بحث هذه المدونة الإلكترونية

اللفظة المساء استخدامها: فوبيا

. في بيان حقائق (fact sheet)[i] للجمعية الكندية لعلم النفس نقرأ:

الفوبيا هي خوف مستمر ومبالغ فيه من موقف… أو شيء… ويتمركز خوف الفرد حول ضرر أو خطر متوقع ومتعلق بالموقف أو الشيء… أو حول خوف من فقدان السيطرة والشعور بأحاسيس جسدية متعلقة بالقلق. وهو خوف مبالغ فيه لأنه لا يتناسب مع المستوى الحقيقي لخطورة الموقف. وعندما يتعرض الشخص الذي يعاني من الفوبيا للعامل الذي يسبب الخوف… أو لإشارات ذات علاقة تذكره بالشيء أو الموقف تنشأ استجابة قلقية فورية يمكن أحياناً أن تتطور إلى حالة كاملة من نوبات الهلع، ولذلك فالذين يعانون من الفوبيا إما يتجنبون المواقف أو الأشياء التي يخافون منها أو يعانون قدراً كبيراً من الكرب.
صورة تعبر عن خوف من شيء مبهم[1]

الفوبيا هي حالة مرضية تصنف حالياً من ضمن مجموعة اضطرابات القلق (anxiety disorders). الترجمة العربية للكلمة هي ’الرهاب‘، لكن الكلمة الأعجمية صارت تستخدم بشكل شائع وخاطئ مؤخراً. وأخص تحديداً استخدامين شائعين هما الهوموفوبيا (homophobia) والإسلاموفوبيا (Islamophobia)، والذين في رأيي كانا المدخل الأساسي لشيوع الاستخدام الخاطئ للكلمة التي لم تكن معروفة أصلاً للعامة منذ بضع عقود من الزمان، لكن الدعاية المغرضة التي استخدم في سياقها اللفظ سببت نوعاً من الضبابية في معناه كما سأوضح لاحقاً.

ما هي الفوبيا؟

نقرأ عن اضطرابات القلق[ii] على موقع الجمعية الأمريكية للطب النفسي:

القلق يشير إلى توقع هم مستقبلي، وهو مرتبط أكثر بتوتر في العضلات وبسلوك التجنب. الخوف هو استجابة شعورية لتهديد فوري، وهو مرتبط أكثر برد فعل المكافحة أو الهروب، فإما البقاء والمكافحة وإما الرحيل للهروب من الخطر. اضطرابات القلق قد تؤدي بالناس إلى تجنب المواقف المحفزة للأعراض التي يعانون منها أو التي تزيد هذه الأعراض، ويمكن أن يتأثر مستوى الأداء في العمل الوظيفي أو المدرسي أو تتأثر العلاقات الشخصية. وبوجه عام، فلكي يتم تشخيص اضطراب القلق في أحد الأشخاص لا بد أن يكون الخوف أو القلق:
  • غير متناسب مع الموقف أو مع عمر الشخص
  • يعيق من قدرة الشخص على الأداء أو العمل بشكل طبيعي

وفي الطبعة الخامسة لدليل التشخيص والإحصاء (Diagnostic and Statistical Manual 5; DSM-5)[iii] والذي يصدر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي نجد العوامل الآتية لازمة لتشخيص الرهاب (الفوبيا) المحدد (specific phobias)، وجدير بالذكر أن هذه هي أحدث طبعة للدليل، وأن هذا الدليل من أهم المراجع في الأمراض النفسية لأنه مبني على أدلة إحصائية وليس على آراء شخصية بحتة.

  • خوف شديد أو قلق شديد من شيء محدد أو موقف محدد
  • الشيء أو الموقف في جميع الحالات تقريباً يؤدي إلى خوف أو قلق فوري
  • إما الشخص يعمل على تجنب الشيء أو الموقف، أو يتحمله بقدر شديد من الخوف أو القلق
  • الخوف أو القلق لا يتناسب مع الخطر الفعلي الذي يمثله الشيء أو الموقف، أو مع السياق الاجتماعي الثقافي
  • الخوف أو القلق أو سلوك التجنب مستمر، عادة ستة أشهر أو أكثر
  • الخوف أو القلق أو سلوك التجنب ينتج عنه قدر عيادي (مهم بما يكفي لعيادة الطبيب) من الكرب أو التدهور في الأداء الاجتماعي أو الوظيفي أو أي مجال آخر ذي أهمية. ولا يمكن تفسير هذا الاضطراب بشكل أفضل كعرض لمرض عقلي آخر، بما فيها:
    • الخوف أو القلق أو سلوك التجنب للمواقف التي يصاحبها أعراض شبيهة بالهلع أو أعراض تعجيزية، كما في رهاب الأماكن العامة (agoraphobia)
    • الأشياء أو المواقف المتعلقة بالهواجس ،كما في الوسواس القهري (obsessive compulsive disorder)
    • ما يُذَكِّر المريض بتجارب مؤلمة ،كما في اضطراب ما بعد الصدمة (post-traumatic stress disorder)
    • الانفصال عن البيت أو الأشخاص المتعلق بهم المريض، كما في اضطراب قلق الانفصال (separation anxiety disorder)
    • ما يتعلق بمواقف الاجتماعية، كما في اضطراب القلق الاجتماعي (social anxiety disorder)

ويضيف الدليل كعوامل مساندة للتشخيص أن مريض الفوبيا عند تعرضه لمركز الرهاب تنشأ عنده في العادة استثارة فسيولوجية، وتتمثل في معظم الحالات، وخاصة المتعلقة بالمواقف أو الحيوانات، في ازدياد نشاط الجهاز العصبي السمبتاوي (sympathetic nervous system)، مما ينتج عنه ازدياد في إفراز هرمون الأدرينالين ويصاحب ذلك ازدياد في معدل ضربات القلب أو شعور بضيق في التنفس.

ويضيف الدليل كنتيجة لمعاناة المريض من الرهاب أن مرضى الرهاب يظهر فيهم تدهور في الأداء النفسي وجودة الحياة مشابه في نمطه لما يحدث في اضرابات القلق الأخرى وفي تعاطي المخدرات، وقد يظهر هذا في البالغين في صورة إهمال واجبات العناية بالآخرين أو الأنشطة التطوعية، ونرى بوضوح كيف أن الرهاب يؤثر بشكل مباشر على المريض الذي يعاني منه، لا على الآخرين. على وجه التحديد، مريض الرهاب لا يضطهد الآخرين ويميز ضدهم، بل يعاني داخلياً من الرهاب وتتأثر حياته الشخصية بشكل سلبي نتيجة ذلك، وقد يتأثر الآخرون سلبياً فقط إذا كانوا يعتمدون على مريض الرهاب في العناية بهم أو توفير مستلزماتهم الحياتية سواء كانت مادية أم نفسية.

باختصار ولتلخيص معنى كلمة ’فوبيا‘ في عدة نقاط محددة ليكون النقاش واضحاً، فالفوبيا (الرهاب) هي حالة مرضية تستدعي العلاج

  1. تتميز بخوف شديد أو قلق شديد من موقف محدد أو شيء محدد، وغالباً ما تصاحبه أعراض فسيولوجية تتميز بزيادة نشاط الجهاز العصبي السمبتاوي وإفراز الأدرينالين
  2. وهو خوف أو قلق غير مبرر لأنه لا يتناسب مع الخطر أو التهديد الواقعي الذي يمكن أن ينتج عن الشيء أو الموقف
  3. وتستمر الحالة لفترة ستة أشهر أو أكثر
  4. وينتج عنها إما محاولات جادة من قبل المريض لتجنب الموقف أو الشيء أو أن يعاني المريض قدراً كبيراً من الكرب إذا لم يتمكن من التجنب
  5. وتؤثر هذه الحالة بالسلب على الأداء الوظيفي أو الاجتماعي للمريض أو كليهما.

أمثلة لما يمكن أن نطلق عليه فوبيا

جهاز رنين مغناطيسي[2]

رهاب الأماكن المغلقة أو الضيقة (claustrophobia)، وفي هذه الحالة يشعر المريض بخوف شديد من التواجد في مكان ضيق أو مغلق (مثل المصعد أو بعض أجهزة الرنين المغناطيسي القديمة نسبياً أو الأنفاق) خشية أن ينحبس فيها أو لا يتمكن من التنفس، ومثل هؤلاء يمكن أن يصعدوا عدداً كبيراً من الطوابق على السلم عوضاً عن أن يستخدموا المصعد، أو أن يرفضوا إجراء تصوير الرنين المغناطيسي لتشخيص حالة طبية أخرى يعانون منها معاناة جمة، وإن كان لا بد من إجراء هذا الفحص تحديداً، فالبعض منهم لا يوافق عليه إلا إذا أُعْطِي نوعاً من التخدير أثناء إجراء الفحص.

صورة مقربة لعنكبوت[3]

رهاب الحيوانات (zoophobia) ومن أشهر أنواعه رهاب العناكب (arachnophobia)، وفي هذه الحالة يشعر المريض بخوف شديد من وجود عناكب في نفس مكان وجوده، خشية أن يلدغ من العنكبوت لدغة سامة، وأنا أعرف أحد الأشخاص في كندا تعاني من هذا الرهاب، ورد فعلها لرؤية عنكبوت ليس مجرد خوف عادي مثل معظم البشر، لكنها تهرب من المكان وهي تصرخ، وفي إحدى المرات كان أحد زملائها في العمل ’يمزح‘ معها فوضع على مكتبها عنكبوتاً صناعياً من البلاستيك، وعندما فوجئت به انهارت تماماً وسط حشد من البشر. وهذا يحدث على الرغم من معرفتها بحقيقة أن معظم العناكب لا تلدغ البشر من الأساس، ومن هذه التي يمكن أن تلدغ البشر نسبة ضئيلة منها سام، وحتى في هذه الأنواع فإن لدغة واحدة لا تؤدي إلى موت الإنسان، وهذه الحقائق موجودة على هذا الرابط الخاص بالحكومة الكندية، ناهيك عن أن قتل العنكبوت أمر في منتهى السهولة.

صورة من أعلى برج CN بتورنتو كندا[4]

رهاب الأماكن المرتفعة (acrophobia)، وفي هذه الحالة يعاني المريض من خوف شديد من تواجده في الأماكن المرتفعة خشية أن يسقط، وهذا الخوف يتخطى حدود الخوف العادي الذي يمكن أن يشعر به أغلب الناس عند تواجدهم في مكان مرتفع. مثل هؤلاء يرفضون أن يسكنوا أو يعملوا في طوابق مرتفعة (وقد يرفضون صعود أي عدد من الطوابق على الإطلاق) وفي حال تواجدهم رغماً عنهم في مكان مرتفع عادة ما ’يتجمدون‘ في مكانهم ويمكن أن يكون هذا عائقاً أمام إنزالهم من المكان المرتفع.

صورة لمحقن إنسولين[5]

رهاب الحقن (trypanophobia)، وفي هذه الحالة يشعر المريض بخوف شديد من الإبر بما فيها الحقن الطبية، لدرجة أن المريض يمكن أن يرفض تماماً إجراء تحاليل دم مطلوبة لتشخيص مرض آخر يعاني منه، أو يرفض تعاطي أي أدوية عن طريق الحقن مهما كانت أهمية الدواء حتى وإن لم يتوافر منه أي صورة أخرى غير الحقن، وفي حالة إجبارهم بشكل أو بآخر على هذا الإجراء، فإنهم يعانون قدراً رهيباً من الكرب لا يتناسب مع الألم الضئيل الذي يتسبب عن الإبرة.

رهاب الماء (aquaphobia)، والمريض في هذه الحالة يشعر بخوف شديد من الماء خشية الغرق، وهذا الخوف يتفاوت من مريض لآخر على حسب الحالة، وعلى الرغم من أن المريض قد يكون تعلم العوم بدرجة تكفي تماماً لئلا يغرق، فالبعض منهم قد يرفض النزول في الماء حتى وإن كان عمقه يسمح للمريض بالوقوف على قدميه، بل إن البعض منهم يصاب بحالة من الضيق الشديد إذا ابتل وجهه فجأة دون أن يكون مستعداً لذلك.

استخدامات أخرى لكلمة فوبيا

لأن العلوم كانت تستخدم اللاتينية في الأصل، فالكثير من المصطلحات العلمية مشتق من الكلمات اليونانية أو اللاتينية، ولذلك نجد أن كلمة فوبيا في الطب تستخدم في بعض الأحوال غير المتعلقة بالأمراض النفسية للدلالة على الشعور بالضيق الشديد وسلوك التجنب، وكمثال على ذلك نجد فونوفوبيا (phonophobia) وهي الشعور بالضيق من الصوت وتجنبه، ومثل فوتوفوبيا (photophobia) وهي الشعور بالضيق من الضوء وتجنبه، وكلاهما عرضان من أعراض بعض الحالات العصبية مثل الصداع النصفي، كما نجد مصطلح هايدروفوبيا (hydrophobia) وهي الشعور بالضيق من الماء وتجنبه، وهو عرض من أعراض مرض السعار، وهو مختلف عن رهاب الماء الذي ذكرته سابقاً. هذه الاستخدامات في الطب لكلمة فوبيا مفهومة بشكل محدد ودقيق لكل المتخصصين في مجال الطب، ولا أظن هناك خشية حدوث التباس في المعنى.

الماء لا يختلط بالزيت[6]

كذلك في الكيمياء نجد مصطلح هايدروفوب (hydrophobe) الذي يعبر عن المواد التي لا تذوب في الماء مثل الزيوت بمختلف أنواعها، أي المواد التي تتجنب الماء، وفي هذا الشأن يكون عكس هذا المصطلح كلمة فيليا (philia) من اليونانية φιλιά أي المحبة أو الصداقة، فيكون الهايدروفيل (hydrophile) المادة التي تذوب في الماء بسهولة. لا أظن أيضاً أن من درس الكيمياء سيكون عنده أي مجال للالتباس في هذا الشأن.

بوجه عام فإن استخدام الكلمة في المجالات التقنية له معنى محدد وواضح ومحصور في سياق ضيق مفهوم تماماً للمتخصصين في هذا المجالات.

أمثلة لما لا يجوز أن نطلق عليه فوبيا

النقاط التالية تتماثل مع النقاط الخمس المذكورة أعلاه في تعريف الفوبيا.

  1. من لا يصل به الخوف أو القلق من شيء محدد أو موقف محدد إلى درجة تتطلب عيادة الطبيب لا يعاني من الفوبيا. على سبيل المثال، غالبية البشر يخافون إلى حد ما من الأماكن المرتفعة، لكنهم لا يعانون من رهاب الأماكن المرتفعة، وغالبية البشر يخشون الإبر ويفضلون ألا يتعرضوا للوخز بالإبر طالما كان ذلك ممكناً، ولكنهم لا يعانون من رهاب الحقن.
  2. الخوف المبرر الذي يتناسب مع حجم الخطر المتوقع لا يعد فوبيا. على سبيل المثال، إذا خاف شخص من أن يمشي على حبل معلق على ارتفاع كبير وهو غير مدرب على ذلك، فهو لا يعاني من رهاب الأماكن المرتفعة. ببساطة، هناك احتمال ليس بالضئيل أن يسقط من هذا الارتفاع وقد ينتج عن ذلك موته أو إصابته بشكل جسيم. أو إذا خاف شخص لا يعرف السباحة من أن ينزل في الماء العميق، فهو لا يعاني من رهاب الماء. ببساطة هناك احتمال كبير أن يغرق، وحتى إذا طمأنته بإعطائه طوق نجاة، فخوفه في محله، لأن أي خطأ يحدث قد يتسبب في غرقه، وهو ليس بالخطر الهين.
  3. الخوف الذي لا يستمر لفترة طويلة من الزمن لا يعتبر فوبيا. إذا خاف شخص من كلب جاره مثلاً، ثم بمرور الوقت وجد أن هذا الكلب كائن أليف ولطيف وزال عنه الخوف، فلا يعتبر خوفه هذا فوبيا. أو إذا خاف شخص من التفاعل الاجتماعي نتيجة انتقاله لمدرسة جديدة أو محل عمل جديد، ثم زال الخوف بمرور الوقت والتعود على المكان الجديد، فهذا لا يعتبر فوبيا.
  4. الخوف الذي يمكن للإنسان التغلب عليه بإرادته لا يعتبر فوبيا. إذا وجد شخص في نفسه بعض الضيق من القطط مثلاً إذا وضع يده عليها وشعر بخرخرتها أثناء تنفسها، وأمكنه أن يتغلب على هذا الشعور بدون أن يعاني من قدر شديد من الكرب أو الضيق، أو إذا كان لا يفعل كل ما في وسعه لتجنب وضع يده على ظهر قطة، فهو لا يعاني من فوبيا.
  5. وأخيراً فإن أي حالة في العموم لا تؤثر على الأداء الوظيفي أو الاجتماعي للإنسان لا تعد مرضاً بالضرورة. في مقال[iv] رائع يناقش ماهية المرض، تستعرض كاتبته جاكي سكالي كيف أن تعريف المرض ليس بسهولة تعريف الصحة، وليس بالضرورة النقيض من الصحة، ويختلف باختلاف السياق الذي يحيا فيه الفرد ويُقَيِّم فيه نفسه، وأزعم أن كل ما يؤثر سلباً على أداء الإنسان في الحياة يدفعه إلى البحث عن وسائل للتخلص من هذا التأثير السلبي، وبالتالي كل مرض يتميز بدرجة ما بتأثير سلبي على أداء الفرد لأن الإنسان في العادة يسعى إلى علاج المرض، بينما لا يندرج كل ما يؤثر سلباً على أداء الفرد تحت تصنيف المرض، ولأن الفوبيا حالة مرضية فكل ما ينطبق عليه ما سبق من مواصفات لكنه لا يسبب أي تأثير سلبي على أداء الفرد الوظيفي أو الاجتماعي لا يمكن القول بأنه فوبيا.

الاستخدام الخاطيء للمصطلح في سياق سياسات الهوية

صورة بالفسيفساء لقناع فوبوس[7]

كلمة فوبيا في الأساس مشتقة من اليونانية φόβος (فوبوس) وهو اسم إله الخوف عند الإغريق، ومنه جاءت φοβία (فوبيا)، والكلمة في المجمل تستخدم كما سبق الذكر في المجالات العلمية المتخصصة للدلالة على التجنب، وفي مجال علم النفس تحديداً للدلالة على الحالة المرضية السابق ذكرها. المشكلة تكمن في الاستخدام المستحدث بعد الحداثي (postmodern) للكلمة في الدراسات الاجتماعية (social studies) للتعبير عن سلوك التجنب بدون إيجاد ملامح واضحة تفصل ما بين المعنى المراد به سلوك التجنب فقط وبين المعنى المراد به المرض النفسي، وهذا الغموض والالتباس (ambiguity) في معاني الكلمات ليست بالأمر الغريب على الفكر بعد الحداثي، بل ربما كان الخاصية المميزة له.

مع الأسف يرتبط المرض النفسي بنوع من الوصمة الاجتماعية (social stigma) تجعل الناس في العموم ينظرون للمريض نظرة دونية وكأنه كائن أقل شأناً وأقل مكانة، مع العلم بأن الأمراض النفسية ليست كلها تؤثر على العقل، وهناك من يعانون من أمراض نفسية ويشغلون وظائف تحتاج إلى قدر من العقل والعلم ليس بالقليل، وبالتحديد فإن الرهاب لا يؤثر في المجمل على الوظيفة العقلية للمريض، لكنه قد يكون عائقاً أمام المريض للقيام بمهام وظيفته إن تقاطعت مع مركز الرهاب.

ونجد أن الاستخدام الشائع حالياً للكلمة يحمل نوعاً من النظرة الدونية في طياته، وكأن الموصوم به يحمل عاراً، فمن يعاني من الفوبيا يعاني بالتبعية من خوف غير مبرر، ولأنه لا يجد تبريراً لهذا الخوف فإن عقله أضعف وحجته أضعف ولا تستحق السماع، بل يصل الأمر إلى أبعد من ذلك عندما يتداخل مع سياسات الهوية (identity politics).

فنجد تعبيراً مثل الكيموفوبيا (chemophobia) وهو الخوف والقلق من المركبات الكيميائية الصناعية خشية تأثيرها الضار على الإنسان، ويستخدم هذا التعبير بشكل فضفاض للتعبير عن الذين عندهم قلق منطقي ومبرر وفي حدود المعقول من الكيماويات الصناعية، وكذلك الذين عندهم قلق مبالغ فيه وغير مبرر، على الرغم من أن معظم من يتجنبون الكيماويات الصناعية وينادون بالعودة للطبيعة لهم ما يبرر قلقهم، ولا يتأثر أداؤهم الوظيفي أو الاجتماعي بشكل يذكر بتجنبهم للكيماويات الصناعية، ولا يعانون من استجابات عصبية فسيولوجية عند تواجدهم في نفس المكان مع كيماويات صناعية، إلا أن الكلمة تستخدم غالباً للسخرية منهم والتقليل من شأن رأيهم.

ثم نجد التعبيرات القبيحة المستحدثة والتي نشأت في الأساس مرتبطة بسياسات الهوية وأخص بالذكر منها الهوموفوبيا (homophobia) والزينوفوبيا (xenophobia)، وهي الخوف من الغرباء، والإسلاموفوبيا (Islamophobia). كل واحدة من هذه صارت تستخدم ليس فقط للتعبير عن سلوك التجنب، بل للتعبير عن الاضطهاد الممنهج لهذه الفئات، وتطورت تدريجياً حتى صار عدم إقرار هذه الفئات على رأيهم، بل عدم وضعهم في مكانة خاصة، نوعاً من الاضطهاد والتمييز ضدهم، وصارت مثل هذه التعبيرات مرادفة للسلوك العدواني الشرير الذي يجب على المجتمع التخلص منه، وصارت تحمل أكثر من مجرد وصمة عار، فمن يوصم بها مجرم ولو أخلاقياً على الأقل، ووجوده في المجتمع غير مقبول. صارت هذه التعبيرات تستخدم لتكميم الأفواه وتحجيم حق حرية الرأي الذي أدركت الإنسانية أهميته بعد قرون طويلة من المعاناة.

وهذا الاستخدام يخدم سياسات الهوية التي تعتمد على تحديد هوية الفرد بناء على الجماعة التي ينتمي إليها وليس بناء على تفضيلات وقرارات الفرد ذاته. فإذا كنت مسلماً فلا بد من وضعك في نمط معين يحدده من يتحدث نيابة عن المسلمين في تيار اليسار السياسي، وبالمثل إذا كنت مثلياً أو وافداً أو مهاجراً أو ذا بشرة سوداء. ليس من حقك التحدث عن نفسك وفصل نفسك عن الجماعة، فالجماعة هي هويتك، ومن يتحدث نيابة عنها يتحدث بالضرورة نيابة عنك وما عليك إلا أن تنصاع.

أنت كفرد لا قيمة لك وحدك. أنت كفرد قيمتك والنظرة إليك مستمدة فقط من انتمائك لجماعة ما. إذا كنت أبيض البشرة في الغرب فأنت من الظلمة القاهرين الذين يجب معاداتهم وإخضاعهم، وإذا كنت عضواً في عدة جماعات ممن يصنفون من المهمشين (marginalized) فأنت ممن يجب مناصرتهم والإعلاء من شأنهم. صفاتك الشخصية وأفعالك تتخذ أهمية ثانوية أو قد لا تتخذ أي أهمية على الإطلاق. الفرد يذوب كلية في الجماعة في ظل تلك السياسات. فإن اختلفت في الرأي مع أي فكرة لها ’فوبيا‘ فأنت ضد هذه الجماعة بالكامل، وضد كل فرد فيها بدون تمييز، وإن كان عندك مشكلة مع أحد أفراد هذه الجماعات فذلك ليس لمشكلة بينك وبين هذا الفرد تحديداً بل لأنك تضطهد الجماعة بأسرها.

وليس معنى الكلام في السياق الحالي إنكار أن هذه الفئات تعرضت ولا زالت في بعض الأحيان تتعرض لتمييز سلبي بل واضطهاد نظامي، والمشكلة ليست أبداً في الدفاع عن حقوق المظلومين، فهذا حتمي لضمان بقاء المجمتع وليس مجرد واجباً أخلاقياً، وإنما المشكلة في ابتكار استخدام للكلمة يجعل منها سلاحاً للإرهاب الفكري ويربط بين الخلاف في الرأي وبين المرض والعار والدونية.

العواقب السيئة لهذا الاستخدام للمصطلح

صورة من موكب مثليي الجنس بمدينة شيكاغو[8]. اللافتة مكتوب عليها ”ليس من طفل يولد هوموفوب“.

إن صرحت بأنك ترى المثلية الجنسية خطية من وجهة نظرك الدينية فأنت ’هوموفوب‘ (homophobe) ورجعي ومتخلف ويجب على المجتمع المتمدن التخلص من أمثالك. وإن صرحت برأيك في تقنين الهجرة ووضع ضوابط لها لكي لا ينهار اقتصاد الدولة فأنت ’زينوفوب‘ (xenophobe) وتكره الغرباء كره غير مبرر وغير منطقي ولا بد أيضاً من التخلص من أمثالك في المجتمعات الحديثة. وإن انتقدت الإسلام لما يحتويه من نصوص صريحة تحض على العنف ضد الآخرين—هذه النصوص التي يستخدمها أمثال داعش للتنظير لما يفعلونه من بشاعة—فأنت ’إسلاموفوب‘ (Islamophobe)، ومثل الحالتين السابقتين لا بد من التخلص من أمثالك.

لا يمكن مع هذا الاستخدام للكلمة أن تكون مؤيداً لتقنين الهجرة ووضع ضوابط عليها لكن في الوقت ذاته على وفاق تام مع جارك المهاجر، ولا يمكن أن ترى المثلية الجنسية خطية لكنك تعمل في وفاق مع زميل في العمل مثلي الجنس، ولا يمكن أن تنتقد الإسلام وتتقبل وجود جار مسلم لك، حتى مع علمك التام بأنه لا يتبنى الأفكار العنيفة في الإسلام. لا يمكنك أن تختلف وتتعايش. لا بد أن تنصاع لرأي معين وإلا فأنت مجرم متدني الأخلاق ووجودك آفة يجب على المجتمع القضاء عليها.

في جميع هذه الحالات العامل المشترك واحد: ليس من حقك أن تختلف مع تيار اليسار السياسي، وليس من حقك أن تعبر عن رأيك بحرية، وليس من حقك أن تناقش فكرتك إذا كانت تتعارض مع فكر اليسار السياسي، إذ أن أي فكرة تختلف عما يتبنونه من أفكار هي بالضرورة رجعية ومتخلفة، ولا تستحق حتى سماعها ومناقشتها، ولا يتم دحضها بالحجة بل بالصوت العالي والترهيب والاتهام والوصم بالتخلف والدونية والحقارة الأخلاقية والجهل. هذا هو ما تستخدم فيه لفظة ’فوبيا‘ في السياق المعاصر مع شديد الأسف.

وعلى الجانب الآخر لا تجد ’فوبيات‘ مماثلة عند اليمين السياسي. لا توجد ’مسيحوفوبيا‘ مثلاً في الدول ذات الأغلبية المسيحية، ولا توجد ’رأسمالوفوبيا‘ في الدول الرأسمالية، ولا توجد ’حكوموفوبيا‘ للتخويف من الحكومات الحالية بنظامها الهرمي. لا يستخدم اليمين السياسي أياً من هذه الممارسات الفكرية القمعية التي تتنكر في صورة دعاوى إلى الحرية والمساواة وهي أبعد ما تكون عن ذلك. وليس معنى كلامي أن اليمين بالضرورة أفضل من اليسار، ولا أن اليمين لا يستخدم وسائل فكرية قمعية، لكنني أراه لا يلجأ لإخفاء أساليبه القمعية في صورة معاني سامية. دس السم في العسل من أخبث وأخطر ما يمكن أن يحدث للبشرية.

ولأن الهوموفوبيا تحديداً تستحق الكلام بتفصيل أكثر، فسيكون لها مقال آخر منفصل.

الخلاصة

الفوبيا مصطلح طبي وتقني بالدرجة الأولى، واستخدامه المستحدث الشائع حالياً، والذي يميع الحدود بين معناه في الطب وعلم النفس ومعناه المقتصر على سلوك التجنب، ما هو إلا وسيلة للإرهاب الفكري.

التعبير عن الرأي ليس فوبيا ولا يمت للفوبيا بصلة. بل إن بعض من يحاولون التعبير عن رأيهم في هذه الموضوعات التي استحدث لها هذه الاستخدام لمصطلح ’فوبيا‘ لا يعانون من أي أعراض تمت بصلة للرهاب من قريب أو من بعيد ولا يحاولون تجنب تلك الفئات على الإطلاق.

مجرد محاولة نقاش رأي مختلف صارت فوبيا. صارت مرضاً يستحق القضاء عليه لتطهير المجتمع منه، وصار الرأي المخالف غير مسموح به إذا تطرق إلى هذه الموضوعات. حرية التعبير عن الرأي صارت مرضاً!

الخلاف في الرأي صار بالضرورة مقدمة لنتيجة حتمية (وهي ليست كذلك على الإطلاق) هي ’اضطهاد‘ الفئات المهمشة. بل تطور الأمر إلى أن صار عدم تمييز تلك الفئات بشكل إيجابي نوعاً من الاضطهاد! هذا كله بالطبع يتعلق بالفكر بعد الحداثي وتأثيره البشع على المجتمعات المعاصرة، ولكن لهذا أيضاً مقال آخر.


المراجع

  1. بيان حقائق عن الرهاب من الجمعية الكندية لعلم النفس.
  2. ما هي اضرابات القلق؟“ من موقع الجمعية الأمريكية للطب النفسي
  3. Diagnostic And Statistical Manual of Mental Disorders : DSM-5. Arlington, VA :American Psychiatric Publishing, 2013. ISBN: 978-0-89042-564-0
  4. Scully, J.L. What is a disease? Disease, disability and their definitions. EMBO reports 2004;5(7):650-653. doi:10.1038/sj.embor.7400195

نسب المصنفات

  1. صورة تعبر عن خوف من شيء مبهم. الصورة الأصلية في الرابط.
  2. صورة لجهاز رنين مغناطيسي. الصورة الأصلية في الرابط.
  3. صورة مقربة لعنكبوت. الصورة الأصلية في الرابط.
  4. صورة من أعلى برج CN بتورونتو كندا. بواسطة Pascal Reusch. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  5. صورة لمحقن إنسولين. بواسطة Jill Brown. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 2.0 عام. الصورة الأصلية في الرابط.
  6. صورة لزيت يتم صبه في الماء. بواسطة Andrew Kraker. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نسب المصنف - منع الاشتقاق 2.0 عام. الصورة الأصلية في الرابط.
  7. صورة بالفسيفساء لقناع فوبوس. بواسطة Carole Raddato. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نسب المصنف 2.0 عام. الصورة الأصلية في الرابط.
  8. صورة من موكب مثليي الجنس بمدينة شيكاغو. بواسطة Gay Liberation Network. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نسب المصنف 2.0 عام. الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...