بحث هذه المدونة الإلكترونية

قوانين التفكير: قانون الوسط المرفوع


المقال السابق: قانون عدم التناقض


القانون الثالث: قانون الوسط المرفوع (law of the excluded middle)

لا يوجد وسط بين وجود الشيء وعدمه. إما ’س‘ وإما ’ليس س‘ ولا يوجد شيء بينهما.

هل هذا يبدو ’أبيض وأسود‘ بدرجة غير مقبولة؟! هل كل شيء في الوجود فعلاً يقع في مجموعة من هاتين المجموعتين؟ هل يمكن أن نختصر كل شيء في الوجود لمثل هذه الثنائية (dichotomy) ؟ مجدداً أؤكد على أن كل شيء يعتمد على معنى ما تفهمه. في نقاشي السابق عن قانون عدم التناقض ذكرت الثنائية الزائفة (false dichotomy)، وقانون الوسط المرفوع يبدو وكأنه يعني تماماً مثل تلك الثنائية.

\[x\vee \neg x\]

قانون الوسط المرفوع لا يعني مطلقاً الثنائية الزائفة، ولا يعني مطلقاً أن كل شيء في الوجود ينقسم إلى حالتين اثنتين فقط. فمثلاً الحرف ’ب‘ إما هو الحرف ’باء‘ وإما ليس هو الحرف ’باء‘، والحالة الأخيرة تتضمن ٢٧ حرفاً آخر من حروف اللغة العربية، وهذا يختلف بشكل جوهري عن الثنائية الزائفة التي قد تكون جدليتها مشابهة لما يلي:

”بما أن الحرف ’ن‘ ليس ’باء‘، إذاً فهو ’ألف‘“

وهذه مغالطة لأنها تفترض أن الحروف إما ’ألف‘ أو ’باء‘ ولا توجد حروف أخرى. لاحظ كيف يختلف هذا المعنى عن القول بأن الحروف إما ’ألف‘ وإما ’ليس ألف‘ ولا يوجد وسط بين هذا وذاك.

قانون الوسط المرفوع يضع كل شيء بخلاف ’س‘ في المجموعة ’ليس س‘، ولو وجد عدد لانهائي من الكيانات أو الحالات المتمايزة فإن واحداً منها فقط هو ’س‘ وكل ما سواه هو ’ليس س‘، وهذا لا يترك شيئاً آخر بخلاف هاتين الحالتين. ذكرت سابقاً أن الحقيقة مركبة، وسأناقش هذه الفكرة فيما يلي.

الحقيقة مركبة

الحقيقة ليست شيئاً بسيطاً لا يمكن تقسيمه، بل يجب فهمها على أنها مجموعة متماسكة من أشياء صغيرة لا يمكن تقسيمها، وكل من هذه الأشياء الصغيرة هو بالضرورة حقيقي بشكل مطلق أيضاً، ونقيض كل من هذه الأشياء هو بالضرورة خطأ بشكل مطلق. أجزاء الحقيقة تتشابك مع بعضها وتكمل بعضها مثل قطع الألغاز (puzzles)، وهي مترابطة (coherent) مع بعضها البعض، وهذا يعني أن قطعة من الحقيقة لا تناقض قطعة أخرى، وأحد أسباب الالتباس أننا لا نملك كل قطع الحقيقة، أي لا نعرف كل الحقيقة المطلقة.

الحقيقة مركبة ومعقدة

لنفترض أن معي تفاحة وبرتقالة وعنقود عنب، فحينئذ تكون جملة ”ليس معي تفاحة ولا برتقالة ولا عنقود عنب“ بالضرورة جملة خاطئة. فماذا عن جملة ”معي برتقالة“ أو جملة ”معي تفاحة“ أو جملة ”معي عنقود عنب“. أليست كلها وسطاً بين جملة ”معي تفاحة وبرتقالة وعنقود عنب“ وبين جملة ”ليس معي تفاحة ولا برتقالة ولا عنقود عنب“؟

قانون الوسط المرفوع يعنى بالوسط بين الحقيقة والكذب ولا يعنى بأجزاء الحقيقة.

ليس المقصود بالوسط في قانون الوسط المرفوع أجزاء الحقيقة. الجمل السابقة التي تذكر نوعاً واحداً من الفواكه دوناً عن الباقي كلها جمل حقيقية، وليست وسطاً بين الحقيقة والكذب. الخلط بين مفهوم الوسط بمعنى ’الجزء من الكل‘ ومفهوم الوسط القصود في سياق قوانين التفكير هو السبب في سوء الفهم، وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى أهمية التعريف الدقيق للأفكار. الوسط في السياق الحالي يعني الوسط بين الحقيقة والكذب، والمقصود هنا أنه لا يوجد وسط بين الحقيقة والكذب.

أجزاء الحقيقة هي أيضاً حقيقية، وهي ليست أجزاء من نقيض الحقيقة، وأجزاء الحقيقة ليست المقصودة بقانون الوسط المرفوع.

فإذا سئلت عما معي من فاكهة فقد أجيب ”معي برتقالة“ ولا أذكر الباقي، وفي هذه الحالة لست أكذب. أما إذا سئلت عن كل ما معي من فاكهة، تكون إجابة ”معي برتقالة“ كذباً! إذا لم يحتوِ السؤال على كلمة ’كل‘ فإن الإجابات التالية كلها صادقة:

  • معي برتقالة
  • معي تفاحة
  • معي عنقود عنب
  • معي برتقالة وتفاحة
  • معي برتقالة وعنقود عنب
  • معي تفاحة وعنقود عنب
  • معي برتقالة وتفاحة وعنقود عنب

والإجابة الأخيرة فقط هي الإجابة الصادقة عن سؤال ”ما كل ما معك من فاكهة؟“ قانون الوسط المرفوع يعني إما كل هذه الإجابات السبع إجابات صادقة للسؤال عما معي من فاكهة، وإما ليست كلها إجابات صادقة. وليلاحظ القارئ أن تعبير ’ليست كلها إجابات صادقة‘ يعني أن واحدة منها على الأقل إجابة كاذبة.

الحقيقة ليست كياناً لا يقبل التجزئة. الحقيقة المطلقة بالغة التعقيد.

ولأن الحقيقة مركبة ومعقدة تعقيداً بالغاً، فإن التوافيق الممكنة من أجزاء الحقيقة كثيرة بما يجعلها تبدو لانهائية من المنظور الإنساني المحدود، لكن يمكن الحد من تلك التوافيق بالنظر إلى كل الحقيقة على قدر معرفتنا، فكما رأينا في المثال السابق توجد إجابة واحدة فقط صادقة للسؤال عن كل ما معي من فاكهة.

وفي هذا المثال السابق نرى كيف أن وجود ٣ أجزاء متمايزة للحقيقة يؤدي إلى وجود ٧ جمل تعبر عن الحقيقة وواحدة منها فقط تعبر عن كل الحقيقة، فإذا احتوت الحقيقة على ١٠ أجزاء متمايزة وجدت ١٠٢٣ جملة مختلفة تعبر عن الحقيقة، وإذا احتوت الحقيقة على ٥٠ جزءًا متمايزاً وجدت ١ ١٢٥ ٨٩٩ ٩٠٦ ٨٤٢ ٦١٩ جملة مختلفة تعبر عن الحقيقة، وفي جميع الحالات توجد جملة واحدة فقط تعبر عن كل الحقيقة.

عددالتوافيق المختلفة \(N\) التي تعبر عن الحقائق الجزئية يعتمد على عدد الأجزاء المتمايزة \(n\) للحقيقة ويمكن حسابه كالآتي:

\[N=\sum\limits_{i=1}^{n}{}^nC_i\]

وقد يبدو لنا خطأً أن قانون الوسط المرفوع غير صحيح أو غير قابل للتطبيق، وذلك لأننا لا نهتم بدقة التعريفات، ولا نفرق بين الحقيقة الجزئية والحقيقة الكلية، وربما لهذا السبب (على الأقل جزئياً) نرى أن قَسَم الشهادة في المحاكم الغربية يحتوي على عبارة ”الحقيقة، كل الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة“ (the truth, all the truth, and nothing but the truth)، فالحقيقة الجزئية ليست كذباً، لكنها يمكن أن تكون مضللة لأن المستمع قد يفترض أنها كل الحقيقة، وهنا تكمن المغالطة.

وبالنظر للحقيقة الجزئية نجد أنها حقيقية بالضرورة ونقيضها كاذب بالضرورة، ولا يوجد بينهما وسط، ففي المثال السابق، إما معي برتقالة وإما ليس معي برتقالة ولا يوجد بين الحالتين وسط، وحتى لو أن معي برتقالتين فإن جملة ”معي برتقالة“—وهي حقيقة جزئية في هذه الحالة—جملة صادقة، ونقيضها وهو جملة ”ليس معي برتقالة“ جملة كاذبة، وسبب الالتباس هو افتراض المتلقي أن جملة ”معي برتقالة“ تعني أن معي برتقالة واحدة فقط، بينما لو كان معي ألف برتقالة فجملة ”معي برتقالة“ تظل حقيقية.

الاجتماع مقارنة بالانتفاء

بينما ينص قانون عدم التناقض على أن الشيء ونقيضه لا يجتمعان، ينص قانون الوسط المرفوع على أن الشيء ونقيضه لا ينتفيان! اجتماع شيئين يعني أن كليهما حقيقي، أما انتفائهما فيعني أن كليهما خطأ، فإذا كان بين الشيء ونقيضه خيار ثالث فحينئذ يمكن أن يكون الشيء ونقيضه خطأ والخيار الثالث هو الحقيقي.

قانون الوسط المرفوع يعني أن الشيء ونقيضه لا ينتفيان.

وهنا يبدو أن بعض الحالات تناقض قانون الوسط المرفوع. على سبيل المثال، إذا سئلت ”هل السماء تمطر؟“ في أغلب الأحوال لن يوجد التباس في الإجابة، فإما إنها تمطر وإما لا تمطر، لكن في أحوال قليلة تكون قطرات الماء النازلة من السماء صغيرة جداً وقليلة العدد بحيث قد يعتبر البعض أنها لا تمطر ويعتبر البعض الآخر أنها تمطر. في العامية المصرية نقول ”السما بتندع“. فهل في هذه الحالة تكون جملة ”السماء تمطر“ حقيقية أم كاذبة؟ وهل تكون جملة ”السماء لا تمطر“ حقيقية أم كاذبة؟

غموض التعريفات قد يؤدي إلى صعوبة تطبيق قانون الوسط المرفوع على سؤال مثل ”هل السماء تمطر؟“[1]

قد يميل البعض إلى اعتبار أن الجملتين السابقتين في هذه الحالة خاطئتين، فلا يمكن القول بأن جملة ”السماء تمطر“ حقيقية، ولا يمكن القول أيضاً بأن نقيضها وهي ”السماء لا تمطر“ حقيقية. إذا وافقنا على هذا، فالمعنى ونقيضه ينتفيان، وتوجد حالة ثالثة على الأقل بينهما، وبالتالي ينتفي قانون الوسط المرفوع.

المشكلة هنا ليست في قانون الوسط المرفوع، لكنها في عدم دقة التعريفات. في معرض النقاش بشأن قانون التفكير الأول تكلمت عن غموض اللغة الطبيعية، وكيف أن التعريف الدقيق للفكرة لازم للتفكير المنطقي، ومشكلة المثال السابق هو التعريف غير الدقيق لجملة ”السماء تمطر“. فإذا كان تعريف المطر هو أي ماء ينزل من السماء، فالحالة السابقة يصح فيها جملة ”السماء تمطر“ وينتفي نقيضها، وإذا كان تعريف المطر هو نزول ماء بكثافة معينة فالحالة السابقة يصح فيها جملة ”السماء لا تمطر“ وينتفي نقيضها.

مفارقة الكومة

Sorites paradox
هل إذا أخذنا حبة رمل من كومة من الرمل لا تصير كومة فيما بعد؟![2]

اسم مفارقة الكومة (sorites paradox) مشتق من الكلمة اليونانية σωρητες وتعني ’كومة‘. المفارقة ببساطة تسأل السؤال الآتي:

”هل إذا أخذنا حبة رمل واحدة من كومة رمال تظل كومة كما هي أم ينتفي كونها كومة؟“

الإجابة الواضحة والطبيعية عند معظم الناس أن الكومة ستظل كومة وأن أخذ حبة رمل واحدة منها لن يؤثر على كونها كومة. ولكن إذا كانت كومة الرمل تتكون من مليون حبة رمل، وإذا كان أخذ حبة منها لن يؤثر على كونها كومة، فإن ٩٩٩ ٩٩٩ حبة رمل تشكل كومة من الرمال.

وأخذ حبة رمل من هذه الكومة الأخرى لن يؤثر على كونها كومة، وبالتالي فإن ٩٩٩ ٩٩٨ حبة رمل تشكل كومة من الرمال.

وهكذا يمكننا الاستمرار حتى نصل إلى استنتاج أن حبة واحدة من الرمل تشكل كومة رمال، وإذا كان أخذ حبة رمل واحدة من هذه الكومة لن يؤثر على كونها كومة رمل، فإن لا شيء على الإطلاق هو أيضاً كومة رمال!!

المهم في هذا السياق هو إجابة السؤال الأصلي: ”هل تظل كومة الرمال كومة إذا أخذنا حبة رمل واحدة منها؟“ إذا طبقنا قانون الوسط المرفوع، فإن الإجابة يتحتم أن تكون واحدة من اثنتين: إما أنها تظل كومة وإما أنها لا تظل كومة، ولا يوجد وسط بينهما، لكن هذا يتنافى مع البديهة، فالكل سيتفق على وجوب أن نتوقف عن تسمية ما بقي من الرمال ’كومة‘ عند حد معين، وإن اختلفنا على هذا الحد.

قانون الوسط المرفوع لا يتعامل مع الأفكار الغامضة، واستخدامها قد يؤدي إلى تضارب مع هذا القانون.

بالرجوع إلى النقاش حول قانون التفكير الأول وما يحتويه عن غموض اللغات الطبيعية، نصل إلى نقطتين هما السبب في هذه المفارقة:

  • كومة الرمال المكونة من مليون حبة رمل ليست هي كومة الرمال المكونة من ألف حبة رمل، وكلمة ’كومة‘ في الحالتين لا تشير إلى الشيء نفسه، وأخذ حبة رمل واحدة من كومة منهما ليس له نفس التأثير عليها كأخذ حبة رمل واحدة من الأخرى.
  • كلمة ’كومة‘ في اللغة هي مثال صارخ لغموض اللغات الطبيعية، والمنطق التقليدي لا يتعامل مع الأفكار الغامضة، ويلزمه وضوح شديد، وهو ما ينتفي بالضرورة عند استخدام كلمة غامضة مثل ’كومة‘. الكلمة غامضة لدرجة أن شخصاً ما قد يعتبر قدراً من الرمال كومة وشخصاً آخر لا يعتبر الشيء نفسه كومة.

وكما ناقشت من قبل، فإن استخدام مثل هذه الكلمات الغامضة يعطي اللغات الطبيعية كفاءة على حساب الدقة، ونجد في اللغات الطبيعية الكثير من الكلمات المشابهة مثل ’بعض‘ و’حزمة‘ و’قبضة‘ و’الكثير‘ و’القليل‘، إلخ... حل هذه المفارقة لا يوجب خرق قانون الوسط المرفوع، بل يوجب الدقة في التعريف، وإن كان لا بد من استخدام تعريفات غامضة فهناك أنواع من المنطق الرياضي طورت حديثاً للتعامل مع هذه الحالات، لكن نقاشها يخرج عن نطاق هذا المقال الذي يعنى بالتفكير في السياقات العامة، والذي غالباً ما يعتمد على المنطق التقليدي.

التفرع الثنائي في حياتنا اليومية

قانون الوسط المرفوع والثنائية الناتجة عنه مفيد في الحياة اليومية، فلو فرضنا أنك تختار من مجموعة من المتقدمين لوظيفة ما، وكان عدد المتقدمين صغيراً نسبياً، فإن مهمة اختيار الشخص المناسب قد لا تكون صعبة، أما إذا كان العدد كبيراً، فسيكون من الصعب جداً مقارنتهم ببعضهم البعض مجتمعين، ومعظم الناس سيتصفحون طلبات التقديم واحداً تلو الآخر، وسيفرزون كل من هو ليس مناسباً للوظيفة، وبهذا فإنهم يقسمون المتقدمين إلى ’مناسب للوظيفة‘ و’غير مناسب للوظيفة‘ بدون اختيار ثالث، وعندئذ يمكنهم التركيز على هؤلاء المناسبين للوظيفة وإهمال كل من هو ليس مناسباً لها، وبنفس الطريقة يمكنهم تكرار هذه الثنائية مجدداً فيقسمونهم إلى ’ملفت للنظر‘ و’ليس ملفتاً للنظر‘ بدون اختيار ثالث، ثم يقصرون اختياراتهم على كل من هو ملفت للنظر، وهكذا.

رسم توضيحي لخوارزمية فكاهية ثنائية التفرع لكيفية حل المشاكل[3]

عملية الاختيار عن طريق مثل هذه الثنائية منتشرة جداً، وكمثال آخر لو أن أحدنا يبحث عن وظيفة في الإعلانات المبوبة في الجريدة، فإنه سيجري مسحاً سريعاً للوظائف المعروضة ويضع علامة على كل ما هو ’مناسب‘، وعندما ينتهي من ذلك سيقصر مقارنته ومحاولات التقديم على كل ما هو مناسب، وبالطبع إذا فشل في الحصول على أي من هذه الوظائف فقد يغير الخصائص التي بناءً عليها قسم الوظائف إلى ’مناسب‘ و’غير مناسب‘، ولكن تغيير الخصائص يؤدي إلى تغيير المعنى، وتكون عملية الاختيار الثانية من الوظائف ’المناسبة‘ ليست هي عملية الاختيار الأولى لأن معنى كلمة ’مناسب‘ تغير.

ولأن الحد الأدنى من الاختيارات هو اثنان، تجعل هذه الثنائية عملية الاختيار بوجه عام أسهل عن طريق ترتيب الاختيارات في أولويات من أزواج من الاختيارات، ثم المرور في ترتيب الأولويات زوجاً تلو الآخر حتى الانتهاء من عملية الاختيار، بل قد يرتب البعض هذه الأولويات في صورة خوارزميات (algorithms) تتميز بتفرعها الثنائي طبقاً لإجابة الأسئلة التي تحتويها إما بالإيجاب أو بالنفي.

برهان الخُلْف (reductio ad absurdum)

الاسم اللاتيني reductio ad absurdum لبرهان الخلف يعني حرفياً ’التقليص إلى اللامعقول‘، وبرهان الخلف يعتمد على قانون الوسط المرفوع، واللامعقول في هذا البرهان هو الوسط بين الحقيقة والكذب.

على سبيل المثال، إذا خرجت من منزلك ثم أدركت أن مفتاح سيارتك ليس معك، فستعود للمنزل لترى إذا ما كان موجوداً حيث تعودت أن تضعه، وإذا وجدته في مكانه فستستنتج أنك نسيته في المرة الأولى، لأنك إما نسيته وإما لم تنسه بدون خيار ثالث (لأنه موجود في نفس مكانه)، ولن تفترض أن المفتاح خرج من جيبك من تلقاء نفسه وعاد إلى حيث تعودت أن تضعه، لأن هذا الافتراض غير معقول. في هذه الحالة أنت تستخدم قانون الوسط المرفوع وبرهان الخلف.

استخدام برهان الخُلْف يتطلب التيقن من الشيء أو نقيضه.

لاحظ أن برهان الخلف يتطلب أن تكون متيقناً من الشيء أو نقيضه. في مثال المفتاح، إذا لم تجد المفتاح في مكانه، لا يمكن عندها أن تستنتج أنك فقدته في مكان آخر إلا إذا كنت متأكداً من استحالة غيابه عن مكانه. هذا يستلزم أن تكون متيقناً تمام اليقين من استحالة أن تكون قد وضعته في مكان آخر، أو أن يكون شخص آخر حركه من مكانه. ولأن ذاكرتنا ليست بالقوة التي نظنها عليها ولا علمنا بالكمال الذي نظنه عليه، فاستخدام برهان الخلف يصح أكثر مع الملاحظات الإيجابية التي يمكن تأكيدها (مثل وجود المفتاح في مكانه)، لا الملاحظات السلبية (مثل غيابه عن مكانه). وقد ناقشت محدودية المعرفة البشرية في مقال سابق حول قانون التفكير الثاني.

في الرياضيات

الرياضيات عالم مثالي جداً، وفي مثل هذا العالم المكون من المفاهيم المجردة لا يوجد شك أو التباس، بل يوجد ما نعرفه وما لا نعرفه، وقانون الوسط المرفوع يختص بما نعرفه، ولا يناقش مطلقاً ما لا نعرفه. الشيء المؤكد بخصوص ما لا نعرفه في الرياضيات هو فقط أننا لا نعرفه!

هناك في الرياضيات ما لا نعرفه يقيناً مثل العديد من الحدسيات (conjectures)، بل هناك ما تم إثبات أننا لن نتمكن من إثباته! وفي هذا الشأن فإننا نعلم يقيناً أننا لن نتمكن من إثباته، على قدر ما يبدو هذا من غرابة.

كثيراً في الرياضيات نصل إلى استنتاجات بالنظر إلى حالتين متناقضتين، فإما أن تكون هذه حقيقة وإما أن تكون تلك حقيقية بدون حل وسط. على سبيل المثال، إما أن \(a\) يساوي الصفر أو \(a\) لا يساوي الصفر، ويوجد الالتباس فقط إذا لم نلاحظ القانون الأول وندرك أن الحقيقة مركبة. معنى ’لا يساوي الصفر‘ ليس هو معنى ’مساوٍ للواحد الصحيح‘، فالتعبير الأول يشمل عدداً لانهائياً من الأعداد بالإضافة للواحد الصحيح.

سل نفسك هذا السؤال: هل تعبير \(2\ge2\) صحيح أم خاطئ؟ وإذا كان صحيحاً، فهل معنى ذلك أن \(2\gt2\)؟ وإذا كان خاطئاً، فهل معنى ذلك أن \(2\lt2\)؟ فكر قليلاً قبل استكمال القراءة.

نحن نعلم أن \(2 \lt 2\) تعبير خاطئ، أي أن نقيضه وهو \(2 \nless 2\) يجب أن يكون صحيحاً. لا توجد حالات وسط. لكن جملة \(2 \nless 2\) تكافئ \(2 \gt 2\) أو \(2 = 2\) (وهو ما نعبر عنه بصورة مختصرة بشكل \(2\ge2\))، وإذا كان أحد هذين التعبيرين صحيحاً، فإن التعبير المركب \(2\nless2\) يكون صحيحاً، ولأن \(2=2\)، فالتعبير \(2\ge\) صحيح. الافتراض الخاطئ أن مقارنة عددين ببعضهما البعض يستلزم أن يكون أحدهما أكبر من الآخر أو أصغر منه قد يكون سبباً في الالتباس عند إجابة السؤال السابق، وهذا الافتراض الخاطئ يمثل ثنائية زائفة.

تعترض المدرسة البنائية (constructivism) وفروعها في الرياضيات على استخدام قانون الوسط المرفوع في الإثباتات الرياضية، والحجة في الاعتراض أن إثبات خطأ عدم وجود الشيء ليس كإثبات وجوده، والحديث في الأغلب ما يختص في هذا السياق بالبراهين الرياضية، والمقصود أن إثبات خطأ عدم وجود برهان لا يكافئ إثبات وجود برهان، وإنما يتطلب الأخير إيجاد البرهان بالفعل.

هذا المنهج في التفكير يتعلق بالمنطق البديهي الذي يستثني قانون الوسط المرفوع ونفي النفي (double negation) من مسلماته، ويعتبر أن نفي نقيض الشيء أضعف من إثبات وجود الشيء، أي أن \(\neg\neg p\) أضعف من \(p\).

هذا المنهج لا يناسب التفكير اليومي المعتاد، وإنما يختص بدرجة عميقة من التفكير الرياضي وفي حالات محددة فيها قدر كبير من عدم العلم بالاحتمالات الممكنة، أما الحالات الأبسط التي تعتمد على تعريفات واضحة مثل فردية أو زوجية الأعداد الصحيحة فينطبق عليها المنطق التقليدي.

المنطق متعدد القيم (many-valued logic) لا يوجد به قانون الوسط المرفوع، وذلك لوجود قيمة أخرى ما بين الحقيقة والكذب، وفي أبسط أنواعه تكون هذه القيمة ’غير محدد‘ (undertermined) وهي متعلقة بعدم معرفتنا بالحقيقة أو الكذب، وهذا يعود بناء إلى الحديث عن قانون التفكير الثاني ومحدودية المعرفة البشرية. كذلك في هذا النوع من المنطق لا ينطبق قانون التفكير الثاني، إذ أن نقيض غير المحدد هو أيضاً غير محدد، وهكذا يجتمع النقيضان.

بناء الكيان الرياضي يعني إثبات وجوده أو إعطاء مثال على وجوده بطريقة خوارزمية (algorithmic)، وهذا قد لا يكون ممكناً في جميع الأحوال. على سبيل المثال، هل يوجد عدد في الصورة \(a^b\) بحيث أن كلاً من \(a\) و \(b\) عدد غير نسبي بينما \(a^b\) نفسه عدد نسبي؟ يجدر الذكر هنا أن تعريف العدد النسبي واضح ومحدد، فكل ما يمكن التعبير عنه في صورة نسبة بين عددين صحيحين هو عدد نسبي، وما لا يمكن التعبير عنه في هذه الصورة هو عدد غير نسبي، وفي الحديث عن قانون التفكير الثاني ذكرت إثبات أن \(\sqrt{2}\) عدد غير نسبي.

بالنظر إلى العدد \(\sqrt{2}^{\sqrt{2}}\)، فإنه إما نسبي أو غير نسبي. فإذا كان نسبياً، فهو المطلوب إثباته.

وإذا كان \(\sqrt{2}^{\sqrt{2}}\) غير نسبي، فالعدد \(2\) عدد نسبي ويمكن التعبير عنه كما يلي:

\[2=(\sqrt{2})^2=(\sqrt{2})^{\sqrt{2}\cdot\sqrt{2}}=\left(\sqrt{2}^{\sqrt{2}}\right)^{\sqrt{2}}\]

وهو المطلوب إثباته. لاحظ أننا في هذه الحالة لم نثبت أن \(\sqrt{2}^{\sqrt{2}}\) نسبي، ولكن افترضنا أنه إما نسبي وإما غير نسبي، مستخدمين قانون الوسط المرفوع، وفي حالة كونه غير نسبي استخدمناه كأساس في الجزء الثاني من البرهان، ولو لم يكن تعريف الأعداد النسبية يسمح بثنائية عدد نسبي/غير نسبي لما كان استخدام قانون الوسط المرفوع ممكناً.

الخلاصة

قانون الوسط المرفوع ينص على عدم انتفاء الشيء ونقيضه، فلا يوجد بينهما خيار ثالث، وبالتالي إذا انتفى أحدهما تأكد الآخر.

لأن الحقيقة المطلقة غاية في التعقيد فالحقائق الجزئية تبدو كأنها وسط بين الحقيقة والكذب، وهي ليست كذلك. الحقيقة الجزئية حقيقية بالضرورة، ونقيضها كاذب بالضرورة، أما الافتراض الخاطئ أنها تعبر عن الحقيقة الكلية فهو السبب في هذا اللبس.

استخدام الثنائية الناتجة عن قانون الوسط المرفوع مفيد في الحياة العملية بشكل كبير، لكن يجب أن يتم بحرص، فالتأكد من أحد المعنيين المتناقضين يجب أن يكون تاماً (على الأقل في حدود المعرفة البشرية)، وأي شبهة في هذا التأكد تقلل كثيراً من فائدة قانون الوسط المرفوع. كذلك يجب أن يُنْتَبَه إلى المعنى الدقيق للنقيض لتجنب الوقوع في مغالطة الثنائية الكاذبة، وقد ناقشت ذلك بالتفصيل في الحديث عن قانون عدم التناقض.

قانون الوسط المرفوع غير قابل للتطبيق مع الأفكار أو التعريفات المبهمة، ولا بد قبل استخدامه من تحديد المعنى بدقة ووضوح، ومحاولة استخدامه مع مثل تلك الأفكار أو التعريفات ينتج عنها تناقض واضح.

بعض السياقات الرياضية وأنواع المنطق الرياضي تستثني قانون الوسط المرفوع من مسلماتها، لكنه قانون ثابت في المنطق التقليدي الذي نستخدمه في التفكير اليومي، ولا يجب استثنائه من عملية التفكير بوجه عام، إذ أن هذا الاستثناء يخضع لشروط محددة جداً وفي سياقات ضيقة جداً، وبوجه عام يؤدي استثناؤه إلى منطق أضعف وقدرة أقل على الاستنتاج وليس العكس.


المقال التالي: قانون تشابه المتطابقات


نسب المصنفات

  1. صورة لجو ضبابي ما بين السماء الممطرة وغير الممطرة (طبقاً لتعريف الأغلبية). الصورة الأصلية في الرابط.
  2. كومة من مادة التانين. بواسطة LivingShadow. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  3. رسم توضيحي لخوارزمية فكاهية ثنائية التفرع لكيفية حل المشاكل. بواسطة Comrade King. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 2.0 عام. الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

هذه الصفحة تستخدم مكتبة ماثجاكس (MathJax Library)

قوانين التفكير: قانون عدم التناقض


المقال السابق: قانون الهوية


القانون الثاني: قانون عدم التناقض (law of non-contradiction)

لا شيء يمكن أن يكون نفسه وأيضاً لا يكون نفسه! إما ’س‘ وإما ’ليس س‘

قد لا يكون هذا القانون في مثل وضوح القانون الأول، ويحضرني في هذا السياق مثال طرحه ابني الصغير عندما كنت أحاول شرح هذا القانون له، فسألني ”إذا كنت جوعاناً بعض الشيء، فأنا جوعان ولكنني لست جوعاناً أيضاً!“ فهل يمكن فعلاً أن يكون إنسان جوعاناً وغير جوعان في الوقت ذاته؟ هنا يتوجب علينا الرجوع إلى القانون الأول، وأن نسأل أنفسنا إذا ما كانت الفكرة من تعبير ’جوعان بعض الشيء‘ هي نفسها الفكرة من تعبير ’جوعان‘ أو تعبير ’غير جوعان‘. والإجابة أن المعاني التي تعبر عنها التعبيرات الثلاثة مختلفة، واعتبارها نفس المعنى فيه خطأ.

\[\neg(x\wedge \neg x)\]

فهل لا يصح تطبيق القانون الثاني في هذه الحالة؟ وهل توجد حالات لا يصلح فيها القانون الثاني للتفكير؟ الإجابة بالنفي، إذ أن الإنسان يكون إما ’جوعاناً بعض الشيء‘ وإما ’ليس جوعاناً بعض الشيء‘ لكنه لا يمكن أن يكون كلاهما في الوقت ذاته. تحديد ما نعنيه بتعبير ’بعض الشيء‘ هو المهم في هذه الحالة وفي أمثالها، والدقة في استخدام القانون الثاني أيضاً مهمة.

معنى كلمة ’إما‘

كلمة ’إما‘ تستخدم في اللغة العربية للتفصيل أو التخيير (من ضمن استخدامات أخرى) وهو بالضبط ما تعنيه هنا، وهي تختلف في معناها عن كلمة ’أو‘ التي لها نفس الاستخدام في أن ’إما‘ تعني أن التفاصيل أو الخيارات المختلفة لا تجتمع معاً. ونجد أن كلمة ’إما‘ وردت في القرآن بهذا الاستخدام لتعني أن الحالتين أو الخيارين لا يجتمعان:

قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (الأعراف ١١٥)

وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّـهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة ١٠٦)

حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (الكهف ٨٦)

قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (مريم ٧٥)

إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (الإنسان ٣)

فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّـهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (محمد ٤)

بينما نجد أن كلمة ’أو‘ وردت فيه بهذا الاستخدام بما يسمح باجتماع الحالتين أو الخيارين:

وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (البقرة ١١١)

أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ۚ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة ١٨٤)

وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (البقرة ٢٣٧)

وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (البقرة ٢٧٠)

لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (البقرة ٢٨٦)

هذا الفارق في استخدام اللفظة مهم جداً، لأن بعض اللغات الأخرى لا يوجد بها تراكيب مماثلة، ففي الإنجليزية مثلاً تستخدم كلمة or في الاستخدام السابق، أو يستخدم التعبير either... or وفي الحالتين لا يوجد ما يمنع اجتماع الحالات أو الخيارات المطروحة، وإذا استوجب السياق توضيح أن اجتماعها غير ممكن تستخدم تعبيرات أخرى صريحة مثل either... or... but not both أو only one of the following...

وقد يكون هذا المعنى غائباً عن أذهان البعض، لذا وجب التوضيح.

التناقض مقارنة بالتمايز

المقصود بالقانون الثاني للتفكير هو أن الشيء أو الحالة أو الصفة أو الفعل لا يمكن اجتماعها مع عدمها في الوقت ذاته. والتناقض (contradiction) هنا المقصود به انعدام الوجود وليس الاختلاف فحسب، والنقيض (contrary) من الشيء أو الحالة أو الصفة أو الفعل هو ما يستوجب انعدام وجودها.

النقيض من النور هو الظلام وهو انعدام وجود النور، والنقيض من الحرارة هو البرودة وهي انعدام وجود الحرارة، والنقيض من الرطوبة أو البلل (وهي تستلزم بالضرورة وجود الماء) هو الجفاف وهو انعدام وجود الماء. ولا تحتوي اللغة الطبيعية على كلمات تعبر عن عدم وجود كل الأشياء، وإنما المهم منها فقط بالنسبة للإنسان، فلا نجد كلمة تعبر عن عدم وجود كلب أو قطة، أو عن عدم وجود فاكهة أو سيارة.

والمختلف (different) ليس بالضرورة نقيضاً ولكنه متمايز (distinct) عما سواه، وهذا يبدو جلياً في الأشياء، فالحصان يختلف عن الهواء وليس هو النقيض من الهواء، إذ أن وجود الحصان لا يستلزم بالضرورة عدم وجود الهواء، ووجود الهواء لا يستلزم بالضرورة عدم وجود الحصان.

لكن التناقض والتمايز (distinctness) لا يبدوان بمثل هذا الوضوح عندما يتعلق الأمر بالحالات أو الصفات. هل الشجاعة مثلاً النقيض من الذكاء؟ الشخص الذكي (ولو بدرجة محدودة) لن يلقي بنفسه في عرض البحر وهو لا يجيد السباحة لأنه يخشى الموت، فهل خشية الموت—وقد نتجت عن الذكاء—في هذه الحالة تناقض الشجاعة؟ أظن أن أغلب البشر سيتفقون على أن الصفتين لا يناقض بعضهما البعض، والسبب أن تعريف الشجاعة عند أغلب البشر لا ينحصر في انعدام الخوف، بل ربما يدرك الغالبية أن الشجاعة هي المواجهة في وجود الخوف، فالشجاعة مرتبطة بالمواجهة ولا تستلزم على الإطلاق انعدام الخوف، والذكاء والشجاعة صفتان متمايزتان لكنهما ليستا متناقضتين، إذ أن وجود إحديهما لا يستلزم بالضرورة عدم وجود الأخرى.

النقيض من الشيء هو انعدام وجوده.

الشيء المتمايز عن غيره هو ما يمكن إدراك اختلافه عنه.

المقابل للشيء هو ما يقابله على الطرف الآخر في الاتجاه المعاكس.

أما ما قد يسبب بعض الالتباس في الذهن هو وجود أزواج من الصفات أو الحالات المتمايزة على طرفي نقيض من بعضهما البعض، مثل الحب والكراهية، ومثل الكرم والبخل، ويتجه إحداها في اتجاه والآخر في الاتجاه المعاكس، لكن بينهما دائماً حالة التعادل التي ليست في اتجاه أي منهما، فيمكن أن توجد حالة لا تتميز بالحب أو بالكراهية، وحالة لا تتميز بالكرم أو بالبخل. هذه الحالات المحايدة الواقعة في الوسط هي النقيض من الطرفين على حد سواء، لأنها تتميز بانعدام كل من الطرفين.

وبهذا المفهوم فإن النقيض من السعادة ليس بالضرورة هو التعاسة لكنه انعدام السعادة، والإنسان غير السعيد ليس هو الإنسان التعس، وكذلك الإنسان غير التعس ليس هو الإنسان السعيد. المقابل (opposite) في المعنى للسعادة هو التعاسة، والمقابل هو الطرف الآخر في الاتجاه المعاكس وليس هو انعدام الوجود، فالمقابل للبهجة هو الحزن أما النقيض من البهجة فهو انعدام البهجة.

قانون عدم التناقض يعني أن اجتماع الشيء ونقيضه أمر مستحيل.

أي حرف من الحروف الإنجليزية إما يكون ’A‘ وإما ’ليس A‘، ولكنه لا يمكن أن يكون ’A‘ و’ليس A‘.

وهكذا فإن المعنى المقصود لكلمة ’ليس‘ في قانون عدم التناقض هو انعدام الوجود، وعندما نقول ”ليس س“ فالمقصود انعدام وجود كل ما يعبر عنه ’س‘ وليس المقصود أن الوجود يحتوي فقط على شيئين هما ’س‘ و’ليس س‘.

وإذا قلنا بوجود مئة من الكيانات أو الحالات المتمايزة، وواحدة منها فقط نعبر عنها بالرمز ’س‘، فيكون التعبير ’ليس س‘ هو كل ما تبقى، وعدده ٩٩ كياناً أو حالة تختلف عن ’س‘. ولو كان قانون عدم التناقض غير صحيح، فإن واحداً على الأقل من هذه الكيانات الأخرى التي عددها ٩٩ والتي هي ’ليس س‘ لا يمكن اعتباره متمايزاً عن ’س‘ في شيء، وبالتالي لا يمكن في الأصل القول بوجود مئة من الأشياء المتمايزة!

الواقع مقارنة بالحقيقة

قانون التفكير الثاني ينص على أن اجتماع وجود الشيء وعدم وجوده أمر مستحيل، وقد يجادل بعض القراء ممن عندهم خلفية معرفية عن علم الفيزياء أن عدم اليقين يدخل في بناء الكون نفسه معتمدين على مفاهيم ميكانيكا الكم (quantum mechanics)، فكيف يمكن أن نكون متيقنين من أن اجتماع وجود الشيء وعدم وجوده أمر مستحيل؟ والواجب هنا هو التفرقة بين الواقع (reality) وبين الحقيقة (truth)، لأن الخلط بينهما يناقض قانون التفكير الأول ويعرضنا للوقوع في الخطأ.

تخيل أنك أمام صندوق مغلق وطلب منك أن تخمن إذا ما كان الصندوق فارغاً أم غير فارغ بشرط ألا تفتحه أو تتفحصه بأي شكل من الأشكال بخلاف النظر. قد تكون إجابتك ”لا أعرف“ أو قد تكون ”ربما كان فارغاً أو غير فارغ“. في الحقيقة فإن الصندوق إما فارغ وإما غير فارغ، لكن ليس الاثنان معاً.

رغوة البوليستيرين[1]

فماذا إذا سُمِح لك أن تحمل الصندوق في يديك وتتفحصه بدون فتحه، مثلاً عن طريق هز الصندوق لمحاولة معرفة المزيد عما بداخله؟ حينئذ ستبدأ في تكوين أفكار عما بداخله، فإذا حملته فوجدت أنه خفيف إلى درجة كبيرة، وهززته فوجدت أن الهز لا يحدث صوتاً أو تأثيراً ملموساً في إحساسك بالصندوق، فربما تستنتج أن الصندوق فارغ، وهو ما لا يخالف العقل على ما يبدو، ولكن إذا كان الصندوق مملوءًا برغوة البوليستيرين (polystyrene foam)، فإن كل ملاحظاتك المتعلقة بمحتوى الصندوق ستفشل في جعلك تدرك أنه ليس فارغاً، فتلك الملاحظات لا تناقض كون الصندوق فارغاً ولا تناقض أيضاً كونه مليئاً برغوة البوليستيرين.

عدم اليقين مرتبط بقدرتنا على المعرفة وليس بِكُنْه الأشياء نفسها وكينونتها.

ما تعرفه عن محتوى الصندوق لا يعكس بالضرورة المحتوى الحقيقي للصندوق. ما تعرفه ويمكنك رصده وجمعه من معلومات وإدراكه بالحواس هو واقعك الذي يمكنك إدراكه، أما ماهية محتوى الصندوق فهو الواقع الحقيقي (true reality)، وقد يختلف إدراكك للواقع عن حقيقة الواقع.

تجربة توضح أن كثافة غاز سادس فلوريد الكبريت أكثر بشكل ملحوظ من الهواء.

فإذا سُمِح لك أن تفتح الصندوق وتتفحص محتواه، فستتمكن من جمع المزيد من المعلومات عن المحتوى، مما قد يؤدي إلى تغير فكرتك عن محتوى الصندوق. فإذا فتحت الصندوق ولم تَرَ شيئاً بداخله على الإطلاق، فربما تستنتج أن الصندوق ’فارغ‘ أو أنه مليء بالهواء، لكن إذا كان الصندوق مليئاً بغاز سادس فلوريد الكبريت (sulfur hexafluoride)، وهو غاز أثقل كثيراً من الهواء (أكثر من ٥ أمثال كثافة الهواء) وعديم اللون والرائحة، فحينئذ سيكون استنتاجك أيضاً خاطئاً ولا يعكس حقيقة الواقع. في جميع الأحوال، فإن مقدار معرفتك هو المحدد لما تظنه حقيقياً في الواقع، ومن المستحيل أن نحدد إذا ما كانت معرفتنا كاملة أم غير كاملة، وبالتالي من المستحيل أن نحدد إذا ما كان واقعنا هو الحقيقة أم غيرها.

عند تحريك العين في أي اتجاه سيبدو الشكل كما لو كان يتحرك. عند تثبيت العين سيتوقف عن الحركة.[2]

حقيقة الواقع تحدد ما يمكننا رصده، وليس ما نرصده هو ما يحدد حقيقة الواقع، والخدع البصرية خير دليل على ذلك، فآلية الإبصار وشكل الأشياء يحددان معاً ما ندركه ونظن أنه الحقيقة، وليس ما نظن أنه الحقيقة هو ما يحدد آلية الإبصار وشكل الأشياء. نحن غير متأكدين من حقيقة الواقع ليس لأن الواقع يمكن أن يجتمع فيه الشيء ونقيضه، لكن لأن معرفتنا عن حقيقة الواقع قاصرة، ولذلك فإن ميكانيكا الكم لها العديد من التفسيرات الممكنة التي تتفق مع الملاحظات العملية، فلا يجتمع وجود الإلكترون في مكان ما مع عدم وجوده، وإنما يوجد احتمال لوجوده في مكان ما واحتمال لوجوده في غير هذا المكان.

الخلط بين قدرتنا على المعرفة وبين الحقيقة بشكل مطلق من الأسباب الشائعة للوصول إلى استنتاجات خاطئة.

الحقيقة مطلقة (absolute) وثابتة (immutable)، والمقصود بكلمة مطلقة هنا أنها كائنة بغض النظر عن وجود أي شيء آخر فهي كائنة من قبل وجود الجنس البشري، وستستمر في الوجود بعد فناء الجنس البشري، بل هي موجودة بغض النظر عن وجود هذا الكون أو عدمه، والمقصود بأنها ثابتة أنها لا تتغير. النظريات الرياضية كانت موجودة من قبل اكتشافها، ولكننا لم نكن نعرفها بعد، ولم يكن ولن يكون أبداً أن لوغاريتم الواحد الصحيح غير مساوياً للصفر! هذه الحقيقة كانت موجودة وثابتة قبل اكتشاف اللوغاريتمات وستظل موجودة وثابتة إلى الأبد.

الحقيقة أيضاً واحدة (unique)، فلا توجد عدة أشكال أو أنواع من الحقيقة تختلف عن بعضها البعض. هناك حقيقة واحدة مركبة كما سنناقش لاحقاً.

الحقيقة مجردة (abstract) والواقع مادي (material) ملموس، والواقع له حقيقة قد ندركها أو لا ندركها، وكل ما هو حقيقي في الواقع هو حقيقي بشكل مطلق لأن الحقيقة واحدة، لكن ليس كل ما هو حقيقي بشكل مطلق هو حقيقي في الواقع لأن الأفكار المجردة أوسع من الماديات.

واقعنا هو إجماعنا على ما نظن أنه حقيقة. إدراكنا للواقع مرتبط بنا، وليس مطلقاً كالحقيقة، وكل ما هو واقعي بالنسبة لنا يعتمد على وجودنا وعلى معرفتنا، والواقع يتغير بتغير المعرفة، ففي الأزمنة السحيقة كان الناس يعتقدون أن الكائنات التي نسميها ’أسطورية‘ الآن مثل البيجاسوس (pegasus) واليونيكورن (unicorns) هي كائنات واقعية تماماً! البعض منا حتى يومنا هذا يؤمن تمام الإيمان بأن الحسد (Evil eye) واقع لا خلاف عليه، بينما البعض الآخر يعتقد أن الحسد نوع من الخرافة.

حقيقة الواقع جزء من الحقيقة المطلقة الثابتة الواحدة، وليس كل حقيقي بشكل مطلق هو أيضاً واقعي. الحقيقة المطلقة تشمل حقيقة الواقع وليس العكس.

ليس هذا فحسب، بل في مجال العلم أيضاً نجد واقعاً يختلف باختلاف المعرفة، ففكرة وجود الأثير (luminiferous aether) كانت واقعاً حتى أواخر القرن التاسع عشر، وبعض الأمراض مثل الكوليرا (cholera) والطاعون (plague) كان يُظَن أن سببها هو الميازما (miasma)، وهي الهواء الملوث، وكذلك كان مرض الملاريا (malaria) الذي يعني اسمه باللاتينية حرفياً ’الهواء السيء‘، وإلى وقت ليس ببعيد كان الواقع العلمي أن الذرة لا يمكن تقسيمها إلى ما هو أصغر من الإلكترونات (electrons) والبروتونات (protons) والنيوترونات (neutrons)، ولكن الواقع الآن أن البروتونات والنيوترونات تتكون من جسيمات أصغر تسمى الكواركات (quarks). في كل مرحلة من مراحل التاريخ كان الواقع يختلف بحسب المعرفة والمعتقدات الشائعة.

dichromatic_vision.jpg
هكذا (بالأسفل) يرى مريض عمى الألوان التفاح (بالأعلى).[3]

واقعنا أيضاً يتغير من شخص لآخر، فمثلاً مريض عمى الألوان (colour blindness) يرى التفاحة الحمراء والتفاحة الخضراء كأنهما تقريباً نفس اللون، أي أن واقع هذا المريض أن ما نراه أحمر يكافئ ما نراه أخضر! في نظر مثل هذا المريض لا يوجد فرق يذكر بينه اللونين، لكن هذا الواقع الخاص به لا يغير من حقيقة أن اللونين مختلفان وأنهما يمثلان طولين موجيين مختلفين للضوء (على قدر معرفتنا).

لهذا فأنا أفرق بوضوح بين الحقيقة التي وجودها مطلق وثابت، وبين واقعنا الذي يعتمد على معرفتنا ومحدود بقدرتنا على الملاحظة، فكل ما نعرفه عن العالم المادي تحقق من خلال الملاحظة، والملاحظة بدورها تعتمد على الحواس والتقنيات، لكن البوابة النهائية والأساسية إلى عقولنا هي الحواس، وكل ما لا تدركه الحواس هو بالضرورة غير معلوم لنا على الإطلاق. هذا لا يعني أن ما ندركه بالحواس هو بالضرورة خطأ، وقد يكون جزءًا من الحقيقة المطلقة، لكنه لا يثبت ولا ينفي أن ما ندركه حقيقي، فنحن ببساطة لا نعرف! وهذا هو سبب ومصدر عدم اليقين.

قانون عدم التناقض يعنى بالحقيقة المطلقة وليس بالواقع النسبي.

قانون عدم التناقض يعنى بالحقيقة وليس بواقعنا، وفي عالم الأفكار المجرد لا يمكن أن يجتمع وجود الشيء وعدم وجوده، حتى وإن كان الشيء نسبياً للفرد، فعلى سبيل المثال لا يمكن أن تكون (أنت أو أي إنسان آخر) مقتنعاً أن سلوكاً معيناً أخلاقي وغير أخلاقي في السياق ذاته، وقد تختلف مع غيرك في رأييكما بخصوص هذا الشأن، لكن لا يمكن أن تكون مختلفاً مع غيرك في الرأي ومتفقاً معه في نفس السياق وبنفس المعنى. والواقع جزء من الحقيقة، لكنه نسبي—بخلاف الحقيقة—لأنه محدود بوجودنا ومعرفتنا، وهذا ما يؤدي إلى الخلاف بين البشر، لكن لكل منا واقعه الذي يراه حقيقياً، وفي سياق واقعه فإن كل شيء إما حقيقي وإما غير حقيقي لكن لا يجتمع الرأيان معاً في عقل سليم.

ثنائية الحقيقة

جادل البعض أن شيئاً يمكن أن يكون حقيقياً وكذلك نفيه أو نقيضه، وهذا ما يعرف بثنائية الحقيقة (dialetheism) وهي مشتقة من الكلمة الإغريقية διαλήθεια التي تتكون من مقطعين هما δι- من δύο بمعنى ’اثنين‘ وαλήθεια بمعنى ’الحقيقة‘، والمقصود أن جملتين متناقضتين يمكن أن يكونا كلاهما حقيقياً. الفلسفة هذا المعنى قد نجده واضحاً في بعض أديان الشرق الأقصى، في مقابل الفلسفة الثنائية (dualism) التي تظهر بوضوح في الفلسفة والأديان الغربية، لكن المفاهيم الأساسية خلف هذه الفلسفات ليست مكافِئة لقانون عدم التناقض.

الثنائية ترجح أن الوجود بأسره يقع في أحد عالمين (realms): الله أو المادة، غير المحسوس والمحسوس، إلخ... وبالتالي فإن كل معنى إما هو حقيقي وإما غير حقيقي. ثنائية الحقيقة تقرر أن الحقيقة لها أوجه عديدة (multifaceted) وأن كل هذه الأوجه حقيقية، وبالتالي يمكن أن تكون العديد من الأفكار حقيقة جزئية، وتكون كلها حقيقية.

لكن قانون عدم التناقض لا يعنى بالأجزاء المختلفة من الحقيقة.

فلنفترض أن فلاناً أكل في فطوره جبناً وبيضاً وخبزاً. لو قلنا ”فلان أكل جبناً“ أو ”فلان أكل بيضاً“ أو ”فلان أكل خبزاً“، فهذه كلها حقائق جزئية ولا تناقض بعضها البعض، أي لا يستلزم صحة أحدها خطأ الباقي. ليس هذا المقصود في قانون عدم التناقض. النقيض من ’فلان أكل خبزاً‘ هو ’فلان لم يأكل خبزاً‘. النقيض هو نفي هذا الجزء من الحقيقة وليس تقرير جزء آخر من الحقيقة.

وثنائية الحقيقة تستخدم عادة في علم دلالات الألفاظ (semantics) لمعالجة الحالات التي يبدو فيها تناقض وعدم تناقض في الوقت ذاته، فمثلاً هل تعني جملة ”فلان يقف في مدخل الغرفة“ أن فلاناً داخل الغرفة أم خارج الغرفة؟ قد يعتبر البعض في تلك الحالة أن ’فلان داخل الغرفة‘ جملة حقيقية، أو يعتبر البعض الآخر أن ’فلان خارج الغرفة‘ جملة حقيقية، فهل يجوز أن نعتبر أن الجملتين حقيقيتين في هذه الحالة؟ لعل القارئ يلاحظ أن الجملتين متناقضتان.

قانون عدم التناقض لا يستلزم أن تكون إحدى الجملتين حقيقية، بل يمكن أن تكون الجملتان خطأ، وهذا في ظني هو ما يجوز اعتباره في هذه الحالة، ففلان ليس داخل الغرفة ولا خارجها، بل هو في مرحلة متوسطة بين هذا وذاك، ووجه الالتباس في هذه الحالة هو اعتبار أن حالتي ’داخل الغرفة‘ و’خارج الغرفة‘ لا ثالث لهما، بينما هناك حالة وسطية ثالثة. النقيض من ’داخل الغرفة‘ هو ’ليس داخل الغرفة‘، ومن الخطأ اعتبار أن النقيض هو بالضرورة ’خارج الغرفة‘، وتقليص كل شيء إلى حالتين متمايزتين فقط هو ما يعرف في المنطق بمغالطة الثنائية الزائفة (false dichotomy; false dilemma).

فمثلاً، النقيض من ’فلان يأكل‘ هو ’فلان لا يأكل‘، ولا يمكن اعتبار النقيض منها أن فلاناً يشرب، على الرغم من أن مضغ الطعام وشرب السوائل لا يمكن أن يجتمعا، وتحقق إحدى الحالتين يستلزم بالضرورة عدم تحقق الأخرى، فإذا كان يمضغ الطعام فهو لا يشرب وإذا كانت يشرب فهو لا يمضغ الطعام، لكن يمكن أن توجد حالة لا يأكل فيها الإنسان ولا يشرب، وفي مثل هذه الحالة تكون جملة ’فلان يأكل‘ وجملة ’فلان يشرب‘ كلتاهما خطأ، أي أن الأحوال التي يمكن أن يوجد فيها فلان لا يمكن اختصارها إلى حالتي الأكل والشرب فقط.

ثنائية الحقيقة لا حاجة لنا بها إذا تم تعريف المعاني بدقة، وهي تحد من القدرة على الاستنتاج المنطقي وقد تؤدي بغير الحريص إلى قبول استنتاجات خاطئة تماماً.

قبول ثنائية الحقيقة بدون التدقيق الشديد فيما تعنيه—وهذا مع الأسف أمر شائع—يؤدي إلى قبول مبدأ الانفجار (principle of explosion) الذي من خلاله يمكن إثبات أي شيء وكل شيء. على سبيل المثال، الجملتان: ”كل ما معي من الفواكه هو تفاحة“ و”كل ما معي من الفواكه هو برتقالة“ جملتان متناقضتان بسبب استخدام كلمة ’كل‘، فإذا قبلنا أن الجملتين حقيقيتين فمن الممكن أن أعطيك تفاحة وبرتقالة بالرغم من أن كل ما معي من الفواكه هو إحداهما فقط، أي من الممكن أن أعطيك شيئاً من لا شيء!

في دراسة المنطق الرياضي يؤدي قبول التناقض إلى إثبات أي شيء على الإطلاق، وينتفي معنى المنطق وينتفي الاستدلال ويُفْقَد المعنى تماماً. توضيح هذا الأمر يخرج عن نطاق الحديث في هذا المقال لأنه يتطلب معرفة بالمنطق الرياضي، لكن لمن عنده خلفية عن هذا المجال فإن الاستنتاج التالي يصير ممكناً

1)\(p \wedge \neg p\)Hypothesis (ACCEPTING CONTRADICTION)
2)\(p\)Simplification from 1
3)\(p \vee A\)Addition from 2
4)\(\neg p\)Simplification from 1
5)\(A\)Disjunctive syllogism from 3, 4
6)\((p\wedge\neg p)\rightarrow A\)Conditional proof from 1, 5
liar's paradox
مفارقة الكذاب

كمثال آخر على الاحتكام إلى مفهوم ثنائية الحقيقة نأخذ ما يعرف بمفارقة الكذاب (liar's paradox)، وهي ببساطة كالآتي: إذا قال شخص ما لك ”أنا أكذب عليك“ فهل هو يقول الحقيقة أم لا؟

  • إذا كان يقول الحقيقة، فهو يكذب كما يقول وبالتالي فهو لا يقول الحقيقة
  • وإذا كان لا يقول الحقيقة فجملته كاذبة وبالتالي فهو يقول الحقيقة

فهل يمكن إذاً أن يكون مثل هذا الشخص يقول الحقيقة ولا يقول الحقيقة في نفس الوقت؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن هذا خرق واضح لمبدأ عدم التناقض.

بدون وجود درجة من الغموض، لا تملك اللغات الأدوات التي تمكنها من التعبير عن صدق أو كذب الجمل التي تتكون من مفرداتها. لذلك يجب التزام الحرص الشديد في تعريف المعاني واستخدام الألفاظ.

نظرية المعنى للحقيقة (semantic theory of truth) التي بنيت على أعمال كورت جودل (Kurt Gödel) وألفريد تارسكي (Alfred Tarski) تقول لنا أن المعنى هو ما يهم عندما ننظر إلى الصدق أو الكذب، وليس مجرد الكلمات، فكل لغة لا تملك في داخلها الأدوات التي يمكن أن تعبر بها عن صدق أو كذب كل الجمل التي تصاغ في هذه اللغة، وهناك حاجة ضرورية إلى ’لغة مُعَرِّفَة‘ (metalanguage)، أي لغة تعبر عن اللغة، للتعبير عن الصدق والكذب في اللغة الأصلية، ولهذا فأن أي لغة طبيعية ليست قادرة من نفسها وباستخدام أدواتها الداخلية على التعبير عن صدق أو كذب جملها بدون غموض، وهذا يظهر بوضوح في مفارقة الكذاب.

محاولة التعبير بجملة عن معنى معين وعن صدق أو كذب هذه الجملة في نفس الوقت يؤدي إلى غموض، فهل عندما يقول شخص ما ”أنا أكذب“ فهو يعني أنه يكذب بشأن الجملة التي يقولها (أي أن جملته كاذبة، وبالتالي فهو صادق) أم أنه يكذب بشأن شيء آخر بخلاف الجملة التي يقولها؟ إذا كان يقصد أن يخبرنا بكذب أو صدق الجملة التي يقولها فالغموض نتيجة طبيعية بسبب النقص الكامن في اللغة نفسها والذي حد من قدرتها على التعبير عن صدق أو كذب الجمل المصاغة بها، وهذا النقص مرتبط بنظريتي النقصان لجودل (Gödel's incompleteness theorems)، وإذا كان القائل يقصد أن يخبرنا عن شيء آخر بخلاف الجملة التي يقولها فإن المفارقة تختفي، لأن المعنى هو ما يهم.

في الرياضيات

يستخدم قانون عدم التناقض أحياناً في الرياضيات في بعض الإثباتات، فإذا تمكننا من إثبات أن النقيض من شيء ما هو خطأ بالضرورة، فهذا يعني أن هذا الشيء حقيقي بالضرورة لأن صحة الشيء ونقيضه لا يجتمعان، فمثلاً إذا أثبتنا أن عدداً صحيحاً ليس فردياً، فهذا يكافئ تماماً إثبات أن هذا العدد زوجي، لأن الأعداد الصحيحة إما فردية وإما زوجية.

لإثبات أن الجذر التربيعي للعدد 2 ليس عدداً نسبياً نفترض أن الجذر التربيعي للعدد 2 هو عدد نسبي في صورة \(a/b\) بحيث أن \(a\) و \(b\) عددان صحيحان، وأن \(a/b\) كسر غير قابل للتبسيط، بمعنى أنه لا توجد قواسم مشتركة بين كل من \(a\) و \(b\). تذكر هذه النقطة لأننا سنعود إليها لاحقاً.

\[ \frac{a}{b}=\sqrt{2}\Rightarrow \frac{a^2}{b^2}=2\Rightarrow \color{blue}{a^2=2b^2} \]

هذا يعني بالضرورة أن \(a^2\) عدد زوجي لأنه حاصل ضرب العدد 2 في عدد صحيح آخر. ولأن حاصل ضرب أي عدد فردي في نفسه ينتج عدداً فردياً آخر، فإن \(a\) نفسه لا بد أن يكون عدداً زوجياً. بناء عليه، فإن \(a\) يمكن التعبير عنه في صورة حاصل ضرب \(2\) وعدد صحيح آخر \(k\).

\[ a=2k\Rightarrow \color{blue}a^2\color{black}=\underline{4k^2}\color{blue}=\underline{2b^2}\color{black}\Rightarrow 2k^2=b^2 \]

وهذا يعني بالضرورة أن \(b^2\) هو الآخر عدد زوجي، مما يعني كما ناقشنا أن \(b\) هو أيضاً عدد زوجي. لكننا افترضنا أولاً أن العددين \(a\) و \(b\) لا توجد بينهما قواسم مشتركة، وهذا يناقض كون العددين زوجيين (أي بينهما قاسم مشترك هو العدد \(2\)).

وبما أنه لا يمكن اجتماع صدق أن يكون للعددين قواسم مشتركة وألا يكون لهما قواسم مشتركة، نستنتج أن الجذر التربيعي للعدد \(2\) لا يمكن التعبير عنه في صورة عدد نسبي.

كمثال آخر، إذا كان \(a\) يقبل القسمة على \(210\) وكان \(14a\) لا يقبل القسمة على \(3\)، فهل توجد قيم ممكنة للمتغير \(a\)?

نستخدم التعبير الرياضي \(b \mid a\) للدلالة على أن \(b\) من قواسم \(a\) أو أن \(a\) يقبل القسمة على \(b\).

\[ 3\mid 210 \wedge 210\mid a \Rightarrow \color{blue}3\mid a \\ 3 \nmid 14a \Rightarrow 3\nmid 14 \wedge \color{blue}3\nmid a \]

وبما أنه لا يمكن أن يكون العدد \(3\) من قواسم \(a\) وأيضاً ليس من قواسمه، نستنتج أنه لا توجد أي قيمة تحقق الشروط السابقة.

الخلاصة

النقيض من الشيء هو ما يستلزم عدم وجود هذا الشيء. النقيض من الشيء ليس فقط المختلف (المتمايز) عن الشيء. بعض الأشياء لها مقابل في الاتجاه المعاكس، ولكن ليس لكل شيء مقابل. النقيض من الشيء يحتوي على مقابله إن وجد، ولا يحتوي المقابل بالضرورة على النقيض.

قانون عدم التناقض يعني أن اجتماع الشيء ونقيضه مستحيل.

قانون عدم التناقض يختص بالحقيقة المطلقة الثابتة الواحدة، ولا يختص بالواقع النسبي الذي يعتمد في إدراكه على مقدار معرفتنا وقدرتنا على الملاحظة. حقيقة الواقع جزء من الحقيقة المطلقة، وحقيقة الواقع هي التي تحدد ما يمكن أن ندركه وليس العكس. تناقض فهمنا مع ما نرصده في الواقع يعني أن فهمنا خاطئ وليس أن الواقع غير صحيح.

قانون عدم التناقض يستلزم دقة في تعريف الأفكار—وهو ما ناقشته بالتفصيل في مقال سابق عن قانون التفكير الأول—لتجنب الوقوع في مغالطات مثل الثنائية الزائفة. ثنائية الحقيقة في المنطق تفترض أن قانون عدم التناقض غير ملزم، لكن استخدامها محدود جداً ويتطلب حرص شديد وفهم عميق، ولا حاجة لنا بها مطلقاً إذا ما تم تعريف المعاني بدقة. الاستخدام الخاطئ لها يؤدي إلى انعدام المعنى تماماً وفقدان المنطق لقيمته كلية.


المقال التالي: قانون الوسط المرفوع


نسب المصنفات

  1. رغوة البوليستيرين. بواسطة Phyrexian. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  2. خداع بصري. الصورة الأصلية في الرابط.
  3. كيف يرى مريض عمى الألوان التفاح. بواسطة Limbicsystem. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

هذه الصفحة تستخدم مكتبة ماثجاكس (MathJax Library)

قوانين التفكير: قانون الهوية

القانون الأول: قانون الهوية (identity law)

الشيء هو نفسه! س = س

هذه الجملة بسيطة وبديهية لدرجة أنه يكاد يكون من العبث أن نؤكد عليها كقانون للتفكير، فماذا يمكن أن يكون الشيء إلا نفسه؟!

أولاً دعونا نؤكد على أن قوانين التفكير تختص بالأفكار! ألا يبدو هذا سخيفاً؟! قد لا يبدو هكذا عندما نعيد التفكير فيما نعنيه بقانون الهوية.

’الشيء هو نفسه‘ تعود على الأفكار وليس الأشياء المادية، فكل شيء مادي نعرفه له فكرة تقابله في عقولنا، ولكن ليست كل فكرة في عقولنا لها شيء مادي يقابلها. على سبيل المثال، فكرة الحرية مفهومة لدى الجميع، ولكن لا يوجد من يمكنه أن يحمل في يديه شيئاً مادياً هو نفسه الحرية. وإذا وُجِد شيء غير معروف لإنسان ما، فإن فكرة ’الشيء غير المعروف‘ موجودة في الذهن لتقابله.

\[x=x\]

عالم الأفكار إذاً يحتوي على العالم المادي كليةً، ويمتد إلى ما هو أوسع منه.

ما نعنيه بقانون الهوية أن الأفكار لا بد أن تكون مُعَرًَّفة بدقة لتجنب الالتباس الذي يؤدي إلى الاستنتاجات الخاطئة. بخلاف العالم المادي، فإن الأفكار يمكن تشكيلها كيفما شئنا، بل يمكن تشكيلها بأشكال يستحيل وجودها في العالم المادي، فيمكن أن نتخيل أياً ما شئنا، والأساطير القديمة مليئة بالكائنات التخيلية التي لا نجد لها وجود في العالم الحقيقي.

مقارنة الأشياء المادية ببعضها البعض أسهل من مقارنة الأفكار. الأشياء المادية موجودة في حيز الزمان والمكان، ووجودها يحدده هذا السياق، والزمان والمكان مدركان بالحواس، ولذلك يسهل أن ندرك أن الشيء المادي هو نفسه. الأفكار موجودة خارج حيز الزمان والمكان، ولذلك لا بد أن يوضع لها سياق فكري يحدد وجودها لكي لا تختلط ببعضها عن طريق الخطأ، وإيجاد هذا السياق ليس بالأمر اليسير لأنه يتطلب تفكيراً ودراسة، ولا يمكن إدراكه بشكل بديهي بالحواس كما هو الحال في الأشياء المادية.

قانون الهوية يؤكد على أهمية التعريف الدقيق للأفكار.

ونحن كبشر معرضون للوقوع في الخطأ عند التفكير، لأن عملية التفكير الطبيعية في العقل البشري تهدف إلى تعظيم الكفاءة (efficiency) في العمل لا الدقة (accuracy).

عملية التفكير الطبيعية

لون الأسد يساعده على التخفي لاصطياد الفريسة. الفريسة التي لا تهرب في الوقت المناسب تؤكل.[1]

تخيل أنك تمشي في الغابة ورأيت ما تظنه حيواناً مفترساً... الغالبية العظمى من البشر—إن لم يكن كل البشر—سيفرون (إلا إذا كان الغرض الأساسي من الذهاب للغابة هو مقاتلة هذا الحيوان!) ولن ينتظروا ليتأكدوا أن الموقف بالفعل يشكل خطراً يستدعي الفرار، وبهذا فإنهم يعظمون من فرصتهم في البقاء. أو إذا أردت أن تنظر للموضوع من وجهة نظر تطورية صماء، فإن الأفراد الذين تعرضوا لموقف مثل ذلك ولم يهربوا من الحيوانات المفترسة بسرعة لأنهم أرادوا أن يتأكدوا من وجود الحيوان المفترس أولاً كلهم باتوا غذاء لتلك الحيوانات المفترسة، أما الذين هربوا بسرعة قبل أن يتأكدوا أتيحت لهم فرصة البقاء.

وما كان ينطبق على البشر من آلاف السنين ما زال ينطبق علينا إلى اليوم، حتى وإن كان السياق مختلفاً. تخيل أنك تمشي في الشارع وسمعت ما يبدو أنه صوت إطلاق رصاص أو انفجار... رد الفعل المبدئي للغالبية العظمى من الناس أنهم سينحنون أو يرقدون أرضاً، أو يختبئون أو يستترون بشكل أو بآخر، وفقط عندئذ قد يغلب الفضول وقد يحاولون استكشاف ما حدث أو لا يحاولون. لن يكون رد الفعل المبدئي هو استكشاف مصدر ما يبدو خطيراً لتحديد إذا ما كان بالفعل خطيراً.

آليات التفكير البشري تميل إلى توفير الوقت بشكل كبير، وهذا يتم بالضرورة على حساب الدقة في التفكير، ولأن العقل البشري محدود القدرة، تتطلب الدقة وقتاً أطول، والوقت أثمن مورد (resource) عند الإنسان، وفي بعض الأحيان تعتمد حياة الإنسان على التصرف بسرعة أكثر من التصرف بدقة.

عملية التفكير الطبيعية في البشر مبنية لتعظيم الكفاءة في العمل وليس الدقة.

نحن نميل إلى استخدام طرق مختصرة (shortcuts) في عملية التفكير بوجه عام لتوفير الوقت، ونميل إلى التفكير السريع وليس التفكير الدقيق، وإذا كانت عملية التفكير عندنا دقيقة بما يكفي فإننا نبدو راضين تماماً باستنتاجاتنا، بل أحياناً نكون منحازين بشدة لاستنتاجاتنا التي وصلنا إليها عن طريق هذه الطرق المختصرة انحيازاً يكفي لأن نشن حروبنا الشخصية الصغيرة دفاعاً عما نعتقده. البشر في العموم يميلون إلى فقدان التبصر بهذه الحقيقة البسيطة وهي أن تفكيرنا يعَظِّم الكفاءة لا الدقة، وربما كان من أسباب هذا التعامي أن هذه الصفة شائعة جداً في البشر وتبدو كأنها من صميم بنيان العقل البشري، ولذلك يحتاج الإنسان الى الكثير من المجهود الفكري لإدراكها.

كم مرة سمعت عن ضابط شرطة (أو أي إنسان مسلح) أطلق الرصاص على شخص ما لأنه ظن أن هذا الشخص مسلح وخطر، ثم اتضح أنه مخطئ؟! للأسف هذه ليست حادثة نادرة، والطريق المختصرة التي تعمل في عقولهم في مثل ذلك الوقت هي

  • هذا الشخص يبدو أنه مسلح
  • وهو يبدو أنه ينوي استعمال سلاحه
  • وإذا استعمل سلاحه فقد يقتلني
  • أنا أريد أن أعيش
  • إذاً عليّ أن أمنع ذلك من الحدوث
  • أنا أحمل سلاحاً ويمكني استخدامه
  • إذا استخدمت سلاحي سأمنع هذا الشخص من قتلي
  • القانون يعطيني الحق في الدفاع عن نفسي
  • إذاً لن أعاقب إذا قُتِل هذا الشخص في حالة دفاعي عن نفسي
  • إذاً سأستخدم سلاحي حتى لو أدى ذلك إلى مقتل هذا الشخص

بالطبع لا أحد في موقف مثل ذلك سيأخذ وقتاً للتفكير في كل ذلك بالتفصيل، ولكنهم ببساطة يتصرفون طبقاً لما يظنونه صحيحاً. الكلمة المهمة هنا هي كلمة ’يبدو‘ المذكورة عاليه، وأنهم يظنون أن ما يفعلونه صحيحاً.

مثل هذه الطريقة في التفكير التي تقفز إلى استنتاجات سريعة قد تكون جيدة لبقاء النوع، ولكنها أحياناً تؤدي إلى حكم سيء على الموقف، وهي ترتبط بمغالطة منطقية تسمى ’مغالطة المنحدر الزلق‘ (slippery slope fallacy)، وتستخدم كثيراً في تخويف الجموع، وخصوصاً لأغراض سياسية.

كم من مرة في التاريخ اتبع فيها جماهير غفيرة من الناس بعض الأفكار الخاطئة فقط لأن الأغلبية كانوا يفعلون ذلك؟! الطريق المختصر في هذه الحالة هو

فرار جماعي لقطيع من التيتل الإفريقي[2]
  • أنا أريد ما فيه الخير لي وليس ما فيه الأذى
  • أفترض أن أغلبية البشر يفكرون مثلما أفكر
  • إذاً ما يفعله الأغلبية من البشر هو ما فيه الخير لهم
  • أنا لا أملك المعرفة ولا الوقت اللازمين للتفكير في هذا الأمر (وربما لا أريد بذل الوقت والجهد فيه أو عندي من الأمور ما هو أولى)
  • أفترض أن الأغلبية فكروا في الأمر قبل أن يقرروا ما يفعلونه
  • إذاً لا بد أن أفعل ما يفعله الأغلبية

هذا النوع من التفكير هو في حقيقة الأمر شائع جداً، وهو أساس المغالطة المنطقية المسماة ’الاحتكام إلى الشيوع‘ (Appeal to popularity) أو ’الاحتكام إلى الأرقام‘ أو ’الاحتكام إلى الجموع‘ أو ’الجدلية القائمة على الإجماع‘، وهو يشابه ما يحدث في عالم الحيوان عندما يبدأ عدد كافٍ من القطيع في الجري في اتجاه ما، فيتبعه كل القطيع بشكل سلبي بدون أن تعرف الحيوانات ماذا يفرون منه أو ماذا يجرون تجاهه.

فيديو عن نوع من تجارب آش للمضاهاة يوضح كيف أن اتباع الأغلبية يمكن أن يكون ضاراً

هناك مجموعة من التجارب الشهيرة تسمى ’تجارب آش للمضاهاة‘ (Asch conformity tests) وتنويعاتها المختلفة التي قدمت دليلاً على أن هناك نوعاً من الغريزة تحثنا على مضاهاة الأغلبية. هذه الغريزة يبدو أنها تصب في مصلحة بقاء النوع، لكنها ليست خيراً مطلقاً، والكثير من الضرر حدث للبشرية بسبب الانسياق وراء هذه الغريزة بدون تفكير. الفرق بين الحيوان والإنسان أن الإنسان يمكنه أن يروض هذه الغريزة ويخضعها للعقل، فاتباع الأغلبية مفيد في حالات محدودة، لكنه عديم القيمة وربما مضر أيضاً حينما يتعلق الأمر بالموضة والدعاية المغرضة. على الجانب الآخر، كم من الناس في تاريخ العلم تحدوا المعتقدات السائدة في عصرهم وفكروا بشكل مجَدِّد؟ هؤلاء كانوا عدداً قليلاً جداً لدرجة أنهم يشكلون نسبة صغيرة مهملة مقارنة بكل من عمل في مجال العلم، لكن هؤلاء هم الذين أحدثوا التغيرات الجذرية الثورية في العلم عن طريق عدم اتباع الأغلبية!

بناء العقل البشري يعَظِّم الكفاءة لا الدقة، لكن يمكن أن نتجاوز هذه ’الإعدادات الافتراضية‘ (default settings) في أغلب المواقف ونفكر بدقة، بل إننا يجب أن نفعل ذلك في كل موقف ممكن، فإن كانت هذه الإعدادات الافتراضية تمكن الإنسان من توفير الوقت مع الوصول إلى أقرب نتيجة إلى الصواب، فإن العقل البشري يملي عليه أن يبذل الجهد والوقت في التفكير كلما أمكن، لأن شيئاً في الإنسان يدفعه إلى البحث عن الحقيقة دائماً.

لكن التفكير الدقيق لا يعيقه فقط عملية التفكير الطبيعية، لكن تعيقه أيضاً اللغة الطبيعية.

غموض اللغات الطبيعية

لافتة قف
هل يمكنك الجلوس عند هذه اللافتة؟ تحديد المعنى المقصود يعتمد على سياق استخدام كلمة ’قف‘.[2]

اللغات الطبيعية (Natural languages) هي تلك اللغات التي استخدمها الإنسان في حياته اليومية للتواصل منذ فجر التاريخ، وقد تطورت بشكل طبيعي بناء على عملية التفكير، بدون إعطاء اهتمام خاص للقواعد والدقة، وإنما جاءت القواعد في مرحلة لاحقة عندما بدأت اللغات في النضوج، وكان للغات البدائية بعض الأشكال اللغوية البسيطة كمتطلب ضروري لأي لغة ليمكن استخدامها.

واللغة ليست مجرد وسيلة تواصل بين البشر، وإن كان الاستخدام البادي لها هو كذلك. اللغة وسيلة للتفكير كما هي وسيلة للتواصل، ولأن الحديث في السياق الحالي لا يختص باللغة فلن أطيل الحديث عن ارتباط اللغة بالتفكير، لكنني أود أن ألفت النظر إلى ارتباط اللغة في تركيبها العام بعملية التفكير الطبيعية، فاستخدام اللغة أيضاً يهدف إلى تعظيم الكفاءة في استخدام الموارد العقلية (وربما الوقت كذلك) لا الدقة في التعبير.

الكلمات في اللغات الطبيعية تستخدم بأكثر من معنى، ويمكن للقارئ بكل سهولة التأكد من ذلك عن طريق مراجعة أي معجم لأي لغة، وسيجد أن معظم كلمات اللغة لها أكثر من استخدام، بل إن الكثير من الكلمات في اللغة تصف شيئاً مبهماً إلى حد ما، ويتحدد المعنى الدقيق للكلمة بناء على السياق الذي تستخدم فيه، وعلى مجموعة من الفرضيات في ذهن المتكلم والمستمع.

والسياق من المحددات العظمى لكيفية فهمنا للكلمات، وفي اللغة العربية المكتوبة يظهر هذا أكثر من العديد من اللغات الأخرى لأن اللغة العربية تعتمد في فهم كلماتها على التشكيل الذي قليلاً ما يستخدم، كما أنه مستحدث في اللغة، ويعتمد الكاتب على أن القارئ سيفهم المعنى المقصود للكلمة من سياقها. فمثلاً كلمة ’كبر‘ يمكن أن تقرأ:

  • ’كَبُرَ‘ بمعنى زاد أو نما، أو
  • ’كَبَّرَ‘ بمعنى جعل الشيء يكبر أو ينمو، أو بمعنى التكبير في قول ”اللهُ أَكْبَرُ“، أو
  • ’كَبِرَ‘ أي زاد في السن، أو
  • ’كَبَرَ‘ فيقال كَبَرَ فلان فلاناً بسنة أي زاد عليه في السن سنة، أو
  • ’كِبَر‘ وهو عكس الصِغَر،
  • أو ’كِبْر‘ بمعنى الكبرياء والاستعلاء أو بمعنى العظمة والرفعة، أو
  • ’كُبْر‘ وهو الأكبر من الأبناء أو من القوم، أو
  • ’كُبُرّ‘ وهو أكبر الأبناء، أو
  • ’كِبْر‘ و’كُبْر‘ الشيء وهو معظمه، أو
  • ’كُبَر‘ وهي جمع كبرى، أو
  • ’كَبَر‘ وهو نبات له شوك وهو أيضاً طبل له وجه واحد

وكلها لها نفس الشكل في الكتابة مع اختلاف التشكيل فقط. ليس هذا وحسب، بل إن الكلمة الواحدة بنفس التشكيل وبنفس النطق المسموع قد يكون لها أكثر من معنى على حسب السياق وهذا واضح في بعض الأمثلة السابقة، وكمثال آخر فإن كلمة ’عَيْن‘ تعني أشياء مختلفة في سياقات مختلفة، فمثلاً:

  • ”أبصرته بعيني“ تشير إلى العضو في الجسم المسؤول عن الرؤية
  • ”استقيت من عين ماء“ تعني نبع ماء
  • ”أرسلت عيناً يتجسس عليه“ صورة بلاغية تعني جاسوساً
  • ”هذا البيت عينه بيتي“ تستخدم للتوكيد
  • ”فلان عين أعيان البلدة“ تشير إلى الوجاهة في القوم
  • ”عين الإبرة“ تشير إلى فجوة في الشيء
  • ”فلان أصابته عين“ صورة بلاغية تشير إلى الحسد

وليس السياق اللغوي هو المحدد العظيم الوحيد لمعنى الكلمات، بل سياق الموقف أيضاً، لا سيما في حالة التواصل اللفظي أو التواصل وجهاً لوجه، الكثير من المعنى الذي نفهمه يصل إلينا عن طريق التواصل غير اللفظي (Non-verbal communication). فكر في المعاني الممكنة التي يمكن أن تحملها كلمة ’نعم‘ في العامية المصرية! اعتماداً على الموقف وكيفية نطق الكلمة وتعبيرات الوجه فإنها يمكن أن تكون استجابة لنداء، ويمكن أن تكون تعبيراً عن دهشة، ويمكن أن تكون تعبيراً عن ضجر من إلحاح، ويمكن أن تكون استنكاراً (وتنطق حينئذ ’ناااعااام‘).

الغموض من خصائص اللغات الطبيعية، وهو في صالح الكفاءة في استخدام اللغة على حساب الدقة والوضوح.

وكما رأينا في الأمثلة السابقة (ويمكن للقارئ التفكير في الكثير غيرها) فإن السياق اللفظي وسياق الموقف وسياق لغة الجسد تشترك جميعاً في إعطاء الكلمات معاني مختلفة. هذا في صالح الإنسان لأن طاقة الذاكرة البشرية محدودة، وبالتالي فإن استخدام تراكيب من عدد محدود نسبياً من الكلمات مع عدد محدود نسبياً من السياقات يمكن البشر من التعبير عن عدد أكبر بما لا يقاس من الأفكار.

مثال على ’التعبير الاصطلاحي‘ (Idiom) وهو شائع في الأمثلة الشعبية

ليس هذا فحسب، بل إننا نستخدم اللغة في التعبير عن المشاعر أيضاً. التعبير عن المشاعر ليس بالأمر اليسير، لأن المشاعر تجربة شخصية تماماً، ونحن نفترض أن الآخرين يشعرون بما نشعر به، لكن لا يوجد ما يدل على أننا جميعاً نمر بنفس التجربة الشعورية، وتوجد الكثير من الأدلة في حياتنا اليومية على أننا نختلف في مقدار ما نشعر به، ولعلنا نختلف أيضاً في نوع ما نشعر به، والتحدي الكبير هنا أن تتمكن من توصيل شيء لا يشعر به سواك إلى شخص آخر، ولهذا فإنني أعتقد أن التعبيرات الاصطلاحية (Idioms) نشأت لهذا السبب، أو على الأقل كان لذلك دور جزئي في نشأتها. نحن نستخدم مثل هذه التعبيرات لتوصيل أفكار لا علاقة لها على الإطلاق بالمعنى الحرفي للكلمات، فنقول مثلاً ”القرد في عين أمه غزال“ للتعبير عن انحياز وجهة نظر المحب لمن يحبه، ونقول ”حبيبك يبلع لك الزلط“ للتعبير عن أن المحب يتجاوز عن الكثير من أخطاء وعيوب من يحبه، وهكذا.

اللغات الطبيعية أبعد ما يكون عن الدقة، والكلمة يمكن أن يكون لها أكثر من معنى، وأحياناً التعبيرات لا يكون لها علاقة على الإطلاق بالمعني الحرفي للكلمات!

بالإضافة إلى ذلك فإننا نفترض أن بعض الأشياء مستحيل—وهو غير ذلك—ونهمل تماماً أن يكون للكلام مثل هذا المعنى بناء على فرضيتنا هذه. على سبيل المثال في قولنا في الحديث عن تقسيم الميراث ”فلان أكل أخته“ نفهم منها أن المراد تشبيه ميراث الأخت بالطعام، وليس أن فلاناً بالفعل أكل لحم أخته، على الرغم من عدم وجود ما يمنع أن يتحقق هذا بالفعل، لكنه مستبعد لشدة ندرة حدوثه، فنفهم من الكلام ما يبدو لنا معقولاً وارد التحقق.

مثل هذه التعبيرات لا تقتصر على اللغة العربية، بل كل اللغات الطبيعية بها تعبيرات مماثلة ولها خصائص مماثلة، وهذا الغموض في اللغة الطبيعية يتفق مع اتجاه عملية التفكير الطبيعية إلى تعظيم الكفاءة لا الدقة، وكما أن تحديد الأفكار بدقة في الذهن يتطلب جهداً، كذلك يتطلب التعبير عن الأفكار بدقة جهداً ويتطلب فهم الأفكار بشكل معقول جهداً، ويكون عبء هذا الجهد واقعاً على كل من المتحدث والمتلقي وإذا ما بدأنا في التفكير بشكل فضفاض فإننا قد ننتهي إلى الخلط بين هذه الأفكار، كما لو كنا نعدّ ثمار التفاح والبرتقال معاً على أنهما نفس النوع من الفاكهة.

النتائج المترتبة على ما سبق

مثال مضحك باللغة الإنجليزية يتضمن شيئاً من المواربة التي ينتج عنها سوء تفاهم.

لا توجد فكرتان متطابقتان تماماً، فلو تطابقت فكرتان تماماً بلا أدنى فرق لصارا نفس الفكرة (وهو ما سنناقشه في القانون الرابع) لكن غالباً ما توجد فكرتان متشابهتان بما يكفي ليظن الناس أنهما فكرة واحدة وتوجد سياقات مبهمة إلى حد ما تجعل تحديد المعاني في الأذهان عرضة للالتباس.

وأصغر فرق في المعنى يمكن أن يؤدي إلى انحراف عملية التفكير عن المسار الذي قُصِد لها، ومثل هذه الانحرافات عادة لا يكون لها أثر ضخم في التواصل اليومي بين الناس، وهذا دليل على أن عملية التفكير الطبيعية واللغة الطبيعية بشكلهما الحالي على قدر كبير من الكفاءة، لكن توخي الحذر أمر ضروري عند التفكير في موضوعات جسيمة أو مهمة، أو إذا كانت الآثار المترتبة على التفكير ذات شأن عظيم.

استخدام الأفكار أو الكلمات بشكل فضفاض في الجدل المنطقي بحيث يكون لها أكثر من معنى في نفس السياق هو مغالطة منطقية تسمى ”المواربة“ (Equivocation)، مثل أن نقول

  • ”يأكل فلان بحذاء صاحبه“ أي إزاء أو مقابل صاحبه
  • ”وصاحبه لا يملك إلا حذاءً واحداً“ أي نعلاً واحداً
  • ”إذاً صاحبه الآن حافي القدمين!“

وفي هذا مغالطة لأن كلمة ’حذاء‘ ليس لها نفس المعنى في الجملتين. لكن المواربة ليست دائماً بهذا الوضوح، وكمثال آخر نجد بيت الشعر التالي المنسوب إلى إسماعيل صبري، وفيه جناس تام، وتظهر الفكرة مع الشعر المسموع أكثر من المقروء:

طَرَقْتُ الْبَابَ حَتَّى كَلَّ مَتْنِي... فَلَمَّا كَلَّ مَتْنِي كَلَّمَتْنِي

فجملة ’كل متني‘ تعني ’تعب ذراعي‘، وجملة ’كلمتني‘ تعني ’خاطبتني‘ (من الكلام)، أو قد تعني ’جرحتني‘ (من الكَلْم أي الجرح). وإذا كان بيت الشعر مسموعاً، يمكن أن تُفهَم الشطرة الثانية على أنها ”فلما كلمتني كلمتني“ بمعنى ’فلما خاطبتني جرحتني‘، إذ أن بيت الشعر التالي لذلك هو

فَقَالَتْ لِي يَا إِسْمَاعِيلُ صَبْرَا... فَقُلْتُ لَهَا يَا أَسْمَا عِيْلَ صَبْرِي

فيجوز أن يُفْهَم المعنى على أنه يشعر بالجرح النفسي من الرد الذي تلقاه (وعندئذ تُفهَم ’كلمتني‘ على أنها ’جرحتني‘)، ويجوز أيضاً أن يُفهَم على أنه مجرد سرد لما حدث (وعندئذ تُفهَم ’كلمتني‘ على أنها ’خاطبتني‘). وربما في سياق الشعر قد لا يحدث هذا فرقاً كبيراً، لكن في سياق قانوني مثلاً فالفرق بين المخاطبة والجرح يترتب عليه آثار كبيرة.

وما أود التركيز عليه هنا أن وضوح المعنى بدقة هو ما يجب الانتباه إليه، وعند وجود شبهة التباس يجب استيضاح المعنى قبل التوغل في التفكير، أي يجب أن نتأكد أن الفكرة هي نفسها فلا نخلط بين فكرتين متشابهتين (أو أكثر) ونعتبرهما فكرة واحدة. وأترك للقارئ التفكير في أمثلة أخرى للمواربة.

في الرياضيات

الغموض غير مقبول في الرياضيات، وكل شيء في الرياضيات يجب أن يكون له معنى واحد فقط لا غير في سياقه، وبالطبع يمكن أن يختلف معنى الرمز الواحد في السياقات الرياضية المختلفة، لكن في مثل هذه الأحوال فإن تقرير المعنى بوضوح أمر واجب، وفي العموم فإن الوضوح والدقة قواعد جيدة للتطبيق في عملية التفكير، على الرغم من أنهما لا يتماشيان مع الغريزة التي تدفعنا إلى أن نعمل بكفاءة، لكنهما قد نقلا الإنسان نقلة كبيرة من زمن الصيد وجمع الطعام من البرية إلى عصرنا الحاضر.

في المثال التالي، إذا كانت \(i^2=-4\)، فما هي قيمة \(i\)؟

بأخذ الجذر التربيعي للطرفين، فإن \(i=\sqrt{-4}=\sqrt{4\times-1}=\pm2\sqrt{-1}\)

ومن المعروف أن \(i^2=-1\) بحيث أن \(i\) هو الوحدة التخيلية، وقد يكون من المغري أن نكتب \(i=\pm2i\)، والتي بالقسمة على \(i\) ينتج عنها أن \(1=\pm2\) وهذا بالطبع خطأ!

الخطأ هنا ناتج عن اعتبار أن \(i\) في رأس السؤال هي نفسها \(i\) المعبرة عن الوحدة التخيلية، فالأولى \(i^2=-4\) ليست كالأخيرة \(i^2=-1\)، ولهذا فإلغاؤهما من طرفي المعادلة بالقسمة خطأ، بل إن استخدام نفس الرمز ليعني شيئين مختلفين في نفس السياق الرياضي هو من كبائر الأخطاء، وفي السياقات التي يستخدم فيها الرمز \(i\) للتعبير عن شيء بخلاف الوحدة التخيلية (مثلما هو الحال في الكهرباء حيث ترمز \(i\) إلى شدة التيار)، يستخدم الرمز \(j\) للتعبير عن الوحدة التخيلية.

في الرياضيات يفترض دائماً أن الرمز الواحد له معنى واحد في نفس السياق الواحد، وما ينطبق على الرمز \(i\) ينطبق كذلك على كل الرموز الرياضية الشهيرة مثل \(\pi\) و \(e\) و \(\varphi\) و \(\phi\) وغيرها.

الخلاصة

قانون التفكير الأول يؤكد على ضرورة تعريف الفكرة بدقة ووضوح لتجنب الوقوع في الخطأ، وهذا ليس بالأمر اليسير لأن عملية التفكير الطبيعية واللغات الطبيعية أيضاً تهدف إلى تعظيم الكفاءة لا الدقة، وعلى الإنسان بذل الجهد الواعي لضبط الأفكار وتعريفها بشكل واضح ليتجنب الوقوع في مغالطات مثل المواربة أو مغالطة المنحدر الزلق.


المقال التالي: قانون عدم التناقض


نسب المصنفات

  1. لبؤة تماهي الطبيعة من حولها للتخفي. الصورة الأصلية في الرابط.
  2. فرار جماعي لقطيع من التيتل الإفريقي. بواسطة Simon McNorton. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 2.0 عام. الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

هذه الصفحة تستخدم مكتبة ماثجاكس (MathJax Library)

اللفظة المساء استخدامها: فوبيا

. في بيان حقائق (fact sheet)[i] للجمعية الكندية لعلم النفس نقرأ:

الفوبيا هي خوف مستمر ومبالغ فيه من موقف… أو شيء… ويتمركز خوف الفرد حول ضرر أو خطر متوقع ومتعلق بالموقف أو الشيء… أو حول خوف من فقدان السيطرة والشعور بأحاسيس جسدية متعلقة بالقلق. وهو خوف مبالغ فيه لأنه لا يتناسب مع المستوى الحقيقي لخطورة الموقف. وعندما يتعرض الشخص الذي يعاني من الفوبيا للعامل الذي يسبب الخوف… أو لإشارات ذات علاقة تذكره بالشيء أو الموقف تنشأ استجابة قلقية فورية يمكن أحياناً أن تتطور إلى حالة كاملة من نوبات الهلع، ولذلك فالذين يعانون من الفوبيا إما يتجنبون المواقف أو الأشياء التي يخافون منها أو يعانون قدراً كبيراً من الكرب.
صورة تعبر عن خوف من شيء مبهم[1]

الفوبيا هي حالة مرضية تصنف حالياً من ضمن مجموعة اضطرابات القلق (anxiety disorders). الترجمة العربية للكلمة هي ’الرهاب‘، لكن الكلمة الأعجمية صارت تستخدم بشكل شائع وخاطئ مؤخراً. وأخص تحديداً استخدامين شائعين هما الهوموفوبيا (homophobia) والإسلاموفوبيا (Islamophobia)، والذين في رأيي كانا المدخل الأساسي لشيوع الاستخدام الخاطئ للكلمة التي لم تكن معروفة أصلاً للعامة منذ بضع عقود من الزمان، لكن الدعاية المغرضة التي استخدم في سياقها اللفظ سببت نوعاً من الضبابية في معناه كما سأوضح لاحقاً.

ما هي الفوبيا؟

نقرأ عن اضطرابات القلق[ii] على موقع الجمعية الأمريكية للطب النفسي:

القلق يشير إلى توقع هم مستقبلي، وهو مرتبط أكثر بتوتر في العضلات وبسلوك التجنب. الخوف هو استجابة شعورية لتهديد فوري، وهو مرتبط أكثر برد فعل المكافحة أو الهروب، فإما البقاء والمكافحة وإما الرحيل للهروب من الخطر. اضطرابات القلق قد تؤدي بالناس إلى تجنب المواقف المحفزة للأعراض التي يعانون منها أو التي تزيد هذه الأعراض، ويمكن أن يتأثر مستوى الأداء في العمل الوظيفي أو المدرسي أو تتأثر العلاقات الشخصية. وبوجه عام، فلكي يتم تشخيص اضطراب القلق في أحد الأشخاص لا بد أن يكون الخوف أو القلق:
  • غير متناسب مع الموقف أو مع عمر الشخص
  • يعيق من قدرة الشخص على الأداء أو العمل بشكل طبيعي

وفي الطبعة الخامسة لدليل التشخيص والإحصاء (Diagnostic and Statistical Manual 5; DSM-5)[iii] والذي يصدر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي نجد العوامل الآتية لازمة لتشخيص الرهاب (الفوبيا) المحدد (specific phobias)، وجدير بالذكر أن هذه هي أحدث طبعة للدليل، وأن هذا الدليل من أهم المراجع في الأمراض النفسية لأنه مبني على أدلة إحصائية وليس على آراء شخصية بحتة.

  • خوف شديد أو قلق شديد من شيء محدد أو موقف محدد
  • الشيء أو الموقف في جميع الحالات تقريباً يؤدي إلى خوف أو قلق فوري
  • إما الشخص يعمل على تجنب الشيء أو الموقف، أو يتحمله بقدر شديد من الخوف أو القلق
  • الخوف أو القلق لا يتناسب مع الخطر الفعلي الذي يمثله الشيء أو الموقف، أو مع السياق الاجتماعي الثقافي
  • الخوف أو القلق أو سلوك التجنب مستمر، عادة ستة أشهر أو أكثر
  • الخوف أو القلق أو سلوك التجنب ينتج عنه قدر عيادي (مهم بما يكفي لعيادة الطبيب) من الكرب أو التدهور في الأداء الاجتماعي أو الوظيفي أو أي مجال آخر ذي أهمية. ولا يمكن تفسير هذا الاضطراب بشكل أفضل كعرض لمرض عقلي آخر، بما فيها:
    • الخوف أو القلق أو سلوك التجنب للمواقف التي يصاحبها أعراض شبيهة بالهلع أو أعراض تعجيزية، كما في رهاب الأماكن العامة (agoraphobia)
    • الأشياء أو المواقف المتعلقة بالهواجس ،كما في الوسواس القهري (obsessive compulsive disorder)
    • ما يُذَكِّر المريض بتجارب مؤلمة ،كما في اضطراب ما بعد الصدمة (post-traumatic stress disorder)
    • الانفصال عن البيت أو الأشخاص المتعلق بهم المريض، كما في اضطراب قلق الانفصال (separation anxiety disorder)
    • ما يتعلق بمواقف الاجتماعية، كما في اضطراب القلق الاجتماعي (social anxiety disorder)

ويضيف الدليل كعوامل مساندة للتشخيص أن مريض الفوبيا عند تعرضه لمركز الرهاب تنشأ عنده في العادة استثارة فسيولوجية، وتتمثل في معظم الحالات، وخاصة المتعلقة بالمواقف أو الحيوانات، في ازدياد نشاط الجهاز العصبي السمبتاوي (sympathetic nervous system)، مما ينتج عنه ازدياد في إفراز هرمون الأدرينالين ويصاحب ذلك ازدياد في معدل ضربات القلب أو شعور بضيق في التنفس.

ويضيف الدليل كنتيجة لمعاناة المريض من الرهاب أن مرضى الرهاب يظهر فيهم تدهور في الأداء النفسي وجودة الحياة مشابه في نمطه لما يحدث في اضرابات القلق الأخرى وفي تعاطي المخدرات، وقد يظهر هذا في البالغين في صورة إهمال واجبات العناية بالآخرين أو الأنشطة التطوعية، ونرى بوضوح كيف أن الرهاب يؤثر بشكل مباشر على المريض الذي يعاني منه، لا على الآخرين. على وجه التحديد، مريض الرهاب لا يضطهد الآخرين ويميز ضدهم، بل يعاني داخلياً من الرهاب وتتأثر حياته الشخصية بشكل سلبي نتيجة ذلك، وقد يتأثر الآخرون سلبياً فقط إذا كانوا يعتمدون على مريض الرهاب في العناية بهم أو توفير مستلزماتهم الحياتية سواء كانت مادية أم نفسية.

باختصار ولتلخيص معنى كلمة ’فوبيا‘ في عدة نقاط محددة ليكون النقاش واضحاً، فالفوبيا (الرهاب) هي حالة مرضية تستدعي العلاج

  1. تتميز بخوف شديد أو قلق شديد من موقف محدد أو شيء محدد، وغالباً ما تصاحبه أعراض فسيولوجية تتميز بزيادة نشاط الجهاز العصبي السمبتاوي وإفراز الأدرينالين
  2. وهو خوف أو قلق غير مبرر لأنه لا يتناسب مع الخطر أو التهديد الواقعي الذي يمكن أن ينتج عن الشيء أو الموقف
  3. وتستمر الحالة لفترة ستة أشهر أو أكثر
  4. وينتج عنها إما محاولات جادة من قبل المريض لتجنب الموقف أو الشيء أو أن يعاني المريض قدراً كبيراً من الكرب إذا لم يتمكن من التجنب
  5. وتؤثر هذه الحالة بالسلب على الأداء الوظيفي أو الاجتماعي للمريض أو كليهما.

أمثلة لما يمكن أن نطلق عليه فوبيا

جهاز رنين مغناطيسي[2]

رهاب الأماكن المغلقة أو الضيقة (claustrophobia)، وفي هذه الحالة يشعر المريض بخوف شديد من التواجد في مكان ضيق أو مغلق (مثل المصعد أو بعض أجهزة الرنين المغناطيسي القديمة نسبياً أو الأنفاق) خشية أن ينحبس فيها أو لا يتمكن من التنفس، ومثل هؤلاء يمكن أن يصعدوا عدداً كبيراً من الطوابق على السلم عوضاً عن أن يستخدموا المصعد، أو أن يرفضوا إجراء تصوير الرنين المغناطيسي لتشخيص حالة طبية أخرى يعانون منها معاناة جمة، وإن كان لا بد من إجراء هذا الفحص تحديداً، فالبعض منهم لا يوافق عليه إلا إذا أُعْطِي نوعاً من التخدير أثناء إجراء الفحص.

صورة مقربة لعنكبوت[3]

رهاب الحيوانات (zoophobia) ومن أشهر أنواعه رهاب العناكب (arachnophobia)، وفي هذه الحالة يشعر المريض بخوف شديد من وجود عناكب في نفس مكان وجوده، خشية أن يلدغ من العنكبوت لدغة سامة، وأنا أعرف أحد الأشخاص في كندا تعاني من هذا الرهاب، ورد فعلها لرؤية عنكبوت ليس مجرد خوف عادي مثل معظم البشر، لكنها تهرب من المكان وهي تصرخ، وفي إحدى المرات كان أحد زملائها في العمل ’يمزح‘ معها فوضع على مكتبها عنكبوتاً صناعياً من البلاستيك، وعندما فوجئت به انهارت تماماً وسط حشد من البشر. وهذا يحدث على الرغم من معرفتها بحقيقة أن معظم العناكب لا تلدغ البشر من الأساس، ومن هذه التي يمكن أن تلدغ البشر نسبة ضئيلة منها سام، وحتى في هذه الأنواع فإن لدغة واحدة لا تؤدي إلى موت الإنسان، وهذه الحقائق موجودة على هذا الرابط الخاص بالحكومة الكندية، ناهيك عن أن قتل العنكبوت أمر في منتهى السهولة.

صورة من أعلى برج CN بتورنتو كندا[4]

رهاب الأماكن المرتفعة (acrophobia)، وفي هذه الحالة يعاني المريض من خوف شديد من تواجده في الأماكن المرتفعة خشية أن يسقط، وهذا الخوف يتخطى حدود الخوف العادي الذي يمكن أن يشعر به أغلب الناس عند تواجدهم في مكان مرتفع. مثل هؤلاء يرفضون أن يسكنوا أو يعملوا في طوابق مرتفعة (وقد يرفضون صعود أي عدد من الطوابق على الإطلاق) وفي حال تواجدهم رغماً عنهم في مكان مرتفع عادة ما ’يتجمدون‘ في مكانهم ويمكن أن يكون هذا عائقاً أمام إنزالهم من المكان المرتفع.

صورة لمحقن إنسولين[5]

رهاب الحقن (trypanophobia)، وفي هذه الحالة يشعر المريض بخوف شديد من الإبر بما فيها الحقن الطبية، لدرجة أن المريض يمكن أن يرفض تماماً إجراء تحاليل دم مطلوبة لتشخيص مرض آخر يعاني منه، أو يرفض تعاطي أي أدوية عن طريق الحقن مهما كانت أهمية الدواء حتى وإن لم يتوافر منه أي صورة أخرى غير الحقن، وفي حالة إجبارهم بشكل أو بآخر على هذا الإجراء، فإنهم يعانون قدراً رهيباً من الكرب لا يتناسب مع الألم الضئيل الذي يتسبب عن الإبرة.

رهاب الماء (aquaphobia)، والمريض في هذه الحالة يشعر بخوف شديد من الماء خشية الغرق، وهذا الخوف يتفاوت من مريض لآخر على حسب الحالة، وعلى الرغم من أن المريض قد يكون تعلم العوم بدرجة تكفي تماماً لئلا يغرق، فالبعض منهم قد يرفض النزول في الماء حتى وإن كان عمقه يسمح للمريض بالوقوف على قدميه، بل إن البعض منهم يصاب بحالة من الضيق الشديد إذا ابتل وجهه فجأة دون أن يكون مستعداً لذلك.

استخدامات أخرى لكلمة فوبيا

لأن العلوم كانت تستخدم اللاتينية في الأصل، فالكثير من المصطلحات العلمية مشتق من الكلمات اليونانية أو اللاتينية، ولذلك نجد أن كلمة فوبيا في الطب تستخدم في بعض الأحوال غير المتعلقة بالأمراض النفسية للدلالة على الشعور بالضيق الشديد وسلوك التجنب، وكمثال على ذلك نجد فونوفوبيا (phonophobia) وهي الشعور بالضيق من الصوت وتجنبه، ومثل فوتوفوبيا (photophobia) وهي الشعور بالضيق من الضوء وتجنبه، وكلاهما عرضان من أعراض بعض الحالات العصبية مثل الصداع النصفي، كما نجد مصطلح هايدروفوبيا (hydrophobia) وهي الشعور بالضيق من الماء وتجنبه، وهو عرض من أعراض مرض السعار، وهو مختلف عن رهاب الماء الذي ذكرته سابقاً. هذه الاستخدامات في الطب لكلمة فوبيا مفهومة بشكل محدد ودقيق لكل المتخصصين في مجال الطب، ولا أظن هناك خشية حدوث التباس في المعنى.

الماء لا يختلط بالزيت[6]

كذلك في الكيمياء نجد مصطلح هايدروفوب (hydrophobe) الذي يعبر عن المواد التي لا تذوب في الماء مثل الزيوت بمختلف أنواعها، أي المواد التي تتجنب الماء، وفي هذا الشأن يكون عكس هذا المصطلح كلمة فيليا (philia) من اليونانية φιλιά أي المحبة أو الصداقة، فيكون الهايدروفيل (hydrophile) المادة التي تذوب في الماء بسهولة. لا أظن أيضاً أن من درس الكيمياء سيكون عنده أي مجال للالتباس في هذا الشأن.

بوجه عام فإن استخدام الكلمة في المجالات التقنية له معنى محدد وواضح ومحصور في سياق ضيق مفهوم تماماً للمتخصصين في هذا المجالات.

أمثلة لما لا يجوز أن نطلق عليه فوبيا

النقاط التالية تتماثل مع النقاط الخمس المذكورة أعلاه في تعريف الفوبيا.

  1. من لا يصل به الخوف أو القلق من شيء محدد أو موقف محدد إلى درجة تتطلب عيادة الطبيب لا يعاني من الفوبيا. على سبيل المثال، غالبية البشر يخافون إلى حد ما من الأماكن المرتفعة، لكنهم لا يعانون من رهاب الأماكن المرتفعة، وغالبية البشر يخشون الإبر ويفضلون ألا يتعرضوا للوخز بالإبر طالما كان ذلك ممكناً، ولكنهم لا يعانون من رهاب الحقن.
  2. الخوف المبرر الذي يتناسب مع حجم الخطر المتوقع لا يعد فوبيا. على سبيل المثال، إذا خاف شخص من أن يمشي على حبل معلق على ارتفاع كبير وهو غير مدرب على ذلك، فهو لا يعاني من رهاب الأماكن المرتفعة. ببساطة، هناك احتمال ليس بالضئيل أن يسقط من هذا الارتفاع وقد ينتج عن ذلك موته أو إصابته بشكل جسيم. أو إذا خاف شخص لا يعرف السباحة من أن ينزل في الماء العميق، فهو لا يعاني من رهاب الماء. ببساطة هناك احتمال كبير أن يغرق، وحتى إذا طمأنته بإعطائه طوق نجاة، فخوفه في محله، لأن أي خطأ يحدث قد يتسبب في غرقه، وهو ليس بالخطر الهين.
  3. الخوف الذي لا يستمر لفترة طويلة من الزمن لا يعتبر فوبيا. إذا خاف شخص من كلب جاره مثلاً، ثم بمرور الوقت وجد أن هذا الكلب كائن أليف ولطيف وزال عنه الخوف، فلا يعتبر خوفه هذا فوبيا. أو إذا خاف شخص من التفاعل الاجتماعي نتيجة انتقاله لمدرسة جديدة أو محل عمل جديد، ثم زال الخوف بمرور الوقت والتعود على المكان الجديد، فهذا لا يعتبر فوبيا.
  4. الخوف الذي يمكن للإنسان التغلب عليه بإرادته لا يعتبر فوبيا. إذا وجد شخص في نفسه بعض الضيق من القطط مثلاً إذا وضع يده عليها وشعر بخرخرتها أثناء تنفسها، وأمكنه أن يتغلب على هذا الشعور بدون أن يعاني من قدر شديد من الكرب أو الضيق، أو إذا كان لا يفعل كل ما في وسعه لتجنب وضع يده على ظهر قطة، فهو لا يعاني من فوبيا.
  5. وأخيراً فإن أي حالة في العموم لا تؤثر على الأداء الوظيفي أو الاجتماعي للإنسان لا تعد مرضاً بالضرورة. في مقال[iv] رائع يناقش ماهية المرض، تستعرض كاتبته جاكي سكالي كيف أن تعريف المرض ليس بسهولة تعريف الصحة، وليس بالضرورة النقيض من الصحة، ويختلف باختلاف السياق الذي يحيا فيه الفرد ويُقَيِّم فيه نفسه، وأزعم أن كل ما يؤثر سلباً على أداء الإنسان في الحياة يدفعه إلى البحث عن وسائل للتخلص من هذا التأثير السلبي، وبالتالي كل مرض يتميز بدرجة ما بتأثير سلبي على أداء الفرد لأن الإنسان في العادة يسعى إلى علاج المرض، بينما لا يندرج كل ما يؤثر سلباً على أداء الفرد تحت تصنيف المرض، ولأن الفوبيا حالة مرضية فكل ما ينطبق عليه ما سبق من مواصفات لكنه لا يسبب أي تأثير سلبي على أداء الفرد الوظيفي أو الاجتماعي لا يمكن القول بأنه فوبيا.

الاستخدام الخاطيء للمصطلح في سياق سياسات الهوية

صورة بالفسيفساء لقناع فوبوس[7]

كلمة فوبيا في الأساس مشتقة من اليونانية φόβος (فوبوس) وهو اسم إله الخوف عند الإغريق، ومنه جاءت φοβία (فوبيا)، والكلمة في المجمل تستخدم كما سبق الذكر في المجالات العلمية المتخصصة للدلالة على التجنب، وفي مجال علم النفس تحديداً للدلالة على الحالة المرضية السابق ذكرها. المشكلة تكمن في الاستخدام المستحدث بعد الحداثي (postmodern) للكلمة في الدراسات الاجتماعية (social studies) للتعبير عن سلوك التجنب بدون إيجاد ملامح واضحة تفصل ما بين المعنى المراد به سلوك التجنب فقط وبين المعنى المراد به المرض النفسي، وهذا الغموض والالتباس (ambiguity) في معاني الكلمات ليست بالأمر الغريب على الفكر بعد الحداثي، بل ربما كان الخاصية المميزة له.

مع الأسف يرتبط المرض النفسي بنوع من الوصمة الاجتماعية (social stigma) تجعل الناس في العموم ينظرون للمريض نظرة دونية وكأنه كائن أقل شأناً وأقل مكانة، مع العلم بأن الأمراض النفسية ليست كلها تؤثر على العقل، وهناك من يعانون من أمراض نفسية ويشغلون وظائف تحتاج إلى قدر من العقل والعلم ليس بالقليل، وبالتحديد فإن الرهاب لا يؤثر في المجمل على الوظيفة العقلية للمريض، لكنه قد يكون عائقاً أمام المريض للقيام بمهام وظيفته إن تقاطعت مع مركز الرهاب.

ونجد أن الاستخدام الشائع حالياً للكلمة يحمل نوعاً من النظرة الدونية في طياته، وكأن الموصوم به يحمل عاراً، فمن يعاني من الفوبيا يعاني بالتبعية من خوف غير مبرر، ولأنه لا يجد تبريراً لهذا الخوف فإن عقله أضعف وحجته أضعف ولا تستحق السماع، بل يصل الأمر إلى أبعد من ذلك عندما يتداخل مع سياسات الهوية (identity politics).

فنجد تعبيراً مثل الكيموفوبيا (chemophobia) وهو الخوف والقلق من المركبات الكيميائية الصناعية خشية تأثيرها الضار على الإنسان، ويستخدم هذا التعبير بشكل فضفاض للتعبير عن الذين عندهم قلق منطقي ومبرر وفي حدود المعقول من الكيماويات الصناعية، وكذلك الذين عندهم قلق مبالغ فيه وغير مبرر، على الرغم من أن معظم من يتجنبون الكيماويات الصناعية وينادون بالعودة للطبيعة لهم ما يبرر قلقهم، ولا يتأثر أداؤهم الوظيفي أو الاجتماعي بشكل يذكر بتجنبهم للكيماويات الصناعية، ولا يعانون من استجابات عصبية فسيولوجية عند تواجدهم في نفس المكان مع كيماويات صناعية، إلا أن الكلمة تستخدم غالباً للسخرية منهم والتقليل من شأن رأيهم.

ثم نجد التعبيرات القبيحة المستحدثة والتي نشأت في الأساس مرتبطة بسياسات الهوية وأخص بالذكر منها الهوموفوبيا (homophobia) والزينوفوبيا (xenophobia)، وهي الخوف من الغرباء، والإسلاموفوبيا (Islamophobia). كل واحدة من هذه صارت تستخدم ليس فقط للتعبير عن سلوك التجنب، بل للتعبير عن الاضطهاد الممنهج لهذه الفئات، وتطورت تدريجياً حتى صار عدم إقرار هذه الفئات على رأيهم، بل عدم وضعهم في مكانة خاصة، نوعاً من الاضطهاد والتمييز ضدهم، وصارت مثل هذه التعبيرات مرادفة للسلوك العدواني الشرير الذي يجب على المجتمع التخلص منه، وصارت تحمل أكثر من مجرد وصمة عار، فمن يوصم بها مجرم ولو أخلاقياً على الأقل، ووجوده في المجتمع غير مقبول. صارت هذه التعبيرات تستخدم لتكميم الأفواه وتحجيم حق حرية الرأي الذي أدركت الإنسانية أهميته بعد قرون طويلة من المعاناة.

وهذا الاستخدام يخدم سياسات الهوية التي تعتمد على تحديد هوية الفرد بناء على الجماعة التي ينتمي إليها وليس بناء على تفضيلات وقرارات الفرد ذاته. فإذا كنت مسلماً فلا بد من وضعك في نمط معين يحدده من يتحدث نيابة عن المسلمين في تيار اليسار السياسي، وبالمثل إذا كنت مثلياً أو وافداً أو مهاجراً أو ذا بشرة سوداء. ليس من حقك التحدث عن نفسك وفصل نفسك عن الجماعة، فالجماعة هي هويتك، ومن يتحدث نيابة عنها يتحدث بالضرورة نيابة عنك وما عليك إلا أن تنصاع.

أنت كفرد لا قيمة لك وحدك. أنت كفرد قيمتك والنظرة إليك مستمدة فقط من انتمائك لجماعة ما. إذا كنت أبيض البشرة في الغرب فأنت من الظلمة القاهرين الذين يجب معاداتهم وإخضاعهم، وإذا كنت عضواً في عدة جماعات ممن يصنفون من المهمشين (marginalized) فأنت ممن يجب مناصرتهم والإعلاء من شأنهم. صفاتك الشخصية وأفعالك تتخذ أهمية ثانوية أو قد لا تتخذ أي أهمية على الإطلاق. الفرد يذوب كلية في الجماعة في ظل تلك السياسات. فإن اختلفت في الرأي مع أي فكرة لها ’فوبيا‘ فأنت ضد هذه الجماعة بالكامل، وضد كل فرد فيها بدون تمييز، وإن كان عندك مشكلة مع أحد أفراد هذه الجماعات فذلك ليس لمشكلة بينك وبين هذا الفرد تحديداً بل لأنك تضطهد الجماعة بأسرها.

وليس معنى الكلام في السياق الحالي إنكار أن هذه الفئات تعرضت ولا زالت في بعض الأحيان تتعرض لتمييز سلبي بل واضطهاد نظامي، والمشكلة ليست أبداً في الدفاع عن حقوق المظلومين، فهذا حتمي لضمان بقاء المجمتع وليس مجرد واجباً أخلاقياً، وإنما المشكلة في ابتكار استخدام للكلمة يجعل منها سلاحاً للإرهاب الفكري ويربط بين الخلاف في الرأي وبين المرض والعار والدونية.

العواقب السيئة لهذا الاستخدام للمصطلح

صورة من موكب مثليي الجنس بمدينة شيكاغو[8]. اللافتة مكتوب عليها ”ليس من طفل يولد هوموفوب“.

إن صرحت بأنك ترى المثلية الجنسية خطية من وجهة نظرك الدينية فأنت ’هوموفوب‘ (homophobe) ورجعي ومتخلف ويجب على المجتمع المتمدن التخلص من أمثالك. وإن صرحت برأيك في تقنين الهجرة ووضع ضوابط لها لكي لا ينهار اقتصاد الدولة فأنت ’زينوفوب‘ (xenophobe) وتكره الغرباء كره غير مبرر وغير منطقي ولا بد أيضاً من التخلص من أمثالك في المجتمعات الحديثة. وإن انتقدت الإسلام لما يحتويه من نصوص صريحة تحض على العنف ضد الآخرين—هذه النصوص التي يستخدمها أمثال داعش للتنظير لما يفعلونه من بشاعة—فأنت ’إسلاموفوب‘ (Islamophobe)، ومثل الحالتين السابقتين لا بد من التخلص من أمثالك.

لا يمكن مع هذا الاستخدام للكلمة أن تكون مؤيداً لتقنين الهجرة ووضع ضوابط عليها لكن في الوقت ذاته على وفاق تام مع جارك المهاجر، ولا يمكن أن ترى المثلية الجنسية خطية لكنك تعمل في وفاق مع زميل في العمل مثلي الجنس، ولا يمكن أن تنتقد الإسلام وتتقبل وجود جار مسلم لك، حتى مع علمك التام بأنه لا يتبنى الأفكار العنيفة في الإسلام. لا يمكنك أن تختلف وتتعايش. لا بد أن تنصاع لرأي معين وإلا فأنت مجرم متدني الأخلاق ووجودك آفة يجب على المجتمع القضاء عليها.

في جميع هذه الحالات العامل المشترك واحد: ليس من حقك أن تختلف مع تيار اليسار السياسي، وليس من حقك أن تعبر عن رأيك بحرية، وليس من حقك أن تناقش فكرتك إذا كانت تتعارض مع فكر اليسار السياسي، إذ أن أي فكرة تختلف عما يتبنونه من أفكار هي بالضرورة رجعية ومتخلفة، ولا تستحق حتى سماعها ومناقشتها، ولا يتم دحضها بالحجة بل بالصوت العالي والترهيب والاتهام والوصم بالتخلف والدونية والحقارة الأخلاقية والجهل. هذا هو ما تستخدم فيه لفظة ’فوبيا‘ في السياق المعاصر مع شديد الأسف.

وعلى الجانب الآخر لا تجد ’فوبيات‘ مماثلة عند اليمين السياسي. لا توجد ’مسيحوفوبيا‘ مثلاً في الدول ذات الأغلبية المسيحية، ولا توجد ’رأسمالوفوبيا‘ في الدول الرأسمالية، ولا توجد ’حكوموفوبيا‘ للتخويف من الحكومات الحالية بنظامها الهرمي. لا يستخدم اليمين السياسي أياً من هذه الممارسات الفكرية القمعية التي تتنكر في صورة دعاوى إلى الحرية والمساواة وهي أبعد ما تكون عن ذلك. وليس معنى كلامي أن اليمين بالضرورة أفضل من اليسار، ولا أن اليمين لا يستخدم وسائل فكرية قمعية، لكنني أراه لا يلجأ لإخفاء أساليبه القمعية في صورة معاني سامية. دس السم في العسل من أخبث وأخطر ما يمكن أن يحدث للبشرية.

ولأن الهوموفوبيا تحديداً تستحق الكلام بتفصيل أكثر، فسيكون لها مقال آخر منفصل.

الخلاصة

الفوبيا مصطلح طبي وتقني بالدرجة الأولى، واستخدامه المستحدث الشائع حالياً، والذي يميع الحدود بين معناه في الطب وعلم النفس ومعناه المقتصر على سلوك التجنب، ما هو إلا وسيلة للإرهاب الفكري.

التعبير عن الرأي ليس فوبيا ولا يمت للفوبيا بصلة. بل إن بعض من يحاولون التعبير عن رأيهم في هذه الموضوعات التي استحدث لها هذه الاستخدام لمصطلح ’فوبيا‘ لا يعانون من أي أعراض تمت بصلة للرهاب من قريب أو من بعيد ولا يحاولون تجنب تلك الفئات على الإطلاق.

مجرد محاولة نقاش رأي مختلف صارت فوبيا. صارت مرضاً يستحق القضاء عليه لتطهير المجتمع منه، وصار الرأي المخالف غير مسموح به إذا تطرق إلى هذه الموضوعات. حرية التعبير عن الرأي صارت مرضاً!

الخلاف في الرأي صار بالضرورة مقدمة لنتيجة حتمية (وهي ليست كذلك على الإطلاق) هي ’اضطهاد‘ الفئات المهمشة. بل تطور الأمر إلى أن صار عدم تمييز تلك الفئات بشكل إيجابي نوعاً من الاضطهاد! هذا كله بالطبع يتعلق بالفكر بعد الحداثي وتأثيره البشع على المجتمعات المعاصرة، ولكن لهذا أيضاً مقال آخر.


المراجع

  1. بيان حقائق عن الرهاب من الجمعية الكندية لعلم النفس.
  2. ما هي اضرابات القلق؟“ من موقع الجمعية الأمريكية للطب النفسي
  3. Diagnostic And Statistical Manual of Mental Disorders : DSM-5. Arlington, VA :American Psychiatric Publishing, 2013. ISBN: 978-0-89042-564-0
  4. Scully, J.L. What is a disease? Disease, disability and their definitions. EMBO reports 2004;5(7):650-653. doi:10.1038/sj.embor.7400195

نسب المصنفات

  1. صورة تعبر عن خوف من شيء مبهم. الصورة الأصلية في الرابط.
  2. صورة لجهاز رنين مغناطيسي. الصورة الأصلية في الرابط.
  3. صورة مقربة لعنكبوت. الصورة الأصلية في الرابط.
  4. صورة من أعلى برج CN بتورونتو كندا. بواسطة Pascal Reusch. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  5. صورة لمحقن إنسولين. بواسطة Jill Brown. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 2.0 عام. الصورة الأصلية في الرابط.
  6. صورة لزيت يتم صبه في الماء. بواسطة Andrew Kraker. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نسب المصنف - منع الاشتقاق 2.0 عام. الصورة الأصلية في الرابط.
  7. صورة بالفسيفساء لقناع فوبوس. بواسطة Carole Raddato. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نسب المصنف 2.0 عام. الصورة الأصلية في الرابط.
  8. صورة من موكب مثليي الجنس بمدينة شيكاغو. بواسطة Gay Liberation Network. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نسب المصنف 2.0 عام. الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...