بحث هذه المدونة الإلكترونية

قوانين التفكير: قانون عدم التناقض


المقال السابق: قانون الهوية


القانون الثاني: قانون عدم التناقض (law of non-contradiction)

لا شيء يمكن أن يكون نفسه وأيضاً لا يكون نفسه! إما ’س‘ وإما ’ليس س‘

قد لا يكون هذا القانون في مثل وضوح القانون الأول، ويحضرني في هذا السياق مثال طرحه ابني الصغير عندما كنت أحاول شرح هذا القانون له، فسألني ”إذا كنت جوعاناً بعض الشيء، فأنا جوعان ولكنني لست جوعاناً أيضاً!“ فهل يمكن فعلاً أن يكون إنسان جوعاناً وغير جوعان في الوقت ذاته؟ هنا يتوجب علينا الرجوع إلى القانون الأول، وأن نسأل أنفسنا إذا ما كانت الفكرة من تعبير ’جوعان بعض الشيء‘ هي نفسها الفكرة من تعبير ’جوعان‘ أو تعبير ’غير جوعان‘. والإجابة أن المعاني التي تعبر عنها التعبيرات الثلاثة مختلفة، واعتبارها نفس المعنى فيه خطأ.

\[\neg(x\wedge \neg x)\]

فهل لا يصح تطبيق القانون الثاني في هذه الحالة؟ وهل توجد حالات لا يصلح فيها القانون الثاني للتفكير؟ الإجابة بالنفي، إذ أن الإنسان يكون إما ’جوعاناً بعض الشيء‘ وإما ’ليس جوعاناً بعض الشيء‘ لكنه لا يمكن أن يكون كلاهما في الوقت ذاته. تحديد ما نعنيه بتعبير ’بعض الشيء‘ هو المهم في هذه الحالة وفي أمثالها، والدقة في استخدام القانون الثاني أيضاً مهمة.

معنى كلمة ’إما‘

كلمة ’إما‘ تستخدم في اللغة العربية للتفصيل أو التخيير (من ضمن استخدامات أخرى) وهو بالضبط ما تعنيه هنا، وهي تختلف في معناها عن كلمة ’أو‘ التي لها نفس الاستخدام في أن ’إما‘ تعني أن التفاصيل أو الخيارات المختلفة لا تجتمع معاً. ونجد أن كلمة ’إما‘ وردت في القرآن بهذا الاستخدام لتعني أن الحالتين أو الخيارين لا يجتمعان:

قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (الأعراف ١١٥)

وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّـهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة ١٠٦)

حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (الكهف ٨٦)

قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (مريم ٧٥)

إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (الإنسان ٣)

فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّـهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (محمد ٤)

بينما نجد أن كلمة ’أو‘ وردت فيه بهذا الاستخدام بما يسمح باجتماع الحالتين أو الخيارين:

وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (البقرة ١١١)

أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ۚ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة ١٨٤)

وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (البقرة ٢٣٧)

وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (البقرة ٢٧٠)

لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (البقرة ٢٨٦)

هذا الفارق في استخدام اللفظة مهم جداً، لأن بعض اللغات الأخرى لا يوجد بها تراكيب مماثلة، ففي الإنجليزية مثلاً تستخدم كلمة or في الاستخدام السابق، أو يستخدم التعبير either... or وفي الحالتين لا يوجد ما يمنع اجتماع الحالات أو الخيارات المطروحة، وإذا استوجب السياق توضيح أن اجتماعها غير ممكن تستخدم تعبيرات أخرى صريحة مثل either... or... but not both أو only one of the following...

وقد يكون هذا المعنى غائباً عن أذهان البعض، لذا وجب التوضيح.

التناقض مقارنة بالتمايز

المقصود بالقانون الثاني للتفكير هو أن الشيء أو الحالة أو الصفة أو الفعل لا يمكن اجتماعها مع عدمها في الوقت ذاته. والتناقض (contradiction) هنا المقصود به انعدام الوجود وليس الاختلاف فحسب، والنقيض (contrary) من الشيء أو الحالة أو الصفة أو الفعل هو ما يستوجب انعدام وجودها.

النقيض من النور هو الظلام وهو انعدام وجود النور، والنقيض من الحرارة هو البرودة وهي انعدام وجود الحرارة، والنقيض من الرطوبة أو البلل (وهي تستلزم بالضرورة وجود الماء) هو الجفاف وهو انعدام وجود الماء. ولا تحتوي اللغة الطبيعية على كلمات تعبر عن عدم وجود كل الأشياء، وإنما المهم منها فقط بالنسبة للإنسان، فلا نجد كلمة تعبر عن عدم وجود كلب أو قطة، أو عن عدم وجود فاكهة أو سيارة.

والمختلف (different) ليس بالضرورة نقيضاً ولكنه متمايز (distinct) عما سواه، وهذا يبدو جلياً في الأشياء، فالحصان يختلف عن الهواء وليس هو النقيض من الهواء، إذ أن وجود الحصان لا يستلزم بالضرورة عدم وجود الهواء، ووجود الهواء لا يستلزم بالضرورة عدم وجود الحصان.

لكن التناقض والتمايز (distinctness) لا يبدوان بمثل هذا الوضوح عندما يتعلق الأمر بالحالات أو الصفات. هل الشجاعة مثلاً النقيض من الذكاء؟ الشخص الذكي (ولو بدرجة محدودة) لن يلقي بنفسه في عرض البحر وهو لا يجيد السباحة لأنه يخشى الموت، فهل خشية الموت—وقد نتجت عن الذكاء—في هذه الحالة تناقض الشجاعة؟ أظن أن أغلب البشر سيتفقون على أن الصفتين لا يناقض بعضهما البعض، والسبب أن تعريف الشجاعة عند أغلب البشر لا ينحصر في انعدام الخوف، بل ربما يدرك الغالبية أن الشجاعة هي المواجهة في وجود الخوف، فالشجاعة مرتبطة بالمواجهة ولا تستلزم على الإطلاق انعدام الخوف، والذكاء والشجاعة صفتان متمايزتان لكنهما ليستا متناقضتين، إذ أن وجود إحديهما لا يستلزم بالضرورة عدم وجود الأخرى.

النقيض من الشيء هو انعدام وجوده.

الشيء المتمايز عن غيره هو ما يمكن إدراك اختلافه عنه.

المقابل للشيء هو ما يقابله على الطرف الآخر في الاتجاه المعاكس.

أما ما قد يسبب بعض الالتباس في الذهن هو وجود أزواج من الصفات أو الحالات المتمايزة على طرفي نقيض من بعضهما البعض، مثل الحب والكراهية، ومثل الكرم والبخل، ويتجه إحداها في اتجاه والآخر في الاتجاه المعاكس، لكن بينهما دائماً حالة التعادل التي ليست في اتجاه أي منهما، فيمكن أن توجد حالة لا تتميز بالحب أو بالكراهية، وحالة لا تتميز بالكرم أو بالبخل. هذه الحالات المحايدة الواقعة في الوسط هي النقيض من الطرفين على حد سواء، لأنها تتميز بانعدام كل من الطرفين.

وبهذا المفهوم فإن النقيض من السعادة ليس بالضرورة هو التعاسة لكنه انعدام السعادة، والإنسان غير السعيد ليس هو الإنسان التعس، وكذلك الإنسان غير التعس ليس هو الإنسان السعيد. المقابل (opposite) في المعنى للسعادة هو التعاسة، والمقابل هو الطرف الآخر في الاتجاه المعاكس وليس هو انعدام الوجود، فالمقابل للبهجة هو الحزن أما النقيض من البهجة فهو انعدام البهجة.

قانون عدم التناقض يعني أن اجتماع الشيء ونقيضه أمر مستحيل.

أي حرف من الحروف الإنجليزية إما يكون ’A‘ وإما ’ليس A‘، ولكنه لا يمكن أن يكون ’A‘ و’ليس A‘.

وهكذا فإن المعنى المقصود لكلمة ’ليس‘ في قانون عدم التناقض هو انعدام الوجود، وعندما نقول ”ليس س“ فالمقصود انعدام وجود كل ما يعبر عنه ’س‘ وليس المقصود أن الوجود يحتوي فقط على شيئين هما ’س‘ و’ليس س‘.

وإذا قلنا بوجود مئة من الكيانات أو الحالات المتمايزة، وواحدة منها فقط نعبر عنها بالرمز ’س‘، فيكون التعبير ’ليس س‘ هو كل ما تبقى، وعدده ٩٩ كياناً أو حالة تختلف عن ’س‘. ولو كان قانون عدم التناقض غير صحيح، فإن واحداً على الأقل من هذه الكيانات الأخرى التي عددها ٩٩ والتي هي ’ليس س‘ لا يمكن اعتباره متمايزاً عن ’س‘ في شيء، وبالتالي لا يمكن في الأصل القول بوجود مئة من الأشياء المتمايزة!

الواقع مقارنة بالحقيقة

قانون التفكير الثاني ينص على أن اجتماع وجود الشيء وعدم وجوده أمر مستحيل، وقد يجادل بعض القراء ممن عندهم خلفية معرفية عن علم الفيزياء أن عدم اليقين يدخل في بناء الكون نفسه معتمدين على مفاهيم ميكانيكا الكم (quantum mechanics)، فكيف يمكن أن نكون متيقنين من أن اجتماع وجود الشيء وعدم وجوده أمر مستحيل؟ والواجب هنا هو التفرقة بين الواقع (reality) وبين الحقيقة (truth)، لأن الخلط بينهما يناقض قانون التفكير الأول ويعرضنا للوقوع في الخطأ.

تخيل أنك أمام صندوق مغلق وطلب منك أن تخمن إذا ما كان الصندوق فارغاً أم غير فارغ بشرط ألا تفتحه أو تتفحصه بأي شكل من الأشكال بخلاف النظر. قد تكون إجابتك ”لا أعرف“ أو قد تكون ”ربما كان فارغاً أو غير فارغ“. في الحقيقة فإن الصندوق إما فارغ وإما غير فارغ، لكن ليس الاثنان معاً.

رغوة البوليستيرين[1]

فماذا إذا سُمِح لك أن تحمل الصندوق في يديك وتتفحصه بدون فتحه، مثلاً عن طريق هز الصندوق لمحاولة معرفة المزيد عما بداخله؟ حينئذ ستبدأ في تكوين أفكار عما بداخله، فإذا حملته فوجدت أنه خفيف إلى درجة كبيرة، وهززته فوجدت أن الهز لا يحدث صوتاً أو تأثيراً ملموساً في إحساسك بالصندوق، فربما تستنتج أن الصندوق فارغ، وهو ما لا يخالف العقل على ما يبدو، ولكن إذا كان الصندوق مملوءًا برغوة البوليستيرين (polystyrene foam)، فإن كل ملاحظاتك المتعلقة بمحتوى الصندوق ستفشل في جعلك تدرك أنه ليس فارغاً، فتلك الملاحظات لا تناقض كون الصندوق فارغاً ولا تناقض أيضاً كونه مليئاً برغوة البوليستيرين.

عدم اليقين مرتبط بقدرتنا على المعرفة وليس بِكُنْه الأشياء نفسها وكينونتها.

ما تعرفه عن محتوى الصندوق لا يعكس بالضرورة المحتوى الحقيقي للصندوق. ما تعرفه ويمكنك رصده وجمعه من معلومات وإدراكه بالحواس هو واقعك الذي يمكنك إدراكه، أما ماهية محتوى الصندوق فهو الواقع الحقيقي (true reality)، وقد يختلف إدراكك للواقع عن حقيقة الواقع.

تجربة توضح أن كثافة غاز سادس فلوريد الكبريت أكثر بشكل ملحوظ من الهواء.

فإذا سُمِح لك أن تفتح الصندوق وتتفحص محتواه، فستتمكن من جمع المزيد من المعلومات عن المحتوى، مما قد يؤدي إلى تغير فكرتك عن محتوى الصندوق. فإذا فتحت الصندوق ولم تَرَ شيئاً بداخله على الإطلاق، فربما تستنتج أن الصندوق ’فارغ‘ أو أنه مليء بالهواء، لكن إذا كان الصندوق مليئاً بغاز سادس فلوريد الكبريت (sulfur hexafluoride)، وهو غاز أثقل كثيراً من الهواء (أكثر من ٥ أمثال كثافة الهواء) وعديم اللون والرائحة، فحينئذ سيكون استنتاجك أيضاً خاطئاً ولا يعكس حقيقة الواقع. في جميع الأحوال، فإن مقدار معرفتك هو المحدد لما تظنه حقيقياً في الواقع، ومن المستحيل أن نحدد إذا ما كانت معرفتنا كاملة أم غير كاملة، وبالتالي من المستحيل أن نحدد إذا ما كان واقعنا هو الحقيقة أم غيرها.

عند تحريك العين في أي اتجاه سيبدو الشكل كما لو كان يتحرك. عند تثبيت العين سيتوقف عن الحركة.[2]

حقيقة الواقع تحدد ما يمكننا رصده، وليس ما نرصده هو ما يحدد حقيقة الواقع، والخدع البصرية خير دليل على ذلك، فآلية الإبصار وشكل الأشياء يحددان معاً ما ندركه ونظن أنه الحقيقة، وليس ما نظن أنه الحقيقة هو ما يحدد آلية الإبصار وشكل الأشياء. نحن غير متأكدين من حقيقة الواقع ليس لأن الواقع يمكن أن يجتمع فيه الشيء ونقيضه، لكن لأن معرفتنا عن حقيقة الواقع قاصرة، ولذلك فإن ميكانيكا الكم لها العديد من التفسيرات الممكنة التي تتفق مع الملاحظات العملية، فلا يجتمع وجود الإلكترون في مكان ما مع عدم وجوده، وإنما يوجد احتمال لوجوده في مكان ما واحتمال لوجوده في غير هذا المكان.

الخلط بين قدرتنا على المعرفة وبين الحقيقة بشكل مطلق من الأسباب الشائعة للوصول إلى استنتاجات خاطئة.

الحقيقة مطلقة (absolute) وثابتة (immutable)، والمقصود بكلمة مطلقة هنا أنها كائنة بغض النظر عن وجود أي شيء آخر فهي كائنة من قبل وجود الجنس البشري، وستستمر في الوجود بعد فناء الجنس البشري، بل هي موجودة بغض النظر عن وجود هذا الكون أو عدمه، والمقصود بأنها ثابتة أنها لا تتغير. النظريات الرياضية كانت موجودة من قبل اكتشافها، ولكننا لم نكن نعرفها بعد، ولم يكن ولن يكون أبداً أن لوغاريتم الواحد الصحيح غير مساوياً للصفر! هذه الحقيقة كانت موجودة وثابتة قبل اكتشاف اللوغاريتمات وستظل موجودة وثابتة إلى الأبد.

الحقيقة أيضاً واحدة (unique)، فلا توجد عدة أشكال أو أنواع من الحقيقة تختلف عن بعضها البعض. هناك حقيقة واحدة مركبة كما سنناقش لاحقاً.

الحقيقة مجردة (abstract) والواقع مادي (material) ملموس، والواقع له حقيقة قد ندركها أو لا ندركها، وكل ما هو حقيقي في الواقع هو حقيقي بشكل مطلق لأن الحقيقة واحدة، لكن ليس كل ما هو حقيقي بشكل مطلق هو حقيقي في الواقع لأن الأفكار المجردة أوسع من الماديات.

واقعنا هو إجماعنا على ما نظن أنه حقيقة. إدراكنا للواقع مرتبط بنا، وليس مطلقاً كالحقيقة، وكل ما هو واقعي بالنسبة لنا يعتمد على وجودنا وعلى معرفتنا، والواقع يتغير بتغير المعرفة، ففي الأزمنة السحيقة كان الناس يعتقدون أن الكائنات التي نسميها ’أسطورية‘ الآن مثل البيجاسوس (pegasus) واليونيكورن (unicorns) هي كائنات واقعية تماماً! البعض منا حتى يومنا هذا يؤمن تمام الإيمان بأن الحسد (Evil eye) واقع لا خلاف عليه، بينما البعض الآخر يعتقد أن الحسد نوع من الخرافة.

حقيقة الواقع جزء من الحقيقة المطلقة الثابتة الواحدة، وليس كل حقيقي بشكل مطلق هو أيضاً واقعي. الحقيقة المطلقة تشمل حقيقة الواقع وليس العكس.

ليس هذا فحسب، بل في مجال العلم أيضاً نجد واقعاً يختلف باختلاف المعرفة، ففكرة وجود الأثير (luminiferous aether) كانت واقعاً حتى أواخر القرن التاسع عشر، وبعض الأمراض مثل الكوليرا (cholera) والطاعون (plague) كان يُظَن أن سببها هو الميازما (miasma)، وهي الهواء الملوث، وكذلك كان مرض الملاريا (malaria) الذي يعني اسمه باللاتينية حرفياً ’الهواء السيء‘، وإلى وقت ليس ببعيد كان الواقع العلمي أن الذرة لا يمكن تقسيمها إلى ما هو أصغر من الإلكترونات (electrons) والبروتونات (protons) والنيوترونات (neutrons)، ولكن الواقع الآن أن البروتونات والنيوترونات تتكون من جسيمات أصغر تسمى الكواركات (quarks). في كل مرحلة من مراحل التاريخ كان الواقع يختلف بحسب المعرفة والمعتقدات الشائعة.

dichromatic_vision.jpg
هكذا (بالأسفل) يرى مريض عمى الألوان التفاح (بالأعلى).[3]

واقعنا أيضاً يتغير من شخص لآخر، فمثلاً مريض عمى الألوان (colour blindness) يرى التفاحة الحمراء والتفاحة الخضراء كأنهما تقريباً نفس اللون، أي أن واقع هذا المريض أن ما نراه أحمر يكافئ ما نراه أخضر! في نظر مثل هذا المريض لا يوجد فرق يذكر بينه اللونين، لكن هذا الواقع الخاص به لا يغير من حقيقة أن اللونين مختلفان وأنهما يمثلان طولين موجيين مختلفين للضوء (على قدر معرفتنا).

لهذا فأنا أفرق بوضوح بين الحقيقة التي وجودها مطلق وثابت، وبين واقعنا الذي يعتمد على معرفتنا ومحدود بقدرتنا على الملاحظة، فكل ما نعرفه عن العالم المادي تحقق من خلال الملاحظة، والملاحظة بدورها تعتمد على الحواس والتقنيات، لكن البوابة النهائية والأساسية إلى عقولنا هي الحواس، وكل ما لا تدركه الحواس هو بالضرورة غير معلوم لنا على الإطلاق. هذا لا يعني أن ما ندركه بالحواس هو بالضرورة خطأ، وقد يكون جزءًا من الحقيقة المطلقة، لكنه لا يثبت ولا ينفي أن ما ندركه حقيقي، فنحن ببساطة لا نعرف! وهذا هو سبب ومصدر عدم اليقين.

قانون عدم التناقض يعنى بالحقيقة المطلقة وليس بالواقع النسبي.

قانون عدم التناقض يعنى بالحقيقة وليس بواقعنا، وفي عالم الأفكار المجرد لا يمكن أن يجتمع وجود الشيء وعدم وجوده، حتى وإن كان الشيء نسبياً للفرد، فعلى سبيل المثال لا يمكن أن تكون (أنت أو أي إنسان آخر) مقتنعاً أن سلوكاً معيناً أخلاقي وغير أخلاقي في السياق ذاته، وقد تختلف مع غيرك في رأييكما بخصوص هذا الشأن، لكن لا يمكن أن تكون مختلفاً مع غيرك في الرأي ومتفقاً معه في نفس السياق وبنفس المعنى. والواقع جزء من الحقيقة، لكنه نسبي—بخلاف الحقيقة—لأنه محدود بوجودنا ومعرفتنا، وهذا ما يؤدي إلى الخلاف بين البشر، لكن لكل منا واقعه الذي يراه حقيقياً، وفي سياق واقعه فإن كل شيء إما حقيقي وإما غير حقيقي لكن لا يجتمع الرأيان معاً في عقل سليم.

ثنائية الحقيقة

جادل البعض أن شيئاً يمكن أن يكون حقيقياً وكذلك نفيه أو نقيضه، وهذا ما يعرف بثنائية الحقيقة (dialetheism) وهي مشتقة من الكلمة الإغريقية διαλήθεια التي تتكون من مقطعين هما δι- من δύο بمعنى ’اثنين‘ وαλήθεια بمعنى ’الحقيقة‘، والمقصود أن جملتين متناقضتين يمكن أن يكونا كلاهما حقيقياً. الفلسفة هذا المعنى قد نجده واضحاً في بعض أديان الشرق الأقصى، في مقابل الفلسفة الثنائية (dualism) التي تظهر بوضوح في الفلسفة والأديان الغربية، لكن المفاهيم الأساسية خلف هذه الفلسفات ليست مكافِئة لقانون عدم التناقض.

الثنائية ترجح أن الوجود بأسره يقع في أحد عالمين (realms): الله أو المادة، غير المحسوس والمحسوس، إلخ... وبالتالي فإن كل معنى إما هو حقيقي وإما غير حقيقي. ثنائية الحقيقة تقرر أن الحقيقة لها أوجه عديدة (multifaceted) وأن كل هذه الأوجه حقيقية، وبالتالي يمكن أن تكون العديد من الأفكار حقيقة جزئية، وتكون كلها حقيقية.

لكن قانون عدم التناقض لا يعنى بالأجزاء المختلفة من الحقيقة.

فلنفترض أن فلاناً أكل في فطوره جبناً وبيضاً وخبزاً. لو قلنا ”فلان أكل جبناً“ أو ”فلان أكل بيضاً“ أو ”فلان أكل خبزاً“، فهذه كلها حقائق جزئية ولا تناقض بعضها البعض، أي لا يستلزم صحة أحدها خطأ الباقي. ليس هذا المقصود في قانون عدم التناقض. النقيض من ’فلان أكل خبزاً‘ هو ’فلان لم يأكل خبزاً‘. النقيض هو نفي هذا الجزء من الحقيقة وليس تقرير جزء آخر من الحقيقة.

وثنائية الحقيقة تستخدم عادة في علم دلالات الألفاظ (semantics) لمعالجة الحالات التي يبدو فيها تناقض وعدم تناقض في الوقت ذاته، فمثلاً هل تعني جملة ”فلان يقف في مدخل الغرفة“ أن فلاناً داخل الغرفة أم خارج الغرفة؟ قد يعتبر البعض في تلك الحالة أن ’فلان داخل الغرفة‘ جملة حقيقية، أو يعتبر البعض الآخر أن ’فلان خارج الغرفة‘ جملة حقيقية، فهل يجوز أن نعتبر أن الجملتين حقيقيتين في هذه الحالة؟ لعل القارئ يلاحظ أن الجملتين متناقضتان.

قانون عدم التناقض لا يستلزم أن تكون إحدى الجملتين حقيقية، بل يمكن أن تكون الجملتان خطأ، وهذا في ظني هو ما يجوز اعتباره في هذه الحالة، ففلان ليس داخل الغرفة ولا خارجها، بل هو في مرحلة متوسطة بين هذا وذاك، ووجه الالتباس في هذه الحالة هو اعتبار أن حالتي ’داخل الغرفة‘ و’خارج الغرفة‘ لا ثالث لهما، بينما هناك حالة وسطية ثالثة. النقيض من ’داخل الغرفة‘ هو ’ليس داخل الغرفة‘، ومن الخطأ اعتبار أن النقيض هو بالضرورة ’خارج الغرفة‘، وتقليص كل شيء إلى حالتين متمايزتين فقط هو ما يعرف في المنطق بمغالطة الثنائية الزائفة (false dichotomy; false dilemma).

فمثلاً، النقيض من ’فلان يأكل‘ هو ’فلان لا يأكل‘، ولا يمكن اعتبار النقيض منها أن فلاناً يشرب، على الرغم من أن مضغ الطعام وشرب السوائل لا يمكن أن يجتمعا، وتحقق إحدى الحالتين يستلزم بالضرورة عدم تحقق الأخرى، فإذا كان يمضغ الطعام فهو لا يشرب وإذا كانت يشرب فهو لا يمضغ الطعام، لكن يمكن أن توجد حالة لا يأكل فيها الإنسان ولا يشرب، وفي مثل هذه الحالة تكون جملة ’فلان يأكل‘ وجملة ’فلان يشرب‘ كلتاهما خطأ، أي أن الأحوال التي يمكن أن يوجد فيها فلان لا يمكن اختصارها إلى حالتي الأكل والشرب فقط.

ثنائية الحقيقة لا حاجة لنا بها إذا تم تعريف المعاني بدقة، وهي تحد من القدرة على الاستنتاج المنطقي وقد تؤدي بغير الحريص إلى قبول استنتاجات خاطئة تماماً.

قبول ثنائية الحقيقة بدون التدقيق الشديد فيما تعنيه—وهذا مع الأسف أمر شائع—يؤدي إلى قبول مبدأ الانفجار (principle of explosion) الذي من خلاله يمكن إثبات أي شيء وكل شيء. على سبيل المثال، الجملتان: ”كل ما معي من الفواكه هو تفاحة“ و”كل ما معي من الفواكه هو برتقالة“ جملتان متناقضتان بسبب استخدام كلمة ’كل‘، فإذا قبلنا أن الجملتين حقيقيتين فمن الممكن أن أعطيك تفاحة وبرتقالة بالرغم من أن كل ما معي من الفواكه هو إحداهما فقط، أي من الممكن أن أعطيك شيئاً من لا شيء!

في دراسة المنطق الرياضي يؤدي قبول التناقض إلى إثبات أي شيء على الإطلاق، وينتفي معنى المنطق وينتفي الاستدلال ويُفْقَد المعنى تماماً. توضيح هذا الأمر يخرج عن نطاق الحديث في هذا المقال لأنه يتطلب معرفة بالمنطق الرياضي، لكن لمن عنده خلفية عن هذا المجال فإن الاستنتاج التالي يصير ممكناً

1)\(p \wedge \neg p\)Hypothesis (ACCEPTING CONTRADICTION)
2)\(p\)Simplification from 1
3)\(p \vee A\)Addition from 2
4)\(\neg p\)Simplification from 1
5)\(A\)Disjunctive syllogism from 3, 4
6)\((p\wedge\neg p)\rightarrow A\)Conditional proof from 1, 5
liar's paradox
مفارقة الكذاب

كمثال آخر على الاحتكام إلى مفهوم ثنائية الحقيقة نأخذ ما يعرف بمفارقة الكذاب (liar's paradox)، وهي ببساطة كالآتي: إذا قال شخص ما لك ”أنا أكذب عليك“ فهل هو يقول الحقيقة أم لا؟

  • إذا كان يقول الحقيقة، فهو يكذب كما يقول وبالتالي فهو لا يقول الحقيقة
  • وإذا كان لا يقول الحقيقة فجملته كاذبة وبالتالي فهو يقول الحقيقة

فهل يمكن إذاً أن يكون مثل هذا الشخص يقول الحقيقة ولا يقول الحقيقة في نفس الوقت؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن هذا خرق واضح لمبدأ عدم التناقض.

بدون وجود درجة من الغموض، لا تملك اللغات الأدوات التي تمكنها من التعبير عن صدق أو كذب الجمل التي تتكون من مفرداتها. لذلك يجب التزام الحرص الشديد في تعريف المعاني واستخدام الألفاظ.

نظرية المعنى للحقيقة (semantic theory of truth) التي بنيت على أعمال كورت جودل (Kurt Gödel) وألفريد تارسكي (Alfred Tarski) تقول لنا أن المعنى هو ما يهم عندما ننظر إلى الصدق أو الكذب، وليس مجرد الكلمات، فكل لغة لا تملك في داخلها الأدوات التي يمكن أن تعبر بها عن صدق أو كذب كل الجمل التي تصاغ في هذه اللغة، وهناك حاجة ضرورية إلى ’لغة مُعَرِّفَة‘ (metalanguage)، أي لغة تعبر عن اللغة، للتعبير عن الصدق والكذب في اللغة الأصلية، ولهذا فأن أي لغة طبيعية ليست قادرة من نفسها وباستخدام أدواتها الداخلية على التعبير عن صدق أو كذب جملها بدون غموض، وهذا يظهر بوضوح في مفارقة الكذاب.

محاولة التعبير بجملة عن معنى معين وعن صدق أو كذب هذه الجملة في نفس الوقت يؤدي إلى غموض، فهل عندما يقول شخص ما ”أنا أكذب“ فهو يعني أنه يكذب بشأن الجملة التي يقولها (أي أن جملته كاذبة، وبالتالي فهو صادق) أم أنه يكذب بشأن شيء آخر بخلاف الجملة التي يقولها؟ إذا كان يقصد أن يخبرنا بكذب أو صدق الجملة التي يقولها فالغموض نتيجة طبيعية بسبب النقص الكامن في اللغة نفسها والذي حد من قدرتها على التعبير عن صدق أو كذب الجمل المصاغة بها، وهذا النقص مرتبط بنظريتي النقصان لجودل (Gödel's incompleteness theorems)، وإذا كان القائل يقصد أن يخبرنا عن شيء آخر بخلاف الجملة التي يقولها فإن المفارقة تختفي، لأن المعنى هو ما يهم.

في الرياضيات

يستخدم قانون عدم التناقض أحياناً في الرياضيات في بعض الإثباتات، فإذا تمكننا من إثبات أن النقيض من شيء ما هو خطأ بالضرورة، فهذا يعني أن هذا الشيء حقيقي بالضرورة لأن صحة الشيء ونقيضه لا يجتمعان، فمثلاً إذا أثبتنا أن عدداً صحيحاً ليس فردياً، فهذا يكافئ تماماً إثبات أن هذا العدد زوجي، لأن الأعداد الصحيحة إما فردية وإما زوجية.

لإثبات أن الجذر التربيعي للعدد 2 ليس عدداً نسبياً نفترض أن الجذر التربيعي للعدد 2 هو عدد نسبي في صورة \(a/b\) بحيث أن \(a\) و \(b\) عددان صحيحان، وأن \(a/b\) كسر غير قابل للتبسيط، بمعنى أنه لا توجد قواسم مشتركة بين كل من \(a\) و \(b\). تذكر هذه النقطة لأننا سنعود إليها لاحقاً.

\[ \frac{a}{b}=\sqrt{2}\Rightarrow \frac{a^2}{b^2}=2\Rightarrow \color{blue}{a^2=2b^2} \]

هذا يعني بالضرورة أن \(a^2\) عدد زوجي لأنه حاصل ضرب العدد 2 في عدد صحيح آخر. ولأن حاصل ضرب أي عدد فردي في نفسه ينتج عدداً فردياً آخر، فإن \(a\) نفسه لا بد أن يكون عدداً زوجياً. بناء عليه، فإن \(a\) يمكن التعبير عنه في صورة حاصل ضرب \(2\) وعدد صحيح آخر \(k\).

\[ a=2k\Rightarrow \color{blue}a^2\color{black}=\underline{4k^2}\color{blue}=\underline{2b^2}\color{black}\Rightarrow 2k^2=b^2 \]

وهذا يعني بالضرورة أن \(b^2\) هو الآخر عدد زوجي، مما يعني كما ناقشنا أن \(b\) هو أيضاً عدد زوجي. لكننا افترضنا أولاً أن العددين \(a\) و \(b\) لا توجد بينهما قواسم مشتركة، وهذا يناقض كون العددين زوجيين (أي بينهما قاسم مشترك هو العدد \(2\)).

وبما أنه لا يمكن اجتماع صدق أن يكون للعددين قواسم مشتركة وألا يكون لهما قواسم مشتركة، نستنتج أن الجذر التربيعي للعدد \(2\) لا يمكن التعبير عنه في صورة عدد نسبي.

كمثال آخر، إذا كان \(a\) يقبل القسمة على \(210\) وكان \(14a\) لا يقبل القسمة على \(3\)، فهل توجد قيم ممكنة للمتغير \(a\)?

نستخدم التعبير الرياضي \(b \mid a\) للدلالة على أن \(b\) من قواسم \(a\) أو أن \(a\) يقبل القسمة على \(b\).

\[ 3\mid 210 \wedge 210\mid a \Rightarrow \color{blue}3\mid a \\ 3 \nmid 14a \Rightarrow 3\nmid 14 \wedge \color{blue}3\nmid a \]

وبما أنه لا يمكن أن يكون العدد \(3\) من قواسم \(a\) وأيضاً ليس من قواسمه، نستنتج أنه لا توجد أي قيمة تحقق الشروط السابقة.

الخلاصة

النقيض من الشيء هو ما يستلزم عدم وجود هذا الشيء. النقيض من الشيء ليس فقط المختلف (المتمايز) عن الشيء. بعض الأشياء لها مقابل في الاتجاه المعاكس، ولكن ليس لكل شيء مقابل. النقيض من الشيء يحتوي على مقابله إن وجد، ولا يحتوي المقابل بالضرورة على النقيض.

قانون عدم التناقض يعني أن اجتماع الشيء ونقيضه مستحيل.

قانون عدم التناقض يختص بالحقيقة المطلقة الثابتة الواحدة، ولا يختص بالواقع النسبي الذي يعتمد في إدراكه على مقدار معرفتنا وقدرتنا على الملاحظة. حقيقة الواقع جزء من الحقيقة المطلقة، وحقيقة الواقع هي التي تحدد ما يمكن أن ندركه وليس العكس. تناقض فهمنا مع ما نرصده في الواقع يعني أن فهمنا خاطئ وليس أن الواقع غير صحيح.

قانون عدم التناقض يستلزم دقة في تعريف الأفكار—وهو ما ناقشته بالتفصيل في مقال سابق عن قانون التفكير الأول—لتجنب الوقوع في مغالطات مثل الثنائية الزائفة. ثنائية الحقيقة في المنطق تفترض أن قانون عدم التناقض غير ملزم، لكن استخدامها محدود جداً ويتطلب حرص شديد وفهم عميق، ولا حاجة لنا بها مطلقاً إذا ما تم تعريف المعاني بدقة. الاستخدام الخاطئ لها يؤدي إلى انعدام المعنى تماماً وفقدان المنطق لقيمته كلية.


المقال التالي: قانون الوسط المرفوع


نسب المصنفات

  1. رغوة البوليستيرين. بواسطة Phyrexian. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  2. خداع بصري. الصورة الأصلية في الرابط.
  3. كيف يرى مريض عمى الألوان التفاح. بواسطة Limbicsystem. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

هذه الصفحة تستخدم مكتبة ماثجاكس (MathJax Library)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...