بحث هذه المدونة الإلكترونية

قوانين التفكير: قانون الوسط المرفوع


المقال السابق: قانون عدم التناقض


القانون الثالث: قانون الوسط المرفوع (law of the excluded middle)

لا يوجد وسط بين وجود الشيء وعدمه. إما ’س‘ وإما ’ليس س‘ ولا يوجد شيء بينهما.

هل هذا يبدو ’أبيض وأسود‘ بدرجة غير مقبولة؟! هل كل شيء في الوجود فعلاً يقع في مجموعة من هاتين المجموعتين؟ هل يمكن أن نختصر كل شيء في الوجود لمثل هذه الثنائية (dichotomy) ؟ مجدداً أؤكد على أن كل شيء يعتمد على معنى ما تفهمه. في نقاشي السابق عن قانون عدم التناقض ذكرت الثنائية الزائفة (false dichotomy)، وقانون الوسط المرفوع يبدو وكأنه يعني تماماً مثل تلك الثنائية.

\[x\vee \neg x\]

قانون الوسط المرفوع لا يعني مطلقاً الثنائية الزائفة، ولا يعني مطلقاً أن كل شيء في الوجود ينقسم إلى حالتين اثنتين فقط. فمثلاً الحرف ’ب‘ إما هو الحرف ’باء‘ وإما ليس هو الحرف ’باء‘، والحالة الأخيرة تتضمن ٢٧ حرفاً آخر من حروف اللغة العربية، وهذا يختلف بشكل جوهري عن الثنائية الزائفة التي قد تكون جدليتها مشابهة لما يلي:

”بما أن الحرف ’ن‘ ليس ’باء‘، إذاً فهو ’ألف‘“

وهذه مغالطة لأنها تفترض أن الحروف إما ’ألف‘ أو ’باء‘ ولا توجد حروف أخرى. لاحظ كيف يختلف هذا المعنى عن القول بأن الحروف إما ’ألف‘ وإما ’ليس ألف‘ ولا يوجد وسط بين هذا وذاك.

قانون الوسط المرفوع يضع كل شيء بخلاف ’س‘ في المجموعة ’ليس س‘، ولو وجد عدد لانهائي من الكيانات أو الحالات المتمايزة فإن واحداً منها فقط هو ’س‘ وكل ما سواه هو ’ليس س‘، وهذا لا يترك شيئاً آخر بخلاف هاتين الحالتين. ذكرت سابقاً أن الحقيقة مركبة، وسأناقش هذه الفكرة فيما يلي.

الحقيقة مركبة

الحقيقة ليست شيئاً بسيطاً لا يمكن تقسيمه، بل يجب فهمها على أنها مجموعة متماسكة من أشياء صغيرة لا يمكن تقسيمها، وكل من هذه الأشياء الصغيرة هو بالضرورة حقيقي بشكل مطلق أيضاً، ونقيض كل من هذه الأشياء هو بالضرورة خطأ بشكل مطلق. أجزاء الحقيقة تتشابك مع بعضها وتكمل بعضها مثل قطع الألغاز (puzzles)، وهي مترابطة (coherent) مع بعضها البعض، وهذا يعني أن قطعة من الحقيقة لا تناقض قطعة أخرى، وأحد أسباب الالتباس أننا لا نملك كل قطع الحقيقة، أي لا نعرف كل الحقيقة المطلقة.

الحقيقة مركبة ومعقدة

لنفترض أن معي تفاحة وبرتقالة وعنقود عنب، فحينئذ تكون جملة ”ليس معي تفاحة ولا برتقالة ولا عنقود عنب“ بالضرورة جملة خاطئة. فماذا عن جملة ”معي برتقالة“ أو جملة ”معي تفاحة“ أو جملة ”معي عنقود عنب“. أليست كلها وسطاً بين جملة ”معي تفاحة وبرتقالة وعنقود عنب“ وبين جملة ”ليس معي تفاحة ولا برتقالة ولا عنقود عنب“؟

قانون الوسط المرفوع يعنى بالوسط بين الحقيقة والكذب ولا يعنى بأجزاء الحقيقة.

ليس المقصود بالوسط في قانون الوسط المرفوع أجزاء الحقيقة. الجمل السابقة التي تذكر نوعاً واحداً من الفواكه دوناً عن الباقي كلها جمل حقيقية، وليست وسطاً بين الحقيقة والكذب. الخلط بين مفهوم الوسط بمعنى ’الجزء من الكل‘ ومفهوم الوسط القصود في سياق قوانين التفكير هو السبب في سوء الفهم، وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى أهمية التعريف الدقيق للأفكار. الوسط في السياق الحالي يعني الوسط بين الحقيقة والكذب، والمقصود هنا أنه لا يوجد وسط بين الحقيقة والكذب.

أجزاء الحقيقة هي أيضاً حقيقية، وهي ليست أجزاء من نقيض الحقيقة، وأجزاء الحقيقة ليست المقصودة بقانون الوسط المرفوع.

فإذا سئلت عما معي من فاكهة فقد أجيب ”معي برتقالة“ ولا أذكر الباقي، وفي هذه الحالة لست أكذب. أما إذا سئلت عن كل ما معي من فاكهة، تكون إجابة ”معي برتقالة“ كذباً! إذا لم يحتوِ السؤال على كلمة ’كل‘ فإن الإجابات التالية كلها صادقة:

  • معي برتقالة
  • معي تفاحة
  • معي عنقود عنب
  • معي برتقالة وتفاحة
  • معي برتقالة وعنقود عنب
  • معي تفاحة وعنقود عنب
  • معي برتقالة وتفاحة وعنقود عنب

والإجابة الأخيرة فقط هي الإجابة الصادقة عن سؤال ”ما كل ما معك من فاكهة؟“ قانون الوسط المرفوع يعني إما كل هذه الإجابات السبع إجابات صادقة للسؤال عما معي من فاكهة، وإما ليست كلها إجابات صادقة. وليلاحظ القارئ أن تعبير ’ليست كلها إجابات صادقة‘ يعني أن واحدة منها على الأقل إجابة كاذبة.

الحقيقة ليست كياناً لا يقبل التجزئة. الحقيقة المطلقة بالغة التعقيد.

ولأن الحقيقة مركبة ومعقدة تعقيداً بالغاً، فإن التوافيق الممكنة من أجزاء الحقيقة كثيرة بما يجعلها تبدو لانهائية من المنظور الإنساني المحدود، لكن يمكن الحد من تلك التوافيق بالنظر إلى كل الحقيقة على قدر معرفتنا، فكما رأينا في المثال السابق توجد إجابة واحدة فقط صادقة للسؤال عن كل ما معي من فاكهة.

وفي هذا المثال السابق نرى كيف أن وجود ٣ أجزاء متمايزة للحقيقة يؤدي إلى وجود ٧ جمل تعبر عن الحقيقة وواحدة منها فقط تعبر عن كل الحقيقة، فإذا احتوت الحقيقة على ١٠ أجزاء متمايزة وجدت ١٠٢٣ جملة مختلفة تعبر عن الحقيقة، وإذا احتوت الحقيقة على ٥٠ جزءًا متمايزاً وجدت ١ ١٢٥ ٨٩٩ ٩٠٦ ٨٤٢ ٦١٩ جملة مختلفة تعبر عن الحقيقة، وفي جميع الحالات توجد جملة واحدة فقط تعبر عن كل الحقيقة.

عددالتوافيق المختلفة \(N\) التي تعبر عن الحقائق الجزئية يعتمد على عدد الأجزاء المتمايزة \(n\) للحقيقة ويمكن حسابه كالآتي:

\[N=\sum\limits_{i=1}^{n}{}^nC_i\]

وقد يبدو لنا خطأً أن قانون الوسط المرفوع غير صحيح أو غير قابل للتطبيق، وذلك لأننا لا نهتم بدقة التعريفات، ولا نفرق بين الحقيقة الجزئية والحقيقة الكلية، وربما لهذا السبب (على الأقل جزئياً) نرى أن قَسَم الشهادة في المحاكم الغربية يحتوي على عبارة ”الحقيقة، كل الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة“ (the truth, all the truth, and nothing but the truth)، فالحقيقة الجزئية ليست كذباً، لكنها يمكن أن تكون مضللة لأن المستمع قد يفترض أنها كل الحقيقة، وهنا تكمن المغالطة.

وبالنظر للحقيقة الجزئية نجد أنها حقيقية بالضرورة ونقيضها كاذب بالضرورة، ولا يوجد بينهما وسط، ففي المثال السابق، إما معي برتقالة وإما ليس معي برتقالة ولا يوجد بين الحالتين وسط، وحتى لو أن معي برتقالتين فإن جملة ”معي برتقالة“—وهي حقيقة جزئية في هذه الحالة—جملة صادقة، ونقيضها وهو جملة ”ليس معي برتقالة“ جملة كاذبة، وسبب الالتباس هو افتراض المتلقي أن جملة ”معي برتقالة“ تعني أن معي برتقالة واحدة فقط، بينما لو كان معي ألف برتقالة فجملة ”معي برتقالة“ تظل حقيقية.

الاجتماع مقارنة بالانتفاء

بينما ينص قانون عدم التناقض على أن الشيء ونقيضه لا يجتمعان، ينص قانون الوسط المرفوع على أن الشيء ونقيضه لا ينتفيان! اجتماع شيئين يعني أن كليهما حقيقي، أما انتفائهما فيعني أن كليهما خطأ، فإذا كان بين الشيء ونقيضه خيار ثالث فحينئذ يمكن أن يكون الشيء ونقيضه خطأ والخيار الثالث هو الحقيقي.

قانون الوسط المرفوع يعني أن الشيء ونقيضه لا ينتفيان.

وهنا يبدو أن بعض الحالات تناقض قانون الوسط المرفوع. على سبيل المثال، إذا سئلت ”هل السماء تمطر؟“ في أغلب الأحوال لن يوجد التباس في الإجابة، فإما إنها تمطر وإما لا تمطر، لكن في أحوال قليلة تكون قطرات الماء النازلة من السماء صغيرة جداً وقليلة العدد بحيث قد يعتبر البعض أنها لا تمطر ويعتبر البعض الآخر أنها تمطر. في العامية المصرية نقول ”السما بتندع“. فهل في هذه الحالة تكون جملة ”السماء تمطر“ حقيقية أم كاذبة؟ وهل تكون جملة ”السماء لا تمطر“ حقيقية أم كاذبة؟

غموض التعريفات قد يؤدي إلى صعوبة تطبيق قانون الوسط المرفوع على سؤال مثل ”هل السماء تمطر؟“[1]

قد يميل البعض إلى اعتبار أن الجملتين السابقتين في هذه الحالة خاطئتين، فلا يمكن القول بأن جملة ”السماء تمطر“ حقيقية، ولا يمكن القول أيضاً بأن نقيضها وهي ”السماء لا تمطر“ حقيقية. إذا وافقنا على هذا، فالمعنى ونقيضه ينتفيان، وتوجد حالة ثالثة على الأقل بينهما، وبالتالي ينتفي قانون الوسط المرفوع.

المشكلة هنا ليست في قانون الوسط المرفوع، لكنها في عدم دقة التعريفات. في معرض النقاش بشأن قانون التفكير الأول تكلمت عن غموض اللغة الطبيعية، وكيف أن التعريف الدقيق للفكرة لازم للتفكير المنطقي، ومشكلة المثال السابق هو التعريف غير الدقيق لجملة ”السماء تمطر“. فإذا كان تعريف المطر هو أي ماء ينزل من السماء، فالحالة السابقة يصح فيها جملة ”السماء تمطر“ وينتفي نقيضها، وإذا كان تعريف المطر هو نزول ماء بكثافة معينة فالحالة السابقة يصح فيها جملة ”السماء لا تمطر“ وينتفي نقيضها.

مفارقة الكومة

Sorites paradox
هل إذا أخذنا حبة رمل من كومة من الرمل لا تصير كومة فيما بعد؟![2]

اسم مفارقة الكومة (sorites paradox) مشتق من الكلمة اليونانية σωρητες وتعني ’كومة‘. المفارقة ببساطة تسأل السؤال الآتي:

”هل إذا أخذنا حبة رمل واحدة من كومة رمال تظل كومة كما هي أم ينتفي كونها كومة؟“

الإجابة الواضحة والطبيعية عند معظم الناس أن الكومة ستظل كومة وأن أخذ حبة رمل واحدة منها لن يؤثر على كونها كومة. ولكن إذا كانت كومة الرمل تتكون من مليون حبة رمل، وإذا كان أخذ حبة منها لن يؤثر على كونها كومة، فإن ٩٩٩ ٩٩٩ حبة رمل تشكل كومة من الرمال.

وأخذ حبة رمل من هذه الكومة الأخرى لن يؤثر على كونها كومة، وبالتالي فإن ٩٩٩ ٩٩٨ حبة رمل تشكل كومة من الرمال.

وهكذا يمكننا الاستمرار حتى نصل إلى استنتاج أن حبة واحدة من الرمل تشكل كومة رمال، وإذا كان أخذ حبة رمل واحدة من هذه الكومة لن يؤثر على كونها كومة رمل، فإن لا شيء على الإطلاق هو أيضاً كومة رمال!!

المهم في هذا السياق هو إجابة السؤال الأصلي: ”هل تظل كومة الرمال كومة إذا أخذنا حبة رمل واحدة منها؟“ إذا طبقنا قانون الوسط المرفوع، فإن الإجابة يتحتم أن تكون واحدة من اثنتين: إما أنها تظل كومة وإما أنها لا تظل كومة، ولا يوجد وسط بينهما، لكن هذا يتنافى مع البديهة، فالكل سيتفق على وجوب أن نتوقف عن تسمية ما بقي من الرمال ’كومة‘ عند حد معين، وإن اختلفنا على هذا الحد.

قانون الوسط المرفوع لا يتعامل مع الأفكار الغامضة، واستخدامها قد يؤدي إلى تضارب مع هذا القانون.

بالرجوع إلى النقاش حول قانون التفكير الأول وما يحتويه عن غموض اللغات الطبيعية، نصل إلى نقطتين هما السبب في هذه المفارقة:

  • كومة الرمال المكونة من مليون حبة رمل ليست هي كومة الرمال المكونة من ألف حبة رمل، وكلمة ’كومة‘ في الحالتين لا تشير إلى الشيء نفسه، وأخذ حبة رمل واحدة من كومة منهما ليس له نفس التأثير عليها كأخذ حبة رمل واحدة من الأخرى.
  • كلمة ’كومة‘ في اللغة هي مثال صارخ لغموض اللغات الطبيعية، والمنطق التقليدي لا يتعامل مع الأفكار الغامضة، ويلزمه وضوح شديد، وهو ما ينتفي بالضرورة عند استخدام كلمة غامضة مثل ’كومة‘. الكلمة غامضة لدرجة أن شخصاً ما قد يعتبر قدراً من الرمال كومة وشخصاً آخر لا يعتبر الشيء نفسه كومة.

وكما ناقشت من قبل، فإن استخدام مثل هذه الكلمات الغامضة يعطي اللغات الطبيعية كفاءة على حساب الدقة، ونجد في اللغات الطبيعية الكثير من الكلمات المشابهة مثل ’بعض‘ و’حزمة‘ و’قبضة‘ و’الكثير‘ و’القليل‘، إلخ... حل هذه المفارقة لا يوجب خرق قانون الوسط المرفوع، بل يوجب الدقة في التعريف، وإن كان لا بد من استخدام تعريفات غامضة فهناك أنواع من المنطق الرياضي طورت حديثاً للتعامل مع هذه الحالات، لكن نقاشها يخرج عن نطاق هذا المقال الذي يعنى بالتفكير في السياقات العامة، والذي غالباً ما يعتمد على المنطق التقليدي.

التفرع الثنائي في حياتنا اليومية

قانون الوسط المرفوع والثنائية الناتجة عنه مفيد في الحياة اليومية، فلو فرضنا أنك تختار من مجموعة من المتقدمين لوظيفة ما، وكان عدد المتقدمين صغيراً نسبياً، فإن مهمة اختيار الشخص المناسب قد لا تكون صعبة، أما إذا كان العدد كبيراً، فسيكون من الصعب جداً مقارنتهم ببعضهم البعض مجتمعين، ومعظم الناس سيتصفحون طلبات التقديم واحداً تلو الآخر، وسيفرزون كل من هو ليس مناسباً للوظيفة، وبهذا فإنهم يقسمون المتقدمين إلى ’مناسب للوظيفة‘ و’غير مناسب للوظيفة‘ بدون اختيار ثالث، وعندئذ يمكنهم التركيز على هؤلاء المناسبين للوظيفة وإهمال كل من هو ليس مناسباً لها، وبنفس الطريقة يمكنهم تكرار هذه الثنائية مجدداً فيقسمونهم إلى ’ملفت للنظر‘ و’ليس ملفتاً للنظر‘ بدون اختيار ثالث، ثم يقصرون اختياراتهم على كل من هو ملفت للنظر، وهكذا.

رسم توضيحي لخوارزمية فكاهية ثنائية التفرع لكيفية حل المشاكل[3]

عملية الاختيار عن طريق مثل هذه الثنائية منتشرة جداً، وكمثال آخر لو أن أحدنا يبحث عن وظيفة في الإعلانات المبوبة في الجريدة، فإنه سيجري مسحاً سريعاً للوظائف المعروضة ويضع علامة على كل ما هو ’مناسب‘، وعندما ينتهي من ذلك سيقصر مقارنته ومحاولات التقديم على كل ما هو مناسب، وبالطبع إذا فشل في الحصول على أي من هذه الوظائف فقد يغير الخصائص التي بناءً عليها قسم الوظائف إلى ’مناسب‘ و’غير مناسب‘، ولكن تغيير الخصائص يؤدي إلى تغيير المعنى، وتكون عملية الاختيار الثانية من الوظائف ’المناسبة‘ ليست هي عملية الاختيار الأولى لأن معنى كلمة ’مناسب‘ تغير.

ولأن الحد الأدنى من الاختيارات هو اثنان، تجعل هذه الثنائية عملية الاختيار بوجه عام أسهل عن طريق ترتيب الاختيارات في أولويات من أزواج من الاختيارات، ثم المرور في ترتيب الأولويات زوجاً تلو الآخر حتى الانتهاء من عملية الاختيار، بل قد يرتب البعض هذه الأولويات في صورة خوارزميات (algorithms) تتميز بتفرعها الثنائي طبقاً لإجابة الأسئلة التي تحتويها إما بالإيجاب أو بالنفي.

برهان الخُلْف (reductio ad absurdum)

الاسم اللاتيني reductio ad absurdum لبرهان الخلف يعني حرفياً ’التقليص إلى اللامعقول‘، وبرهان الخلف يعتمد على قانون الوسط المرفوع، واللامعقول في هذا البرهان هو الوسط بين الحقيقة والكذب.

على سبيل المثال، إذا خرجت من منزلك ثم أدركت أن مفتاح سيارتك ليس معك، فستعود للمنزل لترى إذا ما كان موجوداً حيث تعودت أن تضعه، وإذا وجدته في مكانه فستستنتج أنك نسيته في المرة الأولى، لأنك إما نسيته وإما لم تنسه بدون خيار ثالث (لأنه موجود في نفس مكانه)، ولن تفترض أن المفتاح خرج من جيبك من تلقاء نفسه وعاد إلى حيث تعودت أن تضعه، لأن هذا الافتراض غير معقول. في هذه الحالة أنت تستخدم قانون الوسط المرفوع وبرهان الخلف.

استخدام برهان الخُلْف يتطلب التيقن من الشيء أو نقيضه.

لاحظ أن برهان الخلف يتطلب أن تكون متيقناً من الشيء أو نقيضه. في مثال المفتاح، إذا لم تجد المفتاح في مكانه، لا يمكن عندها أن تستنتج أنك فقدته في مكان آخر إلا إذا كنت متأكداً من استحالة غيابه عن مكانه. هذا يستلزم أن تكون متيقناً تمام اليقين من استحالة أن تكون قد وضعته في مكان آخر، أو أن يكون شخص آخر حركه من مكانه. ولأن ذاكرتنا ليست بالقوة التي نظنها عليها ولا علمنا بالكمال الذي نظنه عليه، فاستخدام برهان الخلف يصح أكثر مع الملاحظات الإيجابية التي يمكن تأكيدها (مثل وجود المفتاح في مكانه)، لا الملاحظات السلبية (مثل غيابه عن مكانه). وقد ناقشت محدودية المعرفة البشرية في مقال سابق حول قانون التفكير الثاني.

في الرياضيات

الرياضيات عالم مثالي جداً، وفي مثل هذا العالم المكون من المفاهيم المجردة لا يوجد شك أو التباس، بل يوجد ما نعرفه وما لا نعرفه، وقانون الوسط المرفوع يختص بما نعرفه، ولا يناقش مطلقاً ما لا نعرفه. الشيء المؤكد بخصوص ما لا نعرفه في الرياضيات هو فقط أننا لا نعرفه!

هناك في الرياضيات ما لا نعرفه يقيناً مثل العديد من الحدسيات (conjectures)، بل هناك ما تم إثبات أننا لن نتمكن من إثباته! وفي هذا الشأن فإننا نعلم يقيناً أننا لن نتمكن من إثباته، على قدر ما يبدو هذا من غرابة.

كثيراً في الرياضيات نصل إلى استنتاجات بالنظر إلى حالتين متناقضتين، فإما أن تكون هذه حقيقة وإما أن تكون تلك حقيقية بدون حل وسط. على سبيل المثال، إما أن \(a\) يساوي الصفر أو \(a\) لا يساوي الصفر، ويوجد الالتباس فقط إذا لم نلاحظ القانون الأول وندرك أن الحقيقة مركبة. معنى ’لا يساوي الصفر‘ ليس هو معنى ’مساوٍ للواحد الصحيح‘، فالتعبير الأول يشمل عدداً لانهائياً من الأعداد بالإضافة للواحد الصحيح.

سل نفسك هذا السؤال: هل تعبير \(2\ge2\) صحيح أم خاطئ؟ وإذا كان صحيحاً، فهل معنى ذلك أن \(2\gt2\)؟ وإذا كان خاطئاً، فهل معنى ذلك أن \(2\lt2\)؟ فكر قليلاً قبل استكمال القراءة.

نحن نعلم أن \(2 \lt 2\) تعبير خاطئ، أي أن نقيضه وهو \(2 \nless 2\) يجب أن يكون صحيحاً. لا توجد حالات وسط. لكن جملة \(2 \nless 2\) تكافئ \(2 \gt 2\) أو \(2 = 2\) (وهو ما نعبر عنه بصورة مختصرة بشكل \(2\ge2\))، وإذا كان أحد هذين التعبيرين صحيحاً، فإن التعبير المركب \(2\nless2\) يكون صحيحاً، ولأن \(2=2\)، فالتعبير \(2\ge\) صحيح. الافتراض الخاطئ أن مقارنة عددين ببعضهما البعض يستلزم أن يكون أحدهما أكبر من الآخر أو أصغر منه قد يكون سبباً في الالتباس عند إجابة السؤال السابق، وهذا الافتراض الخاطئ يمثل ثنائية زائفة.

تعترض المدرسة البنائية (constructivism) وفروعها في الرياضيات على استخدام قانون الوسط المرفوع في الإثباتات الرياضية، والحجة في الاعتراض أن إثبات خطأ عدم وجود الشيء ليس كإثبات وجوده، والحديث في الأغلب ما يختص في هذا السياق بالبراهين الرياضية، والمقصود أن إثبات خطأ عدم وجود برهان لا يكافئ إثبات وجود برهان، وإنما يتطلب الأخير إيجاد البرهان بالفعل.

هذا المنهج في التفكير يتعلق بالمنطق البديهي الذي يستثني قانون الوسط المرفوع ونفي النفي (double negation) من مسلماته، ويعتبر أن نفي نقيض الشيء أضعف من إثبات وجود الشيء، أي أن \(\neg\neg p\) أضعف من \(p\).

هذا المنهج لا يناسب التفكير اليومي المعتاد، وإنما يختص بدرجة عميقة من التفكير الرياضي وفي حالات محددة فيها قدر كبير من عدم العلم بالاحتمالات الممكنة، أما الحالات الأبسط التي تعتمد على تعريفات واضحة مثل فردية أو زوجية الأعداد الصحيحة فينطبق عليها المنطق التقليدي.

المنطق متعدد القيم (many-valued logic) لا يوجد به قانون الوسط المرفوع، وذلك لوجود قيمة أخرى ما بين الحقيقة والكذب، وفي أبسط أنواعه تكون هذه القيمة ’غير محدد‘ (undertermined) وهي متعلقة بعدم معرفتنا بالحقيقة أو الكذب، وهذا يعود بناء إلى الحديث عن قانون التفكير الثاني ومحدودية المعرفة البشرية. كذلك في هذا النوع من المنطق لا ينطبق قانون التفكير الثاني، إذ أن نقيض غير المحدد هو أيضاً غير محدد، وهكذا يجتمع النقيضان.

بناء الكيان الرياضي يعني إثبات وجوده أو إعطاء مثال على وجوده بطريقة خوارزمية (algorithmic)، وهذا قد لا يكون ممكناً في جميع الأحوال. على سبيل المثال، هل يوجد عدد في الصورة \(a^b\) بحيث أن كلاً من \(a\) و \(b\) عدد غير نسبي بينما \(a^b\) نفسه عدد نسبي؟ يجدر الذكر هنا أن تعريف العدد النسبي واضح ومحدد، فكل ما يمكن التعبير عنه في صورة نسبة بين عددين صحيحين هو عدد نسبي، وما لا يمكن التعبير عنه في هذه الصورة هو عدد غير نسبي، وفي الحديث عن قانون التفكير الثاني ذكرت إثبات أن \(\sqrt{2}\) عدد غير نسبي.

بالنظر إلى العدد \(\sqrt{2}^{\sqrt{2}}\)، فإنه إما نسبي أو غير نسبي. فإذا كان نسبياً، فهو المطلوب إثباته.

وإذا كان \(\sqrt{2}^{\sqrt{2}}\) غير نسبي، فالعدد \(2\) عدد نسبي ويمكن التعبير عنه كما يلي:

\[2=(\sqrt{2})^2=(\sqrt{2})^{\sqrt{2}\cdot\sqrt{2}}=\left(\sqrt{2}^{\sqrt{2}}\right)^{\sqrt{2}}\]

وهو المطلوب إثباته. لاحظ أننا في هذه الحالة لم نثبت أن \(\sqrt{2}^{\sqrt{2}}\) نسبي، ولكن افترضنا أنه إما نسبي وإما غير نسبي، مستخدمين قانون الوسط المرفوع، وفي حالة كونه غير نسبي استخدمناه كأساس في الجزء الثاني من البرهان، ولو لم يكن تعريف الأعداد النسبية يسمح بثنائية عدد نسبي/غير نسبي لما كان استخدام قانون الوسط المرفوع ممكناً.

الخلاصة

قانون الوسط المرفوع ينص على عدم انتفاء الشيء ونقيضه، فلا يوجد بينهما خيار ثالث، وبالتالي إذا انتفى أحدهما تأكد الآخر.

لأن الحقيقة المطلقة غاية في التعقيد فالحقائق الجزئية تبدو كأنها وسط بين الحقيقة والكذب، وهي ليست كذلك. الحقيقة الجزئية حقيقية بالضرورة، ونقيضها كاذب بالضرورة، أما الافتراض الخاطئ أنها تعبر عن الحقيقة الكلية فهو السبب في هذا اللبس.

استخدام الثنائية الناتجة عن قانون الوسط المرفوع مفيد في الحياة العملية بشكل كبير، لكن يجب أن يتم بحرص، فالتأكد من أحد المعنيين المتناقضين يجب أن يكون تاماً (على الأقل في حدود المعرفة البشرية)، وأي شبهة في هذا التأكد تقلل كثيراً من فائدة قانون الوسط المرفوع. كذلك يجب أن يُنْتَبَه إلى المعنى الدقيق للنقيض لتجنب الوقوع في مغالطة الثنائية الكاذبة، وقد ناقشت ذلك بالتفصيل في الحديث عن قانون عدم التناقض.

قانون الوسط المرفوع غير قابل للتطبيق مع الأفكار أو التعريفات المبهمة، ولا بد قبل استخدامه من تحديد المعنى بدقة ووضوح، ومحاولة استخدامه مع مثل تلك الأفكار أو التعريفات ينتج عنها تناقض واضح.

بعض السياقات الرياضية وأنواع المنطق الرياضي تستثني قانون الوسط المرفوع من مسلماتها، لكنه قانون ثابت في المنطق التقليدي الذي نستخدمه في التفكير اليومي، ولا يجب استثنائه من عملية التفكير بوجه عام، إذ أن هذا الاستثناء يخضع لشروط محددة جداً وفي سياقات ضيقة جداً، وبوجه عام يؤدي استثناؤه إلى منطق أضعف وقدرة أقل على الاستنتاج وليس العكس.


المقال التالي: قانون تشابه المتطابقات


نسب المصنفات

  1. صورة لجو ضبابي ما بين السماء الممطرة وغير الممطرة (طبقاً لتعريف الأغلبية). الصورة الأصلية في الرابط.
  2. كومة من مادة التانين. بواسطة LivingShadow. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  3. رسم توضيحي لخوارزمية فكاهية ثنائية التفرع لكيفية حل المشاكل. بواسطة Comrade King. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 2.0 عام. الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

هذه الصفحة تستخدم مكتبة ماثجاكس (MathJax Library)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...