بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاستقراء والتنميط: بين التعقل والتطرف

الاستقراء (inductive reasoning) من الأنواع الرئيسية للاستنتاج المنطقي، بل إنه النوع الذي تقوم عليه العلوم التجريبية، ويوجد نوعان آخران أحدهما الاستنباط (deductive reasoning) وهو المستخدم في المنطق التقليدي وفي العلوم الرياضية وهو أقوى (بشرط صحة مقدماته) من الاستقراء، والآخر الاستنتاج الافتراضي (abductive reasoning) وهو أضعفها جميعاً، وليس مجال الحديث هنا عن أنواع الاستنتاج المنطقي، وإنما سنتناول بالنقاش والشرح معنى وحدود الاستقراء فقط دون مقارنته بالأنواع الأخرى.

التنميط (stereotyping) على الجانب الآخر دائماً ما يُذكَر بشكل سلبي على أنه خلل في التفكير—وهو كذلك—وأحياناً يطلق عليه ’التعميم‘ وإن كنت أرى أن هناك فرقاً في المعنى بين اللفظين يجب مراعاته عند استخدامهما لتجنب التباس المعاني وخلط المفاهيم. والمشكلة أن الفرق بين الاستقراء والتنميط والتعميم ليس واضحاً في الأذهان، وغالباً ما تستخدم الألفاظ ذات الوقع السلبي بشكل أكثر مما ينبغي، سواء كان هذا الاستخدام عن جهل أم عن عدم تحري للدقة أم تدليساً متعمداً. والغرض من هذا المقال توضيح الفرق بين هذه المعاني.

ما هو الاستقراء؟

الاستقراء في جوهره يتوجه بالاستنتاج المنطقي من الخاص إلى العام (from specific to general)، فإذا رصدنا مشاهدات معينة تحت ظروف معينة وبمصاحبة عوامل معينة ووجدنا أن هناك ارتباطاً قوياً بين المشاهدات وبين الظروف والعوامل المصاحبة لها، فيمكن في هذه الحالة الخروج باستنتاج مفاده أن تكرار الظروف والعوامل سيؤدي إلى رصد نفس المشاهدات. دعونا نوضح هذا بأمثلة لأني لا أظن المعنى سهلاً.

محطة من محطات رصد الطقس[1]

عند رصد مشاهدات الطقس في مكان ما على مدار السنة، سيجد الراصد أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين شهور السنة وفصولها وبين درجة الحرارة وتساقط الأمطار، وأن هذا النمط يتكرر كل سنة. من هذه المشاهدات يمكن تعميم الاستنتاج بأن بعض شهور السنة بارد وبعضها حار، ويمكن أن نتوقع قدراً معيناً من الأمطار في شهور معينة من السنة. استخدام الاستقراء مع مشاهدات الطقس هو ما اعتمد عليه الزارعون منذ فجر التاريخ لتنظيم زراعاتهم، على الرغم من أن قدراً محدوداً من المشاهدات—حتى وإن كان لعشرات السنين—لا يضمن تكرار هذا النمط بالضرورة في السنوات المقبلة.

ولو أن تجربة إكلينيكية تهدف إلى المقارنة بين نوعين من العلاج لمرض السكري (diabetes mellitus) رصدت أن التحكم في نسبة السكر في الدم مع العلاج الأول أفضل منها مع العلاج الثاني، فإن هذه التجربة قد تخرج باستنتاج مفاده ترجيح أفضلية العلاج الأول على الثاني في التحكم في نسبة السكر في الدم. وعلى الرغم من أن التجربة أجريت على عدد محدود من الناس فالاستقراء يرجح تعميم نتيجة التجربة على كل المرضى الذين لهم ظروف مماثلة.

هكذا نرى كيف أن الاستقراء يعتمد على تعميم الاستنتاج من قدر محدود من المشاهدات إلى قاعدة عامة. هذا الاتجاه من الخاص إلى العام هو نفسه ما يخلق مجالاً للبس بين الاستقراء وبين التنميط أو التعميم غير المقبول، لكن الأمثلة توضح أن الاستقراء نوع من التعميم المستخدم في الاستنتاج المنطقي منذ القديم وإلى أحدث التجارب العلمية وأعقدها، فليس كل التعميم سيئاً أو مرفوضاً.

ما هو التنميط؟

يختلف التنميط عن الاستقراء اختلافاً جوهرياً في أن التنميط لا يعتمد على رصد المشاهدات والتحليل والقياس وإنما هو عبارة عن إطلاق أحكام عامة غالباً ما تعتمد على الخبرات الشخصية التي خلفت انطباعاً قوياً، أو على الشائعات المنتشرة في المجتمع، أو على رغبة شخصية في تدعيم وجهة نظر ينحاز إليها الشخص، أو على جميع هذه بدرجات متفاوتة. ما يميز التنميط في العموم هو الافتقار إلى الدليل الفعلي على الرغم من تعصب الشخص بشكل واضح للفكرة، وغالباً ما يلجأ مثل هؤلاء إلى استخدام الصوت العالي لتغطية غياب الدليل.

Antisemitic caricature 1873.jpg
رسم مناهض لليهود من عام ١٨٧٣ يظهر الشكل النمطي المنفر للرجل اليهودي[2]

على سبيل المثال، قد تجد من يطلق حكماً عاماً أن النساء لا يُجِدْن قيادة السيارات، وتراه يسوق ’الأدلة‘ من خبراته الشخصية المنتقاة لخدمة هذه الفكرة، ويستخدم في معرض حديثه عنها أسلوباً ساخراً مستهزئاً، ومثل هذا يتجاهل تماماً أن أغلب حوادث الطرق يتسبب فيها رجال، وأن التأمين على قائد السيارة الذكر أكثر كلفة من التأمين على الأنثى لأن شركات التأمين أدركت هذه الحقيقة. في واقع الأمر يرى مثل هذا أن القيادة المتهورة هي القيادة ’الحقة‘ وأن النساء حريصات في قيادتهن بشكل مبالغ فيه، ولكن صياغة الجملة بهذا الشكل لا يعطيه شعوراً بالتفوق، ولهذا يصوغها بما يخدم هواه.

ومن مميزات التنميط أيضاً—إضافةً إلى غياب الدليل—نبرة التعالي (superiority) أو التدني (inferiority) الموجودة فيه، فالتنميط غالباً ما يرتبط بعوامل شعورية، ومن أمثلة التنميط المختلط بنبرة التعالي ما يلي:

  • الأفارقة السود شعوب متخلفة (تعالٍ على سود البشرة)
  • اليهود بخلاء لا يهمهم سوى جمع المال (تعالٍ على اليهود)
  • النصارى لا يستحمون ورائحتهم منفرة (تعالٍ على المسيحيين)
  • المسلمون خير أمة أخرجت إلى الناس (تعالٍ بالانتماء للمسلمين)
  • الرجال خونة لا أمان لهم (تعالٍ أخلاقي من النساء على الرجال)
  • النساء لا يفقهن في السياسة ولا الرياضة (تعالٍ عملي من الرجال على النساء)
  • الطفل المصري أذكى طفل في العالم (تعالٍ بالانتماء للمصريين)

ومن أمثلة التنميط المختلط بنبرة التدني ما يلي:

  • الأوروبيون أكثر شعوب العالم حضارة (تدنٍ أمام الحضارات الأوروبية)
  • الحكومة أدرى بالصالح العام من الشعب (تدنٍ أمام سلطة الحكومة)

بعض هذه الأنماط تنهار بسهولة مع الحد الأدنى من التفكير والبحث، لكن بعضها قد لا يكون خالياً تماماً من الصحة، وهنا تكمن المشكلة، فنجد بعض الأدلة المحدودة التي قد تدعم الفكرة، لكن هذه الأدلة لا ترقى إلى مستوى الخروج باستنتاج أعم وأشمل كما هو الحال مع الاستقراء.

على سبيل المثال نمط أن النساء لا يعرفن التعامل مع الآلات الميكانيكية نمط خاطئ بكل تأكيد لأنه يوحي بأنهن غير قادرات على ذلك. أما إذا كان المقصود أن أغلبهن لا يهتم بتعلم التعامل مع الآلات مثل الرجال فليس هذا تنميطاً وإنما استقراء، ويكفيك أن تنظر إلى عدد مهندسات الميكانيكا أو عاملات الخراطة مقارنة بنظيرهن من الرجال لترى الفرق واضحاً جلياً. الفرق بين الجملتين لا يبدو كبيراً لكنه فرق جوهري يتحتم إدراكه، ووقع الجملتين مختلف تماماً، ونتيجة المعنيين مختلفة تماماً، فأحدهما يحرم النساء كليةً من فرصة التعامل مع الآلات الميكانيكية، والآخر يقرر واقع قلة اهتمامهن بتعلم استخدامها.

لماذا يجب التفريق بين الاستقراء والتنميط؟

رأينا كيف أن الاستقراء يعتمد على الدليل ويتجه من بعض المشاهدات المحدودة إلى استنتاج عام، وكيف أن التنميط أيضاً قد يعتمد على بعض الأدلة ليخرج باستنتاج عام. الاستقراء أمر معقول ومرغوب واعتمد عليه الإنسان منذ أقدم الأزمنة وبُنِيَت عليه كل العلوم التجريبية، أما التنميط فأمر مذموم ويعد خللاً في التفكير يجب تجنبه. لذا وجب التفريق بينهما.

لا يمكن أن نمتنع كليةً عن الخروج باستنتاجات عامة من أدلة محدودة وإلا استحالت الحياة، لأن العقل البشري لا يملك القدرة على تحليل كل موقف بمعزل عما سبقه وأن يفعل هذا في إطار زمني مقبول. الاستقراء حتمية عملية (pragmatic necessity)، واستخدام الاستقراء ثبتت كفاءته في تحقيق التطور والتقدم، والعلم أبرز الأدلة على ذلك.

تخيل مثلاً لو أنك تريد الذهاب من مكان لآخر باستخدام المواصلات العامة. النمط العام الذي تراه في أغلب البشر هو أن الآخرين لا يهاجمونك بدون سبب، وأن الشخص العادي مسالم وعنده من الرغبة في الحياة قدر لا يقل عما عندك. لهذا تستقل المواصلات العامة بدون أن تخشى أن يطعنك أحدهم في ظهرك أو أن يُغْرِق القائد الحافلة عمداً أو يصطدم بها عمداً في حائط مثلاً. وتسير في الشارع وأنت تفترض أن قائدي السيارات بوجه عام لن يتعمدوا دهسك. كل هذه استقراءات من المشاهدات اليومية. تخيل لو أنك تفترض أن كل إنسان آخر قد يقتلك أو يؤذيك أذى شديد بدون أن تنظر إلى الاحتمالية الضئيلة لهذه الفكرة. بمنتهى البساطة ستتوقف عن الحركة في الحياة.

ولا يمكن أيضاً أن نقبل التنميط بدون التفرقة بينه وبين الاستقراء. قبول وجود التنميط في السلوك البشري أمر مفروغ منه، بل أظن التنميط من الأعراض الجانبية لقدرة العقل البشري على الاستقراء، أما قبول التنميط بمعنى الموافقة عليه وإقراره فينتج عنه انحدار في مستوى الفكر البشري، لأن الاستنتاجات المبنية على التنميط خاطئة بدرجة ما إن لم تكن خاطئة تماماً، وإقرار الخطأ وقبوله معناه أن تزول الفواصل بين الصحيح والخاطئ وتنتفي وظيفة العقل.

فإذا كان القضاء على التنميط أمراً مستحيلاً وإذا كان قبوله وإقراره أمراً مستحيلاً، وجبت التفرقة الواضحة بينه وبين الاستقراء.

كيف نفرق بين التنميط والاستقراء؟

هذه التفرقة تبلورت تدريجياً في العقل الجمعي للبشر على مدار مئات أو آلاف السنين، وتركزت في العصر الحالي فيما يعرف بالمنهج العلمي (scientific method) الذي يحدد أسلوب التدليل وحدود الاستنتاج المبني على الاستقراء، وكلما ابتعد المنهج المتبع في الاستنتاج عن المنهج العلمي كلما ابتعد الاستنتاج عن الاستقراء واقترب من التنميط.

وعلى الرغم من أن الحديث عن المنهج العلمي يمكن أن يملأ مجلدات ضخمة، فإننا يمكن أن نلخص بعض سماته الرئيسية فيما يلي، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا تبسيط مخل لكنه ما يسمح به المجال هنا، وأخص بالذكر ما قد يتعلق بالفرق بين الاستقراء والتنميط.

  • تحديد الفكرة العامة (hypothesis) وأسلوب البحث (methodology) قبل الشروع في البحث. هذه النقطة قد تغيب عن ملايين الاستنتاجات الاستقرائية التي يخلص إليها البشر في حياتهم اليومية، لكن هذا الغياب لا ينفي بالضرورة صحة الاستقراء في الأمور البسيطة، وإنما التحديد المسبق ضروري لتجنب الانحيازات التي تحددها الأهواء والخبرات الشخصية والتي تعد من أهم الفوارق بين الاستقراء والتنميط، إذ يتأثر بها الأخير كما سبق القول.
  • إجراء التجارب العملية (empirical experiments) لجمع الأدلة (evidence) المتعلقة بالفكرة بشكل موضوعي (objective). ربما لن تجري تجارب عملية لاتخاذ قراراتك اليومية، لكن الاعتماد على الأدلة والتفكير فيها ونقدها أمر في منتهى الأهمية، والهدف من إجراء التجارب هو جمع الأدلة المتعلقة بالفكرة. التنميط غالباً ما يفتقر إلى الدليل الكافي.
  • وجود عوامل يمكن قياسها بشكل كمي (measurable/quantifiable) ويتحدد على أساسها الاستنتاج. عادة ما يتم إهمال القياس الكمي في الاستنتاجات اليومية البسيطة، وأظن هذا الإهمال من أسباب الخطأ واللبس. القياس الكمي يُخْرِج المعلومات والأدلة من حيز الرأي الشخصي ويُمَكِّن الجميع من رؤيتها بشكل موضوعي. وأظن من المستحيل الالتزام الدائم بالقياس الكمي في كل أمور الحياة اليومية، لكن محاولة تحقيقه قدر الإمكان أمر مطلوب، وتزداد أهميته بازدياد أهمية الأمر المتعلق به.
  • مقارنة القياسات الناتجة عن التجربة بما تم رصده من قبل. ليست المعرفة القديمة بالضرورة أفضل ولا أسوأ من المعرفة الحديثة، وإهمال المعارف القديمة انتقاص من إجمالي المعرفة البشرية. المكافئ لهذا في الاستنتاجات اليومية هو أن يستشير الناس بعضهم البعض، لكن الاستشارة تنعدم قيمتها إذا كان الشخص يختار من يستشيرهم عالماً أنهم يوافقونه الرأي، إذ تصبح في هذه الحالة امتداداً للانحيازات والأهواء الشخصية.
  • ألا يخرج استنتاج التجربة خارج نطاق الظروف التي تمت فيها التجربة، أو بمعنى آخر ألا يتم مد الخط على استقامته (extrapolation) للخروج باستنتاجات لم يتم تجريبها عملياً. دعونا نضرب مثلاً. لو أننا جربنا آلاف المرات أن نحدد الاتجاه العام لشارع كورنيش النيل في القاهرة فسنجد أنه يمر في خط شبه مستقيم من الجنوب إلى الشمال مع انحراف بسيط نحو الغرب.
    من هذا يمكن استنتاج أن السير على هذا الشارع من منطقة حلوان في الجنوب سينتهي إلى منطقة شبرا الخيمة في الشمال. بمد الخط على استقامته يمكن القول أن الاستمرار على نفس الطريق يصل بنا إلى مدينة طنطا، وهو أمر صحيح إلى حد ما على الرغم من انتهاء شارع كورنيش النيل عند شبرا الخيمة وبداية طريق مختلف. لكن هل يمكننا أن نكمل مد الخط على استقامته لنقول أن الاستمرار على نفس الطريق يصل بنا إلى تركيا؟! أظن أن الجواب لن يختلف عليه اثنان. فإذا كان هذا هو الحال في أمر بسيط هكذا، فلماذا يصر البعض على مد الخط على استقامته في نواحٍ أخرى وهم يعلمون ان هذا خطأ؟ لا أدري!

التنميط والتعميم

أرى أن هناك تفرقة واجبة بين معنى التنميط ومعنى التعميم، فالأخير هو ما يفعله من يمد الخط على استقامته كما تكلمت من قبل، فيخرج بحكم عام مطلق من الاستنتاج المنطقي المبني على الدليل، ويعمم هذا الحكم على كل الأحوال التي تقع خارج نطاق الأدلة.

مد الخط على استقامته من حلوان إلى شبرا الخيمة يصل بنا إلى تركيا، فهل من الممكن قيادة السيارة في هذا الاتجاه من حلوان حتى الوصول إلى تركيا؟

على سبيل المثال، لو أن أحد استطلاعات الرأي المؤداة بعناية لتحري الصدق وتجنب التحيز أشار إلى أن ٨٠٪ من الإناث في مجتمعنا يتعرضن بشكل مستمر للتحرش سواء باللفظ أو بالفعل، فهل يجوز أن نعمم النتيجة وندعي أن ٨٠٪ من النساء حول العالم يتعرضن باستمرار للتحرش اللفظي أو الفعلي؟ لأن هذا المثال واضح سيجيب الأغلبية بأن هذا أمر لا يجوز.

الكوبرا المصرية[3]
Cerastes-cerastes head.jpg
الأفعى ذات القرنين[4]

مثال آخر: هل أغلبية الثعابين سامة (venomous) أم غير سامة (non-venomous)؟ في مصر أظن أغلبية أنواع الثعابين سامة ومنها الكوبرا المصرية (Egyptian cobra) والأفعى ذات القرنين (horned viper) (الطريشة) وهما من أشهر أنواع الثعابين المصرية السامة، وعلى الرغم من افتقاري إلى الدليل الكمي في هذه النقطة تحديداً فقد استقر في وجدان المصريين أن الثعبان كائن خطر ومخيف، ومنذ أيام المصريين القدماء اتُّخِذ رمزاً لبعض الآلهة. في ظني أن هذا سببه أن نسبة الثعابين السامة إلى غير السامة في مصر كبيرة (على الرغم من وجود بعض الأنواع غير السامة فيها). فهل هذا هو الحال على مستوى العالم ككل؟ في هذا السياق ربما يتوقع البعض أن الإجابة بالنفي، وهم محقون. نسبة الثعابين السامة تتراوح في تقديرها بين ٢٠٪ إلى ٤٠٪ من كل أنواع الثعابين، أي أن أغلب الأنواع غير سامة. مد الخط على استقامته لا يصلح في هذه الحالة أيضاً.

مثال ثالث: كم نوعاً من الكائنات الحية تعرفها يمكن أن يعيش بدون الأكسجين الذي نتنفسه كل لحظة؟ إن كنت تعرف بعض الأنواع التي يمكن أن تعيش بدون أكسجين، فهل تعرف أنواعاً يقتلها الأكسجين؟ الواقع أن هناك بعض أنواع البكتريا يقتلها الأكسجين وتسمى اللاهوائيات الإجبارية (strict/obligate anaerobes)، فإذا كانت كل الشواهد والأدلة التي تعرفها تؤيد أن الأكسجين ضروري للحياة، فاستنتاجك صحيح فقط في حدود مشاهداتك ولا يمكن تعميمه على كل الأحوال بنسبة ١٠٠٪، وفي الواقع لا يمكن تعميمه بأي نسبة معروفة إلا في حدود مشاهداتك وأدلتك فقط. ما لا تعرفه لا يمكن قياسه وبالضرورة لا يمكن تحديد كميته، ويستحيل أن تحدد نسبة ما تعرفه إلى ما لا تعرفه لأن تحديد النسبة يتطلب معرفة الكميتين.

لهذا أفصل بين التعميم أو ما يعرف بمد الخط على استقامته (extrapolation) وبين التنميط (stereotyping)، فعلى الرغم من ان كليهما خطأ وخلل في التفكير إلا أن الأول يعتمد على أدلة ويبدو منطقياً للوهلة الأولى، بينما الثاني يفتقر إلى الدليل ويمكن بيان الخلل فيه بسهولة نسبية، وعادة ما يتوافق مع الأهواء الشخصية.

هل الاستقراء يعتبر برهاناً أكيداً؟

الإجابة البسيطة هي بالنفي.

الاستقراء يرجح—بناء على النمط المتكرر في المشاهدات—احتمالية استنتاج معين ولا يؤكد حتميته في جميع الأحوال بلا استثناء، ولا يمكن أن يحقق هذا القدر من اليقين، وفي هذا الجانب فقط يكاد يكون مماثلاً للتنميط، إلا أن اتخاذ المحاذير اللازمة لتجنب تأثير الهوى الشخصي على المشاهدات والاستنتاجات القائمة عليها هو مما يفصل بوضوح بين الاستقراء والتنميط، ومما يفصل بوضوح بينهما أيضاً أن الاستقراء ينحصر في حدود الظروف التي رُصِدَت فيها الأدلة وأنه دائماً يضع مجالاً للخطأ ولأن يكون الاستنتاج كله غير صحيح في حالة وجود خلل في أسلوب التجربة أو في القياس، بينما التنميط يتميز بالتعصب واليقين المطلق غير المبرر.

الاستقراء ليس برهاناً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. الاستقراء ما هو إلا ترجيح لفكرة على أخرى. والعلم التجريبي كله مبني على الاستقراء، ومن المفترض ألا تكون هناك استنتاجات علمية هي عبارة عن ’حقائق‘ مطلقة. الحقائق هي المشاهدات التي يُبْنَى عليها الاستنتاج. الاستنتاجات غالباً ما تكون محاولات لتفسير المشاهدات وصياغتها في صورة نظريات، ومهما توافرت الأدلة على صحة النظرية فهذا لا يعني أنها حقيقة مطلقة، وإنما يعني أنها تبدو على الأرجح صحيحة في حدود دقة القياس المتاحة وفي حدود ظروف التجربة.

الخطوط العامة

من كل ما سبق ألخص ما أظنه ينبغي أن يكون في الآتي:

  • الانحيازات المسبقة والأهواء الشخصية من أهم أسباب الخلل في التفكير. إذا كان مجرد اختلاف الآخرين معك مثار غضب في نفسك فلعلك متعصب لرأيك لا مقتنع به.
  • الاعتماد على الأدلة الموضوعية (ويفضل المقاسة كمياً) أمر في قمة الأهمية وإن كان لا يمكن تحقيقه في ١٠٠٪ من المواقف اليومية.
  • اسمع لآراء الآخرين وخاصة المخالف منها وانقدها بعقل منفتح، واضعاً في الاعتبار احتمال أن يكون رأيك خاطئاً. أنت لا تعلم كل شيء، والمعرفة أساس الاستنتاج.
  • اخرج باستنتاجات من الأدلة وفقط في حدود الأدلة. إذا اختلفت الظروف قد تتغير الأدلة وينتفي الاستنتاج. لا تمد الخط على استقامته إلا في أضيق الحدود، وأن تمكنت ألا تفعل ذلك مطلقاً فهو أفضل.
  • كن على أقصى درجات الحذر قبل أن تعمم استنتاجك على كل الحالات. حتى مع الاستقراء السليم يستحيل الجزم بشيء بصورة مطلقة. دائماً دع مجالاً للشك.

نسب المصنفات

  1. صورة لمحطة من محطات رصد الطقس. بواسطة hpgruesen. مرخصة بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي التخصيص للملك العام. الصورة الأصلية في الرابط.
  2. رسم مناهض لليهود من عام ١٨٧٣. علامة الملكية العامة خالي من حقوق الملكية الفكرية. الصورة الأصلية في الرابط.
  3. الكوبرا المصرية. بواسطة hape662. مرخصة بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 2.0 عام. الصورة الأصلية في الرابط.
  4. الأفعى ذات القرنين. بواسطة Jwinius (Patrick JEAN / muséum d'histoire naturelle de Nantes). الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

ما هو الطبيعي؟

هل الطبيعي هو ما ليس له في الطبيعة استثناء؟

نظرياً على الأقل، وعملياً في معظم المجالات، لا يوجد شيء في الطبيعة ليس له استثناء. حتى قوانين الفيزياء التي يضرب بها المثل في الدقة لدرجة أنها تسمى قوانين يوجد لها استثناءات.

جبل جليدي[1]

على سبيل المثال، نعرف أن كل المواد تتمدد بالحرارة وبالتالي تقل كثافتها، وتنكمش بالبرودة وبالتالي تزداد كثافتها. الماء استثناء واضح لهذه القاعدة، فالماء ينكمش بالبرودة إلى أن يصل إلى أقل حجم وأعلى كثافة له عند درجة حرارة ٤ مئوية، ثم يتمدد إذا قلت درجة حرارته عن ذلك، ولهذا السبب تجد أن الثلج يطفو على سطح الماء على الرغم من أنه أبرد من الماء. ولهذا نجد أن جبال الجليد على الرغم من حجمها المهول تطفو على سطح البحر.

ومن المعروف أن مقاومة (resistance) الموصلات لسريان التيار الكهربي تعتمد على درجة الحرارة فتزداد بازدياد حرارة الموصل وتقل بالتبريد. هذا صحيح فقط في حالة الموصلات، أما في حالة أشباه الموصلات (semiconductors) التي يصنع منها الترانزيستور، فإن رفع درجة الحرارة يؤدي إلى انخفاض المقاومة بعكس ما يحدث في الموصلات.

وقوانين نيوتن (Newton's laws) للحركة والجاذبية لم يفكر أحد في تغييرها على مدار ثلاثة قرون من الزمان لأنها كانت تنطبق على كل التطبيقات العملية والمشاهدات الكونية بشكل دقيق، إلى أن تلاشت هذه الدقة مع نهايات القرن التاسع عشر مع إجراء بعض التجارب على الضوء، مما أدى إلى ظهور النظرية النسبية (Theory of Relativity). والنظرية النسبية نفسها لا تنطبق على الجزيئات تحت الذرية، ونحتاج إلى نظرية ميكانيكا الكم (Quantum Mechanics) لتفسير الظواهر والمشاهدات على هذا المستوى. لكن ميكانيكا الكم نفسها لا تنطبق على الأجسام الكبيرة!

لا يمكننا أن ندعي أن الكون لا توجد فيه استثناءات عل الإطلاق. وإن لم نكن قد تعلمنا من حقائق تاريخ العلم ومن الخبرات الشخصية اليومية أن الاستثناء دائماً موجود فلا أدري ماذا يمكن أن نتعلم، فإن كان شيء بهذا الوضوح لا يعلمنا فلن يعلمنا شيء.

ولأن الطبيعة دائماً فيها الاستثناء، فإن الطبيعي لا يمكن تعريفه أنه ما ليس له استثناء في الطبيعة.

هل الطبيعي هو كل ما يُرصَد في الطبيعة بغض النظر عن شيوعه أو ندرته؟

أظن أن الإجابة المعقولة على هذا السؤال هي بالنفي، فالمعنى المتعارف عليه عند الغالبية الساحقة من الناس أن الطبيعي هو الشائع إلى حد ما.

هل إذا رأيت إنساناً يفوق طوله المترين ستعتبر هذا ’طبيعياً‘؟ هل إذا رأيت إنساناً له أحد عشرة أصبعاً ستعتبر هذا ’طبيعياً‘؟ هل تعتبر أن قدرات اللاعبين الأولمبيين ’طبيعية‘؟ إن كنت تتعامل مع المصطلح على أنه يعبر عما نتج بدون تدخل من الإنسان فحينئذ يمكن أن تقول أن هذه كلها أمور طبيعية (natural) (مثل المنتجات الغذائية الطبيعية). النقيض لهذا المعنى هو الشيء ’الاصطناعي‘ أو ’الصناعي‘ (artificial) (مثل الذكاء الاصطناعي والأطراف الصناعية)، ولكن هذا ليس المقصود بالمصطلح في هذا المقال.

المقصود بمصطلح ’الطبيعي‘ (normal) في هذا المقال هو الشائع من الأشياء. يحتاج الإنسان إلى إدراك الأشياء الشائعة لأنها تسهل عليه تسيير أمور حياته، فيتعامل مع الأنماط المتكررة بالقليل من التفكير والتحليل معتبراً إياها طبيعية ولا تحتاج إلى نظرة فاحصة. الطبيعي من الأشياء بهذا المفهوم لا يلفت انتباه الإنسان في العادة، فلن يلفت انتباهك شخص يشبه بقية الناس ويرتدي ملابس لا تختلف كثيراً عن بقية الناس ويسير مثل بقية الناس في شارع مزدحم، بينما سيلفت هذا الشخص انتباهك بكل تأكيد لو كان يرتدي ملابس غير مألوفة أو يفعل شيئاً غير مألوف.

ما هي درجة الشيوع التي عندها يسمى أمر ما طبيعياً؟

الإجابة على هذا السؤال ليست بالأمر اليسير أبداً وتحتاج إلى بعض الشرح، ولهذا أرجو أن يتحمل القارئ معي حتى أعرض هذا المثال.

تخيل لو أن شخصاً ما كُلِّف بتوصيل مبلغ من المال إلى آخر، وسمح له بأخذ أجر من هذا المبلغ—إن أراد—بحد أقصى ١٠٠ جنيه. ولنفرض أن احتمال أن يأخذ هذا الوسيط ١٠ جنيهات أو ٢٠ أو أكثر هي كما في الرسم التالي.

احتمالات مقدار العمولة في حالة وجود وسيط واحد

في الرسم السابق، نرى أن أكثر احتمال (٢٠٪) هو أن يأخذ الوسيط مبلغ ٨٠ جنيهاً كأجر مقابل توصيل المبلغ، لكن هناك أيضاً احتمال صغير (١٪) ألا يأخذ أجراً على الإطلاق واحتمال ٦٪ أن يأخذ الحد الأقصى وهو ١٠٠ جنيه.

فماذا يحدث لو أن المبلغ سيتم توصيله عن طريق وسيطين بنفس الشروط السابقة؟ هناك احتمالات مختلفة للأجر الذي يمكن أن يأخذه الوسيط الأول، ونفس الاحتمالات تنطبق على الوسيط الثاني، لكن بحساب احتمالات إجمالي الأجر الذي يمكن أن يأخذه الوسيطان نجد أن الرسم يختلف عما سبق، ونجد أن أعلى احتمال للأجر الإجمالي هو حوالي ١١٫٧٪ وأن هذا يوافق أجراً إجمالياً قدره ١٣٠ جنيهاً.

احتمالات مقدار العمولة في حالة وجود وسيطين
احتمالات مقدار العمولة في حالة وجود ثلاثة وسطاء

أما لو زاد عدد الوسطاء إلى ٣ تحت نفس الشروط، نجد أن أعلى احتمال للأجر الإجمالي هو حوالي ٩٫٧٪ ويوافق أجراً إجمالياً قدره ٢٠٠ جنيه. ولو زاد عدد الوسطاء إلى ٤ تحت نفس الشروط يصير أعلى إحتمال للأجر الإجمالي حوالي ٨٫٥٪ ويوافق أجراً إجمالياً قدره ٢٦٠ جنيهاً. يمكن للقارئ مراجعة الحسابات بنفسه إذا كان يعرف بعض الشيء عن الاحتمال الرياضي.

احتمالات مقدار العمولة في حالة وجود أربعة وسطاء

نلاحظ هنا عدة أمور مهمة:

  • الأجر الأكثر احتمالاً في حال وجود ٤ وسطاء (٢٦٠ جنيهاً) لا يتوافق مع ٤ أمثال الأجر الأكثر احتمالاً للوسيط الواحد (٨٠ جنيهاً)—وإن كان لا يبتعد عنه كثيراً—على الرغم من تحقق نفس الشروط للوسطاء الأربعة.
  • الأجر الأكثر احتمالاً يقترب من منتصف المنحنى مع ازدياد عدد الوسطاء. لاحظ أنه كان أقرب إلى الجهة اليمنى في حالة وجود وسيط واحد.
  • التباين حول الأجر الأكثر احتمالاً يزداد كلما ازداد عدد الوسطاء، ففي حالة الوسيط الواحد نجده ما بين ٢٠ إلى ٣٠ جنيهاً حول الأجر الأكثر احتمالاً، بينما نجده حوالي ٧٠ إلى ٨٠ جنيهاً في حالة الوسطاء الأربعة. لاحظ أيضاً أن التباين في حالة الوسطاء الأربعة ليس أربعة أضعاف التباين في حالة الوسيط الواحد.

شكل المنحنى المعبر عن الاحتمال يقترب سريعاً من شكل الجرس المقلوب (inverted bell)، أو ما يعرف في الإحصاء بالتوزيع الطبيعي (normal distribution). المقصود من هذا المثال توضيح أنه حتى تحت نفس الشروط البسيطة وكلما زاد عدد الأفراد (أو التجارب أو المشاهدات المستقلة (independent) فإن الاحتمال النهائي يقترب من التوزيع الطبيعي. هذه نظرية رياضية تعرف باسم نظرية النهاية المركزية (Central Limit Theorem)، والحديث عن تفاصيلها يبتعد كثيراً عن سياق المقال الحالي، ولكن المراد قوله أن هذا المنحنى ’الطبيعي‘ نراه في أغلب المشاهدات في الطبيعة ويغلب استخدامه في تعريف ما هو طبيعي.

يتميز منحنى التوزيع الطبيعي بأن له قمة عند المنتصف ثم ينحدر بشكل متماثل على طرفيها، ويمكن تقييم درجة الانحدار نحو الطرفين بمعامل إحصائي يعرف بالانحراف المعياري (standard deviation)، ويرمز له عادة بالحرف اليوناني ’سيجما‘ σ، أما القمة نفسها فهي تعبر عن الوسط (mean) وهو أكثر القيم مشاهدة واحتمالاً، ويرمز لها عادة بالحرف اليوناني ’ميو‘ μ، وتوجد أكثر من ٩٥٪ من المشاهدات التي تتبع التوزيع الطبيعي في حدود انحرافين معياريين حول الوسط بينما توجد تقريباً كل المشاهدات باستثناءات بسيطة جداً في حدود ثلاثة انحرافات معيارية حول الوسط.

Empirical Rule.PNG
رسم توضيحي للتوزيع الطبيعي[2]

ويبدو من المعقول أن يكون الطبيعي في حدود انحرافين معياريين من الوسط وألا يكون خارج ثلاثة انحرافات معيارية من الوسط، واستقر العرف في العلوم الطبيعية على أن الطبيعي هو ما بين انحرافين معياريين من الوسط، ويشمل حوالي ٩٥٪ من المشاهدات، وهذا رقم معقول جداً ليمثل ما يمكن اعتباره شائعاً بما يكفي ليسمى ’طبيعياً‘.

هذا العرف مستخدم في المجال الطبي وعلوم الأحياء بشكل يكاد يكون مطلق، والتجارب الإكلينيكية تحدد نسبة مقبولة للخطأ الناتج عن الصدفة (type II error) هي ٥٪، وهي تتوافق مع نسبة ٩٥٪ المذكورة سابقاً (وإن كانت ليست نفس المعنى على وجه الدقة)، وفي التجارب التي يراد فيها تقليل هذا الخطأ إلى أقصى حد تكون النسبة المقبولة للخطأ الناتج عن الصدفة ١٪، وهو ما يتوافق تقريباً مع النسبة المحصورة في ثلاثة انحرافات معيارية حول الوسط (ون كانت ليست نفس المعنى بالضبط)، ولا تتعين النسبة المقبولة لمثل هذا الخطأ بأقل من ١٪ أبداً في مرحلة الإعداد للدراسة (لأسباب إحصائية تخرج عن سياق هذا المقال).

وكل القياسات المعملية والإكلينيكية تتحدد بنفس الطريقة. على سبيل المثال، نسبة السكر الطبيعية في الدم تتراوح ما بين ٨٠ إلى ١١٠ (أو ١٢٠ على حسب نوع الفحص المستخدم) مجم/١٠٠ مل ومعدل ضربات القلب الطبيعي في حالة الراحة من ٦٠ إلى ٩٠ في الدقيقة. هذه النسب يتم تحديدها بناء على نفس المبادئ المشروحة عاليه. قس على ذلك كل التجارب والمشاهدات العملية في كل فروع العلوم التجريبية.

في عرف العلم ٩٥٪ من المشاهدات حول الوسط هي ما يسمى طبيعياً.

فماذا عما لا يدخل في النطاق الطبيعي المتعارف عليه؟

ليس كل ما لا يدخل في النطاق الطبيعي هو بالضرورة سيئاً ولا هو بالضرورة جيداً. نسبة الخمسة في المئة التي تعد خارج النطاق الطبيعي منها ٢٫٥٪ تحت النطاق الطبيعي ونسبة مساوية فوق النطاق الطبيعي، وهذه المشاهدات التي تقع على أطراف التوزيع الطبيعي قد تكون دلالة على اختلال وظيفي أو قد تكون مجرد مشاهدات متطرفة بدون أي اختلال وظيفي.

Miguel Indurain (Tour de France 1993).jpg
الرياضي ميجيل إندورين[3]

المشاهدات التي تقع خارج النطاق الطبيعي تدعو للدراسة بشكل أعمق للبحث عن أسباب ابتعاد هذه المشاهدات عن الوسط، ولكنها في حد ذاتها لا تعني بالضرورة أي شيء. فمثلاً الرياضي ميجل إندورين (Miguel Induráin) سجل أقل معدل لضربات القلب في حالة الراحة وصل إلى ٢٨ في الدقيقة، والسبب في ذلك هو لياقته البدنية الفائقة، بينما هناك الكثيرون ممن يعانون من اضطراب في وظيفة الجديلة الكهربية (bundle of His) للقلب مما يؤدي إلى تناقص معدل ضربات القلب.

كمثال آخر نجد لاعب كرة القدم الأمريكية جارد جيذر (Jared Gaither) يبلغ من الطول ٢٠٦ سنتيمتراً ولاعب الكرة الطائرة الأمريكي مات أندرسون (Matt Anderson) يبلغ من الطول ٢٠٢ سنتيمتراً، وكلاهما لا يعانيان من أي أمراض. متوسط الطول الطبيعي للرجل البالغ في الولايات المتحدة هو ١٧٥ سنتيمتراً ويتراوح ما بين ١٧٠ إلى ١٨٥ سنتيمتراً. ومن المعروف أن بعض الأمراض مثل أورام الغدة النخامية (pituitary tumours) قد تؤدي إلى إزدياد النمو بشكل مرضي خارج النطاق الطبيعي.

ما أود التأكيد عليه هنا أن المشاهدات الواقعة خارج النطاق الطبيعي ليست بالضرورة شيئاً جيداً ولا هي شيئاً سيئاً، وإنما هي مدعاة للدراسة والفحص لتحديد معناها.

ارتبط في الأذهان أن غير الطبيعي (abnormal) هو بالضرورة شيء سيء أو مرضي، وهذا مفهوم خاطئ. الخطأ هنا هو في اعتبار غير الطبيعي حتماً حالة مرضية، وليس في القلق بخصوص ما يخرج عن النطاق الطبيعي، ووصف شيء ما أو سلوك ما بأنه غير طبيعي ليس بالضرورة إهانة أو تحقيراً. الشجاعة الفائقة مثلاً غير طبيعية، ولكن قلما تجد من يعتبر وصفها بأنها غير طبيعية نوعاً من الإهانة. وحتى في العلوم الطبية نجد أن توصيف شيء على أنه غير طبيعي لا يكافئ توصيفه على أنه مرض (disease)، ولا توصيف شيء على أنه طبيعي ينفي وجود أي مرض من أي نوع تماماً. المصطلحان مختلفان شكلاً وموضوعاً، والخلط بينهما جهل أو تدليس.

والطبيعي من الأشياء يفهم في سياقه فقط

من الطبيعي أن تجد زهوراً تنمو على أغصان بعض الأشجار، ومن الطبيعي أن تجد ذيلاً للكثير من الحيوانات، ومن الطبيعي أن يكون لون النباتات أخضر، ومن الطبيعي أن يكون للطيور أجنحة. لا نختلف على ذلك.

ولكن هل من الطبيعي أن تجد إنساناً لونه أخضر تنمو من أذرعته زهوراً وله ذيل وجناحان؟ وجود شيء بشكل طبيعي في سياق معين لا يعني أبداً كونه طبيعياً في سياق مختلف.

لعل القارئ يذكر من دروس العلوم أن الجهاز الدوري في الإنسان يتكون من القلب والأوعية الدموية، وأن القلب يتكون من حجرات أربع هما الأذينان (atria) والبطينان (ventricles)، وهذه الحجرات الأربع مفصولة عن بعضها البعض بصمامات (valves) تفتح وتغلق في أوقات محددة، وعمل هذه الصمامات بهذا الشكل في غاية لأهمية للوظيفة الطبيعية للقلب في الإنسان.

Differential Grasshopper 01.jpg
جرادة[4]
Cane toad
ضفدع[5]

لكن ربما لا يعرف القارئ أن الكثير من الحشرات مثل الجرادة ليس لها جهاز دوري مكون من أوعية دموية يسري فيها الدم مثل الإنسان، وإنما يخرج الدم (haemolymph) من شريانها الأورطي ليغرق الأحشاء الداخلية ويعود إلى قلب الحشرة من فتحات فيه. هذا هو ’الطبيعي‘ بالنسبة للحشرة.

وربما لا يعرف القارئ أيضاً أن الجهاز الدوري لمعظم من الأسماك يحتوي على قلب مكون من غرفتين فقط. هذا أيضاً هو ’الطبيعي‘ بالنسبة للأسماك. أما الجهاز الدوري في البرمائيات (amphibians) مثل الضفادع فيحتوي في طورها الأرضي على قلب يتكون من ثلاث غرف هي أذينان وبطين واحد. هذا أيضاً هو ’الطبيعي‘ بالنسبة للضفادع. في الإنسان، وجود ثقب بين البطين الأيمن والبطين الأيسر يجعله شبيهاً إلى حد ما بقلب الضفدعة، لكن هذا الثقب على حسب حجمه قد يؤثر على وظيفة القلب بشكل جسيم قد يؤدي إلى الوفاة إن لم يعالج. هناك حالة مرضية تعرف باسم رباعية فالو (Tetralogy of Fallot) يكون فيها الثقب بين البطينين كبيراً مع بعض العيوب الأخرى في تكوين القلب، وتؤدي إلى الوفاة ما لم يتم علاجها جراحياً.

الطبيعي أننا بوجه عام عندما نسخن الأشياء يزداد حجمها لأنها تتمدد بالحرارة. الأخشاب إذا تم تسخينها في جو جاف تنكمش، وهذا بالفعل جزء من تحضير الأخشاب (wood drying) لاستخدامها تجارياً، لأنها تفقد بعض الماء الموجود فيها والذي يؤدي وجوده إلى امتلاء الخلايا النباتية وازدياد حجمها. المعادن عندما نرفع درجة حرارتها بشدة تنصهر وتتحول للحالة السائلة، بينما الأخشاب إذا رفعنا درجة حرارتها بشكل مماثل في وجود الأكسجين ستحترق. ما هو ’طبيعي‘ بالنسبة للمعادن ليس ’طبيعياً‘ بالنسبة للأخشاب.

لكننا نواجه صعوبات جمة مع البعض في هذا الزمان عندما يتعلق الأمر بالسلوك الإنساني، ونراهم يصرون بكل حدة على أن وجود سلوك معين في عدد من أنواع الكائنات في الطبيعة يعني بالضرورة أن هذا السلوك ’طبيعي‘ في الإنسان، خالطين بين كلمة طبيعي (natural) بمعنى ’موجود في الطبيعة‘ وبين كلمة طبيعي (normal) بمعنى ’شائع في الطبيعة‘، ومتناسين أن الطبيعي بمعنى الشائع يجب أن يُفهَم في سياقه ولا يمكن أن نمد الخط على استقامته لنعمم الظاهرة على كل شيء، ومتناسين أن الإنسان يختلف اختلافاً جذرياً عن أي كائن آخر مما يجعل مقارنة السلوك الإنساني بسلوك الحيوان مقارنة في غير محلها، ومصرين على أن وصف سلوك معين بأنه غير طبيعي هو بالضرورة وصم صاحب السلوك خطأ بالمرض، مرتكبين في ذلك مغالطة أوضحتها قبلاً.

ولكن لهذا حديث آخر ومقال آخر إن كان في العمر بقية


نسب المصنفات

  1. صورة لجبل جليدي بواسطة David مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 2.0 عام . الصورة الأصلية في الرابط.
  2. رسم توضيحي للتوزيع الطبيعي بواسطة Dan Kernler. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 4.0 دولي . الصورة الأصلية في الرابط.
  3. صورة للرياضي ميجيل إندورين بواسطة ta_do. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 2.0 عام . الصورة الأصلية في الرابط.
  4. صورة جرادة بواسطة Babbage. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 4.0 دولي . الصورة الأصلية في الرابط.
  5. صورة ضفدع بواسطة brian.gratwicke. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 2.0 عام . الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...