بحث هذه المدونة الإلكترونية

ما هو العلم؟

باختصار شديد العلم هو منهج بحثي، وليس حقائق مطلقة.

كل من يتكلم عن ’الحقائق العلمية‘ باعتبارها حقائق مطلقة يخطئ إن كان يقصد بذلك الملاحظات التجريبية التي يسجلها العلماء في تجاربهم، ويخطئ بشكل مبالغ فيه إن كان يقصد بذلك النظريات العلمية التي توضع لتفسير ما يحدث في الكون من حولنا، ويخطئ بشكل يقارب الهذيان إن كان يقصد بذلك التصورات المبنية على أدلة تاريخية لا يمكن إخضاعها للتجارب العلمية المنهجية. في هذا المقال أستعرض الأسباب التي من أجلها أعتقد هكذا.

الحقيقة المطلقة

الحقيقة المطلقة هي الحقيقة التي لا تتغير أبداً، مهما كان الزمان أو المكان، وهي غير مرتبطة بوجود شيء ما أو عدم وجوده على الإطلاق، وحتى إن صار هذا الكون عدماً فإن الحقيقة المطلقة تظل موجودة لا تتغير. البعض يرى من وجهة نظر دينية أن الحقيقة المطلقة هي وجود خالق أو أنها الموت كنهاية لكل حي، ولكن لا هذا ولا ذاك يعد من الحقائق المطلقة. نحن نعتقد بوجود خالق لأننا (على أحسن الفروض) نرجح وجود خالق على عدم وجوده، وليس لأننا نملك برهاناً قاطعاً على وجوده. والموت لسنا متأكدين من أنه نهاية كل حي، لأننا لكي نتأكد من ذلك يجب أن نتابع كل كائن حي حتى نراه يموت، وفي حالة عدم تمكننا من ذلك فإننا لا نستطيع بأي حال أن نجزم يقيناً أن الموت نهاية كل حي، وبالتأكيد لا يمكن أن نجزم يقيناً أن هناك أنواع من الحياة لا نعرفها لا تموت.

الحقائق المطلقة لا توجد خارج نطاق الأفكار المجردة، وليس معنى ذلك أن كل الأفكار المجردة حقائق مطلقة، ولكن معناه أن الحقائق المطلقة لا بد أن تكون أفكاراً مجردة، ولذلك فإن علوم الرياضيات المختلفة هي المجال الوحيد الذي يمكن أن نجد فيه حقائق مطلقة، حتى وإن كانت هذه الحقائق لا يوجد مثلها أي شيء في واقعنا المادي الملموس. أبسط مثال على ذلك يفهمه الجميع هو الأعداد السالبة، فلا يوجد شيء ملموس يعد بالسالب! كل ما هو موجود في الطبيعة من حولنا يعد بالموجب، وكل ما هو ليس موجوداً عدده صفر، ولذلك فإن الأعداد غير السالبة تسمى الأعداد "الطبيعية"، إذ لا يوجد سواها في الطبيعة. لكن الأعداد السالبة حقائق مطلقة كأفكار، حتى وإن كانت غير موجودة في العالم المادي الملموس. كذلك كل الأفكار في علوم الرياضيات هي أفكار مجردة تماماً من الماديات، وغير مرتبطة على الإطلاق بمعرفتنا عن الكون من حولنا.

ولأن ملاحظاتنا عن كل ما هو ماضي مرتبطة بقدرتنا على الملاحظة والرصد، ولأن ملاحظاتنا هي بالضرورة محصورة في نطاق الزمان والمكان، فإنها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعبر عن حقائق مطلقة، وإن كان الكثيرون يعتبرونها كذلك خطأ، حتى من يطلق عليهم ’علماء‘ في بعض الأحيان. من ’الثوابت العلمية‘ مثلاً فرضية أن قوانين الكون الفيزيائية كانت منذ الأزل كما هي وستظل إلى الأبد كما هي. لا يوجد دليل واحد على أن هذه الفرضية تعبر عن حقيقة، بل أننا لا يمكن أبداً أن نكون متأكدين من هذه الفرضية لأننا لا نستطيع السفر عبر الزمن إلى عدة ملايين من السنين مضت لنجري تجارب ونحدد إذا ما كانت القوانين كما هي أم لا. كذلك فإننا موجودون في نقطة من الكون ضئيل جداً بالمقارنة بحجم الكون الذي نراه، وبالتالي فإننا لا نستطيع أن نجزم بأن هذه القوانين تنطبق على كل مكان في هذا الكون الشاسع.

إذا كان ما نظنه بخصوص حجمنا في الكون حقيقياً، وما نظنه بخصوص عمر الكون حقيقياً، فإن قطر الأرض حوالي ١٢٧٤٢ كيلومتراً، وقطر الكون الملحوظ حوالي ٩١ بليون سنة ضوئية، أي أن قطر عالمنا بالكامل مقارنة بقطر الكون حوالي ١٫٤٨١×١٠-٢٣، وكمية الماء الموجودة على الأرض كلها تقريباً ١٣٨٦ مليون كيلومتراً مكعباً، أي أن قطر الأرض بالنسبة لقطر الكون هو تقريباً النسبة بين كوب ماء وكل المياه الموجودة على الأرض! ادعائنا أننا يمكن أن نستنتج حقائق مطلقة أو حتى حقائق يعتمد عليها بخصوص الكون من خلال ملاحظته من مكاننا هذا يشبه باعتقادنا أننا أخذنا عينة من ماء بركة محلية، أو حتى حللنا كل مياه هذه البركة، فاستنتجنا منها تركيب المياه والكائنات البحرية الموجودة في أعماق المحيط الهادي. هذا يمكن أن يكون صحيحاً في حالة واحدة فقط، وهي أن تركيب مياه أعماق المحيط الهادي ومحتواها من الكائنات البحرية لا يختلف عن البركة المحلية التي لاحظناها، ونحن نعرف أن هذا غير صحيح بالنسبة للمحيط الهادي، فكيف نجرؤ على اعتباره صحيحاً بالنسبة للكون؟! وكذلك إن صح ما نعرفه عن عمر الكون، فإن عمره ١٣٫٧٩٩ بليون سنة، وكل ما نعرفه من خلال الملاحظة العلمية المنهجية عن الكون لا يتجاوز الخمس مئة سنة الماضية على أحسن تقدير، أي أن فترة ملاحظاتنا المنهجية الرقمية (مع الوضع في الاعتبار أن الملاحظات لم تكن على نفس الدرجة من الدقة ولا الصحة طوال الوقت) بالنسبة لعمر الكون هي حوالي ٣٫٦٢٣٥×١٠، وادعاؤنا أن عدم ملاحظتنا لتغير يذكر في هذه الفترة دليل على أن التغير لم يكن موجوداً أبداً شبيه بمن يقف في شارع فيراه ممتداً مستقيماً على امتداد بصره لمسافة ٥ كيلومترات مثلاً فيفترض أنه سيستمر مستقيماً ممتداً في نفس الاتجاه لمسافة تقارب بعد الأرض عن الشمس!

إذا كنت مستعداً للوثوق في مثل هذا الهراء السابق ذكره، فأنت عندئذ مؤهل للوثوق في أن كل ما نعرفه عن الكون حقائق لا يمكن التشكيك فيها.

الملاحظات العلمية

Hookes-law-springs.png
التغير في شكل زنبرك معدني تحت تأثير قوة[1]

فهل يعني كلامي السابق أن الملاحظات العلمية عديمة القيمة؟! بكل تأكيد لا يعني ذلك! الملاحظات العلمية هي التي أهلتنا للمعرفة التي غيرت من وجه الحياة على الأرض، وإن كان التغيير لم ينتج من مجرد الملاحظة والتدوين، إلا أن الملاحظات العلمية المنهجية وتحليل نتائج التجارب هو السبب المباشر فيما وصلنا إليه من علم. لكن الملاحظات العلمية تعد حقائق في حدود ظروف ملاحظتها بما في ذلك ظروف التجربة العملية من زمان ومكان ومعدات قياس ومنهج بحثي وخلافه. مد الخط على استقامته (extrapolation) في العلم مرفوض تماماً، ولا نستنتج منه شيئاً على الإطلاق، وكل من له خلفية ولو بسيطة في مجال الأبحاث العلمية يعرف ذلك. ولكن كل من ليس له مثل هذه الخلفية يظن بجهل أن مثل هذه الافتراضات (لأنها في مجال العلوم لا تعدو كونها افتراضات) ”حقائق علمية مثبتة!“

HookesLawForSpring-English.png
رسم توضيحي لقانون هوك[2]

في ظني أن مثال الشارع الممتد مستقيماً على مرمى البصر يكفي للتدليل على هذه النقطة، لكنني سأطرح مثالاً آخر. ربما سمع البعض منا عن قانون هوك (Hooke's law)، وهو القانون الذي يمثل تغير شكل الأجسام القابلة للانحناء (elastic bodies) تحت تأثير قوة عليها. هذا القانون ينص على أن الجسم يتغير بشكل يتناسب طردياً مع القوة، وأن هذا التغير يختزن داخل الجسم على هيئة طاقة كامنة (potential energy) يمكن أن يعطيها الجسم مرة أخرى عند إزالة القوة المؤثرة عليه. بمعنى أنك لو ضغط على زنبرك معدني أو شددته سيتغير شكله وستختزن فيه الطاقة التي بذلتها في تغيير شكله. القانون يوضح أن هذه العلاقة خطية إلى حد كبير (الخط الأحمر في الشكل) ولكن عند مرحلة معينة تتحول هذه العلاقة الخطية إلى غير ذلك تماماً (الخط الرمادي في الصورة)، بل إن القوة المؤثرة بالشد على الزنبرك ستتسبب في انقطاعه عند مرحلة معينة تسمى نقطة الانقطاع (breaking point) تنتهي عندها العلاقة تماماً بأي شكل من الأشكال، لأن الجسم سيكون بالضرورة قد انقطع! هذا مثال علمي واضح جداً لسبب رفض استنتاج أي شيء من مد الخط على استقامته في العلم.

مثال آخر على صلاحية الملاحظات العملية التجريبية في حدود التجربة هو قوانين نيوتن. كل من مر بالمرحلة الثانوية وحصل فيها على قدر من التعليم غالباً سمع عن إسحق نيوتن (Isaac Newton)، عالم الرياضيات والفيزيائي الفذ الذي وضع قوانين الحركة، والذي تسببت اكتشافاته في مجال الرياضيات والفيزياء في ثورة علمية وشلال جارف من التغيرات التالية المبنية عليها، وقد استمرت قوانين نيوتن للحركة بلا دليل واحد ضدها لمدة حوالي ٢٠٠ عاماً، ولكن في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين أوضحت نتائج بعض التجارب على الضوء أن هناك شيئاً ما لا يتفق مع قوانين نيوتن، وظل هذا الأمر محيراً للعلماء لفترة ليست طويلة، إلى أن جاء ألبرت آينشتاين (Albert Einstein) بالنظرية النسبية لتفسير كيف أن قوانين نيوتن في هذه الحالات القليلة لم تكن صحيحة. النظرية النسبية كانت ثورية لأنها رفضت الافتراضات الأساسية التي قامت عليها قوانين نيوتن، والذي وجد عليها آلاف وربما ملايين الأدلة التجريبية، وافترضت أن سرعة الضوء هي الثابتة وأن الزمان والمكان يتغيران! كانت المشكلة التي سببت المفارقة أن قوانين نيوتن تنطبق على الحالات التي لا تقترب فيها السرعة من سرعة الضوء، لكن في السرعات العالية فإن هذه القوانين تنهار تماماً. صلاحية القوانين إذاً محصورة في نطاق التجارب التي تؤكدها، وصلاحية الملاحظات العلمية وفائدتها في الاستنتاج مقصورة على ظروف تلك التجارب، ومحاولة مد الخط على استقامته لتطبيق قوانين نيوتن على الضوء فشلت لهذا السبب.

الشيء الآخر الذي ينبغي ملاحظته أن أسلوب القياس ودقته في زمن نيوتن لم يكن هو أسلوب القياس ودقته في أواخر القرن التاسع عشر، ولو كان نيوتن يستطيع إجراء مثل هذه التجارب لما كان قد وضع قوانينه بهذا الشكل. الملاحظات العلمية محدودة بقدرتنا على الملاحظة والتسجيل، وهناك الكثير في تاريخ العلم من الأمثلة على أشياء لم تكن معروفة أو ملحوظة على الإطلاق حتى اكتشفت، مثل الأشعة تحت الحمراء (infrared)، والأشعة فوق البنفسجية (ultraviolet)، والأشعة السينية (X-ray) والنشاط الإشعاعي الذري (atomic radiation)، وغيرها مما يصعب حصره. وجود معطيات مختلفة قد يتسبب في الوصول إلى استنتاجات مختلفة، وبما أننا لا نعرف إلا المعطيات المتاحة لنا في الوقت الحالي، فإننا لا يمكن أن نخرج باستنتاجات إلا في حدود هذه المعطيات، ولا يمكن أن ننكر أي شيء لا يتناقض بشكل واضح مع الملاحظات الحالية، أي أننا يمكن أن نرفض كل ما يناقض الملاحظات ولا يمكن أن نرفض أي شيء لا يناقضها. لو كان شخص في القرن الثامن عشر قد قال للعلماء حينئذ أن الزمان والمكان يتغيران وأن سرعة الضوء ثابتة لكان سينتهي به الأمر إلى مصحة للأمراض العقلية، على الرغم من أنه ينبئهم بمستقبلهم!

الملاحظات العلمية التجريبية في حد ذاتها لا تنبئنا بالمستقبل، ولا تكشف لنا حجب الماضي، وهي مفيدة في حدود التجارب التي سجلت فيها فقط.

الخلط يأتي من أن مد الخط على استقامته لا يبدو خطأ في كل الأحوال! الأبحاث العلمية الطبية تدرس تأثير دواء معين على مجموعة من المرضى، فإذا استجابوا للعلاج فإن الباحثين يفترضون أن كل المرضى المماثلين سيستجيبون له، وفي معظم الأحوال يحدث هذا بالفعل. فهل هذا لا يعد مداً للخط على استقامته؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف نعرف إن كان مد الخط على استقامته صحيحاً أم خاطئاً؟ الواقع أن هذا لا يعد مداً للخط على استقامته. هذه الطريقة في البحث تفترض أن المرضى المماثلين سيستجيبون للعلاج بالمثل، أي أن النتائج المستخلصة من التجربة يستفاد منها في حدود الملاحظات التجريبية، فلا يستخدم الباحثون العلاج الجديد بعد إجراء البحث في معالجة مجموعة مختلفة من المرضى أو مرض مختلف عن مرض البحث إلا بعد إجراء أبحاث أخرى لدراسة تأثير العلاج في هذه الحالات. ممارسة الطب في هذا الزمن تحولت إلى ما يعرف بالطب القائم على الدليل (evidence-based medicine) وهو ممارسة ما يوجد دليل عليه، وعدم ’ارتجال‘ الممارسة الطبية إن جاز التعبير.

النظريات العلمية

النظرية (theory) في العلم هي فكرة متكاملة تحاول تفسير جانباً من الظواهر والملاحظات التجريبية بشكل نظامي، بحيث يمكن إجراء تجارب طبقاً للمنهج العلمي على هذه المنظومة لبحث إذا ما كانت صالحة أم غير صالحة، وتختلف النظرية العلمية عن الفرضية (hypothesis) في أن الفرضية لا تعدو كونها فكرة ممكنة لم يقم عليها الدليل بعد، أو فكرة ممكنة لا يمكن التأكد منها بالتجريب طبقاً للمنهج العلمي. شتان الفارق ما بين هذا وذاك، ومن الأسباب الرئيسية للفهم الخاطئ أن العامة لا يفرقون بين الكلمتين، فيستخدمون الاثنين بمعنى ’نظرية‘، وهذا خطأ فادح.

من أهم أسباب الخلط أيضاً وجود نظرية حول موضوع ما، وفرضية أو أكثر حول نفس الموضوع، فيلتبس الأمر على الناس بشأن أي هذه قُتِل بحثاً وأيها أمر لم يبحث بعد أو غير قابل للبحث من الأساس، وأبرز مثال على ذلك هو نظرية التطور (theory of evolution). مما لا شك فيه أن هناك أطنان من الأدلة على أن التطور كآلية بيولوجية يحدث باستمرار من حولنا، ويمكن تجريب هذا في تجارب تخضع للمنهج العلمي، وتطبيقات نظرية التطور متعددة ومفيدة، فليس أمامنا خيار إلا أن نقبل بهذه النظرية إلى أن يظهر لنا دليل (إن ظهر) على عدم صحتها، وفي هذه الحالة سيتعين على من يضع نظرية بديلة أن يفسر لنا كل هذه الأطنان من الأدلة، تماماً كما فعل آينشتاين مع نظريته التي فسرت كيف أن قوانين نيوتن لم يظهر ضدها دليل واحد على مدار حوالي قرنين من الزمان. خلاصة الأمر أن رفض نظرية التطور أو ادعاء أن العلماء ينكرونها هو أمر لا ينم إلا عن جهل أو تعامي عن واقع واضح.

لكن هناك بعض الأفكار المتعلقة بالتطور والتي تعد مداً للخط على استقامته، وهو غير مقبول في العلم، وهي أفكار لا يمكن التأكد منها تجريبياً بشكل يخضع للمنهج العلمي، وبالتالي فلا يمكن اعتبارها ترقى إلى مستوى النظريات أبداً، وكل من يدعي عكس ذلك هو مخادع أو جاهل. من أمثلة هذه الافتراضات الأفكار المتعلقة بكيفية نشأة الحياة على الأرض مثلاً، أو كيفية نشوء أنواع الكائنات الحية الموجودة الآن من أنواع سابقة. كل ما يسمى في هذا المجال دليلاً على صحة هذه الافتراضات لا يمكن تصنيفه أبداً تحت بند الدليل العلمي التجريبي، وإنما هو في أحسن الأحوال محاولة جاهدة لفهم أمر حدث من وقت طويل لا ندري عنه شيئاً، وفي أسوأ الأحوال هو محاولة مستميتة لإنكار وجود خالق حتى وإن كان ذلك على حساب الأمانة والنزاهة العلمية، وبما أنني لا أستطيع الحكم على نوايا البشر، فإنني سأفترض أنها محاولة جاهدة للفهم، وقد تخطئ أو تصيب، ولكن اعتبارها نظرية علمية هو من قبيل التدليس أو الجهل.

قوانين الحركة لنيوتن نظريات علمية. النظرية النسبية نظرية علمية. ميكانيكا الكم نظرية علمية. نظرية التطور في حدود تفسير ملاحظاتنا الحالية نظرية علمية. وهناك الكثير مما يطلق عليه نظريات وهو ليس كذلك.

من أسباب الخلط أيضاً التشابه اللفظي بين النظرية العلمية والنظرية الرياضية (theorem)، وهو تشابه في اللغة الإنجليزية وتطابق لفظي في اللغة العربية، وهناك فارق كبير بين الاثنين. النظرية الرياضية هي فكرة مستنتجة عن طريق المنطق الاستنباطي (deductive reasoning)، مبنية على مسلمات (axioms) وتعريفات (definitions) وأنماط (patterns) أساسية، أو على نظريات سابقة تم إثباتها، وبالتالي فإن النظرية الرياضية تعد من الحقائق المطلقة، بينما النظرية العلمية ليست كذلك، وقد كتبت تدوينة سابقة بخصوص أسس الرياضيات. في النظرية الرياضية نبدأ بالمعطيات وتقودنا تلك إلى الاستنتاج، بينما تصاغ النظرية العلمية لتوافق المعطيات، ولا تنتج مباشرة من المعطيات، ويمكن أن تكون هناك أكثر من نظرية لتفسير نفس المعطيات، بينما في الرياضيات تقودنا المعطيات الواحدة إلى نفس النتائج الواحدة دائماً. ينخدع البعض فيخلط بين النظرية الرياضية والنظرية العلمية فيعتبر الثانية حقيقة مطلقة مثل الأولى، وهي ليست كذلك. من أسباب الخلط أيضاً استخدام تعبير أن شيئاً ما تم إثباته علمياً (scientifically proven) وهو تعبير خاطئ يشبه التعبير الرياضي المستخدم في إثبات النظريات الرياضية، فيظن الناس أن قوة الإثبات العلمي مكافأة لقوة الإثبات الرياضي، وهي أبعد ما يكون عن ذلك، وقد كتبت أيضاً تدوينة سابقة عن الفرق بين البرهان (proof) الذي نقابله في العلوم الرياضية، وبين الدليل (evidence) الذي نقابله في العلوم الطبيعية، والأصح أن نقول أن شيئاً ما تم التدليل عليه علمياً (there's scientific evidence that...) وليس أنه تم إثباته علمياً، فلا شيء يمكن إثباته علمياً، إذ أن العلم يستخدم المنطق الاستقرائي (inductive reasoning) وهو عاجز تماماً عن إثبات أي شيء بشكل قاطع، وقد كتب الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم (David Hume) باستفاضة بخصوص هذا الموضوع فيما يعرف باسم مشكلة الاستقراء (problem of induction).

المنهج العلمي

هذا الأمر له من الأهمية ما يستحق مقالاً خاصاً به، وأيضاً لأن الكلام عنه يطول، ولذلك فإني آمل أن اكتب بخصوصه مقالاً في المستقبل القريب. يكفي هنا أن أذكر أن المنهج العلمي له شروط صارمة لا تستوفى في العديد من الأحوال مما يطلق عليه علماً، وهو في رأيي ما سيؤدي إلى كارثة مستقبلية في المعرفة البشرية إن استمر الحال هكذا. من أهم الشخصيات التي كان لها دور كبير في تشكيل رأيي في هذا الشأن هو الدكتور روبرت شيلدريك (Rupert Sheldrake) الذي كتبت عن أحد كتبه التي أنصح بقراءتها تدوينة سابقة.

فما هو العلم إذاً؟

العلم هو منهج بحثي يخضع لشروط صارمة نسميها المنهج العلمي، وهذه الشروط تضمن أن تكون المعرفة مبنية على التجريب لتعكس الواقع، وتحاول أن تكون نتائج التجارب غير منحازة إلى أقصى حد ممكن، وأن تكون الاستنتاجات المأخوذة من هذه التجارب مبنية على القياس الرقمي والتحليل الإحصائي وليس على الآراء الشخصية.

العلم ليس هو التليفزيون الذي تشاهده أو الحاسب أو الهاتف الذكي الذي تقرأ عليه هذه الكلمات، ولا العلم هو الدواء الذي أخذته وقت أن مرضت فتسبب في شفائك أو مساعدتك على الشفاء، ولا العلم هو السيارة أو الطائرة التي تنقلك من مكان لآخر في زمن لم يكن أحد يحلم به من مئتي عام، ولا العلم هو الغرور الذي ينضح من بعض من يسمون أنفسهم علماء اليوم عاكساً ثقتهم العمياء في أشياء يستحيل التيقن منها، وتكبرهم المقيت على من يخالفهم في الرأي. ليس أي من هذه الأشياء علماً، بل هي نواتج العلم، سواء كانت محمودة أم مذمومة، فالقنابل النووية نتاج العلم أيضاً، وكذلك الأسلحة الحديثة بكافة أشكالها، والقرصنة الإكترونية من نواتجه كذلك، ولو فكرت بتأني ستجد أن هناك نواتج للعلم تتمنى لو لم تكن موجودة.

العلم أسلوب فكر. العلم اتضاع. العلم بحث مستمر. ليس في العلم ثوابت، وكل شيء قابل للنقد وإعادة التفكير. العلم يستلزم القياس، لكنه أكبر من كل ما يقاس، وليس محصوراً على كل ما يمكن أن نراه الآن. العلم يستلزم التجريب، لكنه أكبر من حدود التجربة، والمعرفة العلمية تتسع باتساع حدود التجارب ولا تقف عند حد معين. العلم ليس شخصاً ولا شيئاً، بل هو طريق يسعى فيه البعض بعقل منفتح بينما يظنه بعض الجالسين على أبوابه خلاصاً من الجهل وهم غارقون فيه، ويستخدمه البعض للحصول على السطوة والجاه والارتفاع إلى مرتبة الآلهة. فأي الأشخاص أنت؟


نسب المصنفات

  1. التغير في شكل زنبرك معدني تحت تأثير قوة. بواسطة Svjo مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  2. رسم توضيحي لقانون هوك. بواسطة Svjo مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...