بحث هذه المدونة الإلكترونية

قوانين التفكير: قانون الهوية

القانون الأول: قانون الهوية (identity law)

الشيء هو نفسه! س = س

هذه الجملة بسيطة وبديهية لدرجة أنه يكاد يكون من العبث أن نؤكد عليها كقانون للتفكير، فماذا يمكن أن يكون الشيء إلا نفسه؟!

أولاً دعونا نؤكد على أن قوانين التفكير تختص بالأفكار! ألا يبدو هذا سخيفاً؟! قد لا يبدو هكذا عندما نعيد التفكير فيما نعنيه بقانون الهوية.

’الشيء هو نفسه‘ تعود على الأفكار وليس الأشياء المادية، فكل شيء مادي نعرفه له فكرة تقابله في عقولنا، ولكن ليست كل فكرة في عقولنا لها شيء مادي يقابلها. على سبيل المثال، فكرة الحرية مفهومة لدى الجميع، ولكن لا يوجد من يمكنه أن يحمل في يديه شيئاً مادياً هو نفسه الحرية. وإذا وُجِد شيء غير معروف لإنسان ما، فإن فكرة ’الشيء غير المعروف‘ موجودة في الذهن لتقابله.

\[x=x\]

عالم الأفكار إذاً يحتوي على العالم المادي كليةً، ويمتد إلى ما هو أوسع منه.

ما نعنيه بقانون الهوية أن الأفكار لا بد أن تكون مُعَرًَّفة بدقة لتجنب الالتباس الذي يؤدي إلى الاستنتاجات الخاطئة. بخلاف العالم المادي، فإن الأفكار يمكن تشكيلها كيفما شئنا، بل يمكن تشكيلها بأشكال يستحيل وجودها في العالم المادي، فيمكن أن نتخيل أياً ما شئنا، والأساطير القديمة مليئة بالكائنات التخيلية التي لا نجد لها وجود في العالم الحقيقي.

مقارنة الأشياء المادية ببعضها البعض أسهل من مقارنة الأفكار. الأشياء المادية موجودة في حيز الزمان والمكان، ووجودها يحدده هذا السياق، والزمان والمكان مدركان بالحواس، ولذلك يسهل أن ندرك أن الشيء المادي هو نفسه. الأفكار موجودة خارج حيز الزمان والمكان، ولذلك لا بد أن يوضع لها سياق فكري يحدد وجودها لكي لا تختلط ببعضها عن طريق الخطأ، وإيجاد هذا السياق ليس بالأمر اليسير لأنه يتطلب تفكيراً ودراسة، ولا يمكن إدراكه بشكل بديهي بالحواس كما هو الحال في الأشياء المادية.

قانون الهوية يؤكد على أهمية التعريف الدقيق للأفكار.

ونحن كبشر معرضون للوقوع في الخطأ عند التفكير، لأن عملية التفكير الطبيعية في العقل البشري تهدف إلى تعظيم الكفاءة (efficiency) في العمل لا الدقة (accuracy).

عملية التفكير الطبيعية

لون الأسد يساعده على التخفي لاصطياد الفريسة. الفريسة التي لا تهرب في الوقت المناسب تؤكل.[1]

تخيل أنك تمشي في الغابة ورأيت ما تظنه حيواناً مفترساً... الغالبية العظمى من البشر—إن لم يكن كل البشر—سيفرون (إلا إذا كان الغرض الأساسي من الذهاب للغابة هو مقاتلة هذا الحيوان!) ولن ينتظروا ليتأكدوا أن الموقف بالفعل يشكل خطراً يستدعي الفرار، وبهذا فإنهم يعظمون من فرصتهم في البقاء. أو إذا أردت أن تنظر للموضوع من وجهة نظر تطورية صماء، فإن الأفراد الذين تعرضوا لموقف مثل ذلك ولم يهربوا من الحيوانات المفترسة بسرعة لأنهم أرادوا أن يتأكدوا من وجود الحيوان المفترس أولاً كلهم باتوا غذاء لتلك الحيوانات المفترسة، أما الذين هربوا بسرعة قبل أن يتأكدوا أتيحت لهم فرصة البقاء.

وما كان ينطبق على البشر من آلاف السنين ما زال ينطبق علينا إلى اليوم، حتى وإن كان السياق مختلفاً. تخيل أنك تمشي في الشارع وسمعت ما يبدو أنه صوت إطلاق رصاص أو انفجار... رد الفعل المبدئي للغالبية العظمى من الناس أنهم سينحنون أو يرقدون أرضاً، أو يختبئون أو يستترون بشكل أو بآخر، وفقط عندئذ قد يغلب الفضول وقد يحاولون استكشاف ما حدث أو لا يحاولون. لن يكون رد الفعل المبدئي هو استكشاف مصدر ما يبدو خطيراً لتحديد إذا ما كان بالفعل خطيراً.

آليات التفكير البشري تميل إلى توفير الوقت بشكل كبير، وهذا يتم بالضرورة على حساب الدقة في التفكير، ولأن العقل البشري محدود القدرة، تتطلب الدقة وقتاً أطول، والوقت أثمن مورد (resource) عند الإنسان، وفي بعض الأحيان تعتمد حياة الإنسان على التصرف بسرعة أكثر من التصرف بدقة.

عملية التفكير الطبيعية في البشر مبنية لتعظيم الكفاءة في العمل وليس الدقة.

نحن نميل إلى استخدام طرق مختصرة (shortcuts) في عملية التفكير بوجه عام لتوفير الوقت، ونميل إلى التفكير السريع وليس التفكير الدقيق، وإذا كانت عملية التفكير عندنا دقيقة بما يكفي فإننا نبدو راضين تماماً باستنتاجاتنا، بل أحياناً نكون منحازين بشدة لاستنتاجاتنا التي وصلنا إليها عن طريق هذه الطرق المختصرة انحيازاً يكفي لأن نشن حروبنا الشخصية الصغيرة دفاعاً عما نعتقده. البشر في العموم يميلون إلى فقدان التبصر بهذه الحقيقة البسيطة وهي أن تفكيرنا يعَظِّم الكفاءة لا الدقة، وربما كان من أسباب هذا التعامي أن هذه الصفة شائعة جداً في البشر وتبدو كأنها من صميم بنيان العقل البشري، ولذلك يحتاج الإنسان الى الكثير من المجهود الفكري لإدراكها.

كم مرة سمعت عن ضابط شرطة (أو أي إنسان مسلح) أطلق الرصاص على شخص ما لأنه ظن أن هذا الشخص مسلح وخطر، ثم اتضح أنه مخطئ؟! للأسف هذه ليست حادثة نادرة، والطريق المختصرة التي تعمل في عقولهم في مثل ذلك الوقت هي

  • هذا الشخص يبدو أنه مسلح
  • وهو يبدو أنه ينوي استعمال سلاحه
  • وإذا استعمل سلاحه فقد يقتلني
  • أنا أريد أن أعيش
  • إذاً عليّ أن أمنع ذلك من الحدوث
  • أنا أحمل سلاحاً ويمكني استخدامه
  • إذا استخدمت سلاحي سأمنع هذا الشخص من قتلي
  • القانون يعطيني الحق في الدفاع عن نفسي
  • إذاً لن أعاقب إذا قُتِل هذا الشخص في حالة دفاعي عن نفسي
  • إذاً سأستخدم سلاحي حتى لو أدى ذلك إلى مقتل هذا الشخص

بالطبع لا أحد في موقف مثل ذلك سيأخذ وقتاً للتفكير في كل ذلك بالتفصيل، ولكنهم ببساطة يتصرفون طبقاً لما يظنونه صحيحاً. الكلمة المهمة هنا هي كلمة ’يبدو‘ المذكورة عاليه، وأنهم يظنون أن ما يفعلونه صحيحاً.

مثل هذه الطريقة في التفكير التي تقفز إلى استنتاجات سريعة قد تكون جيدة لبقاء النوع، ولكنها أحياناً تؤدي إلى حكم سيء على الموقف، وهي ترتبط بمغالطة منطقية تسمى ’مغالطة المنحدر الزلق‘ (slippery slope fallacy)، وتستخدم كثيراً في تخويف الجموع، وخصوصاً لأغراض سياسية.

كم من مرة في التاريخ اتبع فيها جماهير غفيرة من الناس بعض الأفكار الخاطئة فقط لأن الأغلبية كانوا يفعلون ذلك؟! الطريق المختصر في هذه الحالة هو

فرار جماعي لقطيع من التيتل الإفريقي[2]
  • أنا أريد ما فيه الخير لي وليس ما فيه الأذى
  • أفترض أن أغلبية البشر يفكرون مثلما أفكر
  • إذاً ما يفعله الأغلبية من البشر هو ما فيه الخير لهم
  • أنا لا أملك المعرفة ولا الوقت اللازمين للتفكير في هذا الأمر (وربما لا أريد بذل الوقت والجهد فيه أو عندي من الأمور ما هو أولى)
  • أفترض أن الأغلبية فكروا في الأمر قبل أن يقرروا ما يفعلونه
  • إذاً لا بد أن أفعل ما يفعله الأغلبية

هذا النوع من التفكير هو في حقيقة الأمر شائع جداً، وهو أساس المغالطة المنطقية المسماة ’الاحتكام إلى الشيوع‘ (Appeal to popularity) أو ’الاحتكام إلى الأرقام‘ أو ’الاحتكام إلى الجموع‘ أو ’الجدلية القائمة على الإجماع‘، وهو يشابه ما يحدث في عالم الحيوان عندما يبدأ عدد كافٍ من القطيع في الجري في اتجاه ما، فيتبعه كل القطيع بشكل سلبي بدون أن تعرف الحيوانات ماذا يفرون منه أو ماذا يجرون تجاهه.

فيديو عن نوع من تجارب آش للمضاهاة يوضح كيف أن اتباع الأغلبية يمكن أن يكون ضاراً

هناك مجموعة من التجارب الشهيرة تسمى ’تجارب آش للمضاهاة‘ (Asch conformity tests) وتنويعاتها المختلفة التي قدمت دليلاً على أن هناك نوعاً من الغريزة تحثنا على مضاهاة الأغلبية. هذه الغريزة يبدو أنها تصب في مصلحة بقاء النوع، لكنها ليست خيراً مطلقاً، والكثير من الضرر حدث للبشرية بسبب الانسياق وراء هذه الغريزة بدون تفكير. الفرق بين الحيوان والإنسان أن الإنسان يمكنه أن يروض هذه الغريزة ويخضعها للعقل، فاتباع الأغلبية مفيد في حالات محدودة، لكنه عديم القيمة وربما مضر أيضاً حينما يتعلق الأمر بالموضة والدعاية المغرضة. على الجانب الآخر، كم من الناس في تاريخ العلم تحدوا المعتقدات السائدة في عصرهم وفكروا بشكل مجَدِّد؟ هؤلاء كانوا عدداً قليلاً جداً لدرجة أنهم يشكلون نسبة صغيرة مهملة مقارنة بكل من عمل في مجال العلم، لكن هؤلاء هم الذين أحدثوا التغيرات الجذرية الثورية في العلم عن طريق عدم اتباع الأغلبية!

بناء العقل البشري يعَظِّم الكفاءة لا الدقة، لكن يمكن أن نتجاوز هذه ’الإعدادات الافتراضية‘ (default settings) في أغلب المواقف ونفكر بدقة، بل إننا يجب أن نفعل ذلك في كل موقف ممكن، فإن كانت هذه الإعدادات الافتراضية تمكن الإنسان من توفير الوقت مع الوصول إلى أقرب نتيجة إلى الصواب، فإن العقل البشري يملي عليه أن يبذل الجهد والوقت في التفكير كلما أمكن، لأن شيئاً في الإنسان يدفعه إلى البحث عن الحقيقة دائماً.

لكن التفكير الدقيق لا يعيقه فقط عملية التفكير الطبيعية، لكن تعيقه أيضاً اللغة الطبيعية.

غموض اللغات الطبيعية

لافتة قف
هل يمكنك الجلوس عند هذه اللافتة؟ تحديد المعنى المقصود يعتمد على سياق استخدام كلمة ’قف‘.[2]

اللغات الطبيعية (Natural languages) هي تلك اللغات التي استخدمها الإنسان في حياته اليومية للتواصل منذ فجر التاريخ، وقد تطورت بشكل طبيعي بناء على عملية التفكير، بدون إعطاء اهتمام خاص للقواعد والدقة، وإنما جاءت القواعد في مرحلة لاحقة عندما بدأت اللغات في النضوج، وكان للغات البدائية بعض الأشكال اللغوية البسيطة كمتطلب ضروري لأي لغة ليمكن استخدامها.

واللغة ليست مجرد وسيلة تواصل بين البشر، وإن كان الاستخدام البادي لها هو كذلك. اللغة وسيلة للتفكير كما هي وسيلة للتواصل، ولأن الحديث في السياق الحالي لا يختص باللغة فلن أطيل الحديث عن ارتباط اللغة بالتفكير، لكنني أود أن ألفت النظر إلى ارتباط اللغة في تركيبها العام بعملية التفكير الطبيعية، فاستخدام اللغة أيضاً يهدف إلى تعظيم الكفاءة في استخدام الموارد العقلية (وربما الوقت كذلك) لا الدقة في التعبير.

الكلمات في اللغات الطبيعية تستخدم بأكثر من معنى، ويمكن للقارئ بكل سهولة التأكد من ذلك عن طريق مراجعة أي معجم لأي لغة، وسيجد أن معظم كلمات اللغة لها أكثر من استخدام، بل إن الكثير من الكلمات في اللغة تصف شيئاً مبهماً إلى حد ما، ويتحدد المعنى الدقيق للكلمة بناء على السياق الذي تستخدم فيه، وعلى مجموعة من الفرضيات في ذهن المتكلم والمستمع.

والسياق من المحددات العظمى لكيفية فهمنا للكلمات، وفي اللغة العربية المكتوبة يظهر هذا أكثر من العديد من اللغات الأخرى لأن اللغة العربية تعتمد في فهم كلماتها على التشكيل الذي قليلاً ما يستخدم، كما أنه مستحدث في اللغة، ويعتمد الكاتب على أن القارئ سيفهم المعنى المقصود للكلمة من سياقها. فمثلاً كلمة ’كبر‘ يمكن أن تقرأ:

  • ’كَبُرَ‘ بمعنى زاد أو نما، أو
  • ’كَبَّرَ‘ بمعنى جعل الشيء يكبر أو ينمو، أو بمعنى التكبير في قول ”اللهُ أَكْبَرُ“، أو
  • ’كَبِرَ‘ أي زاد في السن، أو
  • ’كَبَرَ‘ فيقال كَبَرَ فلان فلاناً بسنة أي زاد عليه في السن سنة، أو
  • ’كِبَر‘ وهو عكس الصِغَر،
  • أو ’كِبْر‘ بمعنى الكبرياء والاستعلاء أو بمعنى العظمة والرفعة، أو
  • ’كُبْر‘ وهو الأكبر من الأبناء أو من القوم، أو
  • ’كُبُرّ‘ وهو أكبر الأبناء، أو
  • ’كِبْر‘ و’كُبْر‘ الشيء وهو معظمه، أو
  • ’كُبَر‘ وهي جمع كبرى، أو
  • ’كَبَر‘ وهو نبات له شوك وهو أيضاً طبل له وجه واحد

وكلها لها نفس الشكل في الكتابة مع اختلاف التشكيل فقط. ليس هذا وحسب، بل إن الكلمة الواحدة بنفس التشكيل وبنفس النطق المسموع قد يكون لها أكثر من معنى على حسب السياق وهذا واضح في بعض الأمثلة السابقة، وكمثال آخر فإن كلمة ’عَيْن‘ تعني أشياء مختلفة في سياقات مختلفة، فمثلاً:

  • ”أبصرته بعيني“ تشير إلى العضو في الجسم المسؤول عن الرؤية
  • ”استقيت من عين ماء“ تعني نبع ماء
  • ”أرسلت عيناً يتجسس عليه“ صورة بلاغية تعني جاسوساً
  • ”هذا البيت عينه بيتي“ تستخدم للتوكيد
  • ”فلان عين أعيان البلدة“ تشير إلى الوجاهة في القوم
  • ”عين الإبرة“ تشير إلى فجوة في الشيء
  • ”فلان أصابته عين“ صورة بلاغية تشير إلى الحسد

وليس السياق اللغوي هو المحدد العظيم الوحيد لمعنى الكلمات، بل سياق الموقف أيضاً، لا سيما في حالة التواصل اللفظي أو التواصل وجهاً لوجه، الكثير من المعنى الذي نفهمه يصل إلينا عن طريق التواصل غير اللفظي (Non-verbal communication). فكر في المعاني الممكنة التي يمكن أن تحملها كلمة ’نعم‘ في العامية المصرية! اعتماداً على الموقف وكيفية نطق الكلمة وتعبيرات الوجه فإنها يمكن أن تكون استجابة لنداء، ويمكن أن تكون تعبيراً عن دهشة، ويمكن أن تكون تعبيراً عن ضجر من إلحاح، ويمكن أن تكون استنكاراً (وتنطق حينئذ ’ناااعااام‘).

الغموض من خصائص اللغات الطبيعية، وهو في صالح الكفاءة في استخدام اللغة على حساب الدقة والوضوح.

وكما رأينا في الأمثلة السابقة (ويمكن للقارئ التفكير في الكثير غيرها) فإن السياق اللفظي وسياق الموقف وسياق لغة الجسد تشترك جميعاً في إعطاء الكلمات معاني مختلفة. هذا في صالح الإنسان لأن طاقة الذاكرة البشرية محدودة، وبالتالي فإن استخدام تراكيب من عدد محدود نسبياً من الكلمات مع عدد محدود نسبياً من السياقات يمكن البشر من التعبير عن عدد أكبر بما لا يقاس من الأفكار.

مثال على ’التعبير الاصطلاحي‘ (Idiom) وهو شائع في الأمثلة الشعبية

ليس هذا فحسب، بل إننا نستخدم اللغة في التعبير عن المشاعر أيضاً. التعبير عن المشاعر ليس بالأمر اليسير، لأن المشاعر تجربة شخصية تماماً، ونحن نفترض أن الآخرين يشعرون بما نشعر به، لكن لا يوجد ما يدل على أننا جميعاً نمر بنفس التجربة الشعورية، وتوجد الكثير من الأدلة في حياتنا اليومية على أننا نختلف في مقدار ما نشعر به، ولعلنا نختلف أيضاً في نوع ما نشعر به، والتحدي الكبير هنا أن تتمكن من توصيل شيء لا يشعر به سواك إلى شخص آخر، ولهذا فإنني أعتقد أن التعبيرات الاصطلاحية (Idioms) نشأت لهذا السبب، أو على الأقل كان لذلك دور جزئي في نشأتها. نحن نستخدم مثل هذه التعبيرات لتوصيل أفكار لا علاقة لها على الإطلاق بالمعنى الحرفي للكلمات، فنقول مثلاً ”القرد في عين أمه غزال“ للتعبير عن انحياز وجهة نظر المحب لمن يحبه، ونقول ”حبيبك يبلع لك الزلط“ للتعبير عن أن المحب يتجاوز عن الكثير من أخطاء وعيوب من يحبه، وهكذا.

اللغات الطبيعية أبعد ما يكون عن الدقة، والكلمة يمكن أن يكون لها أكثر من معنى، وأحياناً التعبيرات لا يكون لها علاقة على الإطلاق بالمعني الحرفي للكلمات!

بالإضافة إلى ذلك فإننا نفترض أن بعض الأشياء مستحيل—وهو غير ذلك—ونهمل تماماً أن يكون للكلام مثل هذا المعنى بناء على فرضيتنا هذه. على سبيل المثال في قولنا في الحديث عن تقسيم الميراث ”فلان أكل أخته“ نفهم منها أن المراد تشبيه ميراث الأخت بالطعام، وليس أن فلاناً بالفعل أكل لحم أخته، على الرغم من عدم وجود ما يمنع أن يتحقق هذا بالفعل، لكنه مستبعد لشدة ندرة حدوثه، فنفهم من الكلام ما يبدو لنا معقولاً وارد التحقق.

مثل هذه التعبيرات لا تقتصر على اللغة العربية، بل كل اللغات الطبيعية بها تعبيرات مماثلة ولها خصائص مماثلة، وهذا الغموض في اللغة الطبيعية يتفق مع اتجاه عملية التفكير الطبيعية إلى تعظيم الكفاءة لا الدقة، وكما أن تحديد الأفكار بدقة في الذهن يتطلب جهداً، كذلك يتطلب التعبير عن الأفكار بدقة جهداً ويتطلب فهم الأفكار بشكل معقول جهداً، ويكون عبء هذا الجهد واقعاً على كل من المتحدث والمتلقي وإذا ما بدأنا في التفكير بشكل فضفاض فإننا قد ننتهي إلى الخلط بين هذه الأفكار، كما لو كنا نعدّ ثمار التفاح والبرتقال معاً على أنهما نفس النوع من الفاكهة.

النتائج المترتبة على ما سبق

مثال مضحك باللغة الإنجليزية يتضمن شيئاً من المواربة التي ينتج عنها سوء تفاهم.

لا توجد فكرتان متطابقتان تماماً، فلو تطابقت فكرتان تماماً بلا أدنى فرق لصارا نفس الفكرة (وهو ما سنناقشه في القانون الرابع) لكن غالباً ما توجد فكرتان متشابهتان بما يكفي ليظن الناس أنهما فكرة واحدة وتوجد سياقات مبهمة إلى حد ما تجعل تحديد المعاني في الأذهان عرضة للالتباس.

وأصغر فرق في المعنى يمكن أن يؤدي إلى انحراف عملية التفكير عن المسار الذي قُصِد لها، ومثل هذه الانحرافات عادة لا يكون لها أثر ضخم في التواصل اليومي بين الناس، وهذا دليل على أن عملية التفكير الطبيعية واللغة الطبيعية بشكلهما الحالي على قدر كبير من الكفاءة، لكن توخي الحذر أمر ضروري عند التفكير في موضوعات جسيمة أو مهمة، أو إذا كانت الآثار المترتبة على التفكير ذات شأن عظيم.

استخدام الأفكار أو الكلمات بشكل فضفاض في الجدل المنطقي بحيث يكون لها أكثر من معنى في نفس السياق هو مغالطة منطقية تسمى ”المواربة“ (Equivocation)، مثل أن نقول

  • ”يأكل فلان بحذاء صاحبه“ أي إزاء أو مقابل صاحبه
  • ”وصاحبه لا يملك إلا حذاءً واحداً“ أي نعلاً واحداً
  • ”إذاً صاحبه الآن حافي القدمين!“

وفي هذا مغالطة لأن كلمة ’حذاء‘ ليس لها نفس المعنى في الجملتين. لكن المواربة ليست دائماً بهذا الوضوح، وكمثال آخر نجد بيت الشعر التالي المنسوب إلى إسماعيل صبري، وفيه جناس تام، وتظهر الفكرة مع الشعر المسموع أكثر من المقروء:

طَرَقْتُ الْبَابَ حَتَّى كَلَّ مَتْنِي... فَلَمَّا كَلَّ مَتْنِي كَلَّمَتْنِي

فجملة ’كل متني‘ تعني ’تعب ذراعي‘، وجملة ’كلمتني‘ تعني ’خاطبتني‘ (من الكلام)، أو قد تعني ’جرحتني‘ (من الكَلْم أي الجرح). وإذا كان بيت الشعر مسموعاً، يمكن أن تُفهَم الشطرة الثانية على أنها ”فلما كلمتني كلمتني“ بمعنى ’فلما خاطبتني جرحتني‘، إذ أن بيت الشعر التالي لذلك هو

فَقَالَتْ لِي يَا إِسْمَاعِيلُ صَبْرَا... فَقُلْتُ لَهَا يَا أَسْمَا عِيْلَ صَبْرِي

فيجوز أن يُفْهَم المعنى على أنه يشعر بالجرح النفسي من الرد الذي تلقاه (وعندئذ تُفهَم ’كلمتني‘ على أنها ’جرحتني‘)، ويجوز أيضاً أن يُفهَم على أنه مجرد سرد لما حدث (وعندئذ تُفهَم ’كلمتني‘ على أنها ’خاطبتني‘). وربما في سياق الشعر قد لا يحدث هذا فرقاً كبيراً، لكن في سياق قانوني مثلاً فالفرق بين المخاطبة والجرح يترتب عليه آثار كبيرة.

وما أود التركيز عليه هنا أن وضوح المعنى بدقة هو ما يجب الانتباه إليه، وعند وجود شبهة التباس يجب استيضاح المعنى قبل التوغل في التفكير، أي يجب أن نتأكد أن الفكرة هي نفسها فلا نخلط بين فكرتين متشابهتين (أو أكثر) ونعتبرهما فكرة واحدة. وأترك للقارئ التفكير في أمثلة أخرى للمواربة.

في الرياضيات

الغموض غير مقبول في الرياضيات، وكل شيء في الرياضيات يجب أن يكون له معنى واحد فقط لا غير في سياقه، وبالطبع يمكن أن يختلف معنى الرمز الواحد في السياقات الرياضية المختلفة، لكن في مثل هذه الأحوال فإن تقرير المعنى بوضوح أمر واجب، وفي العموم فإن الوضوح والدقة قواعد جيدة للتطبيق في عملية التفكير، على الرغم من أنهما لا يتماشيان مع الغريزة التي تدفعنا إلى أن نعمل بكفاءة، لكنهما قد نقلا الإنسان نقلة كبيرة من زمن الصيد وجمع الطعام من البرية إلى عصرنا الحاضر.

في المثال التالي، إذا كانت \(i^2=-4\)، فما هي قيمة \(i\)؟

بأخذ الجذر التربيعي للطرفين، فإن \(i=\sqrt{-4}=\sqrt{4\times-1}=\pm2\sqrt{-1}\)

ومن المعروف أن \(i^2=-1\) بحيث أن \(i\) هو الوحدة التخيلية، وقد يكون من المغري أن نكتب \(i=\pm2i\)، والتي بالقسمة على \(i\) ينتج عنها أن \(1=\pm2\) وهذا بالطبع خطأ!

الخطأ هنا ناتج عن اعتبار أن \(i\) في رأس السؤال هي نفسها \(i\) المعبرة عن الوحدة التخيلية، فالأولى \(i^2=-4\) ليست كالأخيرة \(i^2=-1\)، ولهذا فإلغاؤهما من طرفي المعادلة بالقسمة خطأ، بل إن استخدام نفس الرمز ليعني شيئين مختلفين في نفس السياق الرياضي هو من كبائر الأخطاء، وفي السياقات التي يستخدم فيها الرمز \(i\) للتعبير عن شيء بخلاف الوحدة التخيلية (مثلما هو الحال في الكهرباء حيث ترمز \(i\) إلى شدة التيار)، يستخدم الرمز \(j\) للتعبير عن الوحدة التخيلية.

في الرياضيات يفترض دائماً أن الرمز الواحد له معنى واحد في نفس السياق الواحد، وما ينطبق على الرمز \(i\) ينطبق كذلك على كل الرموز الرياضية الشهيرة مثل \(\pi\) و \(e\) و \(\varphi\) و \(\phi\) وغيرها.

الخلاصة

قانون التفكير الأول يؤكد على ضرورة تعريف الفكرة بدقة ووضوح لتجنب الوقوع في الخطأ، وهذا ليس بالأمر اليسير لأن عملية التفكير الطبيعية واللغات الطبيعية أيضاً تهدف إلى تعظيم الكفاءة لا الدقة، وعلى الإنسان بذل الجهد الواعي لضبط الأفكار وتعريفها بشكل واضح ليتجنب الوقوع في مغالطات مثل المواربة أو مغالطة المنحدر الزلق.


المقال التالي: قانون عدم التناقض


نسب المصنفات

  1. لبؤة تماهي الطبيعة من حولها للتخفي. الصورة الأصلية في الرابط.
  2. فرار جماعي لقطيع من التيتل الإفريقي. بواسطة Simon McNorton. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 2.0 عام. الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

هذه الصفحة تستخدم مكتبة ماثجاكس (MathJax Library)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...