبيات (Lagomorpha) والقوارض (والتين أناقشهما في هذا القسم) كما تشمل الرئيسيات (Primates) التي منها الإنسان.

كل الحيوانات من الأرنبيات (كالأرانب كما هو واضح) والبعض من القوارض مثل خنازير غينيا (guinea pigs) والفئران (rats) تأكل عمداً بعض برازها[xix]. بعض هذه الحيوانات تعتمد في غذائها بشكل كبير على الألياف النباتية وهي صعبة الهضم، ولذلك يتجمع في جهازها الهضمي وتحديداً في منطقة الأعور (caecum) جزء من وجبتها الغذائية ويختلط بالخمائر والبكتريا التي تملك الإنزيمات القادرة على هضم الألياف النباتية وأهمها السليولوز (cellulose) وتحويلها لسكر الجلوكوز (glucose). هذه العملية تعرف باسم التخمر المعوي الخلفي (hindgut fermentation). وتخرج هذه الكائنات نوعين من البراز أحدهما كرات صغيرة جافة والآخر كرات رطبة نسبياً تسمى الغذاء الأعوري (caecotropes) وتلتهمها فور تبرزها لكي تستفيد بالألياف النباتية المهضومة التي تحتويها.

وليس هضم الألياف الفائدة الوحيدة من التخمر المعوي الخلفي، فالفئران مثلاً قد لا تعتمد في غذائها بشكل أساسي على الألياف، وقد وجد أن منع الأرنبيات والقوارض من التهام برازها نتج عنه نقص في المواد الغذائية بما فيها البروتينات والفيتامينات، ونتج عنه أيضاً تأخر في النمو. والقوارض لها آلية في التخمر المعوي الخلفي تختلف عن الأرنبيات[xx]، ويبدو أن الأخيرة آلياتها أكثر فعالية. الثابت أن هذا السلوك موجود في كل أنواع الأرنبيات والقوارض باستثناءات قليلة، وفي حالة وجوده في نوع ما فأنه يظهر في كل أفراد هذا النوع.

وعلى الرغم من أن التهام البراز في القوارض يبدو كأنه حتمية بيولوجية (biologically determined)، وعلى الرغم من أهميته الواضحة من جهة التغذية ووجوده في كل أفراد النوع، وجدت إحدى الدراسات[xxi] أن منع الفئران من التهام البراز لمدة ٤ أسابيع متواصلة مع توفير وجبة غذائية متكاملة لها نتج عنه ما يبدو كنسيان هذا السلوك، ففي اليوم الأول لرفع هذا المنع لم تلتهم الفئران برازاً على الإطلاق، وعادت لهذا السلوك بالتدريج على مدار ١٩ يوماً.

الرئيسيات

ليمر[11]
غوريلا[12]
شمبانزي[13]

الرئيسيات (primates) هي رتبة الحيوانات التي يندرج تحتها الإنسان والقردة وبعض الحيوانات القريبة مثل الليمر (lemur)، وسلوك التهام البراز يظهر في هذه الحيوانات أيضاً.

حيوان الليمر هو أبعدها عن الإنسان، والغوريلا (gorilla) أكثر قرباً وتشترك مع الإنسان في أسرة الإنسانيات (Homininae)، وأقربها للبشر هي القردة العليا من قبيلة أشباه البشر (Hominini) والتي تحتوي بالإضافة إلى الإنسان على جنس الشيمبانزي (Pan) والذي بدوره يحتوي على نوعين فقط من الكائنات وهما الشيمبانزي المألوف (Pan troglodytes) والبونوبو (bonobos).

في دراسة[xxii] مبنية على المشاهدة اجريت عامي ٢٠٠٣ و ٢٠٠٤ وتضمنت ٨٠ ساعة من الملاحظة وجد أن مجموعات من حيوان الليمر (عددها تراوح من ٩ إلى ١٢) تعمدت التهام براز البشر بالقرب من تجمع بشري في مدغشقر، واستمرت في فعل ذلك لفترات تراوحت من ٣ إلى ٣٨ دقيقة وبمتوسط ٢٣ دقيقة عام ٢٠٠٣ و ١٢ دقيقة عام ٢٠٠٤، ولوحظ أنها تنتقي قطع البراز الجافة لتلتهمها، كما لوحظ مرتين أنها التهمت روث الماشية ومرة أنها التهمت براز الكلاب. الدراسة اجريت في الموسم الجاف الذي يقل فيه الغذاء، ولوحظ أن أكثر الأفراد التي ظهر فيها هذا السلوك كانت تعاني من تساقط الأسنان.

أما في الغوريلا فقد وجدت دراسة[xxiii] نشرت عام ١٩٧٨ وتضمنت الآلاف من ساعات الملاحظة (ومن غير الواضح إذا ما كانت هذه الملاحظات مسجلة بالفيديو، ولكن أظنها ليست كذلك بسبب زمن إجراء الدراسة) أن التهام البراز حدث ٢٥ مرة في ٢١ يوماً مختلفاً، وفي ١٧ منها تمكن الباحثون من تحديد الحيوان المخرج للبراز، وفي ١٣ من هذه التهم الحيوان برازه هو نفسه (التهام براز ذاتي)، وفي ٤ مرات كانت الصغار تلتهم براز الكبار (التهام براز مناوع)، بل إن في ١١ من هذه المرات تبرز الحيوان في يده ثم التهم البراز فوراً.

في دراسة مبنية على المشاهدة[xxiv] تضمنت ٦ من حيوانات الشيمبانزي المألوف التي تم إنقاذها من الأسر واستمرت من ديسمبر ١٩٩٦ حتى يوليو ١٩٩٧ لوحظ أنها الفرد منها التهم برازه لعدد من المرات تراوح من ٢١٤ إلى ٥٠٤، وكان إجمالي عدد المرات في الأفراد الستة ١٩٧٣ مرة، ووجد أن هذا السلوك يزداد بازدياد نسبة نبات الدياليوم (Dialium) في غذاء الحيوانات، وكانت الحيوانات إما تلتهم برازها فوراً بعد إخراجه على يدها، أو تبحث فيه عن بذور الدياليوم لتأكلها، وبعض الحيوانات كان يأكل البراز المخرج بالكامل بينما البعض الآخر كان يأكل بعضه فقط.

ذكر غوريلا يتبرز في يده ليلتهم برازه

وفي دراسة[xxv] لاحقة مبنية على المشاهدة لحيوانات البونوبو أجريت على مدار ١٥٦ يوماً متفرقة وتضمنت ١١٤٢ ساعة من المشاهدة، وجد أن سلوك التهام البراز الذاتي حدث ٤ مرات، ويُظَن أن هذا السلوك متعلق برغبة الحيوان في أكل بذور نبات الدياليوم كما في حالة الشيمبانزي.

وفي دراسة[xxvi] تضمنت ٤٠ من حيوانات الشيمبانزي المألوف تحت ظروف الأسر (في حدائق الحيوان) وجد أن سلوك التهام الحيوان لبرازه ظهر في ٨٣٪ منها، وتراوح تكراره في ٣٠ ساعة من المشاهدة من مرة واحدة إلى ١٦ مرة، وكان هذا هو التغير الأشيع في سلوك الحيوانات تحت ظروف الأسر. وبينما يمكن أن يكون لهذا السلوك فائدة بيولوجية متعلقة بالتغذية في البيئة الطبيعية لهذه الحيوانات، لا يمكن تفسيره بهذا الشكل في ظروف الأسر، والتفسيرات المطروحة أنه إما سلوك ناتج عن الملل أو سلوك مكتسب تتعلمه الحيوانات من بعضها.

الإنسان

سلوك التهام البراز يعد بوجه عام من أعراض المرض العقلي في الإنسان، وتوجد العديد من تقارير الحالة (case reports) تناولت هذه الظاهرة في مرضى بعينهم، وعلى قدر علمي توجد دراستان مرجعيتان (retrospective studies) اشتملتا على أكثر من مريض لمقارنة هذا السلوك فيهم، أحدهما[xxvii] نشرت عام ١٩٨٥ وتضمنت ١٤ مريضاً والأخرى[xxviii] نشرت عام ٢٠١٦ وتضمنت ١٢ مريضاً.

وعادة يستثنى الأطفال الصغار من تعريف السلوك في الإنسان، إذ قد يعزى وجوده فيهم إلى الفضول وحب الاستكشاف، أما في الكبار فقد لوحظ هذا السلوك كعرض لبعض الأمراض مثل الخرف (dementia)، والذهان (psychosis) كما في حالات الفصام (schizophrenia)، وبعض حالات ضمور المخ (brain atrophy) باختلاف أسبابها، وبعض حالات الصرع (epilepsy) أو أورام المخ (brain tumours) أو التأخر العقلي (mental retardation) كما في بعض حالات متلازمة داون (Down syndrome).

وفي بعض الأحوال يرتبط البراز بالسلوك الجنسي غير المألوف، ففي بعض الأشخاص نجد أن التمسح بالبراز (faecal smearing) من التمائم الجنسية (sexual fetishes) وفي تقرير حالة[xxix] تحول أحد المرضى من التمسح بالبراز إلى التهامه مع ظهور أعراض اكتئاب عليه. وعلى قدر علمي لا توجد دراسات تحدد نسبة مثل هذا السلوك كتميمة جنسية—إن وجد—وهذا ليس بالأمر الغريب نظراً لخصوصية الجنس وندرة مثل هذا السلوك في الإنسان ولما قد يتضمنه السلوك من وصمة (stigma) وشعور بالعار (shame).

وسلوك التهام البراز في الإنسان ينتج عنه عدد من المخاطر الصحية التي قد تؤدي إلى الوفاة، ولكن يبدو أن الخوف من المخاطر الصحية ليس هو السبب في الندرة الفائقة لهذا السلوك في الإنسان العاقل ولكنه الشعور بالتقزز (disgust) والذي لا نجد له مثيلاً في عالم الحيوان، أو على الأقل لا نجد ما يدلل على وجوده. وليس الخطر الذي قد ينجم عن أي سلوك محدداً حتمياً لقبوله أو عدم قبوله في البشر، فالتدخين وتعاطي الكحوليات سلوكيات منتشرة على الرغم من ضررها الواضح والمثبت بالأدلة القوية، وقد تكون هذه السلوكيات مرفوضة بشكل جزئي في الوقت الحالي، لكن هذا يعني أيضاً أنها غير مرفوضة بشكل جزئي! فعندما نقول أن البعض يرفض سلوك التدخين، فهذا معناه بالضرورة أن البعض الآخر لا يرفض هذا السلوك.

وسلوك التهام البراز لم يكن أبداً مقبولاً في الإنسان على مر التاريخ حتى لو كان الدافع هو نقص بعض العناصر الغذائية، وفي هذا السياق لا أعني القبول الاجتماعي (والذي له أبعاد مختلفة) لكن قبول الفرد نفسه لهذا السلوك. وتاريخياً لا نجد أن التهام البراز كان حلاً مقبولاً لنقص العناصر الغذائية في البشر. وفي العصر الحديث نعلم جيداً ما قد يكون في البراز من مسببات لأمراض الإنسان، ويمكننا تعقيم البراز لقتل كل هذه المسببات وقد يمكننا حينئذ أن نستخدمه—ولو جزئياً—لحل مشكلة نقص الغذاء في العالم، وبالرغم من ذلك أظن إلى درجة تقارب اليقين أن التهام البراز المعقم سيظل غير مقبول عند الغالبية الساحقة من البشر، بل سيُنْظَر إلى مثل هذا الحل على أنه احتقار للفقراء أو أنه ضرب من الجنون، وأنا بكل تأكيد لا أدعو إلى مثل هذا الاستخدام للبراز لكنني أطرح الفكرة للتدليل على أن قبول السلوك أو عدمه ليس تبعية ضرورية لأضراره أو فوائده المحتملة.

إذاً قبول سلوك معين في البشر لا يتبع بالضرورة من وجوده في الكثير من أنواع الكائنات الحية ولا من فوائده الممكنة، وعدم قبوله لا يتبع بالضرورة من عدم وجوده في الكائنات الحية الأخرى (كما سأناقش في مقالات لاحقة) ولا من أضراره الممكنة، وتصنيف سلوك معين على أنه ’طبيعي‘ (normal) في البشر لا علاقة له بوجوده في كائنات أخرى وإنما بنسبة ظهوره في البشر كما ناقشت في مقال سابق، بل إن مقارنة سلوك البشر مباشرة بسلوك الحيوان هي من قبيل مد الخط على استقامته (extrapolation) بشكل غير مقبول كما ناقشت أيضاً في مقال سابق، وأرجو من القارئ الرجوع للمقالين لاستيضاح المعنى.

الخلاصة

سلوك الالتهام المتعمد للبراز يظهر في عدد كبير جداً من أنواع الكائنات الحية التي تنتشر عبر شجرة الحياة بالقرب من الإنسان وبعيداً عنه، والتي تعيش في بيئات متباينة من البر والبحر، والغرض من هذا السلوك لا يبدو واضحاً في كل الأحوال، والعديد من التفسيرات المحتملة له مطروح على الساحة لكن ليس منها ما هو مؤكد، وباستثناء الاحتياج الغذائي ليس منها ما يمكن التدليل عليه بدرجة قوية، وبعض التفسيرات في الكائنات التي تبدو على درجة ما من الذكاء (مثل الكلاب والرئيسيات) يرجعه إلى الشعور بالملل، وخاصة عند عدم وجود احتياج بيولوجي واضح فيها يفسر هذا السلوك.

في الإنسان يعتبر هذا السلوك عادة من علامات المرض العقلي، لكنه ليس كافياً للحكم على من يمارسه بالمرض العقلي، فقد يظهر أيضاً كجزء من الممارسات الجنسية غير المألوفة، وبوجه عام فإن هذا السلوك غير مقبول وغير طبيعي في البشر، ولا يوجد من يدافع عن كونه ’طبيعياً‘ بحجة وجوده في الكثير من أنواع الكائنات الحية، والحقيقة أن المقارنة المباشرة لسلوك الحيوان بسلوك الإنسان في العموم فاسدة ولا تصح.

ولهذا مقال آخر...


المراجع

  1. Mora C., Tittensor D.P., Adl S., et al. How many species are there on Earth and in the ocean? PLOS Biology 2011;9(8):e1001127. doi:10.1371/journal.pbio.1001127
  2. Robertson D.R. Fish feces as fish food on a Pacific coral reef. Marine Ecology–Progress Series 1982;7:253–265. PDF
  3. Dirk F., Jr. Smith K.L. Coprophagy in marine animals. Limnology and Oceanography 1967;12(3):443–450. doi:10.4319/lo.1967.12.3.0443
  4. Wotton R.S., MalmqvistB. Feces in aquatic ecosystems. BioScience 2001;51(7):537–544. doi:10.1641/0006-3568(2001)051[0537:FIAE]2.0.CO;2
  5. Adenusi A.A., Adewoga T.O.S. Human intestinal parasites in non-biting synanthropic flies in Ogun State, Nigeria. Travel Medicine and Infectious Disease 2013;11(3)181–189. doi:10.1016/j.tmaid.2012.11.003
  6. Pai H., Ko Y.C., Chen E.R. Cockroaches (Periplaneta americana and Blattella germanica) as potential mechanical disseminators of Entamoeba histolytica. Acta Tropica 2003;87(3):355–359. doi:10.1016/S0001-706X(03)00140-2
  7. Körner M., Diehl J.M.C., Meunier J. Growing up with feces: benefits of allo-coprophagy in families of the European earwig. Behavioral Ecology 2016;27(6):1775–1781. doi:10.1093/beheco/arw113
  8. Dell’omo G., Alleva E., Carere C. Parental recycling of nestling faeces in the common swift. Animal Behaviour 1998;56:631–637. doi:10.1006/anbe.1998.0839
  9. Hard P.L., Weatherhead P.J., McRae S.B. Parental consumption of nestling feces: good food or sound economics? Behavioral Ecology 1991;2(1)69–76. doi:10.1093/beheco/2.1.69
  10. Gallant D. White-winged crossbills obtain forage from river otter feces. The Wilson Bulletin 2004;116(2):181–184. Link
  11. Negro J.J., Grande J.M., Tella J.L., et al. An unusual source of essential carotenoids. Nature 2002;416:807–808. doi:10.1038/416807a
  12. Krysl L.J., Sowell B.F., Hubbert M.E., et al. Horses and Cattle Grazing in the Wyoming Red Desert, II. Dietary Quality. Journal of Range Management 1984;37(3):252–256. doi:10.2307/3899149
  13. Crowell-Davis S.L. Coprophagy by foals: Effect of age and possible functions. Equine Veterinary Journal 1985;17(1):17–19. doi:10.1111/j.2042-3306.1985.tb02030.x
  14. SchurgW.A., Frei D.L., Cheeke P.R., Holtan D.W. Utilization Whole Corn Plant Pellets by Horses and Rabbits. Journal of Animal Science 1977;45(6):1317–1321. doi:10.2527/jas1977.4561317x
  15. Nishikawa M, Mochida K. Coprophagy-related interspecific nocturnal interactions between Japanese macaques (Macaca fuscata yakui) and sika deer (Cervus nippon yakushimae). Primates 2010;51:95–99. doi:10.1007/s10329-009-0182-x
  16. Boze B. A comparison of common treatments for coprophagy in Canis familiaris. Journal of Applied Companion Animal Behavior 2008;2(1):22–28. PDF
  17. Boze B.G.V. Correlates of coprophagy in the domestic dog (Canis familiaris) as assessed by owner reports. Journal of Applied Companion Animal Behavior 2010;4(1):28–37 PDF
  18. Hart B.L., Bain M.J., Hart L.A., et al. The paradox of canine conspecific coprophagy. Veterinary Medicine and Science 2018;4:106–114. doi:10.1002/vms3.92
  19. Giovannetti P.M. Effect of coprophagy on nutrition. Nutrition Research 1982;2(3)335–349. doi:10.1016/S0271-5317(82)80015-8
  20. Franz R., Kreuzer M., Hummel J., et al. Intake, selection, digesta retention, digestion and gut fill of two coprophageous species, rabbits (Oryctolagus cuniculus) and guinea pigs (Cavia porcellus), on a hay-only diet. Journal of Animal Physiology and Animal Nutrition 2011;95:564–570. doi:10.1111/j.1439-0396.2010.01084.x
  21. Barnes R.H., Fiala G., McGehee B., Brown A. Prevention of coprophagy in the rat. Journal of Nutrition 1957;63:489–498. doi:10.1093/jn/63.4.489
  22. Fish K.D., Sauther M.L., Loudon J.E., Cuozzo F.P. Coprophagy by Wild Ring-Tailed Lemurs (Lemur catta) in Human-Disturbed Locations Adjacent to the Beza Mahafaly Special Reserve, Madagascar. American Journal of Primatology 2007;69:713–718. doi:10.1002/ajp.20392
  23. Harcourt A.H., Stewart K.J. Coprophagy by wild mountain gorilla. East African Wildlife Journal 1978,(16)223–225. doi:10.1111/j.1365-2028.1978.tb00442.x
  24. Krief S., Jamart A., Hladik C. On the possible adaptive value of coprophagy in free-ranging chimpanzees. Primates 2004;45:141–145. doi:10.1007/s10329-003-0074-4
  25. Sakamaki T. Coprophagy in wild bonobos (Pan paniscus) at Wamba in the Democratic Republic of the Congo: a possibly adaptive strategy? Primates 2010;51:87–90. doi:10.1007/s10329-009-0167-9
  26. Birkett L.P., Newton-Fisher N.E. How abnormal is the behaviour of captive, zoo-living chimpanzees? PLoS ONE 2011;6(6):e20101. doi:10.1371/journal.pone.0020101
  27. Ghaziuddin N., McDonald C. A Cinical Study of Adult Coprophagics. British Journal of Psychiatry 1985;147(3)312–313. doi:10.1192/bjp.147.3.312
  28. Josephs K.A.,Whitwell J.L.,Parisi J.E., Lapid M.I. Coprophagia in neurologic disorders. Journal of Neurology 2016;263(5):1008–1014. doi:10.1007/s00415-016-8096-1
  29. Wise T.N., Goldberg R.L. Escalation of a fetish: Coprophagia in a nonpsychotic adult of normal intelligence. Journal of Sex and Marital Therapy 1995;21(4):272–275. doi:10.1080/00926239508414647

نسب المصنفات

  1. صورة لسمكة من نوع زيبراسوما فيليفرم (Zebrasoma veliferum). بواسطة Shizhao. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  2. صورة لسمكة من نوع نيزو فلامينجيي (Naso vlamingii). بواسطة Hectonichus. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  3. صورة لسمكة من نوع ميلكثيس فيدوا (Melichthys vidua). بواسطة Izuzuki. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  4. صورة لذبابة المرحاض. بواسطة Muhammad Mahdi Karim. مرخص بموجب GNU Free Documentation License. الصورة الأصلية في الرابط.
  5. صورة لخنفساء الروث. بواسطة Rafael Brix. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  6. صورة لسنونو الشجر. بواسطة Iiii I I I. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 4.0 دولي. الصورة الأصلية في الرابط.
  7. صورة لأبي الحناء الأمريكي. بواسطة Mdf. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  8. صورة للعُقاب المصري. بواسطة Béotien lambda. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  9. صورة أرنب. بواسطة EIC. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  10. صورة خنزير غينيا. بواسطة Guinea pig. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 4.0 دولي. الصورة الأصلية في الرابط.
  11. صورة ليمر. بواسطة Mathias Appel. مرخص بموجب CC0رخصة المشاع الإبداعي—التخصيص للملكية العامة. الصورة الأصلية في الرابط.
  12. صورة غوريلا. بواسطة Marieke IJsendoorn-Kuijpers. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 2.0 عام. الصورة الأصلية في الرابط.
  13. صورة شمبانزي. بواسطة Thomas Lersch. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

الجبر البولياني: مقدمة

جورج بول[1]

الجبر البولياني (Boolean algebra) هو فرع من الرياضيات يختص بالبحث في الوصول إلى استنتاجات من قضايا منطقية (propositions) بناء على دلالتها من جهة الصدق أو الكذب وعلى كيفية الربط بينها، ويعتبر الجبر البولياني من أوائل ما تم تطويره في المنطق الرياضي (mathematical logic)، والهدف من تطوير المنطق الرياضي هو التعامل مع المنطق بلغة الرياضيات (mathematical language) التي تختلف عن اللغات الطبيعية (natural languages) في أنها خالية من الغموض (unambiguous) ودقيقة (rigorous) تلتزم بقواعد صارمة، ولهذا يمكن التأكد من استنتاجاتها باتباع القواعد والوضوح في التعريفات.

والجبر البولياني تم تطويره على يد عالم الرياضيات الإنجليزي جورج بول (George Boole) الذي عاش من ١٨١٥ إلى ١٨٦٤ ميلادية، والذي سُمِّي هذا النوع من المنطق الرياضي على اسمه. وهو مبني على قوانين التفكير الأساسية والتي ترتكز بدورها على أن القضايا المنطقية إما صادقة (true) وإما كاذبة (false)، وهو ما يطلق عليه مبدأ القيمة الثنائية (principle of bivalence)، ولا تتعامل مع ’احتمال‘ صدق أو كذب القضية، كما لا تتعامل مع ’تغير‘ حالة الصدق أو الكذب بتغير الظروف أو وجهات النظر أو حدود المعرفة البشرية.

هذا التبسيط في المنطق البولياني هو ما يضع حدوداً لما يمكن استعماله فيه وما يمكن استنتاجه منه، لكنه هو أيضاً الأساس في أن المنطق البولياني واسع الانتشار (ubiquitous) بدرجة كبيرة ، وهو أيضاً الأساس في قدرة المنطق البولياني على التعامل بشكل آلي (mechanical) لا يتطلب تفكيراً مع كل ما هو ثنائي، الأمر الذي جعله الأساس في عمل أجهزة الحاسبات الآلية (computers).

القضايا المنطقية القابلة للاستعمال

لكي تكون القضية قابلة للاستعمال في الجبر البولياني يجب أن تكون تامة الصدق أو تامة الكذب (حتى ولو في داخل سياق معين)، وأي جملة لا يمكن فهم دلالتها على أنها إما صدق تام وإما كذب تام لا تصلح للاستعمال في الجبر البولياني. وعادة ما يمكن الاتفاق على دلالة الجملة الخبرية من الصدق أو الكذب، والجملة الخبرية (statement) ليست هي الجملة الاسمية في اللغة العربية، وإنما هي الجملة التي تخبرنا بمعنى مفهوم، وقد تكون من جهة اللغة العربية جملة اسمية أو جملة فعلية، ولهذا يستخدم أحياناً تعبير ’الجملة الخبرية‘ كبديل مكافئ لتعبير ’القضية المنطقية‘ حينما تكون دلالة القضية إما صدقاً وإما كذباً.

ومن أمثلة الجمل التي لا تصلح للاستعمال في الجبر البولياني كل ما صيغ كأمر أو سؤال أو تعجب أو استنكار أو في صورة أسلوب مدح أو ذم، وعلى الرغم من أن بعض هذه الصيغ قد تخبرنا بمعنى يُفْهَم على أنه صدق أو كذب، إلا أن القضايا في المنطق يجب أن تُصاغ في صورة واضحة ليس فيها شبهة التباس، ولا يُتْرَك للقارئ مهمة استنباط المعنى من التركيب اللغوي.

القضايا الصالحة للاستعمال في الجبر البولياني هي فقط الجمل التي يمكن فهم دلالتها بشكل واضح على أنها إما صادقة تماماً وإما كاذبة تماماً، حتى وإن كان داخل سياق معين.

فلا يصح مثلاً أن تُعتَبر جملة ”ما أكرمك!“ قضية منطقية، فقد تعني التعجب من الكرم بالفعل أو السخرية من شدة البخل، والمعنيان على طرفي نقيض. وجملة ”اشهد بالحق“ لا يمكن فهمها على أنها صادقة أو كاذبة، وكل ما يمكن أن يُفهَم منها أن شخصاً يأمر أو يوصي آخر بالشهادة بالحق، كما أن سؤالاً مثل ”كم الساعة الآن؟“ لا يُفهَم على أنه صادق أو كاذب، وإنما تُفهَم الجملة على أن السائل يطلب من المسؤول معرفة الساعة وقت توجيه السؤال، وكلها جمل يشوبها غموض المعنى، والغموض لا يجوز في الجبر البولياني.

طائر الكيوي من الطيور التي لا تطير[2]

وربما يكون صدق أو كذب الجملة مطلقاً في سياق محدد فقط ومختلفاً خارج هذا السياق، ولا بأس في ذلك طالما حُصِر الاستنتاج في نفس السياق، فمثلاً قولنا ”هتلر مات“ صدق مطلق في الوقت الحاضر، لكنه لم يكن كذلك عام ١٩٤٣، وقولنا ”الجو حار“ قد يكون صدقاً مطلقاً في مصر في منتصف الصيف، إلا أنه كذب مطلق في الوقت نفسه في القارة القطبية الجنوبية.

وبعض الجمل الخبرية بضرورة الحال لا تناسب الجبر البولياني على الإطلاق، فقولنا ”بعض الطيور لا تطير“ ليس صدقاً مطلقاً ولا كذباً مطلقاً، لأن معنى الجملة كذلك أن ”بعض الطيور تطير“، وهكذا فهي تعبر عن صدق جزئي في داخل السياق نفسه. أمثال هذه الجمل لها نوع آخر من المنطق يناسبها هو ’منطق القياس‘ (syllogism)، وحالياً في المنطق الرياضي يشمل ’منطق الرتبة الأولى‘ (first-order logic) منطق القياس والجبر البولياني.

القضايا البسيطة والمركبة

تسمى القضية المنطقية بسيطة (simple) إذا كانت جملتها تعبر عن معنى مكتمل واحد بسيط لا يمكن تقسيمه إلى جمل أبسط مع الربط بينها، ومن أمثلة القضايا البسيطة الآتي:

  • الشمس ساطعة
  • الكلب من الحيوانات
  • مدينة شبين الكوم عاصمة مصر
  • الانفجار السكاني ليس مشكلة
  • التحزب الأعمى بغيض

لاحظ أن بعض القضايا السابقة كاذب، فمدينة شبين الكوم ليست عاصمة مصر، وبعضها منفي مثل الحديث عن الانفجار السكاني، وبعضها يتحدث عن صفات شيء معين مثل سطوع الشمس، وبعضها يتحدث عن تصنيفات مثل إدراج الكلب تحت تصنيف الحيوانات، وفيما يتحدث البعض منها عن أشياء مادية يتحدث الآخر عن أشياء مجردة مثل التحزب. العامل المشترك بينها أنها تعبر عن معنى واحد لا يمكن تقسيمه إلى جمل أبسط.

أما القضايا المركبة (compound) فيمكن تقسيم جملها إلى قضايا بسيطة مع الربط بينها بشكل أو آخر، والقضايا التالية كلها مركبة:

  • الجو بارد والسماء تمطر
  • الكلب من الحيوانات أو هو من الثدييات
  • لو كان الفقر رجلاً لقتلته
  • إذا كان بإمكانك فهم هذه الجملة فأنت تقرأ العربية والعكس صحيح
  • إذا كان تعلم المنطق شيئاً جيداً فسأتعلمه حتى لو كان تعلمه صعباً

الوحدات البنائية للجبر البولياني هي القضايا البسيطة

ولهذا فإن الوحدات البنائية للجبر البولياني هي القضايا البسيطة، فالقضايا المركبة يمكن التعبير عنها في صورة قضايا بسيطة والعكس غير ممكن، والجبر البولياني يشتمل على القواعد التي تحدد دلالة القضايا المركبة من الصدق أو الكذب بناء على دلالة القضايا البسيطة المكونة لها وعلى كيفية الربط بينها.

فصل المعنى عن الدلالة

جوتلوب فريجيه[3]

من أهم مميزات الجبر البولياني (وربما كذلك من أهم العوامل التي تحد من استعماله في بعض السياقات) الفصل التام بين المعنى (sense) والدلالة (reference)، وقد فصل بينهما أولاً الفيلسوف وعالم الرياضيات الألماني جوتلوب فريجيه (Gottlob Frege) فالدلالة في مفهوم فريجيه هي حالة الجملة من الصدق أو الكذب. الجبر البولياني لا يهتم إلا بدلالة القضايا المنطقية، وهكذا يمكن الوصول إلى استنتاجات حتمية بشكل آلي من المقدمات المنطقية ويعتمد صدق أو كذب الاستنتاج فقط على صدق أو كذب المقدمات وكيفية الربط بينها.

اعتماد المنطق البولياني حصراً على صدق أو كذب المقدمات يجعل من الممكن وضع قواعد رياضية جبرية محدودة العدد يمكن من خلالها الوصول إلى استنتاجات سليمة تعتمد على صورة التركيب المنطقي (logical form) وليس على معناه، ولأن عدد المعاني الممكنة يفوق الحصر فعدد وسائل الربط بينها يفوق الحصر بالضرورة، بينما حالتا الصدق والكذب اثنتان فقط، وطرق الربط بينهما محدودة جداً كما سنرى لاحقاً. وهكذا يلقي الجبر البولياني عبء المعنى على المستخدم بينما يوفر له صورة رياضية دقيقة يمكن من خلالها الوصول إلى استنتاجات معقدة يصعب الوصول إليها بدونه، بل ويمكنه من تبسيط الحجة المنطقية.

قواعد الجبر البولياني لا تتأثر مطلقاً بمعنى القضايا، وإنما تعتمد فقط على حالة القضايا من الصدق أو الكذب وكيفية الربط بينها.

كمثال على ما سبق، إذا استُعمِلت الجملتان البسيطتان الآتيتان واللتان لا يُفهَم لهما معنى واضح:

  • الحبشرون غلادة
  • الكلاشخ مسانيع

لصياغة هذه الجملة المركبة: ”إذا كان من الضروري أن تكون الكلاشخ مسانيع ليكون الحبشرون غلادة فالكلاشخ مسانيع أو الحبشرون غلادة“، فالجبر البولياني يمكن أن يُستَخدم لتبسيط الجملة المركبة إلى جملة بسيطة وهي ”الحبشرون غلادة“، وصدق أو كذب الجملة المركبة يكون مطابقاً لصدق أو كذب هذه الجملة البسيطة تماماً، أي أن الجملة الثانية لا تؤثر في دلالة الجملة المركبة على الإطلاق، وهذا الاستنتاج صالح لكل المعاني التي يمكن أن تفهم بها الجملتان!

ولهذا فإن تطور الجبر البولياني كان نقلة نوعية في المنطق الرياضي، إذ أن قواعده تنطبق بغض النظر عن معاني الجمل، وفي المثال السابق إذا استُبدِلت القضيتان المذكورتان بالآتي:

  • أن تكون عاقلاً
  • أن تكون إنساناً

فالجملة الشرطية الآتية: ”إذا كان من الضروري أن تكون إنساناً لكي تكون عاقلاً فأنت إنسان أو أنت عاقل“، مكافئة تماماً لقولنا ”أنت عاقل“، وقد يبدو أن هذا الاستنتاج غير بديهي على الإطلاق، بل قد تبدو الجملة غير مفهومة، لكن المنطق البولياني قادر على تحليلها وتبسيطها. وشرح كيفية الوصول لهذا الاستنتاج بدون استعمال الجبر البولياني أمر في غاية الصعوبة، وفي مقال تالي سأتعرض لصيغة الشرط في الجبر البولياني وما تعنيه، لكن المثال المعطى أعلاه يوضح قيمة الجبر البولياني في المنطق وقدر ما أحدثه من تأثير.

ولأن المعنى مفصول تماماً عن الدلالة، يجب على المستخدم تحري الدقة الشديدة في المعنى، إذ أن تغيّر المعنى في داخل نفس الاستنتاج يؤدي حتماً إلى نتيجة خاطئة. على سبيل المثال، الاستنتاج التالي خاطئ على الرغم من اتباع قواعد الجبر البولياني، وسبب الخطأ تغيّر معنى كلمة ’عين‘ داخل نفس الاستنتاج.

  • إذا غطيت عين الشيء فإنه لا يرى
  • عين الماء مغطاة
  • نستنتج أن الماء لا يرى

وعلى الرغم من سذاجة المثال السابق، إلا أنه يوضح المعنى المقصود، ويوضح أيضاً نقطة في منتهى الأهمية، وهي أن كذب الاستنتاج لا يتبع بالضرورة من خطأ أسلوب الاستنتاج، فمن المعروف أن الماء لا يرى، لكن استنتاج ذلك من تغطية عين الماء استنتاج فاسد. والمغالطات المنطقية الناتجة عن هذا الخطأ عادة لا تكون بمثل هذا الوضوح وإنما تنتج من اختلاف طفيف في المعنى، لكن لهذا مقال آخر. وقد ناقشت سابقاً أهمية الدقة في تعريف المعاني في حديثي عن قانون التفكير الأول.

رموز الجبر البولياني

القضايا المنطقية في الجبر البولياني يتم التعبير عنها كمتغيرات (variables) رياضية تسمى المتغيرات المنطقية (propositional variables)، وبخلاف الشائع في الرياضيات بوجه عام من استخدام للحروف \(a,b,c,x,y,z\) للتعبير عن المتغيرات، جرى العرف على تسميتها \(p,q,r,s,t\) في الجبر البولياني، وهو ما سأتبعه في هذا المقال وما يليه من نقاش للجبر البولياني.

الجبر البولياني فيه قيمتين منطقيتين ثابتتين يسمى كل منهما ثابت بولياني (Boolean constant) وهما الصدق أو الكذب، وعادة ما يعبر عن قيمة الصدق بالرمز \(\top\) المشتق من حرف T وهو أول حروف كلمة true، وعن الكذب بالرمز \(\bot\) وهو معكوس الرمز السابق (لأن الصدق نقيض الكذب)، لكن التعبير عن هاتين القيمتين بأي طريقة أمر مقبول تماماً طالما انتفت شبهة الالتباس، وقد نعبر عن الصدق بالحرف T أو t وعن الكذب بالحرف F أو f، وفي مجال الحاسبات الآلية يُعَبَّر عن الصدق بالقيمة \(1\) وعن الكذب بالقيمة \(0\).

قيمة المتغير المنطقي في الجبر البولياني هي دلالة القضية المنطقية التي يعبر عنها من جهة كذبها أو صدقها، فمثلاً إذا كان المتغير \(p\) يعبر عن قضية أن ’الشمس تشرق من جهة الغرب‘ تكون قيمته \(\bot\) لأن القضية كاذبة وإذا كان يعبر عن قضية أن ’الهواء أخف من الماء‘ تكون قيمته \(\top\) لأن القضية صادقة.

في المنطق البولياني يوجد أيضاً عدد من الروابط المنطقية (logical connectives) والتي تسمى أيضاً المعاملات المنطقية (logical operators) أو المعاملات البوليانية (Boolean operators)، وتسمى ’روابط‘ لأنها قد تربط بين قضيتين أو أكثر، وتسمى ’معاملات‘ لأنها قد تعمل على قضية واحدة أو أكثر، وهذه القضايا قد تكون بسيطة أو مركبة، وتتحدد دلالة التركيب المنطقي فقط بناء على دلالة مكوناته من القضايا البسيطة وعلى كيفية الربط بينها بالمعاملات المنطقية.

وإذا كان المعامل المنطقي يدخل على قضية واحدة فقط سمي معاملاً أحادياً (unary operator) وإذا كان يربط بين قضيتين سمي معاملاً ثنائياً (binary operator)، والمعامل الثنائي يحتاج إلى قضيتين ولا يجوز استعماله مع قضية واحدة. ولأن القضية المركبة من قضيتين بسيطتين لها أيضاً دلالتها من الصدق أو الكذب، ولأن كل الضروري في القضية المنطقية في الجبر البولياني هو أن يكون لها هذه الدلالة، يمكن بناء تركيبات منطقية معقدة باستعمال قضايا بسيطة وعدد محدود من الروابط المنطقية.

والمعامل المنطقي الأحادي الوحيد هو معامل النفي، بينما المعاملات الثنائية التي لها استعمال شائع هي معاملات الاتصال، والانفصال، والانفصال الحصري، والشرط بأنواعه.

الخلاصة

الجبر البولياني المسمى على اسم عالم الرياضيات جورج بول (George Boole) نوع من المنطق الرياضي يختص بالبحث في كيفية الوصول إلى استنتاجات من قضايا منطقية فقط عن طريق اعتبار دلالتها من جهة الصدق أو الكذب وكيفية الربط بينها.

القضايا المنطقية القابلة للاستعمال في الجبر البولياني هي جمل يمكن فهمها على أنها إما صدق تام أو كذب تام، حتى وإن كان داخل سياق معين فقط، وإذا كان الصدق أو الكذب محدودين بسياق يلزم أن يكون الاستنتاج محدوداً بنفس السياق.

القضايا البسيطة تعبر عن معنى مكتمل واحد ولا يمكن تقسيمها إلى قضايا أبسط. القضايا المركبة تتكون من قضايا بسيطة يتم الربط بينها بعدد محدود من الطرق في الجبر البولياني.

قواعد الجبر البولياني لا تتأثر مطلقاً بمعنى القضية، وكل ما يؤثر في ناتج الربط بين القضايا هو دلالتها من الصدق أو الكذب وكيفية الربط بينها. هذا الفصل بين المعنى والدلالة يجعل من الجبر البولياني أداة قوية في المنطق، إلا أنه يلقي بعبء فهم المعنى بالكامل على عاتق مستخدم الجبر البولياني.

المتغير المنطقي في الجبر البولياني يعبر عن قضية منطقية، وقيمة المتغير تكون دلالة القضية من جهة الصدق أو الكذب.

استخدام الجبر البولياني بشكل صحيح يتطلب الدقة في فهم المعنى، كما يستلزم أن يكون معنى القضية التي يعبر عنها المتغير المنطقي ثابتاً داخل السياق نفسه، فتغيره داخل السياق يفسد استنتاج الجبر البولياني.

الصدق والكذب هما القيمتان الثابتتان الوحيدتان في الجبر البولياني، والمعاملات المنطقية تدخل على قضية أو أكثر وتستعمل للربط بين القضايا البسيطة لتكوين قضايا مركبة. ما يدخل من المعاملات على متغير واحد يسمى معاملاً أحادياً وما يحتاج لمتغيرين يسمى معاملاً ثنائياً.


المقال التالي: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘


نسب المصنفات

  1. صورة جورج بول. Public Domain Mark هذا العمل خالٍ من أي قيود معروفة لحقوق التأليف والنشر. الصورة الأصلية في الرابط.
  2. صورة لطائر الكيوي. بواسطة Glen Fergus. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 2.5 عام. الصورة الأصلية في الرابط.
  3. صورة جوتلوب فريجيه. Public Domain Mark هذا العمل خالٍ من أي قيود معروفة لحقوق التأليف والنشر. الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

هذه الصفحة تستخدم مكتبة ماثجاكس (MathJax Library)

قوانين التفكير: تشابه المتطابقات


المقال السابق: قانون الوسط المرفوع


نقول إن الشيئين ’س‘ و ’ص‘ متطابقان (identical) إذا كان كلاهما يشير إلى الشيء نفسه أو لهما الجوهر نفسه.

ونقول إن الشيئين ’س‘ و ’ص‘ متشابهان (indiscernible) إذا انعدمت الفروق التي يمكن إدراكها (discernible differences) بينهما.

إذا تطابق شيئان فما يحق لأحدهما يحق بالضرورة للآخر، وكل خاصية لأحدهما هي بالضرورة خاصية للآخر.

جوتفريد فيلهلم لايبنتس[1]

قانون تشابه المتطابقات ومقابله الذي سأناقشه في تدوينة لاحقة هو أحد قانونين حديثي العهد نسبياً عادة ما ينسبان إلى عالم الرياضيات والفيلسوف الألماني جوتفريد فيلهلم لايبنتس (Gottfried Wilhelm Leibniz)، بخلاف القوانين الثلاثة الأولى التي تنسب عادة إلى أرسطو (Aristotle).

قانون تشابه المتطابقات (indiscernibility of the identicals) ينص على أنه إذا ما تطابق شيئان انعدمت بينهما الفروق التي يمكن إدراكها، وكل ما يحق لأحدهما يحق بالضرورة للآخر، وكل صفة في احدهما هي بالضرورة صفة في الآخر.

قانون تشابه المتطابقات يختلف عن قانون الهوية الذي ينص على أن ”الشيء هو نفسه“، فقانون تشابه المتطابقات يعنى بشيئين وليس بشيء واحد، ويعنى بخصائص الشيئين وليس بالجوهر إذ ينطلق من التأكيد على أن الجوهر واحد. والقانون يبدو بديهياً إلى أن نجد مثالاً يناقضه!

سوبرمان[2]

تستخدم مفارقة الرجل المقنع (masked man paradox) في إطار نقاش هذا القانون لمحاولة التدليل على أنه لا ينطبق على كل الحالات، والمثال المشهور في هذا السياق هو مثال ’سوبرمان‘ (Superman) الذي يظهر للعامة في صورة الرجل الخارق الذي يرتدي زياً مميزاً، لكن له شخصية أخرى هي ’كلارك كنت‘ الصحفي الذي يعمل في صحيفة ’الديلي بلانت‘، وزميلته الصحفية ’لويس لين‘ لا تعرف أن ’سوبرمان‘ هو نفسه ’كلارك كنت‘، وبالنسبة لها هما شخصان مختلفان.

’سوبرمان‘ و’كلارك كنت‘ يشيران إلى الشخص نفسه، ويحق القول عن ’سوبرمان‘ إن ”لويس لين تعرف أنه يطير“ بينما يحق القول عن ’كلارك كنت‘ إن ”لويس لين تعرف أنه لا يطير“، فكيف يتفق هذا مع قانون تشابه المتطابقات الذي يستلزم إذا ما كان ’سوبرمان‘ و’كلارك كنت‘ يشيران إلى الشخص نفسه أن يحق لأحدهما ما يحق للآخر؟ وما ينطبق على ’سوبرمان‘ في مثل هذه المفارقة ينطبق كذلك على أي شخصية مماثلة مثل شخصية زورو (Zorro). فهل يعني ذلك أن قانون تشابه المتطابقات خاطئ؟ أم يعني أنه لا ينطبق على كل الحالات؟ أم يعني أن هناك ما يستلزم توضيحه؟

الخصائص الأحادية والخصائص التعددية

الخاصية الأحادية (monadic property) هي خاصية تتعلق بالشيء ذاته دون الحاجة إلى الإشارة إلى أشياء أخرى. فمثلاً، عندما نقول ”فلان نائم“ فهذه الخاصية أو الصفة فيه لا تحتاج إلى الإشارة إلى أشياء أخرى لنفهمها. كمثال آخر على مثل هذه الخصائص قولنا ”الماء يغلي“ أو ”السماء صافية“ أو ”المصباح منير“ فكلها خصائص أو صفات تتعلق بالشيء نفسه، ومجرد ذكر الشيء والصفة يعطينا معنى واضحاً كاملاً.

أما عندما تتعلق الخاصية أو الصفة بأكثر من شيء، فإنها تسمى خاصية تعددية (polyadic property) وعندما تتعلق بشيئين فقط تسمى خاصية ثنائية (dyadic property)، ومن أبرز الأمثلة على الخصائص الثنائية العلاقات المكانية أو الزمنية. تعبير مثل ’الكتاب فوق‘ ليس له معنى مكتمل، ويلزم لاكتمال المعنى أن نحدد الشيء الآخر الذي يوجد فوقه الكتاب، وتعبير مثل ’الطفولة قبل‘ ليس مكتملاً هو الآخر ويلزم تحديد الشيء الآخر الذي تسبقه الطفولة، وإنما يكتمل المعنى في قول ”الكتاب فوق المنضدة“ أو ”الطفولة قبل الشباب“. هذه الخصائص يستحيل اكتمال معناها بدون الإشارة إلى شيئين.

والمعرفة البشرية بالشيء خاصية ثنائية، وإنما نميل بشكل غريزي إلى استثناء أنفسنا منها واعتبار أنها أحادية تختص بالشيء نفسه فقط لأننا ثوابت في هذه العلاقة من وجهة نظرنا، فما أعرفه عن الأشجار أو البحار أو عن أصدقائي أو أقربائي أو البيت الذي أسكن فيه كلها تشترك فيَّ أنا كطرف من طرفي خاصية المعرفة هذه، وربما يكون لي ولشخص آخر نفس الأصدقاء لكنه يعرف عنهم ما لا أعرفه أو العكس، وربما أسكن في نفس البيت مع شخص آخر لكنه يعرف عن البيت ما لا أعرفه أو العكس، وبالتالي فالمعرفة خاصية ثنائية على أقل تقدير.

سول كريبكي[3]

وحدود المعرفة كان ولا يزال من المشاكل التي تواجه الإنسان عند محاولة الوصول إلى استنتاج منطقي، وفي النصف الثاني من القرن العشرين طور سول كريبكي (Saul Kripke) فرعاً من فروع المنطق الرياضي يسمى المنطق الطوري (modal logic) ليتعامل مع أطوار الحقيقة المختلفة، والمقصود بطور الحقيقة وجهة النظر التي نراها منها، فما هو حقيقي بالضرورة يختلف عما يمكن أن يكون حقيقياً، أو عما هو غير حقيقي بالضرورة، وتشعب من المنطق الطوري عدة فروع طبقاً لوجهات النظر المختلفة التي ينظر إلى الحقيقة منها، وإحدى هذه الوجهات هي الاعتقاد (belief) ويسمى فرع المنطق المتعلق بها منطق المعتقد (doxastic logic) وإحداها المعرفة (knowledge) والتي يختص بدراستها علم المعرفيات (epistemology) ويسمى فرع المنطق المتعلق بها المنطق الطوري المعرفي (epistemic modal logic). وباستخدام المنطق الطوري يمكن رياضياً إثبات[i] أن قانون تشابه المتطابقات ليس له استثناءات على الإطلاق.

وتجب مراعاة أن المعنى البسيط لقانون تشابه المتطابقات يعنى بالخصائص الأحادية للشيء وليس بالخصائص التعددية، لأن الخصائص التعددية قد تتغير طبقاً لتغير الشيء الآخر المتعلق بالخاصية، فلو إنني جالس على مقعد وتحت المقعد قطة، فعلاقة المقعد المكانية بي أنه تحتي، وعلاقته المكانية بالقطة أنه فوقها، فالمقعد نفسه له علاقة مكانية تختلف بحسب اختلاف الشيء الآخر المتعلق بهذه العلاقة.

لكن في مثال ’سوبرمان‘ نجد أن طرفي العلاقة لا يختلفان، فأحدهما هو الشخص نفسه الذي يظهر في هيئة ’سوبرمان‘ أو ’كلارك كنت‘، والآخر هو ’لويس لين‘. وهنا يأتي دور المنطق الطوري في تفسير الاختلاف. المعنى المبسط في هذه الحالة أن كلاً من ’سوبرمان‘ و’كلارك كنت‘ لهما شخصيتان يظهران بهما:

  • ’سوبرمان‘ يمكن أن يظهر في هيئة ’سوبرمان‘ أو في هيئة ’كلارك كنت‘
  • ’كلارك كنت‘ يمكن أن يظهر في هيئة ’سوبرمان‘ أو في هيئة ’كلارك كنت‘

وهكذا لا يوجد اختلاف في هذه الخاصية بين ’سوبرمان‘ وبين ’كلارك كنت‘، ولا يوجد تعارض مع قانون تشابه المتطابقات. أما ما تعرفه ’لويس لين‘ بخصوص كل من هاتين الشخصيتين فأمر مختلف لا علاقة له بتطابق الشخصيتين، وإنما هو خاصية ثنائية تربطها بكل منهما، تماماً كمثال المقعد والقطة أعلاه.

المضمون مقارنة بالسرد

عند تعريف الأفكار، قد نستخدم المضمون (intension) أو السرد (extension). المضمون يحدد معنى الشيء، ولا يعدّد أمثلة لما يمكن أن يندرج تحت تعريف الشيء. فمثلاً تعبير ’النباتات التي زرعتها في حديقة منزلي‘ مضمون يعطي معنى معيناً، وعندما تقرأ هذا التعبير تفهم منه أنني قد أكون زرعت بعض النباتات في حديقة المنزل لكنك لا تعرف ماهية هذه النباتات ولا عددها.

السرد يعدّد الأشياء التي تندرج تحت التعريف دون أن يعطي لها معنى معيناً، وسرد مثل ’طماطم وباذنجان وبقدونس وشبت وبصل‘ يعدّد بعض النباتات، لكن في غياب مضمون هذه المجموعة من النباتات قد لا يكون لها أي معنى في ذهن القارئ، وقد يعتبرها مجموعة عشوائية من النباتات أو يعطيها معنى خاصاً طبقاً لخبراته الشخصية، كأن يعتبرها مثلاً الخضروات اللازمة لعمل محشي الباذنجان (باعتبار الأرز من الحبوب وليس من الخضروات) وقد أعني أنا بها النباتات التي زرعتها في حديقة منزلي.

المضمون يختص بالمعنى، والسرد يختص بالدقة في التعريف.

المضمون والسرد لهما استخدمان مختلفان، ولا يغني أحدهما عن الآخر، فمثلاً المضمون لمجموعة البشر الذي تنطبق أو انطبقت عليهم صفة ’رئيس الولايات المتحدة‘ لا يعطي أية فكرة عن عددهم ولا عن أسمائهم، لكن سرد أسماء الرؤساء (وعددهم ٤٥ وقت كتابة هذه التدوينة) يعطي معلومات عن الأشخاص وعددهم ولا يعطي أية فكرة عن العلاقة التي تربط بينهم، ولو أنك لا تعرف أن بعضاً منهم تولوا رئاسة الولايات المتحدة فلن تعرف—بل قد لا تتمكن من تخمين—العلاقة التي تربط بين هذه الأسماء على الإطلاق.

وليس كل شيء نعرف مضمونه يمكن التعبير عنه بالسرد، ولا كل سرد يمكن تحويله إلى مضمون واحد بعينه، فمثلاً مضمون ’الحيوانات الموجودة على كوكب الأرض‘ مفهوم للجميع كمعنى، لكن لا يمكن أن نسرد كل عناصره، إذ أن أنواعاً جديدة ما زالت تُكْتَشَف حتى يومنا هذا، والمحيطات لم يتم سبر أغوارها وقد يكون بها من الكائنات ما لا نعلمه. في المقابل نجد أن سرد الحروف {ب، ع، ا، ت، ه} قد يكون مقابلاً لأحد المضامين التالية ”حروف كلمة «تابعه»“، أو ”حروف كلمة «عاتبه»“، أو ”حروف كلمات «هاب» أو «باع» أو «تاب»“، أو غيرها من المضامين الممكنة.

وهذا يطرح تساؤلاً عن معنى تطابق شيئين، فهل التطابق يعتمد على المضمون الذي يصف معنى الأشياء وخصائصها أم على سرد هذه الأشياء وخصائصها؟ هل المضامين المختلفة في مثال الحروف السابق متطابقة لأنها تشترك في السرد نفسه أم غير متطابقة؟ فإذا كانت متطابقة فكيف لها أن تعطي معاني مختلفة في الذهن؟ وإذا كانت غير متطابقة، فكيف لها أن تشترك في السرد الواحد نفسه؟

تطابق المضامين يستلزم تطابق السرود المقابلة لها، أما تطابق السرود فلا يعني بالضرورة تطابق المضامين المقابلة لها.

يقال لشيئين أنهما متكافئان من جهة المضمون (intensionally equivalent) إذا كان لهما المضمون نفسه، ويقال أنهما متكافئان من جهة السرد (extensionally equivalent) إذا كان لهما السرد نفسه، والتكافؤ من جهة المضمون يختلف عن التكافؤ من جهة السرد. والأشياء المتكافئة من جهة المضمون تشترك في السرد الواحد نفسه، أما الأشياء المتكافئة من جهة السرد فليس لها بالضرورة المضمون الواحد نفسه.

التطابق في قانون تشابه المتطابقات يعني التكافؤ من جهة المضمون وليس السرد.

وبناء عليه فإن التكافؤ من جهة المضمون أعمق من التكافؤ من جهة السرد، وقانون تشابه المتطابقات يعنى بالأشياء المتكافئة من جهة المضمون وليس الأشياء المتكافئة من جهة السرد، والمضمون قد يكون فكرة مجردة وليس شيئاً مادياً بذاته، ففي المثال المذكور أعلاه نجد أن مضمون ’الحيوانات الموجودة على كوكب الأرض‘ فكرة مجردة تعبر عن فئة من الأشياء وليس عن شيء بعينه، وهكذا فإن الإنسان من الحيوانات الموجودة على كوكب الأرض وكذلك الكلب والبقرة والحوت وغيرها. هذا لا يعني مطلقاً أن هذه الكائنات جميعها هي الشيء نفسه من كل جهة، لكنها الشيء نفسه من جهة أنها حيوانات موجودة على كوكب الأرض.

في الرياضيات

التكافؤ من جهة المضمون في الرياضيات هو ما يطلق عليه التطابق (identity)، وعادة ما تعبر علامة التساوي \(=\) عن التكافؤ من جهة السرد وليس المضمون، أما تكافؤ المضمون فيعبر عنه بالعلامة \(\equiv\) أو بالعلامة \(:=\) لكن في أغلب الأحوال تستخدم علامة التساوي للتعبير عن تكافؤ المضمون أيضاً، إذ أن تكافؤ المضمون يستلزم بالضرورة تكافؤ السرد، ومن الخطأ أن نستخدم علامة التطابق للتعبير عن تكافؤ السرد فقط، إذ أن تكافؤ السرد لا يستلزم تكافؤ المضمون.

ومن أمثلة التطابق في الرياضيات متطابقات حساب المثلثات (trigonometric identities) وكذلك التعريفات (definitions) مثل تعريفات الدوال (functions) أو المجموعات (sets)، وبعض برامج الحواسب الجبرية (computer algebra systems) مثل ماكسيما (Maxima) تفرق في الاستخدام بين العلامتين وكذلك تفعل بعض لغات البرمجة مثل باسكال (Pascal).

وقانون تشابه المتطابقات في الرياضيات يعني أن كل شيئين متطابقين لهما بالضرورة نفس القيمة الرياضية (والتي قد تكون سرداً للعناصر مثلما هو الحال مع المجموعات).

قانون تشابه المتطابقات يعبر عنه رياضياً بمنطق الرتبة الأولى كالآتي:

\[ (\forall\,x)(\forall\,y)\left[x=y\rightarrow (\forall\,P)(P(x)\leftrightarrow P(y))\right] \]

وباستخدام حساب اللامدا (lambda calculus) يعبر عنه كالآتي[i]:

\[ (\forall\,x)(\forall\,y)\left[x=y\rightarrow (\forall\,P)(\lambda a(Pa)x\leftrightarrow \lambda a(Pa)y)\right] \]

وهو ما يزيل الالتباس عند استخدام المنطق الطوري مع خصائص الشيء.

واستخدام عكس المقلوب (contrapositive) للجملة الشرطية في التعريف—وهو مكافيء لها—يعطينا ما يلي:

\[ (\forall\,x)(\forall\,y)\left[x\neq y\leftarrow (\exists\,P)(P(x)\nleftrightarrow P(y))\right] \]

أي أنه إذا اختلف شيئان في خاصية ما فإن الشيئين بالضرورة ليسا متطابقين، وأحياناً يعرف هذا بقانون اختلاف المتمايزات (discernibility of the distinct)، ويعبر عنه باستخدام حساب اللامدا كالآتي:

\[ (\forall\,x)(\forall\,y)\left[x\neq y\leftarrow (\exists\,P)(\lambda a(Pa)x\nleftrightarrow \lambda a(Pa)y\right] \]

الخلاصة

  • قانون تشابه المتطابقات ينص على أنه إذا تطابق شيئان فكل ما يحق لأحدهما يحق بالضرورة للآخر، وكل صفة أو خاصية في أحدهما هي بالضرورة صفة أو خاصية في الآخر.
  • الصفات أو الخصائص التي يعنى بها قانون تشابه المتطابقات هي الصفات الأحادية للشيء، والتي لا تعتمد على الإشارة إلى شيء آخر.
  • ما نعرفه عن الأشياء ليس بالضرورة صفة أحادية لها، لأن المعرفة ثنائية على أقل تقدير، فالأشياء وخصائصها طرف من المعرفة، ونحن الطرف الآخر.
  • التطابق في قانون تشابه المتطابقات يعني التكافؤ من جهة المضمون لا من جهة السرد، إذ أن كل مضمون يقابله سرد واحد فقط، وليس كل سرد يقابله مضمون واحد فقط وقد تشترك عدة مضامين في السرد الواحد نفسه.

المراجع

  1. Maunu, Ari. (2017). The principle of the indiscernibility of identicals requires no restrictions. Synthese. doi:10.1007/s11229-017-1468-y.

نسب المصنفات

  1. صورة جوتفريد فيلهلم لايبنتس. Public Domain Mark هذا العمل خالٍ من أي قيود معروفة لحقوق التأليف والنشر. الصورة الأصلية في الرابط.
  2. صورة سوبرمان. بواسطة MayanTimeGod. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نسب المصنف - منع الاشتقاق 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  3. صورة سول كريبكي. الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

هذه الصفحة تستخدم مكتبة ماثجاكس (MathJax Library)

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...