بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاستقراء والتنميط: بين التعقل والتطرف

الاستقراء (inductive reasoning) من الأنواع الرئيسية للاستنتاج المنطقي، بل إنه النوع الذي تقوم عليه العلوم التجريبية، ويوجد نوعان آخران أحدهما الاستنباط (deductive reasoning) وهو المستخدم في المنطق التقليدي وفي العلوم الرياضية وهو أقوى (بشرط صحة مقدماته) من الاستقراء، والآخر الاستنتاج الافتراضي (abductive reasoning) وهو أضعفها جميعاً، وليس مجال الحديث هنا عن أنواع الاستنتاج المنطقي، وإنما سنتناول بالنقاش والشرح معنى وحدود الاستقراء فقط دون مقارنته بالأنواع الأخرى.

التنميط (stereotyping) على الجانب الآخر دائماً ما يُذكَر بشكل سلبي على أنه خلل في التفكير—وهو كذلك—وأحياناً يطلق عليه ’التعميم‘ وإن كنت أرى أن هناك فرقاً في المعنى بين اللفظين يجب مراعاته عند استخدامهما لتجنب التباس المعاني وخلط المفاهيم. والمشكلة أن الفرق بين الاستقراء والتنميط والتعميم ليس واضحاً في الأذهان، وغالباً ما تستخدم الألفاظ ذات الوقع السلبي بشكل أكثر مما ينبغي، سواء كان هذا الاستخدام عن جهل أم عن عدم تحري للدقة أم تدليساً متعمداً. والغرض من هذا المقال توضيح الفرق بين هذه المعاني.

ما هو الاستقراء؟

الاستقراء في جوهره يتوجه بالاستنتاج المنطقي من الخاص إلى العام (from specific to general)، فإذا رصدنا مشاهدات معينة تحت ظروف معينة وبمصاحبة عوامل معينة ووجدنا أن هناك ارتباطاً قوياً بين المشاهدات وبين الظروف والعوامل المصاحبة لها، فيمكن في هذه الحالة الخروج باستنتاج مفاده أن تكرار الظروف والعوامل سيؤدي إلى رصد نفس المشاهدات. دعونا نوضح هذا بأمثلة لأني لا أظن المعنى سهلاً.

محطة من محطات رصد الطقس[1]

عند رصد مشاهدات الطقس في مكان ما على مدار السنة، سيجد الراصد أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين شهور السنة وفصولها وبين درجة الحرارة وتساقط الأمطار، وأن هذا النمط يتكرر كل سنة. من هذه المشاهدات يمكن تعميم الاستنتاج بأن بعض شهور السنة بارد وبعضها حار، ويمكن أن نتوقع قدراً معيناً من الأمطار في شهور معينة من السنة. استخدام الاستقراء مع مشاهدات الطقس هو ما اعتمد عليه الزارعون منذ فجر التاريخ لتنظيم زراعاتهم، على الرغم من أن قدراً محدوداً من المشاهدات—حتى وإن كان لعشرات السنين—لا يضمن تكرار هذا النمط بالضرورة في السنوات المقبلة.

ولو أن تجربة إكلينيكية تهدف إلى المقارنة بين نوعين من العلاج لمرض السكري (diabetes mellitus) رصدت أن التحكم في نسبة السكر في الدم مع العلاج الأول أفضل منها مع العلاج الثاني، فإن هذه التجربة قد تخرج باستنتاج مفاده ترجيح أفضلية العلاج الأول على الثاني في التحكم في نسبة السكر في الدم. وعلى الرغم من أن التجربة أجريت على عدد محدود من الناس فالاستقراء يرجح تعميم نتيجة التجربة على كل المرضى الذين لهم ظروف مماثلة.

هكذا نرى كيف أن الاستقراء يعتمد على تعميم الاستنتاج من قدر محدود من المشاهدات إلى قاعدة عامة. هذا الاتجاه من الخاص إلى العام هو نفسه ما يخلق مجالاً للبس بين الاستقراء وبين التنميط أو التعميم غير المقبول، لكن الأمثلة توضح أن الاستقراء نوع من التعميم المستخدم في الاستنتاج المنطقي منذ القديم وإلى أحدث التجارب العلمية وأعقدها، فليس كل التعميم سيئاً أو مرفوضاً.

ما هو التنميط؟

يختلف التنميط عن الاستقراء اختلافاً جوهرياً في أن التنميط لا يعتمد على رصد المشاهدات والتحليل والقياس وإنما هو عبارة عن إطلاق أحكام عامة غالباً ما تعتمد على الخبرات الشخصية التي خلفت انطباعاً قوياً، أو على الشائعات المنتشرة في المجتمع، أو على رغبة شخصية في تدعيم وجهة نظر ينحاز إليها الشخص، أو على جميع هذه بدرجات متفاوتة. ما يميز التنميط في العموم هو الافتقار إلى الدليل الفعلي على الرغم من تعصب الشخص بشكل واضح للفكرة، وغالباً ما يلجأ مثل هؤلاء إلى استخدام الصوت العالي لتغطية غياب الدليل.

Antisemitic caricature 1873.jpg
رسم مناهض لليهود من عام ١٨٧٣ يظهر الشكل النمطي المنفر للرجل اليهودي[2]

على سبيل المثال، قد تجد من يطلق حكماً عاماً أن النساء لا يُجِدْن قيادة السيارات، وتراه يسوق ’الأدلة‘ من خبراته الشخصية المنتقاة لخدمة هذه الفكرة، ويستخدم في معرض حديثه عنها أسلوباً ساخراً مستهزئاً، ومثل هذا يتجاهل تماماً أن أغلب حوادث الطرق يتسبب فيها رجال، وأن التأمين على قائد السيارة الذكر أكثر كلفة من التأمين على الأنثى لأن شركات التأمين أدركت هذه الحقيقة. في واقع الأمر يرى مثل هذا أن القيادة المتهورة هي القيادة ’الحقة‘ وأن النساء حريصات في قيادتهن بشكل مبالغ فيه، ولكن صياغة الجملة بهذا الشكل لا يعطيه شعوراً بالتفوق، ولهذا يصوغها بما يخدم هواه.

ومن مميزات التنميط أيضاً—إضافةً إلى غياب الدليل—نبرة التعالي (superiority) أو التدني (inferiority) الموجودة فيه، فالتنميط غالباً ما يرتبط بعوامل شعورية، ومن أمثلة التنميط المختلط بنبرة التعالي ما يلي:

  • الأفارقة السود شعوب متخلفة (تعالٍ على سود البشرة)
  • اليهود بخلاء لا يهمهم سوى جمع المال (تعالٍ على اليهود)
  • النصارى لا يستحمون ورائحتهم منفرة (تعالٍ على المسيحيين)
  • المسلمون خير أمة أخرجت إلى الناس (تعالٍ بالانتماء للمسلمين)
  • الرجال خونة لا أمان لهم (تعالٍ أخلاقي من النساء على الرجال)
  • النساء لا يفقهن في السياسة ولا الرياضة (تعالٍ عملي من الرجال على النساء)
  • الطفل المصري أذكى طفل في العالم (تعالٍ بالانتماء للمصريين)

ومن أمثلة التنميط المختلط بنبرة التدني ما يلي:

  • الأوروبيون أكثر شعوب العالم حضارة (تدنٍ أمام الحضارات الأوروبية)
  • الحكومة أدرى بالصالح العام من الشعب (تدنٍ أمام سلطة الحكومة)

بعض هذه الأنماط تنهار بسهولة مع الحد الأدنى من التفكير والبحث، لكن بعضها قد لا يكون خالياً تماماً من الصحة، وهنا تكمن المشكلة، فنجد بعض الأدلة المحدودة التي قد تدعم الفكرة، لكن هذه الأدلة لا ترقى إلى مستوى الخروج باستنتاج أعم وأشمل كما هو الحال مع الاستقراء.

على سبيل المثال نمط أن النساء لا يعرفن التعامل مع الآلات الميكانيكية نمط خاطئ بكل تأكيد لأنه يوحي بأنهن غير قادرات على ذلك. أما إذا كان المقصود أن أغلبهن لا يهتم بتعلم التعامل مع الآلات مثل الرجال فليس هذا تنميطاً وإنما استقراء، ويكفيك أن تنظر إلى عدد مهندسات الميكانيكا أو عاملات الخراطة مقارنة بنظيرهن من الرجال لترى الفرق واضحاً جلياً. الفرق بين الجملتين لا يبدو كبيراً لكنه فرق جوهري يتحتم إدراكه، ووقع الجملتين مختلف تماماً، ونتيجة المعنيين مختلفة تماماً، فأحدهما يحرم النساء كليةً من فرصة التعامل مع الآلات الميكانيكية، والآخر يقرر واقع قلة اهتمامهن بتعلم استخدامها.

لماذا يجب التفريق بين الاستقراء والتنميط؟

رأينا كيف أن الاستقراء يعتمد على الدليل ويتجه من بعض المشاهدات المحدودة إلى استنتاج عام، وكيف أن التنميط أيضاً قد يعتمد على بعض الأدلة ليخرج باستنتاج عام. الاستقراء أمر معقول ومرغوب واعتمد عليه الإنسان منذ أقدم الأزمنة وبُنِيَت عليه كل العلوم التجريبية، أما التنميط فأمر مذموم ويعد خللاً في التفكير يجب تجنبه. لذا وجب التفريق بينهما.

لا يمكن أن نمتنع كليةً عن الخروج باستنتاجات عامة من أدلة محدودة وإلا استحالت الحياة، لأن العقل البشري لا يملك القدرة على تحليل كل موقف بمعزل عما سبقه وأن يفعل هذا في إطار زمني مقبول. الاستقراء حتمية عملية (pragmatic necessity)، واستخدام الاستقراء ثبتت كفاءته في تحقيق التطور والتقدم، والعلم أبرز الأدلة على ذلك.

تخيل مثلاً لو أنك تريد الذهاب من مكان لآخر باستخدام المواصلات العامة. النمط العام الذي تراه في أغلب البشر هو أن الآخرين لا يهاجمونك بدون سبب، وأن الشخص العادي مسالم وعنده من الرغبة في الحياة قدر لا يقل عما عندك. لهذا تستقل المواصلات العامة بدون أن تخشى أن يطعنك أحدهم في ظهرك أو أن يُغْرِق القائد الحافلة عمداً أو يصطدم بها عمداً في حائط مثلاً. وتسير في الشارع وأنت تفترض أن قائدي السيارات بوجه عام لن يتعمدوا دهسك. كل هذه استقراءات من المشاهدات اليومية. تخيل لو أنك تفترض أن كل إنسان آخر قد يقتلك أو يؤذيك أذى شديد بدون أن تنظر إلى الاحتمالية الضئيلة لهذه الفكرة. بمنتهى البساطة ستتوقف عن الحركة في الحياة.

ولا يمكن أيضاً أن نقبل التنميط بدون التفرقة بينه وبين الاستقراء. قبول وجود التنميط في السلوك البشري أمر مفروغ منه، بل أظن التنميط من الأعراض الجانبية لقدرة العقل البشري على الاستقراء، أما قبول التنميط بمعنى الموافقة عليه وإقراره فينتج عنه انحدار في مستوى الفكر البشري، لأن الاستنتاجات المبنية على التنميط خاطئة بدرجة ما إن لم تكن خاطئة تماماً، وإقرار الخطأ وقبوله معناه أن تزول الفواصل بين الصحيح والخاطئ وتنتفي وظيفة العقل.

فإذا كان القضاء على التنميط أمراً مستحيلاً وإذا كان قبوله وإقراره أمراً مستحيلاً، وجبت التفرقة الواضحة بينه وبين الاستقراء.

كيف نفرق بين التنميط والاستقراء؟

هذه التفرقة تبلورت تدريجياً في العقل الجمعي للبشر على مدار مئات أو آلاف السنين، وتركزت في العصر الحالي فيما يعرف بالمنهج العلمي (scientific method) الذي يحدد أسلوب التدليل وحدود الاستنتاج المبني على الاستقراء، وكلما ابتعد المنهج المتبع في الاستنتاج عن المنهج العلمي كلما ابتعد الاستنتاج عن الاستقراء واقترب من التنميط.

وعلى الرغم من أن الحديث عن المنهج العلمي يمكن أن يملأ مجلدات ضخمة، فإننا يمكن أن نلخص بعض سماته الرئيسية فيما يلي، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا تبسيط مخل لكنه ما يسمح به المجال هنا، وأخص بالذكر ما قد يتعلق بالفرق بين الاستقراء والتنميط.

  • تحديد الفكرة العامة (hypothesis) وأسلوب البحث (methodology) قبل الشروع في البحث. هذه النقطة قد تغيب عن ملايين الاستنتاجات الاستقرائية التي يخلص إليها البشر في حياتهم اليومية، لكن هذا الغياب لا ينفي بالضرورة صحة الاستقراء في الأمور البسيطة، وإنما التحديد المسبق ضروري لتجنب الانحيازات التي تحددها الأهواء والخبرات الشخصية والتي تعد من أهم الفوارق بين الاستقراء والتنميط، إذ يتأثر بها الأخير كما سبق القول.
  • إجراء التجارب العملية (empirical experiments) لجمع الأدلة (evidence) المتعلقة بالفكرة بشكل موضوعي (objective). ربما لن تجري تجارب عملية لاتخاذ قراراتك اليومية، لكن الاعتماد على الأدلة والتفكير فيها ونقدها أمر في منتهى الأهمية، والهدف من إجراء التجارب هو جمع الأدلة المتعلقة بالفكرة. التنميط غالباً ما يفتقر إلى الدليل الكافي.
  • وجود عوامل يمكن قياسها بشكل كمي (measurable/quantifiable) ويتحدد على أساسها الاستنتاج. عادة ما يتم إهمال القياس الكمي في الاستنتاجات اليومية البسيطة، وأظن هذا الإهمال من أسباب الخطأ واللبس. القياس الكمي يُخْرِج المعلومات والأدلة من حيز الرأي الشخصي ويُمَكِّن الجميع من رؤيتها بشكل موضوعي. وأظن من المستحيل الالتزام الدائم بالقياس الكمي في كل أمور الحياة اليومية، لكن محاولة تحقيقه قدر الإمكان أمر مطلوب، وتزداد أهميته بازدياد أهمية الأمر المتعلق به.
  • مقارنة القياسات الناتجة عن التجربة بما تم رصده من قبل. ليست المعرفة القديمة بالضرورة أفضل ولا أسوأ من المعرفة الحديثة، وإهمال المعارف القديمة انتقاص من إجمالي المعرفة البشرية. المكافئ لهذا في الاستنتاجات اليومية هو أن يستشير الناس بعضهم البعض، لكن الاستشارة تنعدم قيمتها إذا كان الشخص يختار من يستشيرهم عالماً أنهم يوافقونه الرأي، إذ تصبح في هذه الحالة امتداداً للانحيازات والأهواء الشخصية.
  • ألا يخرج استنتاج التجربة خارج نطاق الظروف التي تمت فيها التجربة، أو بمعنى آخر ألا يتم مد الخط على استقامته (extrapolation) للخروج باستنتاجات لم يتم تجريبها عملياً. دعونا نضرب مثلاً. لو أننا جربنا آلاف المرات أن نحدد الاتجاه العام لشارع كورنيش النيل في القاهرة فسنجد أنه يمر في خط شبه مستقيم من الجنوب إلى الشمال مع انحراف بسيط نحو الغرب.
    من هذا يمكن استنتاج أن السير على هذا الشارع من منطقة حلوان في الجنوب سينتهي إلى منطقة شبرا الخيمة في الشمال. بمد الخط على استقامته يمكن القول أن الاستمرار على نفس الطريق يصل بنا إلى مدينة طنطا، وهو أمر صحيح إلى حد ما على الرغم من انتهاء شارع كورنيش النيل عند شبرا الخيمة وبداية طريق مختلف. لكن هل يمكننا أن نكمل مد الخط على استقامته لنقول أن الاستمرار على نفس الطريق يصل بنا إلى تركيا؟! أظن أن الجواب لن يختلف عليه اثنان. فإذا كان هذا هو الحال في أمر بسيط هكذا، فلماذا يصر البعض على مد الخط على استقامته في نواحٍ أخرى وهم يعلمون ان هذا خطأ؟ لا أدري!

التنميط والتعميم

أرى أن هناك تفرقة واجبة بين معنى التنميط ومعنى التعميم، فالأخير هو ما يفعله من يمد الخط على استقامته كما تكلمت من قبل، فيخرج بحكم عام مطلق من الاستنتاج المنطقي المبني على الدليل، ويعمم هذا الحكم على كل الأحوال التي تقع خارج نطاق الأدلة.

مد الخط على استقامته من حلوان إلى شبرا الخيمة يصل بنا إلى تركيا، فهل من الممكن قيادة السيارة في هذا الاتجاه من حلوان حتى الوصول إلى تركيا؟

على سبيل المثال، لو أن أحد استطلاعات الرأي المؤداة بعناية لتحري الصدق وتجنب التحيز أشار إلى أن ٨٠٪ من الإناث في مجتمعنا يتعرضن بشكل مستمر للتحرش سواء باللفظ أو بالفعل، فهل يجوز أن نعمم النتيجة وندعي أن ٨٠٪ من النساء حول العالم يتعرضن باستمرار للتحرش اللفظي أو الفعلي؟ لأن هذا المثال واضح سيجيب الأغلبية بأن هذا أمر لا يجوز.

الكوبرا المصرية[3]
Cerastes-cerastes head.jpg
الأفعى ذات القرنين[4]

مثال آخر: هل أغلبية الثعابين سامة (venomous) أم غير سامة (non-venomous)؟ في مصر أظن أغلبية أنواع الثعابين سامة ومنها الكوبرا المصرية (Egyptian cobra) والأفعى ذات القرنين (horned viper) (الطريشة) وهما من أشهر أنواع الثعابين المصرية السامة، وعلى الرغم من افتقاري إلى الدليل الكمي في هذه النقطة تحديداً فقد استقر في وجدان المصريين أن الثعبان كائن خطر ومخيف، ومنذ أيام المصريين القدماء اتُّخِذ رمزاً لبعض الآلهة. في ظني أن هذا سببه أن نسبة الثعابين السامة إلى غير السامة في مصر كبيرة (على الرغم من وجود بعض الأنواع غير السامة فيها). فهل هذا هو الحال على مستوى العالم ككل؟ في هذا السياق ربما يتوقع البعض أن الإجابة بالنفي، وهم محقون. نسبة الثعابين السامة تتراوح في تقديرها بين ٢٠٪ إلى ٤٠٪ من كل أنواع الثعابين، أي أن أغلب الأنواع غير سامة. مد الخط على استقامته لا يصلح في هذه الحالة أيضاً.

مثال ثالث: كم نوعاً من الكائنات الحية تعرفها يمكن أن يعيش بدون الأكسجين الذي نتنفسه كل لحظة؟ إن كنت تعرف بعض الأنواع التي يمكن أن تعيش بدون أكسجين، فهل تعرف أنواعاً يقتلها الأكسجين؟ الواقع أن هناك بعض أنواع البكتريا يقتلها الأكسجين وتسمى اللاهوائيات الإجبارية (strict/obligate anaerobes)، فإذا كانت كل الشواهد والأدلة التي تعرفها تؤيد أن الأكسجين ضروري للحياة، فاستنتاجك صحيح فقط في حدود مشاهداتك ولا يمكن تعميمه على كل الأحوال بنسبة ١٠٠٪، وفي الواقع لا يمكن تعميمه بأي نسبة معروفة إلا في حدود مشاهداتك وأدلتك فقط. ما لا تعرفه لا يمكن قياسه وبالضرورة لا يمكن تحديد كميته، ويستحيل أن تحدد نسبة ما تعرفه إلى ما لا تعرفه لأن تحديد النسبة يتطلب معرفة الكميتين.

لهذا أفصل بين التعميم أو ما يعرف بمد الخط على استقامته (extrapolation) وبين التنميط (stereotyping)، فعلى الرغم من ان كليهما خطأ وخلل في التفكير إلا أن الأول يعتمد على أدلة ويبدو منطقياً للوهلة الأولى، بينما الثاني يفتقر إلى الدليل ويمكن بيان الخلل فيه بسهولة نسبية، وعادة ما يتوافق مع الأهواء الشخصية.

هل الاستقراء يعتبر برهاناً أكيداً؟

الإجابة البسيطة هي بالنفي.

الاستقراء يرجح—بناء على النمط المتكرر في المشاهدات—احتمالية استنتاج معين ولا يؤكد حتميته في جميع الأحوال بلا استثناء، ولا يمكن أن يحقق هذا القدر من اليقين، وفي هذا الجانب فقط يكاد يكون مماثلاً للتنميط، إلا أن اتخاذ المحاذير اللازمة لتجنب تأثير الهوى الشخصي على المشاهدات والاستنتاجات القائمة عليها هو مما يفصل بوضوح بين الاستقراء والتنميط، ومما يفصل بوضوح بينهما أيضاً أن الاستقراء ينحصر في حدود الظروف التي رُصِدَت فيها الأدلة وأنه دائماً يضع مجالاً للخطأ ولأن يكون الاستنتاج كله غير صحيح في حالة وجود خلل في أسلوب التجربة أو في القياس، بينما التنميط يتميز بالتعصب واليقين المطلق غير المبرر.

الاستقراء ليس برهاناً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. الاستقراء ما هو إلا ترجيح لفكرة على أخرى. والعلم التجريبي كله مبني على الاستقراء، ومن المفترض ألا تكون هناك استنتاجات علمية هي عبارة عن ’حقائق‘ مطلقة. الحقائق هي المشاهدات التي يُبْنَى عليها الاستنتاج. الاستنتاجات غالباً ما تكون محاولات لتفسير المشاهدات وصياغتها في صورة نظريات، ومهما توافرت الأدلة على صحة النظرية فهذا لا يعني أنها حقيقة مطلقة، وإنما يعني أنها تبدو على الأرجح صحيحة في حدود دقة القياس المتاحة وفي حدود ظروف التجربة.

الخطوط العامة

من كل ما سبق ألخص ما أظنه ينبغي أن يكون في الآتي:

  • الانحيازات المسبقة والأهواء الشخصية من أهم أسباب الخلل في التفكير. إذا كان مجرد اختلاف الآخرين معك مثار غضب في نفسك فلعلك متعصب لرأيك لا مقتنع به.
  • الاعتماد على الأدلة الموضوعية (ويفضل المقاسة كمياً) أمر في قمة الأهمية وإن كان لا يمكن تحقيقه في ١٠٠٪ من المواقف اليومية.
  • اسمع لآراء الآخرين وخاصة المخالف منها وانقدها بعقل منفتح، واضعاً في الاعتبار احتمال أن يكون رأيك خاطئاً. أنت لا تعلم كل شيء، والمعرفة أساس الاستنتاج.
  • اخرج باستنتاجات من الأدلة وفقط في حدود الأدلة. إذا اختلفت الظروف قد تتغير الأدلة وينتفي الاستنتاج. لا تمد الخط على استقامته إلا في أضيق الحدود، وأن تمكنت ألا تفعل ذلك مطلقاً فهو أفضل.
  • كن على أقصى درجات الحذر قبل أن تعمم استنتاجك على كل الحالات. حتى مع الاستقراء السليم يستحيل الجزم بشيء بصورة مطلقة. دائماً دع مجالاً للشك.

نسب المصنفات

  1. صورة لمحطة من محطات رصد الطقس. بواسطة hpgruesen. مرخصة بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي التخصيص للملك العام. الصورة الأصلية في الرابط.
  2. رسم مناهض لليهود من عام ١٨٧٣. علامة الملكية العامة خالي من حقوق الملكية الفكرية. الصورة الأصلية في الرابط.
  3. الكوبرا المصرية. بواسطة hape662. مرخصة بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 2.0 عام. الصورة الأصلية في الرابط.
  4. الأفعى ذات القرنين. بواسطة Jwinius (Patrick JEAN / muséum d'histoire naturelle de Nantes). الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...