بحث هذه المدونة الإلكترونية

الإسلام يؤذينا: الهوية الإسلامية


المقال السابق: من يمثل الإسلام


الهوية (identity) هي شعور فردي شخصي للإنسان يعبر عن صفاته الجوهرية المميزة له، وهوية الفرد تميزه عن غيره باختلاف بعض صفاته الجوهرية عن صفات الآخرين، كما تجمعه مع غيره بتشابه بعض تلك الصفات مع صفات الآخرين، ولا يوجد إنسان يمكن أن يقال عنه بلا هوية. والكلمة الإنجليزية (وفي اللغات الغربية بوجه عام) مشتقة من اللاتينية المتأخرة identitās التي هي بدورها مشتقة من اللاتينية idem بمعنى ’الشيء نفسه‘ كما في قولنا ”خلف جمال عبد الناصر في رئاسة الجمهورية محمد أنور السادات، وهو نفسه رئيس الجمهورية وقت حرب ١٩٧٣“، والكلمة العربية بهذا المعنى مستحدثة وهي من النسب إلى الضمير ’هُوَ‘، ونطقها لذلك ’هُوِيَّة‘ بضم الهاء وليس بفتحها، أما كلمة ’هُوية‘ بضم الهاء في أصل اللغة فهي تصغير ’هُوَّة‘ وتعني ’البئر‘، وكلمة ’هَوِيَّة‘ بفتح الهاء صيغة مبالغة على وزن ’فعيلة‘ من فعل ’هَوَى‘، وهي المرأة التي تهوى أي تعشق.

والهوية الفردية (individual identity) هي خاصية مميزة للفرد الواحد، والصفات العامة التي تغلب على فئة ما من البشر ليست بالضرورة موجودة في كل من ينسب نفسه إلى هذه الفئة شاعراً أن هويته تجمعه بهم، فعلى سبيل المثال نعرف أن كروموسوم واي (Y-chromosome) يوجد في الذكور، وهو المحدد للجنس من الناحية الجينية، وعدم وجود هذا الكروموسوم يؤدي إلى تكوين أعضاء تناسلية أنثوية، بينما يؤدي وجوده إلى تكوين أعضاء تناسلية ذكرية، وليست الهوية الجنسية (gender identity) مشروطة بهذا الكروموسوم شرطاً قاطعاً، وبغض النظر عن الأسباب فإننا نرى في الواقع المعاش أن هناك من يحملون كروموسوم واي ويختارون لأنفسهم هوية جنسية أنثوية وهناك من لا يحملونه ويختارون لأنفسهم هوية جنسية ذكرية. الهوية اختيار، أو على الأقل ليست شيئاً يولد به الإنسان مثل لون الجلد أو عدد الأطراف، والهوية يمكن أن تتغير، بل أزعم أنها تتغير دائماً مع الوقت، وهوية الإنسان لا تتحدد عند ولادته، بل تتكون وتتطور تدريجياً، والهوية التي ينهي بها الشيخ الطاعن في السن حياته ليست هي نفس الهوية التي بدأ بها حياته في شبابه.

والهوية الفردية لكل إنسان لها أوجه كثيرة بعضها يمكن تصنيفها تحت مسميات مثل الهوية القومية أو الدينية أو الاجتماعية أو الثقافية، وبعضها لا نصنفها مثل الفريق الرياضي المفضل أو المطرف أو الفنان المفضل أو الانتماء لعائلة ما أو مدرسة ما أو مجموعة معينة من الأصدقاء، وإجمالي كل هذه الأوجه يشكل الهوية الفردية لكل إنسان، وليست كل أوجه الهوية الفردية على ذات القدر من الأهمية لكل فرد، وهذا يظهر جلياً في المثل الشعبي المصري القائل ”أنا وأخويا على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب“، وأحياناً يوضع الإنسان في موقف يتعارض فيه وجهان أو أكثر من أوجه هويته، فيكون عليه أن يختار بينها أو أن يضعها في أولويات مختلفة.

والقاعدة هنا أن تلك الدرجات من الأهمية أو الأولويات تختلف من فرد لآخر، لكن الغالبية العظمى من البشر يتبعون أنماطاً محددة، ويمكن في العموم التنبؤ بالأولويات التي سيختارونها في حال حدوث تعارض بين اثنين أو أكثر من أوجه الهوية. وأرى أن بعض أوجه الهوية يكاد يكون من المستحيل إيجاد تعارض بينها، فهل يمكن مثلاً إيجاد تعارض بين الهوية الذكرية لرجل وبين هويته القومية؟! أو بين الهوية الدينية لإنسان وبين هويته الوطنية؟! أو بين الهوية الثقافية لإنسان وبين انتمائه لنادٍ رياضي معين؟! أو بين هوية امرأة عجوز من جهة انتمائها لكبار السن وبين هويتها من جهة انتمائها لعائلتها؟! بعض الأوجه لا يوجد مجال معقول للتعارض بينها، ومن ثم فإن حدوث تعارض يجعل العقل في حيرة من أمره يتساءل عما أدى إلى حدوث غير المعقول.

الهوية أولاً وأخيراً هي فكرة، وهي اختيار شخصي إلى حد ما، وهي متغيرة وتتطور مع الزمن والظروف، فما الذي يمكن أن يشكل بالنسبة للإنسان هجوماً على هويته؟ هل انتقاد مستوى الأداء لفريق رياضي يعد هجوماً على هوية مشجعيه؟ هل انتقاد عمل فني يعد هجوماً على هوية الفنان أو الفنانين الذين صنعوه أو شاركوا فيه؟ هل تصحيح إجابة خاطئة في امتحان ما يعد هجوماً على هوية الطالب الذي أجابها؟ هل عدم تفضيل شخص ما لنوع معين من الطعام يعد هجوماً على هوية من يعشق هذا الطعام؟ أظن أن الغالبية الساحقة من البشر—إن لم يكن كل البشر على الإطلاق—ستكون اجابتهم ’لا‘. لكن يمكن أن نعتبر ’اتهام‘ شخص ما بعدم انتمائه لناديه الرياضي المفضل هجوماً على هويته، وكذلك يمكن اعتبار ’اتهام‘ فنان ما بأنه أبعد ما يكون عن الفن، أو ’اتهام‘ طالب ما بالغباء أو ’اتهام‘ شخص ما بأنه فاقد القدرة على التذوق لأنه يحب طعاماً معيناً. كل هذه السابقة موجهة للشخص ذاته تحديداً، وليس لأي فكرة ولا كيان ولا شيء ولا شخص آخر. الشخص الطبيعي يدرك الفرق بين الهجوم عليه هو ذاته (ويمكن أن نعتبر هويته جزءًا من ذاته) وبين انتقاد شيء آخر يختلف عنه في الجوهر.

المتدين الشرقي—والمسلم على وجه الخصوص—يعتبر انتقاد دينه إهانة شخصية موجهة له! الأمثلة على ذلك لا حصر لها، وقد أحاول في المستقبل تجميع أكبر عدد منها قدر الإمكان في تدوينة منفصلة، لكن أظن أن الأذهان ما زالت تستحضر مشهد الأطفال الأقباط الذين سجلوا مقطعاً للسخرية من داعش فقُبِض عليهم بتهمة ازدراء الأديان، هذه التهمة التي لم نسمع قط عن توجيهها إلى أحد أساء إلى دين آخر غير الإسلام. أنا شخصياً والكثيرون ممن أعرفهم بشكل مباشر على مواقع التواصل الاجتماعي تعرضنا للسباب والإهانات بسبب انتقادنا للإسلام بمنتهى الأدب والموضوعية! من ينكر أن أغلبية المسلمين لا يغضبون بشدة (وليتهم جميعاً يكتفون بالغضب كرد فعل) عند توجيه النقد للإسلام هو في رأيي إما يعيش في مجتمع مخالف تماماً لما أتكلم عنه وعشت فيه، أو هو يعيش في حالة من الإنكار تجعله لا يرى الواقع الذي لا يحتاج لإيضاح.

وهل يوجد إيضاح أكثر من العقوبة الشرعية لشاتم الرسول؟! شاتم الرسول يقتل بإجماع الأئمة، وقد خصص الأخ رشيد حلقة كاملة لهذا الشأن أوضح فيها مفهوم ’شتيمة‘ الرسول، والذي يشمل كل شيء وأي شيء غير تمجيد الرسول أو الصمت التام. وهو يوجد إيضاح أكثر من موقف العالم الإسلامي من الرسوم الكارتونية التي اعتبروها ’مسيئة‘ للرسول؟! قامت الدنيا ولم تقعد وخرجت المظاهرات والمطالبات بالمقاطعة الإقتصادية وحتى السياسية، ثم تطور الأمر إلى تنفيذ عمليات إرهابية ضد من جرؤوا على ’الإساءة‘ إلى الرسول. وهل يوجد إيضاح أكثر من اهتمام المسلمين بتبرئة الإسلام من تهمة الإرهاب بعد كل حادث إرهابي أكثر من اهتمامهم بضحايا الحادث؟!

الإسلام بالنسبة للمسلم ليس مجرد هوية يختارها. الإسلام ليس مجرد انتماء إلى دين أو فكرة. الإسلام يحل محل هوية المسلم فيصير أي انتقاد للإسلام هجوماً مباشراً على شخص المسلم الذي يتوحد مع الإسلام بشكل تام في مشهد عجيب يكاد لا يُرَى إلا في المسلمين. هذا التوحد لا يأتي من المسلمين أنفسهم، فهم بشر على كل حال وليس في تركيبهم شيء يختلف عن بقية البشر، لكنه يأتي من الإسلام الذي نقرأ فيه

”وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ“ (التوبة ٦٥ و ٦٦)

والتي يستند إليها ابن تيمية في كتابه ’الصارم المسلول على شاتم الرسول‘ لتكفير كل من سب الرسول كما جاء في هذه الفتوى، كما يستند إلى

  • الحديث ٤٣٦١ في ’سنن أبي داود‘ في كتاب الحدود–باب الحكم فيمن سب النبي
  • الحديث ٤٠٧٠ في ’سنن النسائي‘ كتاب تحريم الدم–الحكم فيمن سب النبي

وهما حديثان عن رجل أعمى قتل امرأته لأنها كانت تسب النبي فأهدر النبي دمها. ليس هذا فحسب، بل نجد في الحديث روايات أخرى تحل دم من يؤذي الله ورسوله وإن كان بالكلام فقط كرواية ’كعب بن الأشرف‘ التي نقرأها في

  • الحديث ٣٨١١ في ’صحيح البخاري‘ كتاب المغازي–باب قتل كعب بن الأشرف
  • الحديث ١٨٠١ في ’صحيح مسلم‘ كتاب الجهاد والسير–باب قتل كعب بن الأشرف
  • الحديث ٣٠٠٠ في ’سنن أبي داود‘ كتاب الخراج والإمارة والفيء–باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة.

وهذه الروايات الصحيحة، بالإضافة إلى ما ضُعِّف إسناده مثل رواية قتل عصماء بنت مروان. والارتداد عن الإسلام جريمة عقوبتها القتل عند جمهور العلماء، استناداً إلى الحديث الصحيح

”لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة“
  • الحديث ١٦٧٦ في ’صحيح مسلم‘ كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات–باب ما يباح به دم المسلم
  • الحديث ٤٣٥٢ في ’سنن أبي داود‘ كتاب الحدود–باب الحكم فيمن ارتد
  • الحديث ٣٦١٤ في ’مسند أحمد‘ مسند المكثرين من الصحابة–مسند عبد الله بن مسعود
  • الحديث ١٤٠٢ في ’سنن الترمذي‘ كتاب الديات–باب ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث
  • الحديث ٢٥٣٤ في ’سنن ابن ماجة‘ كتاب الحدود–باب لا يحل دم امرئ مسلم إلا في ثلاث
  • الحديث ٢٢٩٧ والحديث ٢٢٩٨ في ’سنن الدارمي‘ كتاب الحدود–باب ما يحل به دم المسلم
  • الحديث ٢٤٤٧ في ’سنن الدارمي‘ كتاب السير–باب لا يحل دم رجل يشهد أن لا إله إلا الله

وكذلك استناداً إلى حديث

”من بدل دينه فاقتلوه“
  • الحديث ٢٨٥٤ في ’صحيح البخاري‘ كتاب الجهاد والسير–باب لا يعذب بعذاب الله
  • الحديث ٦٥٢٤ في ’صحيح البخاري‘ كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم–باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم
  • الحديث ٦٩٣٤ في ’صحيح البخاري‘ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة–باب قول الله تعالى وأمرهم شورى بينهم
  • الحديث ١٨٧٤ في ’مسند أحمد‘ من مسند بني هاشم–مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب
  • الحديث ٢١٥١٠ في ’مسند أحمد‘ مسند الأنصار–حديث معاذ بن جبل
  • الحديث ٤٣٥١ في ’سنن أبي داود‘ كتاب الحدود–باب الحكم فيمن ارتد
  • الحديث ١٤٥٨ في ’سنن الترمذي‘ كتاب الحدود–باب ما جاء في المرتد
  • الحديث ٢٥٣٥ في ’سنن ابن ماجة‘ كتاب الحدود–باب المرتد عن دينه
  • الحديث ٤٠٥٩ في ’سنن النسائي‘ كتاب تحريم الدم–الحكم في المرتد

هذه الأفكار تُغرَس في عقل المسلم منذ صغره، كما يُغرَس في عقله عقيدة الولاء والبراء، فكل من يدين بالإسلام هو صديق وأخ وكل من لا يدين به فالمسلم بريء منه بعيد عنه، وهي مرتبطة بفكرة ’الحب في الله‘ و’البغض في الله‘، وفكرة أن لله أعداءً يجب على المسلم أن يقاتلهم

”مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ“ (البقرة ٩٨)
”وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ“ (الأنفال ٦٠)
”وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ“ (التوبة ١١٤)
”أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ“ (طه ٣٩)
”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ“ (الممتحنة ١)
”الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا“ (النساء ٧٦)
”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ“ (التوبة ٢٨ و ٢٩)
”وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ“ (التوبة ٣٦)
”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ“ (التوبة ١٢٣)
”مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ“ (البقرة ١٠٥)
”فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ“ (التوبة ٥)
”إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ“ (البينة ٦)
”يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ“ (التوبة ٧٣ والتحريم ٩)
”وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ“ (البقرة ١٢٠)

وعندما يكون المشركون في الإسلام نجس، ويكون أهل الكتاب من الذي كفروا (أي الذي لم يؤمنوا بمحمد) هم شر البرية، ويكون المسلم مأمور بقتال هؤلاء والتبرؤ منهم والغلظة عليهم، ويكون الحكم في الدنيا هو حكم الإسلام فقط وإلا صار الحاكم كافراً (مع ملاحظة أن المائدة ٤٧ تذكر الإنجيل تحديداً، ويُفهَم أن ما لم يُذكَر في القرآن فمرجعه إلى الإنجيل) وهو مبدأ الحاكمية الذي يستند إلى عدة آيات قرآنية، فإنه من الطبيعي أن نرى أغلب المسلمين يتوحدون مع دينهم، ومن غير المفاجئ أن يغضب المسلم غضباً شديداً عندما ينتقد أحدهم دينه، لأن هذا المنتقد هو المشرك النجس شر الخليقة عدو الله الذي يجب قتاله وإخضاعه لحكم الإسلام حتى يكون الدين لله، لأن الدين عند الله الإسلام.

”وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ“ (المائدة ٤٤)
”وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ“ (المائدة ٤٥)
”وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ“ (المائدة ٤٧)
” إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ“ (الأنعام ٥٧ ويوسف ٤٠ و ٦٧)
”وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ“ (الشورى ١٠)
”وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ... أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ“ (المائدة ٤٩ و ٥٠)
”وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ“ (البقرة ١٩٣)
”وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ“ (الأنفال ٣٩)
”إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ“ (آل عمران ١٩)
”وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ“ (آل عمران ٨٥)

عدم قبول المسلم للآخر هو جزء من توحده مع هويته الدينية الإسلامية، ومحاولة الآخر للحصول على المساواة بالمسلم في قوانين الدولة وفي الحقوق والواجبات المدنية يعتبرها الكثير من المسلمين عدواناً على هويتهم الدينية، لأن ’حكم الله‘ لا يساوي بين المسلم وغير المسلم، ولذلك قد رأينا مظاهرات حاشدة في مصر للتأكيد على هوية الدولة الإسلامية بمجرد التلميح باعتراض الأقباط على المادة الثانية من دستور مصر. الواقع أن حصول غير المسلم على حقوق مدنية مساوية تماماً للمسلم لا يؤثر على هوية المسلم الدينية ولا يمنع المسلم من الإيمان بدينه والدعوة إليه وممارسة شعائره، بالضبط كما لا يؤثر وجود مشجعين لنادي الزمالك على حق مشجعي النادي الأهلي في الانتماء لفريقهم وتشجيعه. فهل سيأتي يوم نرى فيه خلاف ما نراه في الحاضر فيصير أغلب المسلمين متقبلين لنقد دينهم؟ لا أعلم ما يخبئه المستقبل، لكنني لست متفائلاً، فكل ما سبق لا يدعوني إلى التفاؤل، وطالما هناك من يؤمن بمبدأ الحاكمية فسأظل متشائماً، لأن هذا المبدأ كان السبب في الكثير من مشاكل العالم في التاريخ الحديث. ولكن هذا حديث آخر لوقت آخر.

وللحديث بقية...


نسب المصنفات

الإسلام يؤذينا: من يمثل الإسلام؟


المقال السابق: كيف ارتدت مصر النقاب

هذا السؤال يتردد كثيراً، وخصوصاً في العقدين السابقين وبعد انتشار العمليات الإرهابية ذات الدافع الإسلامي، ولعل أشهرها وما أظهر للعالم أن الإسلام فكر إرهابي كان الهجوم على برجي مبنى التجارة العالمي عام ٢٠٠١ وما تلاه من تغيرات على المستوى الدولي لم تترك إنساناً في العالم إلا وكان لها عليه أثر سلبي بشكل أو بآخر، فتغيرت سياسات الدول ونظم تأمين المطارات وصار التنقل من مكان لآخر في العالم أصعب من ذي قبل، واكتسب الفكر الجهادي الإسلامي ثقة في نفسه كما استطاع أن يجتذب الحالمين بعودة مجد الإسلام وعزته متمثلاً في الخلافة.

وسرعان ما تحول العداء بين النظام العراقي آنذاك بقيادة صدام حسين وبين الولايات المتحدة الأمريكية إلى حرب معلنة غزت فيها الولايات المتحدة العراق عام ٢٠٠٣ بغرض إسقاط نظام صدام حسين وتدمير أسلحة الدمار الشامل التي زعمت أن النظام ينتجها، وبدعوى ’تأسيس نظام ديمقراطي‘ في العراق، وبالفعل سقط النظام وسادت حالة من الفوضى في بلد يحتوي على أعراق وأديان واتجاهات فكرية مختلفة بعضها يتناحر مع البعض الآخر، وكان من ضمن هذه الطوائف فرع تنظيم القاعدة في العراق الذي كان يقوده آنذاك أبو مصعب الزرقاوي الأردني الجنسية، وبعد مقتل الزرقاوي عام ٢٠٠٦ تحول فرع القاعدة في العراق إلى ما نعرفه الآن باسم داعش أو الدولة الإسلامية في العراق والشام. وفي أواخر ٢٠١٠ وأوائل ٢٠١١ ومع بداية الثورات في مختلف الدول العربية، تمكنت داعش من السيطرة على جزء من العراق وجزء من سوريا أيضاً، كما بايعها بعض الجماعات الإرهابية الأخرى مثل جماعة بوكو حرام النيجيرية، وتحاول داعش السيطرة على شبه جزيرة سيناء المصرية وهي في صدام مستمر مع الجيش المصري هناك، كما أعلنت عن مسؤوليتها عن عدد كبير من العمليات الإرهابية في مختلف أرجاء العالم، وتمكنت من اجتذاب وتجنيد الكثيرين من حديثي الإسلام من مختلف البلدان.

وعلى تعدد واختلاف المناهج الإسلامية الحالية إلا أنها يجمعها عامل مشترك هو التسليم بكتاب الله وسنة رسوله، وهذه هي المشكلة الرئيسية. البعض من هذه التيارات الفكرية يرى أن استخدام العنف واجب وأن الإسلام حالياً في حرب مع أعدائه، وهؤلاء مثل القاعدة وداعش وكل التيارات الجهادية، والبعض الآخر يرى في التقية الحل الأمثل حتى يسيطر الإسلام على العالم، وهؤلاء مثل الإخوان المسلمين (متمثلاً في فكر التمكين) وفروعهم المعلنة وغير المعلنة في دول الغرب، وألمس هذا بشكل مباشر بحكم إقامتي في كندا، والبعض يرى أن الجهاد واجب لكن الوقت غير مناسب لذلك، وهؤلاء مثل التيار السلفي العلمي الذي لا يدعم العنف كوسيلة للسيطرة على المجتمع أو السلطة لكنه ينشر الفكر على الرغم من ذلك، والبعض لا يأخذ من الإسلام سوى العبادات والفروض وبعض الجوانب الإنسانية، وهؤلاء مثل أغلبية المسلمين في أرجاء العالم، إلا أن نسبة لا بأس بها منهم يحملون داخلهم ثمة ضغينة لغير المسلم، أو على الأقل عدم قدرة على التعايش بمحبة، وربما يرجع هذا إلى عقيدة الولاء والبراء التي إن لم تغرس في الأذهان بشكل صريح فهي تتسلل بشكل أو بآخر، وتظهر في الأغلب على شكل العدوانية السلبية (passive aggressiveness)، والبعض الآخر يعيشون حالة من إنكار أن الدين يحتوي على مثل تلك الأفكار، ويساعدهم على ذلك قلة علمهم بالدين وعدم اكتراثهم بالبحث، ولا أدري إن كان يصح تصنيف هؤلاء على أنهم مسلمون وهم لا يؤمنون بكل ما في الإسلام.

وفي القرن التاسع عشر ظهر في الهند على يد ’أحمد خان‘ ثم ’عبد الله جكراولي‘ منهج جديد ينكر الحديث والسنة ويكتفي بالقرآن مرجعاً، وكان لا بد من إعادة نظر في كل المنظومة الفكرية الإسلامية التي تعتمد بشكل كثيف على الحديث والسنة، ويسمى أتباع هذا المنهج الآن باسم القرآنيين، ومن أبرز المصريين القرآنيين الدكتور أحمد صبحي منصور، والقرآنيون في العموم ينبذون العنف ويعتبرون أن نصوص القتال كانت موجودة لغرض معين انتهى وقته. وكما ظهرت في الهند فرقة القرآنيين، ظهرت أيضاً الأحمدية القاديانية، وهي بدعة مبنية على الإسلام تعتبر أن ميرزا غلام أحمد المولود في القرن التاسع عشر رسول وأنه هو المهدي المنتظر، ولا يختلف هذا التيار الفكري مع الإسلام التقليدي في نقطة جهاد الدفع (أي الدفاع عند التعرض للهجوم) لكنه ربما يختلف معه في نقطة جهاد الطلب (أي غزو البلدان الأخرى) التي لا نسمع عنها في خطابهم الديني، وتركز الأحمدية تركيزاً شديداً على مهاجمة العقيدة المسيحية مستخدمة في الغالبية الساحقة من الحالات فهماً مغلوطاً للنصوص المسيحية يدعم فكرتهم.

أما في بلاد الشرق الأوسط ذات الأغلبية السنية، ونتيجة للفظائع التي رآها المسلمون ترتكب باسم الإسلام وتحت مظلة من نصوصه، فإن بعض المسلمين ممن يعتبرون أنفسهم مجددين نحوا منحًى مختلفاً تماماً هو مزيج من منهج القرآنيين ومنهج أهل السنة والجماعة والمنهج البحثي العلمي والمنظور الحداثي للدولة وحقوق الإنسان، فكانت النتيجة مسخ فكري لا معنى له ويسهل القضاء عليه بالقليل من المجهود والتفكير، اللهم إلا إذا كان المتلقي يريد بشدة أن يقتنع بهذا الفكر، ففي هذه الحالة لن يرى المشكلات الموجودة فيه. مثل هؤلاء المجددين يقومون بانتقاء ما يتناسب مع العصر والعلم والمنطق من الدين ويرفضون ما يتعارض معه، وفي أغلب الأحوال لا يكون هناك دليل على قبولهم أو رفضهم سوى قناعتهم الشخصية بأن الله لا يمكن أن يصدر عنه سوى الخير والحق والجمال، وبالتالي فمنظورهم للدين منظور منحاز لا يتفق مع منهجه الذي استمر عليه لمئات السنين، وكثيراً ما تجدهم يصطدمون بنقاط تناقض في أفكارهم نتيجة محاولات التجميل هذه، فيلجأون إلى ليّ أعناق النصوص وتحميل الكلام ما لا يحتمل من معانٍ لجعل الأفكار شبه متسقة. ما يهمني هنا هو أنهم مسالمون جداً، والله أعلم بالنوايا، وتخوفي الوحيد من هذا الفكر العشوائي فيما يظنونه إصلاحاً للدين وتطويراً له أن المنظومة الفكرية الناتجة عنه ستكون هشة سهلة الكسر، وبالتالي فإنه لا يمثل إلا تشتيتاً عن المشكلة الحقيقية وهي الإسلام ذاته.

وفي كل مرة تحدث عملية إرهابية تحت اسم الإسلام يخرج علينا الكثيرون من المسلمين في وسائل الإعلام وفي مواقع التواصل الاجتماعي وحتى في الشوارع يحاولون جاهدين إقناعنا أن تلك الأفعال ليست من الإسلام في شيء، ولا أظنهم يحاولون إقناعنا بقدر ما يحاولون إقناع أنفسهم، وفي أغلب الأحوال يكونون متأثرين بشكل وقتي بالحادث وبشاعته ويكونون على غير علم بالمنظومة الفكرية الدينية بشكل كاف. الإسلام في رأيي—وأظنه كذلك في رأي أي عاقل منصف—هو إجمالي ما وصل إلينا من القدم من قرآن وحديث وسنة وفقه، وفي هذا المجمل وداخل هذا الإطار فقط أرى الإسلام متسقاً مع ذاته، ويحدث التناقض عندما ننظر إلى الإسلام خارج هذا الإطار، فنضعه مقابل المفاهيم الحديثة للدولة وحقوق الإنسان (فيخرج لنا المجددين محاولين التوفيق)، أو أمام العلم الحديث (فيخرج لنا أهل الإعجاز العلمي) أو أمام قدرة وسائل الاتصال الحديثة على نشر الأخبار في وقت قياسي (فيخرج لنا أهل التقية)، وبشكل عام فإن مواجهة أفكار إسلامية كثيرة مع مفاهيم حداثية يؤدي إلى صراع نفسي تختلف نتائجه من شخص لآخر، وقد يكون حله عند البعض مجرد الإنكار.

لكن كل ما ينتج عن الصراع الذي يوجده الإسلام عند مقابلته مع الأفكار الحداثية في نفوس المسلمين لا ينفي وجود نصوص ثابتة في الإسلام تبث الكراهية وتحرض على العنف ضد الآخر، وتسعى إلى فرض سيطرة الإسلام على العالم بالقوة، وترى غير المسلم كائناً أدنى، وفي ذلك فالإسلام فكر فاشيّ (fascist) بالدرجة الأولى. وجود مثل هذه النصوص أمر لا يمكن إنكاره ولا يمكن تغييره، ففي زمننا هذا لن يتمكن كائن من كان أن يحرق الكتب فيعدم محتواها إلى الأبد، فالمحتوى الآن صار منتشراً وسهل الحمل والنقل والطبع والتوزيع، ويمكن لقطعة إلكترونية في حجم عقلة الإصبع أن تحمل مكتبة كاملة. تكمن المشكلة في أن كلمة ’مسلم‘ وكلمة ’إسلام‘ تشملان كل الطوائف السابقة بدون تمييز، فكيف يمكن لغير المسلم التمييز بين من يعبر عن الإسلام ومن لا يعبر عنه؟

يجد غير المسلم نفسه أمام مجموعات متباينة من الناس تتراوح اتجاهاتها الفكرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وكل منهم يسمي نفسه مسلماً، وكل منهم يسمي دينه إسلاماً، وعلى غير المسلم أن يحاول أن يستخدم حاسته السادسة لمعرفة من لا يؤمَن جانبه ومن هو مستعد للتعايش السلمي ومقتنع بالمساواة التامة بين المواطنين! الحقيقة يا سادة أن هذه الهراء لن يجدي أبداً، والحقيقة أن الإنسان يحاول أن يستخدم التنميط دائماً للابتعاد عن مصادر الخطر، فعلى سبيل المثال نعلم أن بعض الثعابين ليست سامة، لكن هل تظن أن إنساناً لا خبرة له بالثعابين سوف لا يخاف من ثعبان على أمل أنه ليس ساماً؟! الواقع أن الثعبان يوجد في النفس ذعراً لأن تبعات عدم الحذر من الثعبان السام أخطر بما لا يقاس من تبعات الابتعاد عن الثعبان غير السام. العقل البشري يوجِد نمطاً يجمع بين الخطر وما يرتبط بالخطر لكي يتمكن من أن يجتنب الخطر باجتناب ما يرتبط بالخطر بدون إضاعة الكثير من الوقت في التمييز بين ما يشكل خطورة حقيقية وبين ما يشبهه لكنه لا يشكل أي خطورة.

طالما أننا لا نستطيع بسهولة التمييز بين مختلف الفرق الإسلامية، فإن الملجأ الوحيد المتبقي لنا هو اعتبار أن كل ما يرتبط بالإسلام هو خطر إلى أن يثبت العكس، ولذلك لا ألوم بشدة من يخاف من المسلمين في بلاد الغرب، لكنني أحاول أن أوضح لهم أن أغلب المسلمين لا خوف منهم على الإطلاق، على الأقل من جهة العنف، وأن الخوف من الإسلام كفكر عنيف ليس مكافئاً للخوف ممن يصنف نفسه مسلماً، لكن القدرة على الإقناع بمثل هذا تنحدر تدريجياً مع كل عملية إرهابية مدفوعة بفكر إسلامي، فغريزة البقاء أقوى من المنطق.

أتريدون أن تنأوا بأنفسكم عن الشبهات؟ أوجدوا فروقاً واضحة في التسمية بين الإسلام المسالم والإسلام الجهادي، وإن كنت أرى أن هذا ليس حلاً لمشكلة وجود العنف في جذر الإسلام كفكر، لكنه يكفي على الأقل للفصل بين الشخص الذي يُخشى منه والذي لا يُخشى منه، وعندئذ لن تضطروا أن تقولوا إن فلاناً هذا لا يمثل الإسلام لكي تدرؤوا عنكم الشبهات، لأن التسمية ستختلف وستجعل من التفرقة أمراً سهلاً نسبياً، على الأقل بالنسبة للوضع الحالي. لكن الغالبية الساحقة من المسلمين قد لا يوافقون على هذا الرأي، لأن الإسلام يلغي الهوية الفردية للمسلم ويجعل الدين الإسلامي هويته الرئيسية وربما الوحيدة، لذا فإن تغيير الاسم يشعر المسلم بفقدان الهوية. لكن هذا حديث آخر لوقت آخر.

وللحديث بقية...


المقال التالي: الهوية الإسلامية


نسب المصنفات

الإسلام يؤذينا: كيف ارتدت مصر النقاب

كنت أتحدث مع صديق أعرفه من أكثر من ٢٠ عاماً، وبالطبع كان موضوع الحديث الرئيسي تفجير كنيستين في مصر في مدينتي طنطا والإسكندرية بالأمس، وتطرق الحديث إلى عدة نقاط آثرت أن أجمعها في تدوينة أو أكثر لكي أذكر نفسي بها ولعل أحداً يهتم أن يقرأها.

تطرق الحديث أولاً إلى البديهي: الإسلام ودوره في بث الكراهية في النفوس وتفريخ الإرهاب في العالم، ولم نختلف كثيراً على هذا. الاختلاف كان على بداية المرحلة الحالية من تاريخ مصر المعاصر، والتي شهدت تسارعاً في أسلمة كل ما هو مصري والتضييق على كل ما هو ليس إسلامياً مما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من الأقباط إلى بلاد المهجر وتغير المجتمع المصري شكلاً ومضموناً. كان رأيي أن عصر السادات كان بداية هذا التسارع بعد أن أطلق السراح لتيارات الإسلام السياسي لإحداث ’توازن‘ مع خصومه السياسيين من التيارين الناصري والاشتراكي، بل وقام بدعم هذه التيارات وخصوصاً في الجامعات، ونعرف أن الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح كانت له مواجهة مع الرئيس الراحل السادات سنة ١٩٧٧ كان وقتها رئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة، وهو ما يعكس انتشار التيار الإسلامي في الجامعات في السبعينات، وكان يعترض فيها على عزل الشيخ محمد الغزالي من منصبه في مسجد عمرو بن العاص حيث كان شباب الجماعة الإسلامية يحضرون درسه كل جمعة.

وكان السادات في بداية حكمه قد قام باستفتاء الشعب على ما أطلق عليه آنذاك ’الدستور الدائم لجمهورية مصر العربية‘، ووضع في ذلك الدستور المادة الثانية منه التي ما زلنا نعاني منها حتى الآن، وكانت توجد مادة مشابهة في الدساتير القديمة ابتداء من الدستور الملكي الصادر عام ١٩٢٣ (مادة ١٤٩) ثم دستور ١٩٣٠ (مادة ١٣٨) الذي لم يدم طويلاً، ثم دستور ١٩٥٦ (حيث تقدمت لتصير المادة ٣) ، ثم اختفت من الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة الصادر عام ١٩٥٨ وعادت مرة أخرى في دستور ١٩٦٤ (المادة ٥) لكنها في كل هذا لم تذكر شيئاً عن التشريع، وإنما اكتفت بذكر الإسلام كدين للدولة واللغة العربية كلغة رسمية، فأضاف السادات عبارة ”ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع“ ووضعت كثاني مادة في الدستور. ولكي يكتسب السادات قاعدة شعبية استخدم عدداً من التعبيرات استمر يرددها ومن ورائه الإعلام مثل ’دولة العلم والإيمان‘ و’الرئيس المؤمن‘ و’رئيس مسلم لدولة مسلمة‘ و’ثورة التصحيح‘ و’سيادة القانون‘ وما شابه، وفي العموم لعب السادات على المشاعر الدينية للأغلبية المصرية المسلمة، وربما وافق هذا هوى في نفسه كزعيم إسلامي يشابه خليفة المسلمين. ومن الشائع أن السادات قال في المؤتمر الإسلامي في جدة إن الأقباط في خلال ١٥ عاماً إما سيهاجرون أو يسلمون أو يصيرون زبالين وماسحي أحذية، وكان هذا قبل توليه رئاسة الجمهورية، ولكن لم أجد توثيقاً يعتد به في هذه الشأن.

في نفس الوقت ظهر على الساحة الإعلامية شخصيات مثل الشيخ الشعراوي والدكتور مصطفى محمود الذي كان يقدم برنامجاً أسبوعياً اسمه ’العلم والإيمان‘ على شاشات التليفزيون المصري تختلط فيه المعرفة العلمية بالدين بالفلسفة بالخرافات والهراء في بعض الأحيان، فيما يشبه ما نراه الآن تحت اسم الإعجاز العلمي في القرآن. بنهاية السبعينات كانت التيارات الإسلامية قد تغلغلت في المجتمع المصري وتحول المناخ العام تحولاً ليس بقليل تجاه الإسلام الأصولي، وساعد على ذلك طبعاً إذاعة درس الشيخ الشعراوي أسبوعياً على تليفزيون الدولة الرسمي كل جمعة، والذي كان ينشر فيه الكراهية ضد الأقباط. وفي ١٩٧٧ بدأ عداء السادات للأقباط يتخذ منحى جديداً عندما رفض البابا شنودة زيارة إسرائيل مع الوفد المرافق للسادات ورفض فكرة التطبيع مع إسرائيل، ومنع الأقباط من زيارة القدس، وكان هذا في رأيي خطأ جسيماً من البابا شنودة إذ كان عليه الالتزام بواجبه ومنصبه الديني وعدم التدخل في السياسة بهذا الشكل السافر، وتصاعدت لهجة العداء ضد الأقباط تدريجياً حتى انتهت بتحديد إقامة البابا شنودة في الدير عام ١٩٨١ وعزله من منصبه (وقوبل القرار بتصفيق حاد في مجلس الشعب) في حزمة من القرارات أخذها السادات قبل اغتياله بفترة قصيرة، وأناب لجنة من ٥ أساقفة كلفهم ”بكسر حاجز التعصب والحقد والكراهية وبث روح المحبة والتسامح“، واختتم بعدها مباشرة كلمته بآية من القرآن فكانت آخر كلماته ”فانصرنا على القوم الكافرين“.

وفي عام ١٩٨٠ قام السادات بطرح تعديل دستوري على دستور ١٩٧١ تتغير فيه خمس مواد، واحدة منها هي الخاصة بتمديد فترة الرئاسة ’لمدد أخرى‘ بدلاً من ’مدة تالية متصلة‘، وربما كان يتوقع السادات (أو يريد) أن يحكم مصر لسنوات طويلة تنتهي بانتهاء حياته بشكل طبيعي، وواحدة منها استمرت في اتجاه أسلمة الدولة الذي بدأه، فتعدلت المادة الثانية ليكون منطوقها ”مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع“ بإضافة لام التعريف، فصارت بهذا الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي الوحيد للتشريع بعد أن كانت من أحد المصادر الرئيسية. وبالطبع وافق الأغلبية على التعديل لأن المناخ العام كان مهيئاً بعدة عوامل أهمها انتشار الإسلام الأصولي.

وفي نفس العام أيضاً قام السادات بدعم المجاهدين الأفغان بالسلاح والعتاد والأموال والتدريب، ودعا الشعب إلى دعمهم واستقبل بعض قياداتهم، وفتح المجال لجمع التبرعات لدعم اللاجئين الأفغان والشعب الأفغاني المسلم الشقيق، وقال إن مصر ستدعم المجاهدين الأفغان بكل ما في الإسلام من قوة. وقامت النقابات المهنية التي كانت تحت سيطرة الإخوان المسلمين وقتها بجمع أموال طائلة تحت هذا الستار، وذهب الكثيرون من المصريين الذين كانوا قد تأثروا بالفكر الجهادي إلى أفغانستان للمشاركة في الجهاد، وكانت الدولة آنذاك تدعم ذلك كله. وانتهت تلك الفترة باغتيال السادات في ٦ أكتوبر عام ١٩٨١ في حادث المنصة الشهير على يد الجماعات الإسلامية التي ساعدها بنفسه في الانتشار في مصر. لكن تواجد الإسلام الأصولي في مصر لم يقف عند هذا الحد، بل كان قد وصل إلى الكتلة الحرجة التي كان يحتاجها للاستمرار في الانتشار، وإن كان ذلك التغلغل قد استمر تحت السطح إلى حد ما وليس كما كان الحال في عهد السادات.

وجاءت التسعينات بإرهابها. نمو الإسلام الأصولي في فترة الثمانينات مع عودة بعض من ذهبوا إلى أفغانستان للجهاد فتشبعوا هناك بالفكر الجهادي حتى النخاع أسفر عن إرهاب التسعينات الذي شهدت مصر بسببه اغتيال الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب آنذاك عام ١٩٩٠، واغتيال الكاتب والمفكر فرج فودة عام ١٩٩٢، وكان بعض علماء الأزهر قد أفتوا بتكفيره، ومحاولة اغتيال الكاتب الكبير الأستاذ نجيب محفوظ عام ١٩٩٥ بسبب اعتراض بعض الجهات الدينية الإسلامية على روايته ’أولاد حارتنا‘ بحجة الإساءة للذات الإلهية، ومحاولة اغتيال الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في أديس أبابا عام ١٩٩٥، ثم مذبحة الأقصر التي راح ضحيتها ٥٨ سائحاً، وبالطبع في تلك الفترة كان الاعتداء على الأقباط وممتلكاتهم، وبالأخص في الصعيد مستمراً بفجاجة، وبدون اكتراث من الأمن وأحياناً تحت سمع وبصر الجهات الأمنية. جدير بالذكر أن قاتل فرج فودة لم يحكم عليه بالإعدام لأن الشيخ محمد الغزالي—الذي تتلمذ على يديه الكثيرون من أعضاء الجماعة لإسلامية منهم الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح طبقاً لشهادته هو شخصياً كما هو في الفيديو أعلاه—أفتى بأن فرج فودة كان كافراً ودمه هدر، وأن كل ما فعله القاتل هو افتئات على السلطة لأن سلطة القتل في يد ولي الأمر.

لم يكن عهد حسني مبارك أفضل كثيراً من عهد سابقه، فظل البابا شنودة محدد الإقامة في الدير لأكثر من ٤٠ شهراً، واستمر إقصاء الأقباط المتعمد عن المناصب العليا في الدولة إلا القليل منها لتحسين الصورة العامة، واستمرت القيود على الأقباط في التعبير عن الرأي وبناء الكنائس، وصار الأمر القبطي موكولاً لأمن الدولة، فتحول أمن الأقباط إلى وسيلة مقايضة أو ضغط عليهم، وعقدت الصفقات مع التيارات الإسلامية المختلفة، فأطلق لهم العنان في النقابات والمحليات، وكذلك في المساجد والزوايا في الأرياف طالما لم يتدخل أي منهم في السياسة أو أمور الحكم، وكان العقاب شديداً لكل من يجرؤ على التدخل في السياسة، أما من كان يهاجم الأقباط ويسبهم علناً فكان يُترك وشأنه كنوع من تفريغ الكبت، وقبيل ثورة ٢٠١١ كان السلفيون يسبون البابا شنودة علناً في مظاهرة أمام مسجد النور. اهتم مبارك بإحكام قبضته على السلطة ولم يهتم كثيراً بإصلاح المجتمع الذي كان السوس قد بدأ ينخر فيه منذ أيام السادات، فتمكن الإسلام الأصولي من المجتمع المصري بعد أن كانت الحداثة قد وجدت طريقها إليه (ولو نسبياً) في الخمسينات والستينات.

كان صديقي يختلف معي ظاناً أنني أرى أن السادات كان السبب (بلام التعريف) في سيطرة التيار الإسلامي على مصر، واتفقنا سريعاً بعد توضيح أن رأيي أنه كان السبب في إسراع سيطرة التيار الإسلامي على مصر بشكل خطير، وساعد أيضاً على ذلك عاملان لهما علاقة بالسعودية، أولهما هو إرسال الإعارات إلى السعودية (والدول العربية الأخرى) بكثافة في السبعينات، وثانيهما أن السعودية أدركت بعد حرب ١٩٧٣ أهمية البترول للغرب، فزاد سعر برميل البترول فجأة من حوالي ٢٠ دولاراً للبرميل إلى ما يقرب من ٦٠ دولاراً للبرميل بعد الحرب، ثم إلى ما يقرب من ١٢٠ دولاراً للبرميل مع مطلع الثمانينات، فازداد دخل السعودية زيادة ضخمة مفاجئة في أقل من ١٠ سنين، وتدفقت عليها أموال غزيرة ساعدت نظامها في نشر الفكر الوهابي الذي ما زالت تنفق عليه مليارات الدولارات إلى الآن.

سعر برميل البترول في السبعين سنة الأخيرة. الرسم التوضيحي من macrotrends.net.

كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تضخم واستفشاء الإسلام الأصولي في مصر في العقود الماضية، وربما كانت هناك عوامل أخرى لكنني أرى أن العوامل السابق ذكرها أهمها على الإطلاق، حيث أنني مهتم بانتشار الفكر في المجتمع عموماً وليس بدوافع القيام بعمليات إرهابية. إلا إني اتفقت مع صديقي سريعاً على أمر واحد: الإسلام فكر إرهابي عنيف يرفض التعايش مع الآخرين في سلام، ويسعى دائماً إلى فرض سيطرته على كل من حوله، وإن لم يكن فرض السيطرة ممكناً فإنه يسعى إلى أن تكون له مكانة خاصة مميزة، ولا يؤمَن جانبه إلا حين يكون المسلمون أقلية في المجتمع ولا يشعرون أنهم ذوو قوة وسطوة، وهو ما يقال عنه ’فقه الأقليات‘ ومن أبرز من كتب فيه يوسف القرضاوي. كل من بُلِّغ بالإسلام ولم يَدِن به ولم يصدق نبيه ويتبع نهجه هو كافر، وكل كافر هو كائن أدنى من المسلم، وإن كان الإسلام يضع من يسميهم ’أهل الكتاب‘ في مكانة أعلى قليلاً من غيرهم من الكفرة.

بالطبع رأيي هذا ورأي صديقي الذي يوافقه له مبرراته الواضحة والكثيرة أيضاً، ونظرة على التاريخ توضح لنا أن الإسلام في كل مراحله ارتبط بالعنف والكراهية، وليس الارتباط في حد ذاته هو ما يعنيني فالارتباط لا يعني السببية بالضرورة (لكي لا ننجرف وراء ارتباط الكاثوليكية في العصور الوسطى بالعنف أيضاً) وإنما ما يعنيني هو استخدام بعض المسلمين لنصوص الإسلام الدينية منذ بداياته وحتى الآن في تبرير أفعالهم، وإرجاع دوافعهم إلى الدين، وما يعنيني هو سلامة منطقهم في هذه التبريرات فلا يمكن أن ندحض حجتهم إلا بهدم عدد من ثوابت الدين الإسلامي التي قبلها المسلمون ثوابت لقرون طويلة. ولكن هذا موضوع آخر لوقت آخر.

وللحديث بقية...


المقال التالي: من يمثل الإسلام؟


نسب المصنفات

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...