بحث هذه المدونة الإلكترونية

ما هو الطبيعي؟

هل الطبيعي هو ما ليس له في الطبيعة استثناء؟

نظرياً على الأقل، وعملياً في معظم المجالات، لا يوجد شيء في الطبيعة ليس له استثناء. حتى قوانين الفيزياء التي يضرب بها المثل في الدقة لدرجة أنها تسمى قوانين يوجد لها استثناءات.

جبل جليدي[1]

على سبيل المثال، نعرف أن كل المواد تتمدد بالحرارة وبالتالي تقل كثافتها، وتنكمش بالبرودة وبالتالي تزداد كثافتها. الماء استثناء واضح لهذه القاعدة، فالماء ينكمش بالبرودة إلى أن يصل إلى أقل حجم وأعلى كثافة له عند درجة حرارة ٤ مئوية، ثم يتمدد إذا قلت درجة حرارته عن ذلك، ولهذا السبب تجد أن الثلج يطفو على سطح الماء على الرغم من أنه أبرد من الماء. ولهذا نجد أن جبال الجليد على الرغم من حجمها المهول تطفو على سطح البحر.

ومن المعروف أن مقاومة (resistance) الموصلات لسريان التيار الكهربي تعتمد على درجة الحرارة فتزداد بازدياد حرارة الموصل وتقل بالتبريد. هذا صحيح فقط في حالة الموصلات، أما في حالة أشباه الموصلات (semiconductors) التي يصنع منها الترانزيستور، فإن رفع درجة الحرارة يؤدي إلى انخفاض المقاومة بعكس ما يحدث في الموصلات.

وقوانين نيوتن (Newton's laws) للحركة والجاذبية لم يفكر أحد في تغييرها على مدار ثلاثة قرون من الزمان لأنها كانت تنطبق على كل التطبيقات العملية والمشاهدات الكونية بشكل دقيق، إلى أن تلاشت هذه الدقة مع نهايات القرن التاسع عشر مع إجراء بعض التجارب على الضوء، مما أدى إلى ظهور النظرية النسبية (Theory of Relativity). والنظرية النسبية نفسها لا تنطبق على الجزيئات تحت الذرية، ونحتاج إلى نظرية ميكانيكا الكم (Quantum Mechanics) لتفسير الظواهر والمشاهدات على هذا المستوى. لكن ميكانيكا الكم نفسها لا تنطبق على الأجسام الكبيرة!

لا يمكننا أن ندعي أن الكون لا توجد فيه استثناءات عل الإطلاق. وإن لم نكن قد تعلمنا من حقائق تاريخ العلم ومن الخبرات الشخصية اليومية أن الاستثناء دائماً موجود فلا أدري ماذا يمكن أن نتعلم، فإن كان شيء بهذا الوضوح لا يعلمنا فلن يعلمنا شيء.

ولأن الطبيعة دائماً فيها الاستثناء، فإن الطبيعي لا يمكن تعريفه أنه ما ليس له استثناء في الطبيعة.

هل الطبيعي هو كل ما يُرصَد في الطبيعة بغض النظر عن شيوعه أو ندرته؟

أظن أن الإجابة المعقولة على هذا السؤال هي بالنفي، فالمعنى المتعارف عليه عند الغالبية الساحقة من الناس أن الطبيعي هو الشائع إلى حد ما.

هل إذا رأيت إنساناً يفوق طوله المترين ستعتبر هذا ’طبيعياً‘؟ هل إذا رأيت إنساناً له أحد عشرة أصبعاً ستعتبر هذا ’طبيعياً‘؟ هل تعتبر أن قدرات اللاعبين الأولمبيين ’طبيعية‘؟ إن كنت تتعامل مع المصطلح على أنه يعبر عما نتج بدون تدخل من الإنسان فحينئذ يمكن أن تقول أن هذه كلها أمور طبيعية (natural) (مثل المنتجات الغذائية الطبيعية). النقيض لهذا المعنى هو الشيء ’الاصطناعي‘ أو ’الصناعي‘ (artificial) (مثل الذكاء الاصطناعي والأطراف الصناعية)، ولكن هذا ليس المقصود بالمصطلح في هذا المقال.

المقصود بمصطلح ’الطبيعي‘ (normal) في هذا المقال هو الشائع من الأشياء. يحتاج الإنسان إلى إدراك الأشياء الشائعة لأنها تسهل عليه تسيير أمور حياته، فيتعامل مع الأنماط المتكررة بالقليل من التفكير والتحليل معتبراً إياها طبيعية ولا تحتاج إلى نظرة فاحصة. الطبيعي من الأشياء بهذا المفهوم لا يلفت انتباه الإنسان في العادة، فلن يلفت انتباهك شخص يشبه بقية الناس ويرتدي ملابس لا تختلف كثيراً عن بقية الناس ويسير مثل بقية الناس في شارع مزدحم، بينما سيلفت هذا الشخص انتباهك بكل تأكيد لو كان يرتدي ملابس غير مألوفة أو يفعل شيئاً غير مألوف.

ما هي درجة الشيوع التي عندها يسمى أمر ما طبيعياً؟

الإجابة على هذا السؤال ليست بالأمر اليسير أبداً وتحتاج إلى بعض الشرح، ولهذا أرجو أن يتحمل القارئ معي حتى أعرض هذا المثال.

تخيل لو أن شخصاً ما كُلِّف بتوصيل مبلغ من المال إلى آخر، وسمح له بأخذ أجر من هذا المبلغ—إن أراد—بحد أقصى ١٠٠ جنيه. ولنفرض أن احتمال أن يأخذ هذا الوسيط ١٠ جنيهات أو ٢٠ أو أكثر هي كما في الرسم التالي.

احتمالات مقدار العمولة في حالة وجود وسيط واحد

في الرسم السابق، نرى أن أكثر احتمال (٢٠٪) هو أن يأخذ الوسيط مبلغ ٨٠ جنيهاً كأجر مقابل توصيل المبلغ، لكن هناك أيضاً احتمال صغير (١٪) ألا يأخذ أجراً على الإطلاق واحتمال ٦٪ أن يأخذ الحد الأقصى وهو ١٠٠ جنيه.

فماذا يحدث لو أن المبلغ سيتم توصيله عن طريق وسيطين بنفس الشروط السابقة؟ هناك احتمالات مختلفة للأجر الذي يمكن أن يأخذه الوسيط الأول، ونفس الاحتمالات تنطبق على الوسيط الثاني، لكن بحساب احتمالات إجمالي الأجر الذي يمكن أن يأخذه الوسيطان نجد أن الرسم يختلف عما سبق، ونجد أن أعلى احتمال للأجر الإجمالي هو حوالي ١١٫٧٪ وأن هذا يوافق أجراً إجمالياً قدره ١٣٠ جنيهاً.

احتمالات مقدار العمولة في حالة وجود وسيطين
احتمالات مقدار العمولة في حالة وجود ثلاثة وسطاء

أما لو زاد عدد الوسطاء إلى ٣ تحت نفس الشروط، نجد أن أعلى احتمال للأجر الإجمالي هو حوالي ٩٫٧٪ ويوافق أجراً إجمالياً قدره ٢٠٠ جنيه. ولو زاد عدد الوسطاء إلى ٤ تحت نفس الشروط يصير أعلى إحتمال للأجر الإجمالي حوالي ٨٫٥٪ ويوافق أجراً إجمالياً قدره ٢٦٠ جنيهاً. يمكن للقارئ مراجعة الحسابات بنفسه إذا كان يعرف بعض الشيء عن الاحتمال الرياضي.

احتمالات مقدار العمولة في حالة وجود أربعة وسطاء

نلاحظ هنا عدة أمور مهمة:

  • الأجر الأكثر احتمالاً في حال وجود ٤ وسطاء (٢٦٠ جنيهاً) لا يتوافق مع ٤ أمثال الأجر الأكثر احتمالاً للوسيط الواحد (٨٠ جنيهاً)—وإن كان لا يبتعد عنه كثيراً—على الرغم من تحقق نفس الشروط للوسطاء الأربعة.
  • الأجر الأكثر احتمالاً يقترب من منتصف المنحنى مع ازدياد عدد الوسطاء. لاحظ أنه كان أقرب إلى الجهة اليمنى في حالة وجود وسيط واحد.
  • التباين حول الأجر الأكثر احتمالاً يزداد كلما ازداد عدد الوسطاء، ففي حالة الوسيط الواحد نجده ما بين ٢٠ إلى ٣٠ جنيهاً حول الأجر الأكثر احتمالاً، بينما نجده حوالي ٧٠ إلى ٨٠ جنيهاً في حالة الوسطاء الأربعة. لاحظ أيضاً أن التباين في حالة الوسطاء الأربعة ليس أربعة أضعاف التباين في حالة الوسيط الواحد.

شكل المنحنى المعبر عن الاحتمال يقترب سريعاً من شكل الجرس المقلوب (inverted bell)، أو ما يعرف في الإحصاء بالتوزيع الطبيعي (normal distribution). المقصود من هذا المثال توضيح أنه حتى تحت نفس الشروط البسيطة وكلما زاد عدد الأفراد (أو التجارب أو المشاهدات المستقلة (independent) فإن الاحتمال النهائي يقترب من التوزيع الطبيعي. هذه نظرية رياضية تعرف باسم نظرية النهاية المركزية (Central Limit Theorem)، والحديث عن تفاصيلها يبتعد كثيراً عن سياق المقال الحالي، ولكن المراد قوله أن هذا المنحنى ’الطبيعي‘ نراه في أغلب المشاهدات في الطبيعة ويغلب استخدامه في تعريف ما هو طبيعي.

يتميز منحنى التوزيع الطبيعي بأن له قمة عند المنتصف ثم ينحدر بشكل متماثل على طرفيها، ويمكن تقييم درجة الانحدار نحو الطرفين بمعامل إحصائي يعرف بالانحراف المعياري (standard deviation)، ويرمز له عادة بالحرف اليوناني ’سيجما‘ σ، أما القمة نفسها فهي تعبر عن الوسط (mean) وهو أكثر القيم مشاهدة واحتمالاً، ويرمز لها عادة بالحرف اليوناني ’ميو‘ μ، وتوجد أكثر من ٩٥٪ من المشاهدات التي تتبع التوزيع الطبيعي في حدود انحرافين معياريين حول الوسط بينما توجد تقريباً كل المشاهدات باستثناءات بسيطة جداً في حدود ثلاثة انحرافات معيارية حول الوسط.

Empirical Rule.PNG
رسم توضيحي للتوزيع الطبيعي[2]

ويبدو من المعقول أن يكون الطبيعي في حدود انحرافين معياريين من الوسط وألا يكون خارج ثلاثة انحرافات معيارية من الوسط، واستقر العرف في العلوم الطبيعية على أن الطبيعي هو ما بين انحرافين معياريين من الوسط، ويشمل حوالي ٩٥٪ من المشاهدات، وهذا رقم معقول جداً ليمثل ما يمكن اعتباره شائعاً بما يكفي ليسمى ’طبيعياً‘.

هذا العرف مستخدم في المجال الطبي وعلوم الأحياء بشكل يكاد يكون مطلق، والتجارب الإكلينيكية تحدد نسبة مقبولة للخطأ الناتج عن الصدفة (type II error) هي ٥٪، وهي تتوافق مع نسبة ٩٥٪ المذكورة سابقاً (وإن كانت ليست نفس المعنى على وجه الدقة)، وفي التجارب التي يراد فيها تقليل هذا الخطأ إلى أقصى حد تكون النسبة المقبولة للخطأ الناتج عن الصدفة ١٪، وهو ما يتوافق تقريباً مع النسبة المحصورة في ثلاثة انحرافات معيارية حول الوسط (ون كانت ليست نفس المعنى بالضبط)، ولا تتعين النسبة المقبولة لمثل هذا الخطأ بأقل من ١٪ أبداً في مرحلة الإعداد للدراسة (لأسباب إحصائية تخرج عن سياق هذا المقال).

وكل القياسات المعملية والإكلينيكية تتحدد بنفس الطريقة. على سبيل المثال، نسبة السكر الطبيعية في الدم تتراوح ما بين ٨٠ إلى ١١٠ (أو ١٢٠ على حسب نوع الفحص المستخدم) مجم/١٠٠ مل ومعدل ضربات القلب الطبيعي في حالة الراحة من ٦٠ إلى ٩٠ في الدقيقة. هذه النسب يتم تحديدها بناء على نفس المبادئ المشروحة عاليه. قس على ذلك كل التجارب والمشاهدات العملية في كل فروع العلوم التجريبية.

في عرف العلم ٩٥٪ من المشاهدات حول الوسط هي ما يسمى طبيعياً.

فماذا عما لا يدخل في النطاق الطبيعي المتعارف عليه؟

ليس كل ما لا يدخل في النطاق الطبيعي هو بالضرورة سيئاً ولا هو بالضرورة جيداً. نسبة الخمسة في المئة التي تعد خارج النطاق الطبيعي منها ٢٫٥٪ تحت النطاق الطبيعي ونسبة مساوية فوق النطاق الطبيعي، وهذه المشاهدات التي تقع على أطراف التوزيع الطبيعي قد تكون دلالة على اختلال وظيفي أو قد تكون مجرد مشاهدات متطرفة بدون أي اختلال وظيفي.

Miguel Indurain (Tour de France 1993).jpg
الرياضي ميجيل إندورين[3]

المشاهدات التي تقع خارج النطاق الطبيعي تدعو للدراسة بشكل أعمق للبحث عن أسباب ابتعاد هذه المشاهدات عن الوسط، ولكنها في حد ذاتها لا تعني بالضرورة أي شيء. فمثلاً الرياضي ميجل إندورين (Miguel Induráin) سجل أقل معدل لضربات القلب في حالة الراحة وصل إلى ٢٨ في الدقيقة، والسبب في ذلك هو لياقته البدنية الفائقة، بينما هناك الكثيرون ممن يعانون من اضطراب في وظيفة الجديلة الكهربية (bundle of His) للقلب مما يؤدي إلى تناقص معدل ضربات القلب.

كمثال آخر نجد لاعب كرة القدم الأمريكية جارد جيذر (Jared Gaither) يبلغ من الطول ٢٠٦ سنتيمتراً ولاعب الكرة الطائرة الأمريكي مات أندرسون (Matt Anderson) يبلغ من الطول ٢٠٢ سنتيمتراً، وكلاهما لا يعانيان من أي أمراض. متوسط الطول الطبيعي للرجل البالغ في الولايات المتحدة هو ١٧٥ سنتيمتراً ويتراوح ما بين ١٧٠ إلى ١٨٥ سنتيمتراً. ومن المعروف أن بعض الأمراض مثل أورام الغدة النخامية (pituitary tumours) قد تؤدي إلى إزدياد النمو بشكل مرضي خارج النطاق الطبيعي.

ما أود التأكيد عليه هنا أن المشاهدات الواقعة خارج النطاق الطبيعي ليست بالضرورة شيئاً جيداً ولا هي شيئاً سيئاً، وإنما هي مدعاة للدراسة والفحص لتحديد معناها.

ارتبط في الأذهان أن غير الطبيعي (abnormal) هو بالضرورة شيء سيء أو مرضي، وهذا مفهوم خاطئ. الخطأ هنا هو في اعتبار غير الطبيعي حتماً حالة مرضية، وليس في القلق بخصوص ما يخرج عن النطاق الطبيعي، ووصف شيء ما أو سلوك ما بأنه غير طبيعي ليس بالضرورة إهانة أو تحقيراً. الشجاعة الفائقة مثلاً غير طبيعية، ولكن قلما تجد من يعتبر وصفها بأنها غير طبيعية نوعاً من الإهانة. وحتى في العلوم الطبية نجد أن توصيف شيء على أنه غير طبيعي لا يكافئ توصيفه على أنه مرض (disease)، ولا توصيف شيء على أنه طبيعي ينفي وجود أي مرض من أي نوع تماماً. المصطلحان مختلفان شكلاً وموضوعاً، والخلط بينهما جهل أو تدليس.

والطبيعي من الأشياء يفهم في سياقه فقط

من الطبيعي أن تجد زهوراً تنمو على أغصان بعض الأشجار، ومن الطبيعي أن تجد ذيلاً للكثير من الحيوانات، ومن الطبيعي أن يكون لون النباتات أخضر، ومن الطبيعي أن يكون للطيور أجنحة. لا نختلف على ذلك.

ولكن هل من الطبيعي أن تجد إنساناً لونه أخضر تنمو من أذرعته زهوراً وله ذيل وجناحان؟ وجود شيء بشكل طبيعي في سياق معين لا يعني أبداً كونه طبيعياً في سياق مختلف.

لعل القارئ يذكر من دروس العلوم أن الجهاز الدوري في الإنسان يتكون من القلب والأوعية الدموية، وأن القلب يتكون من حجرات أربع هما الأذينان (atria) والبطينان (ventricles)، وهذه الحجرات الأربع مفصولة عن بعضها البعض بصمامات (valves) تفتح وتغلق في أوقات محددة، وعمل هذه الصمامات بهذا الشكل في غاية لأهمية للوظيفة الطبيعية للقلب في الإنسان.

Differential Grasshopper 01.jpg
جرادة[4]
Cane toad
ضفدع[5]

لكن ربما لا يعرف القارئ أن الكثير من الحشرات مثل الجرادة ليس لها جهاز دوري مكون من أوعية دموية يسري فيها الدم مثل الإنسان، وإنما يخرج الدم (haemolymph) من شريانها الأورطي ليغرق الأحشاء الداخلية ويعود إلى قلب الحشرة من فتحات فيه. هذا هو ’الطبيعي‘ بالنسبة للحشرة.

وربما لا يعرف القارئ أيضاً أن الجهاز الدوري لمعظم من الأسماك يحتوي على قلب مكون من غرفتين فقط. هذا أيضاً هو ’الطبيعي‘ بالنسبة للأسماك. أما الجهاز الدوري في البرمائيات (amphibians) مثل الضفادع فيحتوي في طورها الأرضي على قلب يتكون من ثلاث غرف هي أذينان وبطين واحد. هذا أيضاً هو ’الطبيعي‘ بالنسبة للضفادع. في الإنسان، وجود ثقب بين البطين الأيمن والبطين الأيسر يجعله شبيهاً إلى حد ما بقلب الضفدعة، لكن هذا الثقب على حسب حجمه قد يؤثر على وظيفة القلب بشكل جسيم قد يؤدي إلى الوفاة إن لم يعالج. هناك حالة مرضية تعرف باسم رباعية فالو (Tetralogy of Fallot) يكون فيها الثقب بين البطينين كبيراً مع بعض العيوب الأخرى في تكوين القلب، وتؤدي إلى الوفاة ما لم يتم علاجها جراحياً.

الطبيعي أننا بوجه عام عندما نسخن الأشياء يزداد حجمها لأنها تتمدد بالحرارة. الأخشاب إذا تم تسخينها في جو جاف تنكمش، وهذا بالفعل جزء من تحضير الأخشاب (wood drying) لاستخدامها تجارياً، لأنها تفقد بعض الماء الموجود فيها والذي يؤدي وجوده إلى امتلاء الخلايا النباتية وازدياد حجمها. المعادن عندما نرفع درجة حرارتها بشدة تنصهر وتتحول للحالة السائلة، بينما الأخشاب إذا رفعنا درجة حرارتها بشكل مماثل في وجود الأكسجين ستحترق. ما هو ’طبيعي‘ بالنسبة للمعادن ليس ’طبيعياً‘ بالنسبة للأخشاب.

لكننا نواجه صعوبات جمة مع البعض في هذا الزمان عندما يتعلق الأمر بالسلوك الإنساني، ونراهم يصرون بكل حدة على أن وجود سلوك معين في عدد من أنواع الكائنات في الطبيعة يعني بالضرورة أن هذا السلوك ’طبيعي‘ في الإنسان، خالطين بين كلمة طبيعي (natural) بمعنى ’موجود في الطبيعة‘ وبين كلمة طبيعي (normal) بمعنى ’شائع في الطبيعة‘، ومتناسين أن الطبيعي بمعنى الشائع يجب أن يُفهَم في سياقه ولا يمكن أن نمد الخط على استقامته لنعمم الظاهرة على كل شيء، ومتناسين أن الإنسان يختلف اختلافاً جذرياً عن أي كائن آخر مما يجعل مقارنة السلوك الإنساني بسلوك الحيوان مقارنة في غير محلها، ومصرين على أن وصف سلوك معين بأنه غير طبيعي هو بالضرورة وصم صاحب السلوك خطأ بالمرض، مرتكبين في ذلك مغالطة أوضحتها قبلاً.

ولكن لهذا حديث آخر ومقال آخر إن كان في العمر بقية


نسب المصنفات

  1. صورة لجبل جليدي بواسطة David مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 2.0 عام . الصورة الأصلية في الرابط.
  2. رسم توضيحي للتوزيع الطبيعي بواسطة Dan Kernler. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 4.0 دولي . الصورة الأصلية في الرابط.
  3. صورة للرياضي ميجيل إندورين بواسطة ta_do. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 2.0 عام . الصورة الأصلية في الرابط.
  4. صورة جرادة بواسطة Babbage. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 4.0 دولي . الصورة الأصلية في الرابط.
  5. صورة ضفدع بواسطة brian.gratwicke. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 2.0 عام . الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...