بحث هذه المدونة الإلكترونية

الضرب والقسمة

هذه التدوينة هي من سلسلة تدور حول الرياضيات. هذا الرابط يحتوي على قائمة بالتدوينات المتعلقة بهذا الموضوع.


المقال السابق: الجمع والطرح


الضرب والقسمة ما هما إلا وسيلتان للتعبير عن نمط معين من الجمع أو الطرح الذين تحدثنا عنهما في المقال السابق، واستخدام مفهوم الضرب والقسمة يؤدي إلى التعبير عن الأنماط المتكررة من الجمع والطرح بشكل مختصر، وهذا الشكل نبحث هنا خصائصه.

فلنفرض أننا نريد أن نجمع عدداً ما على نفسه ونستمر في هذه العملية لعدد معين من المرات، مثلاً أن نقول:

\[ \overbrace{5+5+5+ \dotsb +5}^{100 \text{ times}}=500 \]

هل في هذه الحالة سنستمر في كتابة \(5+5+5+\dotsb\) مئة مرة؟ أليست هناك طريقة أسهل من ذلك للتعبير عن هذا النمط المتكرر؟ هذه الطريقة في الرياضيات هي عملية الضرب، واصطلح على التعبير عنها بالرمز \((\times)\)، فبدلاً من أن نكتب \(5+5+5+\dotsb\) مئة مرة نكتب \(5\times 100=500\) لنعني أننا نجمع العدد 5 على نفسه 100 مرة.

\[ \begin{equation} \label{eq:multiplication} \large{\color{blue}{x \times n = \overbrace{x+x+ \dotsb +x}^{n \text{ times}}}} \end{equation} \]

يمكن أيضاً تصور أن الضرب هو جمع عدد معين من مجموعات من أشياء ما تحتوي كلها على نفس العدد من هذه الأشياء، فمثلاً أن نجمع عدد 20 سلة كل منها تحتوي على 7 تفاحات فإننا نضرب العدد 7 في العدد 20 وإجمالي التفاحات الموجودة في كل السلال يكون هو حاصل ضرب 7 في 20، وهذه غالباً هي الطريقة التي نستخدمها لتعليم الصغار مفهوم الجمع.

ضرب أي عدد في الصفر ينتج عنه صفر، وذلك لأننا يمكن أن نعتبر أن ضرب الصفر في عدد \(x\) هو جمع الصفر على نفسه \(x\) من المرات، والناتج سيكون صفراً لأن الصفر هو العامل المحايد الجمعي، أو يمكن أن نعتبر أن ضرب \(x\) في صفر هو جمع \(x\) على نفسه صفراً من المرات، أي أنه مجموع خالٍ، وقيمة المجموع الخالي هي الصفر أيضاً كما أوضحنا في المقال السابق.

\[ \begin{equation} \label{eq:multiplicationbyzero} \large{\color{blue}{x \times 0 = 0 \times x = 0}} \end{equation} \]

وحاصل ضرب أي عدد \(x\) في 1 هو نفس العدد \(x\)، لأننا يمكن أن نعتبر أنه 1 مجموعاً على نفسه \(x\) من المرات، أي أننا نعد من 1 إلى \(x\)، وبالتالي يكون الناتج \(x\)، أو أنه \(x\) مجموعاً مرة واحدة، وبما أن لا شيء يجمع عليه فإن الناتج أيضاً يكون \(x\). العدد 1 إذاً هو ’العامل المحايد الضربي‘ (multiplicative identity).

\[ x \times 1 = \overbrace{x}^{1 \text{ time}} \\ 1 \times x = \overbrace{1+1+1+ \dotsb +1}^{x \text{ times}} \] \[ \begin{equation} \label{eq:multiplicationbyone} \large{\color{blue}{x \times 1 = 1 \times x = x}} \end{equation} \]

أما القسمة فهي المفهوم العكسي للجمع، فبدلاً من أن يكون عندنا 20 سلة بكل منها 7 تفاحات فيكون الإجمالي \(7\times 20=140\) فإننا نبدأ بإجمالي 140 تفاحة ويكون السؤال: كم عدد التفاحات التي يمكن وضعها في كل سلة من السلال العشرين بحيث تحتوي كل منها على نفس العدد من التفاحات؟

الطريقة التي نتبعها لنعرف الإجابة هي وضع تفاحة واحدة في كل سلة حتى يكون في جميعها تفاحة واحدة، ثم نضع تفاحة ثانية في كل واحدة حتى يكون في جميعها تفاحتان، وهكذا حتى تنتهي ثمار التفاح، ثم نعد ثمار التفاح الموجودة في كل سلة منها فيكون هذا هو خارج القسمة (quotient of division). نلاحظ هنا اننا نستخدم العد والأنماط فقط لمعرفة خارج قسمة عدد على آخر. نلاحظ أيضاً أن القسمة عبارة عن طرح متكرر، فنحن نطرح من العدد المراد قسمته عدداً مساوياً لعدد ’السلال‘، ثم نكرر هذا الطرح. ونستخدم الرمز \((\div)\) للتعبير عن عملية القسمة، وقد نكتب المقسوم أولاً ثم شرطة مائلة ثم المقسوم عليه هكذا \(x/y\)، أو قد نكتب المقسوم وتحته شرطة أفقية وتحتها المقسوم عليه هكذا \(\frac{x}{y}\)، وكلها متعارف عليها في الرياضيات الحديثة للتعبير عن القسمة.

ولكن هناك الحالة التي لا يمكن فيها وضع عدد متساوٍ من ثمار التفاح في كل سلة، فمثلاً إذا بدأنا بعدد 73 تفاحة وعدد 20 سلة، فإن كل سلة سيوضع فيها عدد متساوٍ من التفاحات حتى يكون في كل منها 3 تفاحات، أما المتبقي وهو 13 تفاحة فلا يكفي لكي يكون بكل سلة عدد متساوٍ من التفاحات. في مثل هذه الحالة نقول أن للقسمة باقٍ. باقي القسمة (remainder of division) هو ما يبقى في نهاية عملية القسمة بحيث لا يكفي لأن يوزع على ’السلال‘ ليكون في كل منها عدد متساوٍ من ’التفاحات‘، فإذا لم يتبق شيء في النهاية (أي كان الباقي صفراً) فإننا نقول إن العدد الأول قبل القسمة على الثاني، فنقول مثلاً أن 140 يقبل القسمة على 20، بينما إذا لم يكن الباقي صفراً نقول إن العدد الأول لا يقبل القسمة على الثاني، فنقول إن 73 لا يقبل القسمة على 20.

ولأنه من الوارد جداً ألا يقبل عدد ما القسمة على آخر، فإن باقي القسمة جزء لا يتجزأ من تعريف عملية القسمة، فنقول إن خارج قسمة \(x\) على \(y\) هو \(q\) مع باقي \(r\) تعني أن \(y\) مضروباً في \(q\) ثم مضافاً إليه \(r\) يساوي \(x\)

\[ \begin{equation} \label{eq:division} \large{\color{blue}{\frac{x}{y}=q \text{ with remainder } r \iff x=q \times y + r}} \end{equation} \]

وما سبق هو تعريف الحالة العامة للقسمة، والحالة الخاصة أن يكون \(r=0\) فنقول إن \(x\) يقبل القسمة على \(y\).

وعند الكلام عن الجمع والطرح لم توجد مشكلة كبيرة في ترتيب حساب أي تعبير رياضي، وخاصة بعد أن عرفنا أن الطرح يمكن اعتباره جمع المعكوس الجمعي، وعليه يمكن أن نحول الجمع والطرح إلى عملية الجمع فقط، أما في التعبير السابق \(\eqref{eq:division}\) فإن هناك عمليتان هما الضرب والجمع، فأي منهما نحسبه أولاً؟ بمعنى: هل في التعبير \(x=q \times y + r\) نحسب الجمع أولاً ثم نستخدم الناتج في حساب الضرب أم نحسب الضرب أولاً ثم نستخدم الناتج في حساب الجمع؟ هل نقيم ما سبق على إنه \(x=q \times (y + r)\) أم على أنه \(x=(q \times y) + r\)؟ لتجنب الخطأ الناتج عن الالتباس، ولأن الرياضيات تهتم بأن يكون لكل شيء معنى واحد محدد، فإن العرف في الرياضيات أن الضرب والقسمة لهما أولوية على الجمع والطرح، وربما ذلك ناتج من أن الضرب مبني على الجمع في الأساس، فهو أعلى منه في التعقيد، وكما سنرى لاحقاً فإن الأس له أولوية على الضرب والقسمة. ولكي يكون هناك مجال لتخطي ذلك الترتيب المتعارف عليه إذا تطلب الأمر، فإن الأقواس لها أعلى أولوية ممكنة، وكل ما يوجد داخل قوسين يتم حسابه أولاً، ويتم حساب ما في داخل الأقواس من الداخل إلى الخارج. أولوية تقييم العمليات الرياضية تسمى ’أولوية المعاملات‘ (operator precedence) وهي كالآتي:

  1. الأقواس، ويتم حساب ما داخل الأقواس من الداخل إلى الخارج، فمثلاً \(3 \times (2 + ({\color{red}(5-2)} \times 1))=3 \times (2+{\color{red}(3 \times 1)})=3 \times {\color{red}(2+3)}= 3 \times 5 =15\)
  2. الرفع إلى أس (سيأتي ذكره في مقال تالٍ)
  3. الضرب والقسمة، ولهما نفس الأولوية، ويتم حساب هذه العمليات بترتيب كتابتها
  4. الجمع والطرح، ولهما نفس الأولوية، ويتم حساب هذه العمليات بترتيب كتابتها

ولذلك لا نحتاج إلى كتابة أقواس في التعبير \(x=q \times y + r\) لأنه من المتعارف عليه أن الضرب له أولوية على الجمع.

والقسمة على الصفر غير معرفة في الرياضيات، لأنها ليست ذات معنى. تخيل بناء على المثال السابق أنني طلبت منك أن تقسم عدداً من التفاحات على كل طيور العنقاء الموجودة حالياً، ولكنك تعرف أنه لا توجد طيور عنقاء (على الأقل حالياً)، بمعنى آخر أن طيور العنقاء عددها صفر. كيف يمكنك في هذه الحالة أن تقسم التفاحات عليها؟ كيف يمكن أن تقسم شيء على لا شيء؟ يجب أن يوجد طائر عنقاء واحد على الأقل لكي يكون للتقسيم معنى. في حال تقسيم التفاحات على سلال، فإننا أخذنا تفاحة من الموجود ووضعنا واحدة في كل سلة حتى صارت السلال كلها بها تفاحة واحدة ثم كررنا العملية. في حالة العنقاوات غير الموجودة، كيف يمكنك أن تأخذ تفاحة وتعطيها لعنقاء غير موجودة من الأساس؟!

القسمة تشترط في تعريفها ألا يكون المقسوم عليه صفراً.

\[ \begin{equation} \label{eq:divisionhalfway} \large{{\color{blue}\frac{x}{y}=q \text{ with remainder } r \iff x=q \times y + r\\ y \ne 0}} \end{equation} \]

ولأن الضرب هو جمع في الأساس، فإن عملية الضرب تبادلية (commutative) لا تتأثر بتغيير مكان الحدود، والشكل الآتي يوضح كيف أن حاصل ضرب \(6 \times 4\) لا يتغير إذا اعتبرنا العملية \(6 \times 4\) أم \(4 \times 6\)، فإذا نظرنا إلى الشكل على أننا نضرب 6 مجموعات يتميز كل منها برقم معين (من 1 إلى 6 في هذه الحالة) وتحتوي كلها على نفس العدد من الألوان (أحمر وأزرق وأخضر وأصفر) في عدد الألوان في كل مجموعة سنصل إلى نفس النتيجة التي سنصل إليها إذا نظرنا إلى الشكل على أننا نضرب 4 مجموعات من الألوان بكل منها نفس العدد من الأرقام. في الحالتين ستكون النتيجة 24، ويمكن بسهولة تعميم ذلك على أي رقمين مضروبين في بعضهما.

وبصورة رياضية فإن

\[ \begin{array}{l,l} x \times n & = \overbrace{x+x+ \dotsb +x}^{n \text{ times}} \\ ~ & = \overbrace{\overbrace{\color{red}{1}+\color{purple}{1}+ \dotsb +\color{blue}{1}}^{x \text{ times}}+\overbrace{\color{red}{1}+\color{purple}{1}+ \dotsb +\color{blue}{1}}^{x \text{ times}}+ \dotsb +\overbrace{\color{red}{1}+\color{purple}{1}+ \dotsb +\color{blue}{1}}^{x \text{ times}}}^{n \text{ times}} \\ ~ & \overbrace{\overbrace{\color{red}{1}+\color{red}{1}+ \dotsb +\color{red}{1}}^{n \text{ times}}+\overbrace{\color{purple}{1}+\color{purple}{1}+ \dotsb +\color{purple}{1}}^{n \text{ times}}+ \dotsb +\overbrace{\color{blue}{1}+\color{blue}{1}+ \dotsb +\color{blue}{1}}^{n \text{ times}}}^{x \text{ times}} \\ ~ & = \overbrace{n+n+ \dotsb +n}^{x \text{ times}} \\ ~ & = n \times x \end{array} \] \[ \begin{equation} \label{eq:commutation} \large{\color{blue}{x \times n = n \times x}} \end{equation} \]

أما القسمة فليست تبادلية، والأمثلة على ذلك سهلة ولا داعي لذكرها. وإذا أردنا تعميم مفهوم الضرب على الأعداد السالبة فإننا يمكن أن نستخدم مفهوم العد في الاتجاه الصاعد أو الهابط كما هو مذكور في المقال السابق، ففي حالة أن يكون \(x\) و\(n\) عددين موجبين فإن \(-x \times n\) تعني أننا نضيف \(-x\) إلى نفسها عدداً من المرات قدره \(n\)

\[ \begin{array}{l,l} -x \times n & = \overbrace{(-x)+(-x)+ \dotsb +(-x)}^{n \text{ times}} \\ ~ & = \overbrace{-x-x- \dotsb -x}^{n \text{ times}} \\ ~ & = -(\overbrace{x+x+ \dotsb +x}^{n \text{ times}}) \\ ~ & = -(x \times n) \quad \text{from } \eqref{eq:multiplication} \end{array} \]

ولأن الضرب عملية تبادلية فإن ما سبق يعني أن \(-(x \times n) = -(n \times x)\)، ولكن مما سبق نجد أيضاً أن \(-n \times x = -(n \times x)\)، وبناء علي فإن:

\[ \begin{equation} \label{eq:negmultiple} \large{\color{blue}{-x \times n = x \times -n = -(x \times n)}} \end{equation} \]

فماذا إذا كان الرقمان المضروبان سالبين؟ سنستخدم ما وصلنا إليه إلى الآن من حقائق رياضية لتفحص هذه الحالة.

\[ \begin{array}{l,l} -x \times -n & = -(x \times -n) \quad \text{from } \eqref{eq:negmultiple} \\ ~ & = -(-(x \times n)) \quad \text{from } \eqref{eq:negmultiple} \\ ~ & = x \times n \end{array} \]

والخطوة الأخيرة ذكرناها في المقال السابق. وعليه فإن ضرب عددين سالبين في بعضهما البعض ينتج عنه عدد موجب، أما ضرب عددين مختلفين في الإشارة في بعضهما البعض ينتج عنه عدد سالب، وبالتالي فإن ضرب عدد زوجي من الأعداد السالبة في بعضها البعض ينتج عنه عدد موجب، لأن كل عددين سالبين منهما ينتج عنهما عدد موجب، وضرب عدد فردي من الأعداد السالبة في بعضها البعض ينتج عنه عدد سالب، وهذا يشبه تماماً ما قلناه بخصوص الإشارات السالبة في الجمع في المقال السابق.

\[ \begin{equation} \label{eq:doublenegmultiple} \large{\color{blue}{-x \times -y = x \times y}} \end{equation} \]

ولأن القسمة معرفة بناء على الضرب فإن قسمة عدد سالب على عدد سالب آخر ينتج عنه عدد موجب، وقسمة عددين مختلفين في الإشارة ينتج عنه عدد سالب.

\[ \begin{array}{l,c,l} \text{For all } x, y, a \in \mathbb{N} \\[2ex] -x \div y=-q & \iff & -x= -q \times y \\[2ex] x \div -y=-q & \iff & x= -q \times -y \\[2ex] -x \div -y=q & \iff & -x = q \times -y \end{array} \]

نلاحظ في المعادلات السابقة أن الرمز \((-)\) لا يعني الطرح، وإنما يعني اتجاه العد، أي أن العدد سالب، لأنه يعني الطرح فقط في حالة وجود حد قبله وحد بعده، أما هنا فقبله لا شيء أو علامة الضرب أو القسمة. نلاحظ أيضاً أن \(-x \div -y=q\) وأن \(x \div y=q\) ومنها أن \(-x \div -y = x \div y\)

نلاحظ أيضاً أننا استخدمنا رمزاً جديداً هو \((\in)\) وينطق ”ينتمي إلى“ ومعناه في المثال السابق أن كل من الأعداد \(x\) و\(y\) و\(a\) تنتمي إلى مجموعة الأعداد الطبيعية \(\mathbb{N}\)، أي أنها عناصر في هذه المجموعة وينطبق عليها تعريف الأعداد الطبيعية الذي هو—كما ذكرنا سابقاً—أنها أعداد صحيحة موجبة. عكس هذا الرمز هو \((\notin)\) وينطق ”لا ينتمي إلى“ فإذا قلنا \(0 \notin \mathbb{N}\) فذلك معناه أن الصفر لا ينتمي إلى مجموعة الأعداد الطبيعية، أي أنه ليس عنصراً فيها ولا ينطبق عليه تعريفها، فالصفر ليس موجباً ولا سالباً. سنستخدم هذين الرمزين من الآن فصاعداً لتوضيح بعض الشروط اللازمة لبعض المعادلات.

ومع اعتبار الأعداد السالبة تطرأ مشكلة جديدة: عند قسمة 57 على \(-6\) مثلاً، هل يكون خارج القسمة \(-9\) مع باقٍ قيمته 3 أم يكون خارج القسمة \(-10\) مع باقٍ قيمته \(-3\)؟ بمعنى آخر، هل نعتبر أن \(57=-6\times -9+3\) أم نعتبر أن \(57=-10 \times -6 -3\)؟ أم أن كلاً من الحلين مقبول؟ وإذا قبلنا الحلين، فهل من المقبول أن نقول إن \(57=-8 \times -6 + 9\) هو أيضاً حل مقبول؟

تذكر أن في الرياضيات من غير المقبول أن يكون هناك أكثر من معنى للشيء الواحد، وعلى الرغم من أن كل المعادلات السابقة مضبوطة إلا أن حل خارج القسمة طبقاً للعرف الرياضي هو الحل الأول فقط. للخروج من مشكلة وجود حلول لا حصر لها أضيف إلى تعريف القسمة السابق أن باقي القسمة لا بد أن يكون عدداً موجباً أصغر من القيمة المطلقة (القيمة بدون الإشارة) للمقسوم عليه، وفي الحالة الثانية فإن باقي القسمة عدد سالب، وفي الحالة الثالثة فإن باقي القسمة أكبر من القيمة المطلقة للمقسوم عليه لأن \(9>6\). هذه الطريقة في القسمة تسمى طريقة ’أصغر باقٍ موجب‘ (least positive remainder)، وهي المتعارف عليها في القسمة ما لم يوضح استخدام طريقة أخرى (وهناك طرق أخرى).

\[ \begin{equation} \label{eq:divisionfull} \large{\color{blue}{\frac{x}{y}=q \text{ with remainder } r \iff x=q \times y + r\\ y \neq 0; \: 0 \le r \lt \rvert y\rvert}} \end{equation} \]

في المعادلة السابقة (وهي التعريف الكامل للقسمة الإقليدية نسبة إلى إقليدس (Euclid) الرمز \(\lvert y \rvert \) يعني ’القيمة المطلقة‘ (absolute value) للعدد \(y\)، والقيمة المطلقة نهمل فيها الإشارة إذا كانت سالبة، فإذا كان \(y=-5\) فإن القيمة المطلقة له \(\lvert y \rvert = 5\).

يمكن تذكر القاعدة السابقة للقسمة لو تخيلنا أن العدد السالب هو من ’الديون‘ التي يجب سدادها بالكامل، ولذلك إذا قسمنا الديون على المدينين فلا يجب أن يتبقي شيء من الديون على الإطلاق. الباقي يجب أن يكون موجباً (ليس ديناً).

وعملية الضرب عند مزجها مع الجمع والطرح يظهر لها خاصية جديدة هي ’خاصية التوزيع‘ (distribution)، ومعناها أن العدد \(x\) إذا ضرب في مجموع عددين \(a\) و\(b\) فإن حاصل الضرب يساوي مجموع \(x\) مضروباً في \(a\) و\(x\) مضروباً في \(b\)، والعكس صحيح، أي أن مجموع حاصل ضرب \(x\) في \(a\) وحاصل ضرب \(x\) في \(b\) هو حاصل ضرب \(x\) في مجموع \(a\) و\(b\).

\[ \begin{equation} \label{eq:distribution} \large{\color{blue}{x \times (a+b) = x \times a + x \times b}} \end{equation} \]

وفيما يلي إثبات لكيفية التوصل إلى هذه الخاصية باستخدام ما أثبتناه حتى الآن.

\[ \begin{aligned} x \times (a+b) &=\overbrace{(a+b)+(a+b)+ \dotsb + (a+b)}^{x \text{ times}} \\ &=\overbrace{a+b+a+b+\dotsb +a+b}^{x \text{ times}} \\ &=\overbrace{a+a+ \dotsb +a}^{x \text{ times}} + \overbrace{b+b+ \dotsb +b}^{x \text{ times}} \\ &=x \times a + x \times b \end{aligned} \]

وهذه الخاصية تنطبق على أكثر من حد مجموعين على بعضهم البعض (أو مطروحين باعتبار أن الطرح هو جمع المعكوس الجمعي)، وذلك لأننا يمكن أن نستخدم خاصية التجميع لعملية الجمع لنقسم ما بداخل الأقواس إلى جزئين، ثم نطبق خاصية توزيع الضرب على الجمع على هذين الجزئين، ثم نفعل ذلك مجدداً مع ما تبقى من حدود وهكذا.

\[ \begin{aligned} x \times (a_1+a_2+a_3+ \dotsb +a_n) &= x \times [a_1+(a_2+a_3+ \dotsb + a_n)] \\ &=x \times a_1 + x \times (a_2+a_3+ \dotsb + a_n) \\ &=x \times a_1 + x \times [a_2+ (a_3+a_4+ \dotsb + a_n)] \\ &=x \times a_1 + x \times a_2 + x \times (a_3+a_4+ \dotsb + a_n) \\ \vdots \\ &=x \times a_1 + x \times a_2 + x \times a_3 + \dotsb + x \times a_n \end{aligned} \] \[ \begin{equation} \label{eq:distributionextended} \large{\color{blue}{x \times (a_1 \pm a_2 \pm \dotsb \pm a_n) = x \times a_1 \pm x \times a_2 \pm \dotsb \pm x \times a_n}} \end{equation} \]

ورمز \((\pm)\) في الرياضيات هو مزيج بين \((+)\) و \((-)\)، ويعني أن القيمة قد تكون موجبة أو سالبة على حد سواء، وعادة ما ينطق ’زائد أو ناقص‘ وهناك رمز آخر هو \((\mp)\) ويستخدم في المعادلات التي نريد فيها أن نوضح أن الإشارة الدالة على الاتجاه تنعكس، وينطق عادة ’ناقص أو زائد‘، فعلى سبيل المثال:

\[ -x \times (a \pm b) = -x \times a \mp x \times b \]

وكما أن الجمع له خاصية التجميع (associativity) كذلك الضرب، فإذا كان هناك عدد من الحدود مضروبة كلها في بعضها البعض، فإن ترتيب تقييم علميات الضرب لا يؤثر على النتيجة:

\[ \begin{aligned} x \times y \times z &=\overbrace{x \times y + x \times y + \dotsb + x \times y}^{z \text{ times}} \\ &=x \times \left( \overbrace{y+y+ \dotsb +y}^{z \text{ times}} \right) \quad \text{from } \eqref{eq:distributionextended}\\ &= x \times (y \times z) \quad \text{from } \eqref{eq:multiplication} \\ x \times y \times z &=x \times z \times y \quad \text{from } \eqref{eq:commutation} \\ &=\overbrace{x \times z + x \times z + \dotsb + x \times z}^{y \text{ times}} \quad \text{from } \eqref{eq:distributionextended}\\ &=z \times \left( \overbrace{x+x+ \dotsb +x}^{y \text{ times}} \right) \quad \text{from } \eqref{eq:multiplication} \\ &= z \times (x \times y) \quad \text{from } \eqref{eq:commutation} \\ &= (x \times y) \times z \end{aligned} \] \[ \begin{equation} \label{eq:association} \large{\color{blue}{x \times y \times z = (x \times y) \times z = x \times (y \times z)}} \end{equation} \]

أما القسمة ففي حال اعتبارها عملية حسابية قائمة بذاتها فإنها ليست تجميعية (كما هو الحال مع الطرح) لكننا سنعود للتعبير عن القسمة كعملية ضرب في مقال لاحق.

\[ x \div y \div z \neq x \div (y \div z) \]

لكن لأن الضرب والقسمة عمليات مركبة وليست بسيطة كالجمع والطرح، فإن الكلام عنها يطول، وربما أفرد مقالاً لاحقاً للأساليب التي تسهل عمليات الضرب والقسمة إلى حد ما. إلى الآن، ما تكلمنا عنه بخصوص الضرب والقسمة يتلخص في الآتي:

  • الضرب هو عملية جمع متكرر بنمط معين والقسمة هي عملية طرح متكرر بنمط معين.
  • ضرب أي رقم في الصفر ينتج عنه الصفر، ضرب أي رقم في الواحد الصحيح ينتج عنه نفس هذا الرقم. الواحد الصحيح هو العامل المحايد الضربي.
  • القسمة على الصفر غير معرفة في الرياضيات لأنها ليست ذات معنى.
  • إذا أمكن تقسيم عدد على آخر بدون باقٍ نقول أنه يقبل القسمة عليه. باقي القسمة في العرف الرياضي هو أصغر باقٍ موجب يقل عن القيمة المطلقة للمقسوم عليه.
  • ضرب أو قسمة عددين مختلفين في الإشارة ينتج عنه عدد سالب، وضرب أو قسمة عددين متفقين في الإشارة ينتج عنه عدد موجب.
  • الضرب تبادلي ولا يؤثر على ناتجه تبديل الحدود، بينما القسمة ليست كذلك.
  • الضرب تجميعي ولا يؤثر على ناتجه ترتيب حساب عمليات الضرب، بينما القسمة ليست كذلك.
  • الضرب يتوزع على الجمع والطرح، بمعنى أن حاصل ضرب العدد \(x\) في مجموع العددين \(y\) و\(z\) هو مجموع حاصل ضرب العدد \(x\) في \(y\) وحاصل ضرب العدد \(x\) في \(z\)، والعكس صحيح.
  • أولوية المعاملات الرياضية هي كالآتي: الأقواس أولاً (من الداخل إلى الخارج) ثم الرفع إلى أس (سيأتي الحديث عنه لاحقاً) ثم الجمع والقسمة (بترتيب كتابتهما) ثم الجمع والطرح (بترتيب كتابتهما).

وللحديث بقية...


نسب المصنفات


المقال التالي: القسمة والكسور


الجمع والطرح

هذه التدوينة هي من سلسلة تدور حول الرياضيات. هذا الرابط يحتوي على قائمة بالتدوينات المتعلقة بهذا الموضوع.


المقال السابق: أسس الرياضيات


ناقشت في مقال سابق الأسس التي بني عليها علم الرياضيات، وأناقش في هذا المقال كمثال على ما ذكرته سابقاً كيف أن الجمع والطرح هما عدّ في الأساس.

الجمع ما هو إلا عدّ في الاتجاه الصاعد، والطرح عدّ في الاتجاه الهابط، وهذا بالضبط ما نعلمه للأطفال عندما نعلمهم الجمع والطرح، فنعلمهم العدّ أولاً، ثم نعلمهم الجمع لأنه في نفس اتجاه العد، ثم بعد أن يتعلموا الجمع نعلمهم الطرح لأنه في الاتجاه المعاكس لاتجاه الجمع، ولتفادي تشويش التفكير عند الأطفال نستخدم أشياء مادية تسهل لهم فكرة العد، مثل المكعبات أو اللعب أو ثمار الفاكهة، ولتعليمهم الجمع نجعلهم يعدون مجموعة ما من الأشياء، ولتكن مكعبات مثلاً، ومجموعة أخرى من المكعبات المماثلة، ثم نعلمهم أن الجمع هو أن نضيف هذه على تلك ونعد الكل معاً، وعندما يكبرون قليلاً يمكن أن نعلمهم أن يقوموا بعملية الجمع مستخدمين أصابع يديهم عن طريق عدّ العدد الأول المراد إضافته ثم الاستمرار في عدّ العدد الثاني من بعده، وهذا هو بالضبط الجمع.

الجمع هو استمرار للعد. إذا اردنا جمع عدد \(x\) وعدد آخر y فإننا نعد حتى x ثم نستمر في العد من بعدها \(y\) من المرات، فيكون المجموع هو ما وصلنا إليه من عد كل من \(x\) و\(y\) على التوالي. وإذا اردنا جمع \(z\) عليهما فإننا نستمر في العد من بعد \(x+y\) لعدد \(z\) من المرات، فيكون ما وصلنا إليه من عد هو مجموع \(x+y+z\). الجمع ما هو إلا عد في الاتجاه الصاعد.

أما الطرح فهو العد في الاتجاه المعاكس، ولكي نتجنب تشويش فكر الطفل فإننا نستخدم أشياء مادية لتعليم الطرح مثل تعليم الجمع، غير أننا نجعل الطفل يعد مجموعة ما من المكعبات (مثلاً) ثم يأخذ منها عدداً ما من المكعبات، فيكون الناتج هو عدد ما تبقى من المكعبات. يمكن في سن أكبر أن نعلمهم أن يقوموا بعملية الطرح باستخدام أصابع أيديهم، فلكي يطرحوا رقماً \(y\) من رقم آخر \(x\) فإنهم يعدون على أصابعهم حتى \(x\) ثم يعدون هبوطاً (عن طريق ضم الأصابع مثلاً) العدد \(y\) فيكون المتبقي هو القيمة \(x-y\).

وإذا فهمنا الطرح بهذه الطريقة فإننا نفهم لماذا أن \(x-(-y)=x+y\) لأننا في هذه الحالة نفهم علامة السالب (الطرح) على أنها تغيير في اتجاه العد، وعلى ذلك فإن \(-y\) تعني أن نعد \(y\) في الاتجاه الهابط، بينما \(-(-y)\) تعني أننا نعكس الاتجاه الهابط ونعود مرة أخرى إلى العد في الاتجاه الصاعد. ولأن هناك اتجاهين فقط لا ثالث لهما (الصاعد والهابط) فإن كل علامتين متتاليتين من السالب يلاشيان تأثير بعضهما البعض، ولهذا فإن \(x-(-(-(-y)))=x+y\). إدراك هذا المفهوم يجعلنا قادرين على أن نستخدم العد كمفهوم أساسي في الرياضيات لنعرف كم من علامات السالب المتوالية يوجد في المقدار الرياضي، فإذا كان عددها فردياً كان تأثيرها كلها كعلامة سالب واحدة، وإذا كان عددها زوجياً لم يكن لها تأثير على الإطلاق.

\[ \begin{equation} \large{\color{blue}{x=-(-x)}} \label{eq:inverse} \end{equation} \]

مفهوم الصفر كعدد مستقل هو مفهوم حديث نسبياً في علم الرياضيات مقارنة بالأرقام ونشأتها، لكنه موجود منذ مئات السنين. الصفر في الرياضيات هو رقم يعبر عن اللاشيء على الإطلاق، أو عن انعدام الوجود. إذا قلنا أن فلاناً معه صفر من الأقلام فإننا نعني أنه لا توجد معه أقلام على الإطلاق. ويجب ألا نخلط مفهوم الصفر مع مقولة مثل ”وجود فلان كعدمه“ فنفهم أن فلاناً موجود (ليس صفراً) وغير موجود (صفر) في ذات الوقت، وإنما تعني مقولة مثل هذه أن فائدة فلان صفر، أي أنه عديم الفائدة، وما قد يزيد من احتمال اللبس أننا قد نستخدم مقولة مثل السابقة لنعني أن فائدة فلان قليلة تقترب من الصفر، أما الصفر الرياضي فهو يعني انعدام الوجود تماماً، وأي شيء له وجود مهما كان صغيراً ليس صفراً. كلما زادت المفهاهيم الرياضية في التعقيد كلما صارت اللغة البشرية الطبيعية أقل قدرة على التعبير عنها بدقة، ولهذا نشأت مع الزمن لغة خاصة بالرياضيات.

نعود إلى العد...

حتى ابتكار الصفر في الرياضيات لم يكن من الممكن العد إلى أقل من الواحد الصحيح، لأن الأعداد في أصل مفهومها كما ذكرت في مقالي السابق أن يكون الشيء موجوداً، ولأننا لا يمكن أن نعد ما هو ليس بموجود في الطبيعة من حولنا، فإن الأعداد الصحيحة من 1 فما فوق سميت في الرياضيات ’مجموعة الأعداد الطبيعية‘ (natural numbers) ويرمز لها بالرمز \(\mathbb{N}\). أما بعد ظهور مفهوم الصفر كرقم مستقل، وبناء على مفهوم ’الديون‘ التي عرفها الإنسان منذ فجر التاريخ، فإن مفهوم الأرقام السالبة كان طبيعياً أن يظهر، والأرقام السالبة ما هي إلا عد في الاتجاه الهابط يتخطى الصفر ويستمر في هذا الاتجاه. ولهذا السبب فإننا نقول إن \(-3-7=-10\) لأن ما سبق يعني أن نعد إلى 3 في الاتجاه الهابط أسفل الصفر، ثم نعد إلى 7 من بعدها في نفس الاتجاه، فنكون قد وصلنا إلى 10 أسفل الصفر. أرى أن تعليم الأطفال الأرقام السالبة على أنها استكمال للعد في الاتجاه الهابط أسهل من تعليمهم أن العددين إذا اختلفت إشارتاهما نطرحهما من بعضهما البعض وتكون إشارة الناتج هي إشارة ما قيمته المطلقة أكبر، وإذا اتفقت إشارتاهما فإننا نجمعهما وتكون إشارة الناتج نفس الإشارة. تخيل الجمع والطرح، حتى مع الأعداد السالبة، كعد في الاتجاه الصاعد أو الهابط أسهل ذهنياً من استذكار قاعدة للجمع والطرح.

الأعداد الصحيحة في الرياضيات، سواء كانت موجبة أم سالبة أم الصفر، تسمى ’مجموعة الأعداد الصحيحة‘ (integers) ويرمز لها بالرمز \(\mathbb{Z}\)، كما يرمز للأعداد الصحيحة الموجبة (التي هي الأعداد الطبيعية) أحياناً بالرمز \(\mathbb{Z}^+\) وإلى الأعداد الصحيحة السالبة بالرمز \(\mathbb{Z}^-\)، وإذا أردنا إضافة الصفر إلى أي من هاتين المجموعتين يمكن أن نعبر عنها بالرمز \(\mathbb{Z}^+_0\) للأعداد الصحيحة الموجبة بالإضافة إلى الصفر، أو الرمز \(\mathbb{Z}^-_0\) للأعداد الصحيحة السالبة بالإضافة إلى الصفر.

وبناء على هذا المفهوم أيضاً نفهم لماذا أن الجمع عملية تبادلية وليس الطرح. خاصية التبادل (commutation) في الرياضيات يعني أننا يمكن في عملية رياضية معينة أن نبدل الحد الأول مكان الثاني ويبقى الناتج دون تغيير. الجمع هو استمرار للعد في نفس الاتجاه الصاعد، ولهذا لا يهم إذا وضعت هذا العدد قبل ذاك، ففي النهاية سيكون المجموع واحداً لأن الأعداد تعبر عن أشياء موجودة، أما في حالة الطرح، فإن اتجاه العد يختلف، وبالتالي فإن الناتج ’قد‘ يختلف بناء على اتجاه الخطوات المعدودة أولاً. إذا قمنا بالعد \(x\) صعوداً ثم \(y\) هبوطاً وكانت \(x\) أكبر من \(y\) فإننا سننتهي في الاتجاه الصاعد، أما إذا قمنا بالعد \(x\) هبوطاً أولاً ثم \(y\) صعوداً فإننا سننتهي في الاتجاه الهابط.

\[ \begin{equation} \large{\color{blue}{x+y=y+x}} \label{eq:commutative} \end{equation} \] \[ \large{\color{blue}{x-y \neq y-x}} \]

ولأن هناك اتجاهين فقط للعد فإننا نفهم لماذا أن \(x-y=-(y-x)\) إذ أن اتجاهي العد هما مثل الشيء وصورته في المرآة، ونتيجة العد في اتجاهين تعتمد في النهاية على عدد الخطوات المعدودة في كل اتجاه وعلى ترتيب اتجاه العد (صاعداً أولاً أم هابطاً أولاً) وليس هناك عوامل أخرى يمكن أن تحكمها، ولهذا فإن \(x-y\) تنتهي عند نقطة ما لها صورة \(y-x\) في المرآة تقابلها على الناحية الأخرى، وسطح المرآة في حالة العد هو الصفر، ولكي نقول أن هناك نقطة ما تقابلها في الجهة الأخرى (صورة المرآة) فإننا نستخدم الإشارة السالبة لكل المقدار \(y-x\) ونقول \(-(y-x)\). ولهذا علمونا في المدرسة أننا إذا أخذنا الإشارة السالبة خارج الأقواس فإن كل إشارات الجمع والطرح داخل الأقواس تنعكس. ترتيب خطوات العد صعوداً أو هبوطاً هو ’النمط‘ الذي نستخدمه للوصول إلى النتيجة النهائية، وإذا عكسنا هذا النمط فإننا ننتهي بنتيجة مماثلة لكن في الاتجاه المعاكس. ولأن الصفر هو سطح المرآة، فإنه لا يحمل علامة سالبة أو موجبة.

\[ \begin{equation} \large{\color{blue}{x-y=-(y-x)}} \label{eq:signreversal} \end{equation} \]

وفي وقت ما من تاريخ الرياضيات لم يكون هناك رمز متفق عليه للجمع أو الطرح، وكانت الرياضيات تكتب باللغة البشرية الطبيعية، ولكن تطور العلم حتم أن تكون هناك لغة خاصة بالرياضيات لا تقبل التأويل إلا على وجه واحد فقط، وأن تكون مختصرة لتسهيل الكتابة، وهكذا ظهرت تدريجياً اللغة الرياضية الحالية التي نستخدمها، واصطلح على الاتفاق على معنى الرموز، ونستخدم الآن الرمز \((+)\) للدلالة على العد في الاتجاه الصاعد والرمز \((-)\) للدلالة على العد في الاتجاه الهابط. وبدلاً من أن نكتب \(x+(-y)\) أو \(x+-y\) للدلالة على عد \(x\) في الاتجاه الصاعد و\(y\) في الاتجاه الهابط، فقد اصطلح على استبدال كل الإشارات المؤدية إلى تغير اتجاه العد إلى الهابط بإشارة واحدة فقط هي \((-)\)، ولهذا نكتب \(x-y\) بدلاً من \(x+(-y)\) وإن كان لها نفس المعنى. وفي حالة إهمال الإشارة تماماً (ولا يمكن إهمالها إذا كان ذلك يؤدي إلى خلط في الفهم) فإننا نعتبر أنها في الاتجاه الصاعد \((+)\)، وبالتالي فإن \(x+y\) هي في الأصل \(+x+y\).

\[ \begin{equation} \large{\color{blue}{x-y=x+(-y)}} \label{eq:diffassum} \end{equation} \]

وعند إدراكنا لهذا المفهوم نعرف لماذا أن الطرح عملية غير تبادلية، وذلك لأننا نفهم الطرح على أنها عملية مستقلة بذاتها، بينما في واقع الأمر هي جمع (وهو بالتالي عدّ) في الاتجاه الهابط، فإذا حافظنا على الإشارة الدالة على الاتجاه لصيقة بما بعدها فإننا يمكن أن نبدل الحدود مكان بعضها البعض بدون أدنى مشكلة، أي أن \(x-y\) هي في الأصل \(x+(-y)\) وبالتالي فإننا يمكن أن نبدل الحدول فنقول \(x-y = -y+x\)، ونلاحظ اننا حافظنا على الإشارة السالبة لصيقة بالحد \(y\) والإشارة الموجبة لصيقة بالحد \(x\)، وبينما كان من الممكن إهمال الإشارة الموجبة في قولنا \(x-y\) لا يمكن اهمالها في قولنا \(-y+x\). أما إذا فهمنا الطرح على أنه عملية مستقلة بذاتها فإننا نرتكب خطأ لو قلنا أن \(x-y\) هي نفسها \(y-x\)، لأننا في هذه الحالة استبدلنا \(+x-y\) بالقيمة \(+y-x\).

\[ \begin{equation} \large{\color{blue}{x-y=-y+x}} \label{eq:commutativesigned} \end{equation} \]

وعملية الجمع يقال عنها أيضاً في الرياضيات أنها تجميعية، و’خاصية التجميع‘ (associativity) في الرياضيات معناها أننا في حالة وجود أكثر من حدين بينهما نفس العملية الرياضية يمكن أن نجري العملية الرياضية بين أي حدين منهما أولاً (بترتيب كتابتهم) ونستخدم الناتج بدلاً من هذين الحدين مع ما تبقى من حدود، فمثلاً \(x+y+z\) تعني أننا نجمع الحدود الثلاثة \(x\) و\(y\) و\(z\)، فإذا قمنا بجمع \(x\) مع \(y\) أولاً وجمعنا الناتج على \(z\) فإننا نكون قد قمنا بالعملية الحسابية \((x+y)+z\)، أما إذا قمنا بجمع \(y\) مع \(z\) أولاً ثم جمعنا الناتج على \(x\) فإننا نكون قد قمنا بالعملية الحسابية \(x+(y+z)\)، وفي جميع الحالات فإن الناتج لا يتغير. هذا أيضاً راجع إلى أن الجمع عد في اتجاه واحد هو الصاعد، ولذلك فالنتيجة النهائية تعتمد فقط على العدد الإجمالي للخطوات المعدودة في هذا الاتجاه.

\[ \begin{equation} \large{\color{blue}{x+y+z = (x+y)+z = x+(y+z)}} \label{eq:associative} \end{equation} \]

وعملية الطرح ليست تجميعية إذا اعتبرناها عملية قائمة بذاتها، أما إذا اعتبرناها جمعاً وحافظنا على الإشارات الدالة على الاتجاه لصيقة بالحدود كما وضحنا سابقاً، فإنها يمكن أن تكون تجميعية.

\[ \large{\color{blue}{x-y-x \neq x-(y-z)}} \] \[ \left.\color{blue} \begin{array}{l,l} x-y-z & = x+(-y)+(-z) \quad \color{black}{\text{from } \eqref{eq:diffassum}} \\ ~ & = x+[(-y)+(-z)] \quad \color{black}{\text{from } \eqref{eq:associative}} \\ ~ & = x+(-y-z) \quad \color{black}{\text{from } \eqref{eq:diffassum}} \\ ~ & = x-(y+z) \quad \color{black}{\text{from } \eqref{eq:signreversal}} \\ ~ & = [x+(-y)]+(-z) \quad \color{black}{\text{from } \eqref{eq:diffassum}} \\ ~ & = (x-y)-z \end{array} \right\rbrace \]

لاحظ في المعادلات السابقة كيف اننا استخدمنا حقيقة توصلنا إليها من قبل في المعادلات \(\eqref{eq:signreversal}\) و\(\eqref{eq:diffassum}\) و\(\eqref{eq:associative}\) لإثبات حقيقة أخرى. هذا بالضبط كيف تطور علم الرياضيات. لاحظ أيضاً أننا عندما اضطررنا لاستخدام مجموعتين من الأقواس بجوار بعضهما البعض استخدمنا شكلاً مختلفاً من الأقواس لتسهيل قراءة القيمة الرياضية. الغرض من لغة الرياضيات أن تكون مقروءة بسهولة ولا تسبب لبساً في الفهم من أي نوع، وعلى الرغم من أن استخدام نفس الشكل من الأقواس ليس خطأ في الرياضيات إلا أنه غير مستحب . في الرياضيات يمكن أن نستخدم الأقواس \((\:)\) أو \([\:]\) أو \(\{\:\}\)، وعادة ما نستخدمها بهذا الترتيب، فنبدأ بالقوسين \((\:)\)، ثم إذا احتجنا إلى أقواس أخرى مجاورة نستخدم القوسين \([\:]\) ثم في النهاية نستخدم القوسين \(\{\:\}\) عند الحاجة، إلا أن هذا الترتيب ليس شرطاً على الإطلاق. يجب أيضاً أن أذكر في هذا السياق أن الأقواس يمكن أن يكون لها معنى خاص في بعض السياقات الرياضية، فمثلاً في الفترات الرياضية نستخدم \((\:)\) أو \([\:]\) فقط، وفي نظرية المجموعات نستخدم \(\{\:\}\) فقط.

وباستخدام جميع ما سبق يمكننا أن نبسط قيمة رياضية كما في المثال الآتي:

\[ 4x+y-3x-7-2y \\ = 4x{\color{red}-3x+y}-7-2y \quad \text{from \eqref{eq:commutative}} \\ = 4x-3x+y{\color{red}-2y-7} \quad \text{from \eqref{eq:commutative}} \\ = {\color{red}(}4x-3x{\color{red})}+{\color{red}(}y-2y{\color{red})}-7 \quad \text{from \eqref{eq:associative}} \\ = x+(-y)-7 = x{\color{red}-y}-7 \quad \text{from \eqref{eq:diffassum}} \]

وبتطبيق كل ما سبق نعرف كيف أننا تعلمنا أننا لو طلب منا القيام بعمليات عديدة من الجمع والطرح المتوالية فإنه من الأسهل علينا أن نجمع كل القيم الموجبة (المعدودة في الاتجاه الصاعد) ونجمع كل القيم السالبة (المجموعة في الاتجاه الهابط) ثم نطرح هذا من ذاك ويكون الناتج له علامة الأكبر في القيمة المطلقة. ذلك ممكن لأننا نعد القيم السالبة كلها مع بعضها في نفس اتجاهها الصحيح ونعد القيم الموجبة كلها مع بعضها في نفس اتجاهها الصحيح، أي اننا نتعامل مع الطرح كأنه جمع مع الحفاظ على الإشارة لصيقة بالحد التالي لها.

\[ \text{for } x_m, y_n \ge 0; \quad m, n \in \mathbb{N}\\ \color{blue}{x_1}+\color{blue}{x_2}-\color{green}{y_1}+\color{blue}{x_3}-\color{green}{y_2}+ \dotsb +\color{blue}{x_m}-\color{green}{y_3}- \dotsb -\color{green}{y_n} \\ = \color{blue}{x_1}+\color{blue}{x_2}+(\color{green}{-y_1})+\color{blue}{x_3}+(\color{green}{-y_2})+ \dotsb +\color{blue}{x_m}+(\color{green}{-y_3})+ \dotsb +(\color{green}{-y_n}) \\ = \color{blue}{x_1}+\color{blue}{x_2}+\color{blue}{x_3}+ \dotsb +\color{blue}{x_m} +(\color{green}{-y_1})+(\color{green}{-y_2})+(\color{green}{-y_3})+ \dotsb +(\color{green}{-y_n}) \\ = (\color{blue}{x_1}+\color{blue}{x_2}+\color{blue}{x_3}+ \dotsb +\color{blue}{x_m}) -(\color{green}{y_1}+\color{green}{y_2}+\color{green}{y_3}+ \dotsb +\color{green}{y_n}) \]

أما الصفر فإن جمعه على أي قيمة أو طرحه من أي قيمة لا يؤثر على الناتج، ويمكن أن نعتبر الصفر على أننا لا نعدّ شيئاً على الإطلاق، فقط نتوقف في النقطة التي وصلنا إليها في العد. الصفر لذلك في عملية الجمع يطلق عليه ’العامل المحايد الجمعي‘ (additive identity)، ولن تجد هناك عاملاً محايداً طرحياً لأن الطرح يمكن تحويله إلى جمع كما ذكرنا سابقاً.

وكل ما يضاف على قيمة ما لينتج العامل المحايد الجمعي (الصفر) يطلق عليه ’المعكوس الجمعي‘ (additive inverse)، ولأن الجمع هو عدّ في اتجاه من اثنين، فإن المعكوس الجمعي هو بالضرورة نفس القيمة مع تغيير إشارتها إلى العكس، فالمعكوس الجمعي للقيمة \(x\) هو \(-x\) والمعكوس الجمعي للقيمة \(-x\) هو \(x\)، وكل قيمة لها معكوس جمعي واحد فقط لا غير، وهذه العلاقة تسري في الاتجاهين، وهذا هو بالضبط ما تعبر عنه المعادلة \(\eqref{eq:inverse}\) أعلاه، فكل من \(x\) و\(-x\) معكوس جمعي للآخر.

الطرح إذاً هو جمع المعكوس الجمعي! هذا هو ما تعبر عنه المعادلة \(\eqref{eq:diffassum}\) أعلاه، إذ أن القيمة \(-y\) هي المعكوس الجمعي للقيمة \(y\).

فماذا لو كان هناك مجموع فارغ، أي أننا نجمع لا شيء على الإطلاق؟ بما أننا نجمع لا شيء، فمن البديهي أن هذا المجموع لن يؤثر على أي قيمة في عمليات الجمع، وبالتالي فإنه يساوي العامل المحايد الجمعي، أي أن ’المجموع الفارغ‘ (empty sum) يساوي الصفر. والمجموع الفارغ مختلف كفكرة رياضية عن مجموع الصفرين الذي هو أيضاً يساوي الصفر، لكن المجموع الفارغ معناه عملية جمع خالية من الحدود تماماً، والصفر عدد في حد ذاته، ولذلك فإن مجموع الصفرين ليس مجموعاً خالياً، حتى وإن كان يساوي المجموع الخالي في القيمة.

كل عمليات الجمع والطرح تتلخص في الآتي إذاً:

  • الجمع والطرح ما هما إلا عدّ في الاتجاه الصاعد أو الهابط على الترتيب.
  • الصفر هو العامل المحايد الجمعي الذي لا يؤثر على ناتج عملية الجمع أو عملية الطرح.
  • المعكوس الجمعي للقيمة \(x\) هو القيمة التي تجمع على \(x\) فينتج العامل المحايد الجمعي. لكل عدد معكوس جمعي واحد فقط، وهذه العلاقة تسري في الاتجاهين.
  • الطرح ما هو إلا جمع المعكوس الجمعي، ويمكن دائماً التعامل مع الطرح على هذا الأساس.
  • الجمع عملية تبادلية لا يؤثر فيها تبديل الحدود.
  • الجمع عملية تجميعية لا يؤثر فيها ترتيب حساب قيمة الحدود في حالة وجود أكثر من حدين في التعبير الرياضي.
  • المجموع الخالي هو عملية جمع خالية من الحدود تماماً، وقيمته تساوي العامل المحايد الجمعي (الصفر).

ونلاحظ من الشرح السابق في هذا المقال أننا لم نستخدم ما يزيد عما ذكر في المقال السابق عن أسس الرياضيات، ولكننا فيما بعد سنستخدم الحقائق التي وصلنا إليها في هذا المقال للوصول إلى المزيد من الحقائق الرياضية فقط باستخدام أسس الرياضيات.


نسب المصنفات


المقال التالي: الضرب والقسمة


أسس الرياضيات

هذه التدوينة هي من سلسلة تدور حول الرياضيات. هذا الرابط يحتوي على قائمة بالتدوينات المتعلقة بهذا الموضوع.

الرياضيات كعلم واسع ومعقد (كما يبدو للبعض) مبني في مجمله على مجموعة بسيطة جداً من المبادئ والأفكار:

  • العدّ (counting): وهو إدراك أن الشيء الواحد الصحيح يعبر في وجوده عن خاصية مشتركة بين كل الأشياء، وهي خاصية أنه موجود وواحد وصحيح! وكل شيء واحد صحيح من نفس النوع له هذه الخاصية، فهو موجود وواحد وصحيح. ووجود أكثر من واحد من نفس نوع هذا الشيء الواحد الصحيح هو ما نشأ عنه مفهوم العد للتعبير عن كمية هذه الأشياء الواحدة الصحيحة، فبدلاً من أن نقول هناك شجرة واحدة صحيحة وشجرة واحدة صحيحة وشجرة واحدة صحيحة نقول أن هناك 3 شجرات! منذ عصور ما قبل التاريخ المدون والإنسان يستخدم العد (كما رأينا فيما وصلنا من آثار، وقد ناقشت هذا في مقال سابق)، غير أن وسيلة العد البدائية كانت كما ذكرت سابقاً: واحد وواحد وواحد بدلاً من ثلاثة! وتطورت نظم العد والأرقام مع الزمن لتسهيل العد وتسهيل التعامل مع الأعداد. والعد مفهوم مجرد عن الماديات، ويمكن تطبيقه على أي شيء لأنه لا يتعلق بأي خصائص أخرى غير كون الشيء موجوداً وواحداً وصحيحاً، فيمكن أن نعد الثمار أو البذور أو قطرات المطر أو حبات الرمال أو عدد المشاركين في حدث ما أو حتى عدد الكلمات التي قالها شخص ما أو عدد الأفكار الجديدة الناتجة عن مجموعة بحثية، فالعد ينطبق على المادي والمجرد على حد سواء.
  • المسلّمات (axioms): وهي حقائق مؤكدة بدون إثبات لأن نفيها أو نقيضها مستحيل، وعلى عكس الشائع فإن المسلمات عددها محدود جداً لدرجة أن هناك صفحة على موسوعة الإنترنت ويكيبيديا تسرد حصرياً كل المسلمات الموجودة في علم الرياضيات. الاستخدام الشائع لكلمة ’مسلمات‘ يعنى به في الكثير من الأحيان ’البديهيات‘، وهو مفهوم مختلف عن المسلمات، فالبديهيات هي كل ما تدركه بالبداهة لأنك ’تظن‘ أنه صحيح أو لأنه يتكرر بصورة دائما (على قدر علمك) وبنمط معين ثابت (على قدر علمك أيضاً) بحيث تظن أن خلافه مستحيل، ولكنك لا يمكنك أن تنفي خلافه أو نقيضه، وهذا هو الفرق الرئيسي بين المسلمات والبديهيات. من البديهيات مثلاً أن الشمس تشرق في كل صباح، وهذا هو ما رأيناه جميعنا ورآه آباؤنا وأجدادنا في كل مكان على الأرض على حد علمنا، ولكن لا يمكننا أن ننفي بشكل قاطع أن الشمس في يوم ما في المستقبل لن تشرق في الصباح! على الرغم من أن هذا يبدو ’غير بديهي‘ لمعظم القارئين، غير أن تفكيراً عميقاً قصيراً يرينا أن تأكدنا من هذه الحقيقة ’البديهية‘ يرجع إلى أحداث مادية تكررت بنمط معين ثابت (على قدر علمنا) ولكننا لا يمكن أن نجزم بشكل قاطع أن هذا هو ما سيحدث في كل يوم المستقبل إلى ما لا نهاية!
    أما المسلمات في الرياضيات فمختلفة عن ذلك. كمثال على المسلمة الرياضية أن نقول أن الشيئين أكبر عدداً من الشيء الواحد، وخلاف ذلك (أو نقيض ذلك) مستحيل، لأن الشيئين لو كانا مساويين للشيء الواحد فكيف يكون الشيئان عبارة عن شيء واحد وشيء واحد آخر؟! لأنه في هذه الحالة فإن الشيء الواحد الآخر سيكون غير موجود (ولذلك فإن الشيء الأول يساوي الشيء الواحد في العدد) أو يكون الشيئان أقل من الواحد الصحيح (فيكملان بعضهما إلى الواحد الصحيح)، ولكن وجود شيئين يتطلب أن يوجد شيء واحد صحيح وشيء واحد آخر صحيح، ولذلك لا يمكن أن يكون الشيئان مساويين للشيء الواحد. وكذلك يستحيل أن يكون الشيئان أقل عدداً من الشيء الواحد لأن ذلك يعني أن الشيئين معاً لا يكونان واحداً صحيحاً، وهو ما يتناقض مع كون الشيئين واحداً صحيحاً واحداً آخر صحيحاً! أمثال هذه هي المسلمات في الرياضيات. يمكننا القول بثقة مطلقة أن المسلمات صحيحة 100% لأن خلافها مستحيل.
  • التعريفات (definitions): وهي مجموعة الخصائص التي يتفق على اشتراط وجودها في شيء لكي يصنف ضمن مجموعة، وهي مرتبطة بالأنماط كما سنناقشها لاحقاً. التعريفات ليست حقائق مطلقة، ولكنها أشياء متفق عليها، وما يليها من استنتاج منطقي يتبع فرضية صحة هذه التعريفات ويخضع للحدود التي ترسمها هذه التعريفات. التعريفات تختلف عن المسلمات في أن نقيضها غير مستحيل، وخلافها غير مستحيل، ولهذا فمن الممكن أن تتغير التعريفات من مكان لآخر ومن زمان لآخر. على سبيل المثال، وبعيداً عن الرياضيات، فإن تعريف ثمرة الطماطم مثلاً في ذهن الكثيرين أنها ثمرة حمراء لها شكل شبه كروي ولها طعم ورائحة معينين وبها بذور صفراء صغيرة. كل ما ينطبق عليه هذه الصفات يمكن تصنيفه على أنه من ثمرات الطماطم. في الرياضيات مثلاً، الخط المستقيم له تعريفات تختلف على حسب النظام الهندسي الذي يدرسه، فمن أحد تعريفاته مثلاً أنه أقصر مسافة بين نقطتين (في الهندسة التفاضلية)، ومن أحد تعريفاته الأخرى أنه مجموعة النقط التي تمثل حلولاً لمعادلة من الدرجة الأولى في عدد محدود من المتغيرات (في الهندسة التحليلية)، وهكذا. في كل من هذه النظم، التعريف مهم جداً لكي يمكن الخروج باستنتاجات، وهذه الاستنتاجات تنحصر في حدود التعريف المشتقة منه. شكل الأرقام مثلاً هو نوع من التعريف، ويختلف من لغة إلى لغة، ففي العربية مثلاً نستخدم الأرقام الهندية وهي ١ و٢ و٣ و٤ إلخ… وفي اللغات اللاتينية نستخدم الأرقام العربية (مفارقة غريبة) وهي ,1 و2 و3 و4 إلخ…، وفي الصينية لهم أرقام خاصة بهم هي و و و إلخ… وفي الهندية لهم أرقام أخرى هي و و و إلخ… وهكذا، ولكنها كلها تعني نفس التعريف. كذلك استخدام القيمة المكانية في كتابة الأرقام، وقد ناقشت هذا في مقال سابق. اختلاف التعريفات ينتج عنه اختلافاً شديداً في الفهم وما يمكن استنتاجه منها، وربما أن المقال السابق ذكره فيه ما يكفي عن استخدام البابليين للنظام الستيني مثلاً عوضاً عن النظام العشري، وبناء عليه فإن معنى الأرقام بالنسبة لهم مختلف تماماً عما تعنيه لنا أرقامنا المتعارف عليها الآن.
  • الأنماط (patterns): النمط هو تكرار أشياء معينة بنفس الترتيب في المكان أو الزمان، أو وجود خصائص معينة تتكرر في مجموعة من الأشياء. الأنماط تعني دائماً التكرار والثبات، أو ثبات التكرار. كل ما يتكرر بشكل ثابت يشكل نمطاً ما، ونعرّف النمط بذكر القاعدة التي تحدد التكرار بشكل متفرد، فمثلاً مجموعة الأعداد ١، ٣، ٥، ٧ إلخ… هي مجموعة الأعداد التي تبدأ بالعدد ١ وتستمر بإسقاط العدد التالي وأخذ ما بعده، أو ما نطلق عليها تعريفاً الأعداد الطبيعية الفردية، ومجموعة النقاط في المستوى التي تبعد مسافة واحدة ثابتة عن نقطة معينة في نفس المستوى هي النقاط التي تشكل نمطاً نسميه الدائرة، ومجموعة الأعداد ١، ١، ٢، ٣، ٥، ٨ إلخ… هي مجموعة الأعداد التي تبدأ بالعدد ١ مرتين ثم كل عدد تال فيها هو مجموعة العددين السابقين له، وهو ما نطلق عليه تعريفاً في الرياضيات متتالية فيبوناتشي. الأنماط هي كيان ما، نصفه بدقة عن طريق تعريفه. الأنماط وصف وليست بالضرورة مرتبطة بالعدّ، وليست حقائق دحضها مستحيل كالمسلمات، ولا الأنماط هي التعريفات، وإنما نعتمد على التعريفات لفهم الأنماط، فمثلاً نمط الأعداد الفردية موجود سواء أخبرنا عن تعريفه أم لم نخبر، وهناك عدد لا نهائي من الأنماط التي لا اسم لها والتي ربما لا نعرفها، وهي موجودة حتى في غياب تعريف لها.
  • المنطق الاستنباطي (deductive reasoning): وهو نوع من المنطق يحتم صحة استنتاجاته في حالة صحة مقدماته، وأقصد بكلمة ’يحتم‘ أن خلاف ذلك مستحيل بشكل مطلق، وكل الإثباتات الرياضية تنبع مما سبق وتستخدم المنطق الاستنباطي للوصول إلى المزيد حقائق، ثم تستخدم هذه الحقائق معاً بالمنطق الاستنباطي للوصول إلى المزيد من الحقائق الأكثر تعقيداً وهكذا. المشكلة هنا تكمن في عدم الالتفات إلى أهمية التعريفات. ناقشنا سابقاً أن التعريفات مهمة في الرياضيات لأنها ترسم الحدود للاستنتاجات المشتقة منها، ويوضح ذلك في الرياضيات نظرية المجموعات المبسطة (naive set theory) التي وضعت تعريفاً غير كامل لما يمكن أن يطلق عليه مجموعة، وذلك نتج عنه بعض المفارقات من أشهرها مفارقة راسل (Russel's paradox) المنسوبة إلى عالم الرياضيات والفيلسوف برتراند راسل (Bertrand Russel)، ولكن تم تلافيها فيما بعد في النظريات الأحدث. نظرية المجموعات المبسطة لا زالت صحيحة في معظم الحالات، إلا في تلك المفارقات، وهذه هي حدود نظرية المجموعات المبسطة، فهي ليست خاطئة على الإطلاق، ولكنها ليست صحيحة بشكل مطلق في جميع الأحوال.
    وفي حالة إهمال التعريفات فإن المنطق الاستنباطي يؤدي إلى نتائج خاطئة، فمثلاً من أشهر الأخطاء في الرياضيات إهمال أن القسمة على الصفر غير معرفة رياضياً (ليس لها معنى ولا يمكن استخدامها)، وبالتالي يمكن إذا أهملنا غياب تعريف القسمة على الصفر أن نثبت ما هو خطأ بشكل مطلق. على سبيل المثال (الخطوات الخاطئة والنتيجة الخاطئة باللون الأحمر):
    \[ \begin{equation} \label{eq:error} a=b \end{equation} \] \[ \begin{array}{l} \text{Multiplying by } a^2 \\ a^3 = a^2b \\ \text{Subtracting } b^3 \\ a^3 - b^3 = a^2b - b^3 \\ \text{Factoring and }\color{red}{\text{dividing by } (a-b)}\\ \cancel{\color{red}{(a-b)}}(a^2+ab+b^2) = b(a^2 - b^2) = b\cancel{\color{red}{(a-b)}}(a+b) \\ a^2+ab+b^2 = b(a+b) \\ \text{Substituting from } \eqref{eq:error} \\ a^2+a \times a+a^2 = a(a+a) \\ a^2+a^2+a^2 = 2a^2 \\ 3a^2 = 2a^2 \\ \color{red}{3 = 2} \end{array} \]

وهكذا تكون علم الرياضيات وتطور على مر الزمان لكي يكون هذا الكيان الذي يرعب الكثيرين التفكير فيه والذي يؤرق مضاجع الطلبة، ولكنه في واقع الأمر بناء مكون من وحدات ذات عدد محدود وصغير، وبفضل تراكم المعرفة البشرية على مر العصور صار هذا البناء برجاً ضخماً يبعث الرهبة في النفوس. تأمل علم الرياضيات من هذا المنطلق وحاول أن تتعلمه منه وأن تعلم الآخرين منه أيضاً، وستجد أن الرياضيات ليست مخيفة ولا مستحيلة، لكنها بسيطة في جوهرها وجميلة في تجردها عن المادة.


نسب المصنفات


المقال التالي: الجمع والطرح


الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...