بحث هذه المدونة الإلكترونية

الإيضاح و التبيين في نقصان العقل والدين

هذا المقال إعادة كتابة لمقال سابق بعنوان «أختاه، افرحي. أنت ناقصة عقل ودين»، وذلك لأن النقاش في المقال الأول قد طال بما يجعل في تحديثه تعقيداً أكثر من إعادة كتابته ولأنني اكتشفت خطأ في الحساب أصححه في هذا المقال

هذا المقال هو أحد مجموعة من المقالات تختص بنقاش موضوعات إسلامية بشكل أو بآخر. ستجد في هذا الرابط قائمة بالمقالات المتاحة.

من أكثر ما أدهشني في الجدل الدائر حول صحة الأحاديث النبوية وأهمية البخاري وما إلى ذلك أن ينبري أحدهم لا للدفاع عن البخاري، ولا للدفاع عن حقوق المرأة ومساواتها بالرجل، ولا للتشكيك في البخاري ومحتواه، ولا حتى لتبرير حديث أن النساء ناقصات عقل ودين، ولكن لمحاولة إقناع النساء أن هذا الوصف مديح وليس ذمًا!! وفي هذا المقال أوضح ليس فقط أن هذا الحديث فيه ذم واحتقار للمرأة ولكن أيضاً أن اعتبار شهادةtestimony المرأة نصف شهادة الرجل تحت أي ظرف هو خطأ حسابي ومنطقي واضح لا يمكن أن يصدر عن إله.

ما ورد في كتب الحديث بخصوص هذا الأمر

في صحيح مسلم، كتاب الإيمان باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله ككفر النعمة والحقوق:

حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر المصري أخبرنا الليث عن بن الهاد عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار فقالت امرأة منهن جزلة ومالنا يا رسول الله أكثر أهل النار قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن قالت يا رسول الله وما نقصان العقل والدين قال أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل وتمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين وحدثنيه أبو الطاهر أخبرنا بن وهب عن بكر بن مضر عن بن الهاد بهذا الإسناد مثله.

وفي سنن ابن ماجة، كتاب الفتن، باب فتنة النساء:

حدثنا محمد بن رمح أنبأنا الليث بن سعد عن بن الهاد عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يا معشر النساء تصدقن وأكثرن من الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار فقالت امرأة منهن جزلة ومالنا يا رسول الله أكثر أهل النار قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن قالت يا رسول الله وما نقصان العقل والدين قال أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا من نقصان العقل وتمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان فهذا من نقصان الدين.

وفي سنن الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فوعظهم ثم قال يا معشر النساء تصدقن فإنكن أكثر أهل النار فقالت امرأة منهن ولم ذاك يا رسول الله قال لكثرة لعنكن يعني وكفركن العشير قال وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذوي الألباب وذوي الرأي منكن قالت امرأة منهن وما نقصان دينها وعقلها قال شهادة امرأتين منكن بشهادة رجل ونقصان دينكن الحيضة تمكث إحداكن الثلاث والأربع لا تصلي وفي الباب عن أبي سعيد وابن عمر قال أبو عيسى هذا حديث صحيح غريب حسن من هذا الوجه.

وفي صحيح البخاري فإننا وإن كنا لا نجد الحديث كاملاً متصلاً كما ذكر في الكتب الثلاثة السابقة نجده مقسماً في مواضع مختلفة تحمل نفس المعنى بلا نقصان إلا أن المرأة ناقصة عقل، حيث لم يذكر هذا نصًا في البخاري وإن ذكر أن شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل.

في صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب كفران العشير، وكفر بعد كفر

حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن)

وفي كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم

حدثنا سعيد بن أبي مريم قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: أخبرني زيد، هو ابن أسلم، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى، أو فطر، إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: (يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار)

وفي كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة:

حدثنا أبو الوليد: حدثنا سلم بن زرير: حدثنا أبو رجاء، عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)

وفي كتاب النكاح، باب كفران العشير وهو الزوج، وهو الخليط، من المعاشرة:

حدثنا عثمان بن الهيثم: حدثنا عوف، عن أبي رجاء، عن عمران، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (اطلعت على الجنة فكان أكثر أهلها الفقراء، أطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء) تابعه أيوب وسلم بن زرير

وفي كتاب الرقاق، باب فضل الفقر:

حدثنا أبو الوليد: حدثنا سلم بن زرير: حدثنا أبو رجاء، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اطَّلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطَّلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء) تابعه أيوب وعوف وقال صخر وحمَّاد بن نجيح، عن أبي رجاء، عن ابن عباس

وفي كتاب الصوم، باب الحائض تترك الصوم والصلاة:

حدثنا ابن أبي مريم: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثني زيد، عن عياض، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم، فذلك نقصان دينها)

وفي كتاب الشهادات باب شهادة النساء:

حدثنا ابن أبي مريم: أخبرنا محمد بن جعفر قال: أخبرني زيد، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل)

وهنا يلفت انتباهي عدد من النقاط الهامة في هذا الحديث:

  • لم يخاطب محمد فئة بعينها من النساء ولا جماعة بعينها، وإنما نراه يتحدث عن النساء بصفة عامة، وتذكر كتب الحديث حديثه هذا للاستدلال على قواعد عامة تنطبق على النساء ككل، وعليه فإن التبرير بأن الحديث لا يقصد عامة النساء يفتقر إلى الصواب في رأيي. وبخصوص أن محمداً لم يقل أن كل النساء ناقصات عقل ودين بالاستدلال بالحديث المذكور في صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون:
    حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ)

    فهذا في واقع الأمر يؤكد أنه قصد كل النساء، فقد استثنى من النساء ثلاثاً كاملات وهذا يعني أنه قصد أن الباقيات كلهن ناقصات، وفي المقابل قال إن كثيراً من الرجال كملوا.

  • ذكر في الحديث أن محمدًا عندما سئل علّل كون النساء أكثر أهل النار بأنهن يكفرن العشير (أي ينكرن إحسان الزوج) وأنهن ناقصات عقل ودين يغلبن ذوي الألباب (أي يبعدن ذوي الألباب عن الصواب)، ولا أظن مطلقاً أن هذا مديح للنساء. إذا كان نقصان العقل والدين سببًا في كونهن أغلب أهل النار، فكيف يكون مديحًا؟!

    في صحيح مسلم بشرح النووي:

    قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ : هُوَ الْعَشِيرُ الْمُعَاشِرُ وَالْمُخَالِطُ ، وَحَمَلَهُ الْأَكْثَرُونَ هُنَا عَلَى الزَّوْجِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ كُلُّ مُخَالِطٍ . قَالَ الْخَلِيلُ : يُقَالُ : هُوَ الْعَشِيرُ وَالشَّعِيرُ عَلَى الْقَلْبِ . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُنَّ يَجْحَدْنَ الْإِحْسَانَ لِضَعْفِ عَقْلِهِنَّ وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِنَّ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ذَمِّ مَنْ يَجْحَدُ إِحْسَانَ ذِي إِحْسَانٍ .

    وفي سنن ابن ماجه بشرح السندي:

    قَوْلُهُ : ... (وَتَكْفُرْنَ ) خِلَافَ الشُّكْرِ ، أَيْ : يَجْحَدْنَ نِعَمَهُ قَوْلُهُ : ( الْعَشِيرَ ) الَّذِي هُوَ الزَّوْجُ

    وبخصوص المعنى المقصود في ”يغلبن ذوي الألباب“، ذكرت صديقة أن المقصود هنا هو أنهن يكدن وكيدهن عظيم، وليس أنهن يحدن ذوي الألباب عن الحق، والحقيقة أنني لا أرى فرقاً مطلقاً، فهن إن كدن يفعلن ذلك ليحدن ذوي الألباب عن الحق، وإلا ففيم الكيد؟! وإن كن يكدن فيغلبن ذوي الألباب، فلا أدري كيف يكن ناقصات عقل، والأوقع أن يكن زائدات عقل يغلبن به ذوي الألباب.

  • الاستدلال على نقصان الدين يتبع خطًا مماثلاً للاستدلال على نقصان العقل، فالله في الإسلام يمنع المرأة من الصوم والصلاة في حالة المحيض ثم يتخذ من ذلك سببًا لنعتها بنقصان الدين الذي يُتخذ بدوره سببًا في جعل أكثر أهل النار من النساء! فكيف لله أن يوصي النساء بما يتخذه لاحقًا سببًا لتعذيبهن؟ وماذا لو عصين الله فيما أوصاهن به في هذا الشأن فصَلّين وصُمن وهن حائضات، فهل سيعذبهن أيضًا لعصيانهن؟ هذا ما نسميه في علم المنطق Tautology و لا أعلم له ترجمة بالعربية، غير أنه مشتق من كلمة يونانية بمعنى «قول الشيء نفسه»، وهو أن جميع التفسيرات الممكنة للقضية تنتهي بنهاية صحيحة واحدة وهي أن النساء سيعذبن بغض النظر عن أي شيء.
  • ولقد تركت الحديث عن نقصان العقل بدعوى أن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل لآخر المقال نظراً لطول و تعقيد هذه النقطة و النقاشات الطويلة التي خضتها مع البعض فيها.

  • الاستدلال على نقصان العقل يفتقر تماماً إلى المنطق. ما الدليل على نقصان العقل؟ أن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل! ومن وضع هذه القاعدة؟ القرآن الذي أتى به محمد. وعلام بنيت هذه القاعدة؟ على لا شيء مطلقًا! هل هناك ما يثبت أن المرأة ناقصة عقل؟ لا. هل هناك ما يثبت أن المرأة كذوب؟ لا. هل هناك ما يثبت أن ذاكرة المرأة أضعف من ذاكرة الرجل؟ لا.

    ولنبدأ بتوضيح. قوانين الاحتمالات الرياضية تجعل للاحتمال المؤكد قيمة الواحد الصحيح، وللمستحيل قيمة الصفر، وكل الاحتمالات الأخرى تتخذ قيمة ما بين الصفر والواحد الصحيح، ولكل حدث احتمال ذو قيمة لا تقل عن الصفر ولا تزيد عن الواحد الصحيح، واحتمال عدم حدوث هذا الحدث هو باقي طرح احتمال الحدث من الواحد الصحيح، فإذا كان لحدث ما (وليكن أنني أجهل ما أتكلم عنه) احتمال قيمته \(x\) فإن احتمال عدم حدوث هذا الحدث (أي انني أعلم ما أتكلم عنه) هو \(1-x\). ولأن قيمة أي احتمال هي رقم موجب أقل من الواحد الصحيح، فإن مربع هذا الاحتمال أقل في القيمة من الاحتمال نفسه.

    \[ 0 \le x \le 1 \\ 0 \le x^2 \le x \]

    ويرمز لاحتمال حدوث حدث ما \(X\) بالرمز \(P(X)\)، و لاحتمال عدم حدوثه بالرمز \(P(X')\)، والحرف \(P\) من الكلمة الإنجليزية للاحتمال Probability، ويستخدم الحرف الكبير \(X\) للرمز للحدث نفسه، والحرف الصغير \(x\) لاحتمال حدوث الحدث بحيث يكون \(x = P(X)\)، وتوضع شرطة صغيرة بجوار رمز الحدث \(X'\) أو فوقه \(\bar{X}\) لترمز لعدم حدوثه، فإذا كان \(X\) هو احتمال أن يتفوق المرشح فلان على منافسه، فإن \(X'\) هو احتمال ألا يتفوق هذا المرشح على منافسه.

    ويلزم توضيح آخر قبل أن نكمل النقاش. احتمال حدوث حدثين منفصلين (لا يترتب أحدهما على الآخر) معًا هو احتمال حدوث الأول مضروباً في احتمال حدوث الثاني. مثلاً، لو كان احتمال سقوط الأمطار غداً هو ١٠٪ (أي ٠٫١) واحتمال أن تتعطل سيارتي ١٪ (أي ٠٫٠١) فإن احتمال أن تسقط الأمطار غداً وتتعطل سيارتي في نفس الوقت هو ١٠٪ × ١٪ = ٠٫٠٠١ (واحد في الألف). والحدثان المنفصلان هما حدثان لا يرتبط احتمال حدوث أحدهما بحدوث الآخر أو عدمه، ففي المثال السابق لا يرتبط احتمال سقوط الأمطار باحتمال تعطل سيارتي، ولكن حدثا تعطل السيارة والتأخر عن الوصول للعمل في الموعد مرتبطان، فاحتمال التأخر عن العمل يزداد إذا تعطلت السيارة.

    وبفرض أن احتمال عدم صحة شهادة الرجل هي \(x\) (بغض النظر عن سبب عدم الصحة، سواء كان الكذب أم النسيان أم أي شيء آخر) و احتمال عدم صحة شهادة المرأة هو \(y\) (بغض النظر أيضاً عن سبب عدم الصحة)، فإن الشرع الإسلامي يفترض أن \(x \le y\)، أي أن احتمال أن تكون شهادة الرجل غير صحيحة أقل من أو مساو لاحتمال أن تكون شهادة المرأة غير صحيحة، ولأن الإنسان ليس معصوماً من الخطأ، سواء كان رجلاً أو امرأة، فإن احتمال أن تكون شهادة أي من الرجل أو المرأة صحيحة بنسبة ١٠٠٪ (أي أن تكون \(x = 0\) أو \(y = 0\)) غير وارد، و كذلك فإن احتمال أن تكون شهادة أي منهما خاطئة بنسبة ١٠٠٪ (أي أن تكون \(x = 1\) أو \(y = 1\)) غير وارد أيضاً، لأنه في هذه الحالة تنتفي فائدة الشهادة تماماً، وبناء عليه يكون

    \[ 0 \lt x \lt 1 \\ 0 \lt y \lt 1 \text{ ..........................[1]}\\ x \le y \\ \frac{x}{y} \le 1 \text{ ..........................[2]} \]

    ويفترض الشرع الإسلامي أن احتمال صحة شهادة امرأتين \((1-y)(1-y)\) يساوي على الأقل احتمال صحة شهادة رجل واحد \(1-x\)، أي أنه يفترض أن

    \[ 1-x \le (1-y)^2 \\ 1-x \le 1-2y+y^2 \\ x \ge 2y-y^2 \\ x \ge y(2-y) \\ \frac{x}{y} \ge 2-y \text{ ..........................[3]} \]

    وبالنظر لقيمة \(y\) من [1] سابقاً نرى أن

    \[ 0 \gt -y \gt -1 \\ 2 \gt 2-y \gt 1 \text{ ..........................[4]} \]

    وبالنظر للمتباينتين [3] و [4] سابقاً نجد أن

    \( \frac{x}{y} \ge 2-y \gt 1 \)

    وهو ما يتعارض مع المتباينة [2]، ومنها نثبت أن احتمال صحة شهادة المرأة—إن فرض أنه أقل من احتمال صحة شهادة الرجل—لا يمكن أن يزداد إلى قيمة احتمال صحة شهادة الرجل أو أكثر عن طريق تطلب شهادة امرأتين معاً وإجماعهما على رأي ما، والأفضل في تلك الحالة إعتبار شهادة المرأة مساوية لشهادة الرجل في القيمة، حتى بفرض أن احتمال صحتها أقل. وللتوضيح نعطي مثالاً رقمياً. افترض أن احتمال عدم صحة شهادة المرأة هو ١٠٪، و أن احتمال عدم صحة شهادة الرجل هو ٥٪ (أقل من احتمال عدم صحة شهادة المرأة)، فيكون احتمال صحة شهادة المرأة هو ٩٠٪ و احتمال صحة شهادة الرجل هو ٩٥٪، و لكي تجمع امرأتان على شهادة صحيحة يكون احتمال هذا الحدث هو ٩٠٪ × ٩٠٪ = ٨١٪، و هو أقل من احتمال صحة شهادة المرأة الواحدة.

    وبمنتهى البساطة فإن أي احتمال هو أقل من الواحد الصحيح، وبالتالي فإن حاصل ضرب أي احتمال في أي احتمال آخر ينتج عنه احتمال أقل من كليهما، وبالتالي فإن احتمال أن يكون شاهد واحد صادقاً أكثر من احتمال أن يكون شاهدان اثنان صادقين. فلماذا إذاً تطلب المحكمة شهادة أكثر من شاهد؟ تفعل المحكمة ذلك لتقليل احتمال أن يكون كل الشهود كاذبين، وليس لزيادة احتمال أن يكونوا جميعاً صادقين، وهذا من باب «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، ومن باب «البينة على من ادعى» أو كما يطلق عليه Burden of proof، فمن ادعى على آخر شيئاً عليه إثباته، ويصعب عليه إثبات غير الحقيقة كلما زاد عدد الشهود المطلوبين، لأن احتمال كذب أي منهم أقل من الواحد الصحيح، فيكون احتمال إجماعهم على الكذب هو حاصل ضرب احتمال كذب كل الشهود، وهو أقل حتماً من احتمال كذب الشاهد الواحد.

    ويجب أن نلاحظ أن تعظيم احتمال الإجماع على الشهادة الصحيحة وتقليل احتمال الإجماع على الشهادة الخاطئة لا يمكن أن يجتمعا، لأن أي احتمال هو ما بين الصفر والواحد الصحيح، وحاصل ضرب أي احتمالين هو أقل من أي منهما كما هو موضح فيما يلي، فيكون أكبر احتمال ”للإجماع“ على الشهادة الصحيحة هو في حالة وجود شاهد واحد فقط، لأن احتمال صحة شهادة كل شاهد يضاف إلى الشهادة يضرب في احتمال صحة شهادة الآخرين للحصول على احتمال الإجماع على الشهادة الصحيحة، ولكن وجود شاهد واحد فقط يصاحبه أيضاً أكبر احتمال ”للإجماع“ على الشهادة الخاطئة، وكلما زاد عدد الشهود كلما قل احتمال إجماعهم على الخطأ. تقليل عدد الشهود يصاحبه تعظيم احتمال الإجماع على الشهادة الصحيحة، وإكثار عدد الشهود يصاحبه تقليل احتمال الإجماع على الشهادة الخاطئة.

    \[ \begin{array}{a} 0 \lt x \lt 1 & \quad & 0 \lt y \lt 1 \\ 0 \times y \lt x \times y \lt 1 \times y & \quad & 0 \times x \lt y \times x \lt 1 \times x \\ 0 \lt xy \lt y & \quad & 0 \lt xy \lt x \text{ ........................[5]} \end{array} \]

    فماذا عن احتمال إجماع امرأتين على شهادة خاطئة؟ هل هو أقل من احتمال أن تكون شهادة رجل واحد خاطئة؟ بكل تأكيد هو أقل، فكما وضحنا سابقاً يقل احتمال إجماع الشهود على شهادة خاطئة كلما ازداد عدد الشهود. فهل يكون هذا هو المقصود في الشرع الإسلامي بخصوص مساواة شهادة امرأتين بشهادة رجل؟ افترضنا من قبل أن احتمال عدم صحة شهادة الرجل هو \(x\) و المرأة هو \(y\)، ومن المتباينة [2] وبضرب الطرفين في \(y^2\) نجد أن

    \[ xy \lt y^2 \]

    أي أن احتمال إجماع امرأتين على شهادة خاطئة أكبر من احتمال إجماع رجل و امرأة على شهادة خاطئة. ربما المقصود في الشرع الإسلامي هو تقليل احتمال إجماع الشهود على شهادة خاطئة عن طريق مساواة شهادة المرأتين بشهادة رجل واحد. ولكن الشرع يتطلب شهادة رجلين أو رجل و امرأتين، فما هو احتمال إجماع رجلين على شهادة خاطئة؟ بضرب المتباينة [2] في \(xy\) نجد أن

    \[ x^2 \lt xy \]

    أي أن احتمال إجماع رجلين على شهادة خاطئة أقل من احتمال إجماع رجل و امرأة على شهادة خاطئة. هذا هو الغرض إذاً من هذا التشريع في الإسلام، وهو تقليل احتمال إجماع الشهود على شهادة خاطئة. هذا بافتراض أن احتمال صحة شهادة المرأة أقل من احتمال صحة شهادة الرجل، وهو ما ليس عليه دليل ولا سند مطلقاً.

    ولكن أحد الأصدقاء ناقشني في هذا الموضوع و اعترض على اعتبار شهادة الشهود أحداث منفصلة من وجهة نظر الاحتمالات، و أعدت قراءة النص بعناية فوجدت أن المقصود من شهادة المرأتين أن تكونا معاً أثناء الشهادة حيث يقول القرآن «أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ» وهذا لا يمكنه الحدوث إلا إذا كانتا معاً أثناء الشهادة، وعليه فإن الحدثين لا يمكن اعتبارهما منفصلين من جهة الاحتمال. النقطة الأخرى الهامة هي أن الهدف كما قال القرآن هو أن يمنع ضلال إحدى الشاهدتين، والضلال لا يمكن منطقياً اعتباره الشهادة الصحيحة، فالضلال لا بد أن يكون الخطأ، فلو ضلت إحداهما (شهدت بغير الحق) تذكرها الأخرى ليجمعا على الحق، فالغرض إذاً هو تعظيم احتمال الإجماع على الشهادة الصحيحة وليس تقليل احتمال الإجماع على الشهادة الخطأ.

    تتعقد الأمور قليلاً عندما تتحول الاحتمالات إلى احتمالات شرطية بسبب أن الأحداث غير منفصلة. نفترض أن حدث صحة شهادة المرأة الأولى \(M\) والثانية هي \(N\)، وسنرمز لاحتمال صحة الشهادة بالحرف \(t\) و احتمال عدم صحتها بالحرف \(f\)، فيكون احتمال صحة شهادة الأولى \(m_t\) و عدم صحتها \(m_f\)، و احتمال صحة شهادة الثانية \(n_t\) و عدم صحتها \(n_f\). ولأن صحة شهادة الثانية تعتمد على صحة شهادة الأولى، فإن هناك أربعة احتمالات لشهادة الثانية وهي احتمال أن تكون صحيحة بفرض صحة شهادة الأولى \(n_{tt}\)، واحتمال أن تكون غير صحيحة بفرض صحة شهادة الأولى \(n_{tf}\)، واحتمال أن تكون صحيحة بفرض عدم صحة شهادة الأولى \(n_{ft}\)، واحتمال أن تكون غير صحيحة بفرض عدم صحة شهادة الأولى \(n_{ff}\). وفيما يلي توضيح لهذه الاحتمالات.

    \[ \begin{cases} m_t \text{(True)} \begin{cases} n_{tt} \text{(True)} \quad P(N|M) = m_t n_{tt} \\ n_{tf} \text{(False)} \quad P(N'|M) = m_t n_{tf} \end{cases} \\ m_f \text{(False)} \begin{cases} n_{ft} \text{(True)} \quad P(N|M') = m_f n_{ft} \\ n_{ff} \text{(False)} \quad P(N'|M') = m_f n_{ff} \end{cases} \end{cases} \]

    يطلق على احتمال صحة شهادة الثانية بافتراض صحة شهادة الأولي الاحتمال الشرطي (Conditional probability) \(P(N|M)=m_t n_{tt}\)، وكذلك احتمال عدم صحة شهادة الثانية بافتراض صحة شهادة الأولى الاحتمال الشرطي \(P(N'|M)=m_t n_{tf}\)، ومثلهما الاحتمالان \(P(N|M')=m_f n_{ft}\) و \(P(N'|M')=m_f n_{ff}\) وهما احتمالا صحة وعدم صحة شهادة الثانية بافتراض عدم صحة شهادة الأولى. ويجب أن نلاحظ العلاقات المختلفة بين هذه الاحتمالات، فمجموع كل الاحتمالات الممكنة لأي حدث هو الواحد الصحيح، واحتمال صحة شهادة الثانية أو عدم صحتها بفرض عدم ارتباط الحدثين لا يتعلق باحتمال صحة شهادة الأولى مطلقاً.

    \[ m_t + m_f = 1 \\ n_t + n_f = 1 \\ n_t = n_{tt} + n_{ft} = P(N|M) + P(N|M') \\ n_f = n_{tf} + n_{ff} = P(N'|M) + P(N'|M') \\ m_t n_{tt} + m_t n_{tf} + m_f n_{ft} + m_f n_{ff} = 1 \\ \]

    ويفترض الشرع الإسلامي أن احتمال صحة شهادة الثانية بفرض صحة شهادة الأولى يزيد عن احتمال صحتها بفرض عدم تدخل الأولى على الإطلاق، أي أنه يفترض

    \[ P(N|M) \ge P(N) \\ m_t n_{tt} \ge n_{tt} + n_{ft} \\ n_{tt} (m_t - 1) \ge n_{ft} \\ -m_f n_{tt} \ge n_{ft} \]

    ولأن جميع هذه القيم احتمالات، فكلها لا تقل عن الصفر و لا تزيد عن الواحد الصحيح، وبالتالي فإن الحالة الوحيدة التي تحقق المتباينة الأخيرة هي أن يكون \(n_{ft} = 0\) و \(-m_f n_{tt} = 0\)، والأخير يعني \(n_{tt}=0\) أو \(m_f=0\)، أي أن احتمال أن تكون شهادة الثانية صحيحة \(n_t = n_{tt} + n_{ft} = 0\) هو صفر أو أن احتمال أن تكون شهادة الأولى صحيحة \(m_t = 1 - m_f = 1\) هو أكيد، و في الحالتين فإن الحاجة للشاهدة الثانية منعدمة!

    وربما كانت هناك حاجة للتوضيح بمثال رقمي لشرح الاحتمالات الشرطية بصورة أفضل. نفترض أن احتمال صحة شهادة المرأة الأولى هو ٧٠٪، فيكون احتمال عدم صحة شهادتها هو ٣٠٪، ونفترض أن احتمال صحة شهادة المرأة الثانية هو ٨٠٪ في حالة صحة شهادة الأولى (حيث تذكرها لكي لا تضل)، فيكون احتمال عدم صحتها في نفس الحالة هو ٢٠٪، ونفترض أن احتمال صحة شهادة المرأة الثانية هو ٥٠٪ في حالة عدم صحة شهادة الأولى (وهو أقل من احتمال صحة شهادتها إذا ذكرتها الأولى)، فيكون احتمال عدم صحتها في نفس الحالة هو ٥٠٪، ونرى أن تذكير الأولى للثانية في هذه الحالة يزيد من احتمال صحة شهادة الثانية، تماماً كما قال القرآن. وهذا موضح فيما يلي.

    \[ \begin{cases} m_t \text{(70%)} \begin{cases} n_{tt} \text{(80%)} \quad P(N|M) = 0.7 \times 0.8 = 0.56 \\ n_{tf} \text{(20%)} \quad P(N'|M) = 0.7 \times 0.2 = 0.14 \end{cases} \\ m_f \text{(30%)} \begin{cases} n_{ft} \text{(50%)} \quad P(N|M') = 0.3 \times 0.5 = 0.15 \\ n_{ff} \text{(50%)} \quad P(N'|M') = 0.3 \times 0.5 = 0.15 \end{cases} \end{cases} \]

    ونرى أن احتمال أن تكون شهادة الثانية صحيحة بدون تدخل الأولى هو \(P(N) = P(N|M) + P(N|M') = 0.56 + 0.15 = 0.71\) و احتمال أن تكون صحيحة بفرض صحة شهادة الأولى (التي ذكرتها) هو \(P(N|M) = 0.56\). هذه ليست مغالطة. المشكلة هي تطلب إجماع امرأتين على شهادة صحيحة واعتبارها مساوية لشهادة رجل واحد. نرى من المثال السابق أن احتمال صحة شهادة الأولى بلا تدخل من الثانية هو ٧٠٪، واحتمال صحة شهادة الثانية بلا تدخل من الأولى هو ٧١٪، وهو نفس القيمة تقريباً، ولكن إجماع الشاهدتين على أمر ما (الشهادة الصحيحة في هذه الحالة) احتماله ٥٦٪ فقط، و بما أن شهادة المرأتين تؤخذ كشهادة رجل واحد فإن احتمال صحة شهادة هذا الشاهد المركب من امرأتين أقل من احتمال صحة شهادة كل منهما منفردة. القرآن مخطئ في هذه النقطة بشكل واضح.

نقاط توضيحية

يبقى الآن توضيح مفهوم المتوسط لأي فئة من البشر (أو الأشياء). بكل تأكيد لا يتساوى البشر في صفاتهم (كالطول والوزن مثلاً) ولا في احتمالات صحة شهاداتهم، ولكن هناك قيمة متوسطة تعبر عن صفة أي فئة من البشر تسمى المتوسط الحسابي (Mean) لهذه الفئة، وقد تتغير إذا تغير تعريف الفئة، ولكن يمكن دائماً إيجاد متوسط لأي صفة لأي فئة من البشر، والتباين في قيم تلك الصفة بين الأفراد يعبر عنه في الإحصاء بالانحراف المعياري (Standard deviation) ويطلق على المتوسط لفئة ما من وجهة نظر الاحتمالات القيمة المتوقعة (Expected value)، وطبقاً لقانون الأرقام الكبيرة (Law of large numbers) فإن نتائج أي تجربة (أي احتمالات الأحداث المختلفة في هذه التجربة) تقترب من القيمة المتوقعة كلما زادت عدد مرات إجراء التجربة، وبلفظ آخر فإن احتمال صحة شهادة المرأة يقترب من قيمة معينة متوقعة كلما لاحظت عدداً أكبر من شهادات النساء، و أظن أن نصاً يفترض فيه الصلاح لكل زمان ومكان يفترض فيه أيضاً أن ينطبق على عدد لا نهائي من شهادات النساء. إن كانت هذه المفاهيم صعبة عليك، عزيزي القارئ، فأنصحك بالقراءة أكثر في هذه الموضوعات أو إحالة الأمر إلى من له خبرة أو مقدرة أكبر على فهم هذه الأمور، وللأسف لا أعرف مراجع باللغة العربية يمكن أن تفيد القارئ في هذا الشأن، و كل ما أعرفه وضعت له روابط في هذا المقال.

يبقى تعريف الفئة المقصودة وإيضاح حدود وشروط الشرع الإسلامي في هذا الشأن. الفئة المقصودة بهذا التشريع تحديداً هن من تقبل شهادتهن من النساء، ولهذا شروط فقهية معروفة نسبياً، وحتى إن اختلفت الشروط من مذهب فقهي إلى آخر، فهي ثابتة في المذهب الواحد، وحتى باختلاف الشروط بين المذاهب (كإمكانية قبول شهادة الأمة مثلاً) فإن ذلك لا ينفي وجود قيمة متوقعة (أو متوسط) يعبر عن هذه الفئة. اختلاف الشروط لا يعني انتفاء وجود قيمة متوسطة، ولكن يعني وجوب اتخاذ الحذر في التفسير والتطبيق وتثبيت الشروط في نفس النظام القضائي الواحد. ولكن حتى القيمة المتوسطة لا تعني شيئاً إذا افترضنا أن الحدثين غير منفصلين كما سبق التوضيح، إذ أنه في تلك الحالة لا نفترض على الإطلاق وجود قيمة متوسطة لاحتمال صحة شهادة المرأة.

ولكن لكي نسد تلك الذريعة بشكل نهائي، سنفترض أن شهادتي المرأتين حدثان منفصلان (وهما ليستا كذلك كما اوضحنا سابقاً بنص القرآن)، وفي تلك الحالة سنفترض أن احتمال عدم صحة شهادة الأولى هو \(x\) و الثانية هو \(y\)، وأن احتمال عدم صحة شهادة الرجل هو \(z\)، وتكون الفرضية القرآنية أن احتمال صحة شهادة المرأتين أكثر من أو مساو لاحتمال صحة شهادة الرجل.

\[ 1-z \le (1 - x)(1 - y) \]

والفرضية الأساسية أن \(x \ne y\)، وبالتالي فإن \(x \gt y\) أو \(x \lt y\) ، وفي الحالتين فإنه من المفترض أن أحد القيمتين \(x\) أو \(y\) على الأقل أكبر من \(z\)، أي أن احتمال أن تكون شهادة امرأة منهما على الأقل غير صحيحة أكبر من احتمال أن تكون شهادة الرجل غير صحيحة. وعليه تكون هذه هي الاحتمالات الممكنة

\[ x \le z \lt y \quad \text{or} \\ y \le z \lt x \quad \text{or} \\ z \le x \lt y \quad \text{or} \\ z \le y \lt x \quad \text{or} \]

والاحتمالان الأولان يعنيان أن احتمال صحة شهادة واحدة من المرأتين أكثر من احتمال صحة شهادة الرجل واحتمال صحة شهادة الأخرى أقل من احتمال صحة شهادة الرجل، والاحتمالان الأخيران يعنيان أن احتمال صحة شهادة كل من المرأتين أقل من احتمال صحة شهادة الرجل، و بالرجوع إلى [5] سابقاً نجد أن

\[ (1 - x)(1 - y) \lt 1 - x \quad \text{ and } \quad (1 - x)(1 - y) \lt 1 - y \]

وفي جميع هذه الأحوال فإن إحدى المتباينتين \(1 - x \lt 1 - z\) أو \(1 - y \lt 1 - z\) تتحقق، وعليه فإنه في جميع هذه الأحوال

\[ (1 - x)(1 - y) \lt (1 - z) \]

أي أن احتمال إجماع امرأتين على شهادة صحيحة لا بد أن يكون أقل من احتمال صحة شهادة رجل واحد، وهو أيضاً أقل من احتمال صحة شهادة امرأة واحدة.

هذا ما يطلق عليه في علم المنطق التناقض (Contradiction)، أي أن النتيجة تكون دائماً خاطئة بغض النظر عن أي تفسيرات. ادعاء أن شهادة الرجل مساوية لشهادة امرأتين بحجة أن المرأة قد تنسى أو تكذب أو يجانبها الصواب أو الصدق لأي سبب أياً كان ينتج عنه دائماً حتمية أن يكون احتمال إجماع امرأتين على شهادة صحيحة أقل من احتمال صحة شهادة رجل واحد وأقل من احتمال صحة شهادة امرأة واحدة.

ومن ضمن ما تلقيته من اعتراضات أن شهادة المرأة تقبل كشهادة رجل في أمور كثيرة منها الجرائم والاستهلال وكل ما يتعلق بالمرأة من أمور كالحيض والولادة والرضاع، وهذا في الواقع لا علاقة له مطلقاً بما أناقشه في هذا المقال. المشكلة أن شهادة المرأة في حالة معينة (وهي المعاملات المالية) تعتبر نصف شهادة الرجل بأمر إلهي، وهذا يخالف المنطق ولا مبرر له مطلقاً من جهة المنطق ولا دليل على ما يدعمه من واقع الحياة. مجرد تحديد شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل في هذه الحالة بأمر ”إلهي“ هو مشكلة رهيبة، إذ أن المفترض في الإله أنه يعلم كل شيء ولا يخطئ، والعلوم الرياضية هي الوحيدة التي بها الحقيقة المطلقة في هذا الكون!

ومن الاعتراضات الطريفة التي وجهت لاستنتاجي هذا أن السلوك البشري لا يمكن إخضاعه للإحصاء والاحتمالات، وهو ما يخالف المنطق والعلم والواقع بكل شدة، إذ أن علم النفس (Psychology) وعلم الاجتماع (Sociology) يستخدمان الطرق الإحصائية لبحث سلوك البشر، وهذا أدى إلى تطور هذه العلوم وليس إلى تخلفها، وهو ما يدحض أي اعتراض على تطبيق الطرق الحسابية على السلوك البشري، وإنما يكون الاعتراض على مثل هذا الأمر عن طريق توضيح الخطأ في أسلوب الاستنتاج وليس الاعتراض على المنهج بدون إبداء أسباب واضحة.

ومن الاعتراضات السخيفة التي وجهت لاستنتاجي هذا أنني لست عالماً خبيراً بالفقه الإسلامي فلا يجوز أن أخرج باستنتاجات عنه، وهذا هو نفس المنطق الذي يمكن أن أستخدمه للاعتراض على أن مجموع الواحدين الصحيحين اثنان بحجة أن من وصل إلى هذا الاستنتاج ليس متبحراً في علوم الرياضيات بما يكفي!

ولهذا لا أعلم كيف يمكن أن يكون هذا الحديث تحديدًا مديحًا للنساء وتكريمًا لهن، إلا إذا كن يحببن أن يعذبن، وعلى قدر علمي أكثر النساء لا يستمتعن بالعذاب. ولكننا سنجد منهن من يدافعن بقوة عن هذا الحديث وعن شهادة المرأة التي تعادل قيمتها نصف شهادة الرجل، لا لشيء إلا لأن هذا هو كلام الله ورسوله، وبغض النظر عن أي منطق سليم، وسنجد منهن من يَرَيْن أنهن أقل شأنًا من الرجال ولا غضاضة فيما ذكره هذا الحديث عنهن، وربما هؤلاء من القلة التي تستمتع بالعذاب والصَّغار.

والله أعلم!

وأخيراً، عزيزي القارئ، أؤكد على أن جهلك بنظرية الاحتمالات وقواعد الرياضيات—إن وجد—لا يمكن أن يعيبك في شيء، فليس لكل البشر تلك المقدرة، ولا يعني ذلك مطلقاً نقصاناً في العقل أو الذكاء، ولكن ما قد يعيبك وينتقص من شخصيتك ومقدرتك العقلية وذكائك أن تجادل فيما لا تفقهه، وأن تجادل لمجرد الجدال بدون تقديم فكرة منطقية. أنا على استعداد لمناقشة أي اعتراض ذي معنى، ولن أكلف نفسي عناء الرد على ما لا معنى له ولا طائل منه. وفي النهاية، وكما قلت كثيراً من قبل، فإن اختيارك لدينك وقناعاتك الشخصية أمر يخصك وحدك طالما لم يمسسني في شيء. بالنسبة لي، هذا الخطأ الفادح في القرآن كفيل بأن يقنعني أن أكفر به، وهذه هي قناعتي الشخصية التي لا تمس حريتك في الاعتقاد بشيء، ولا تغير من شعوري تجاه المسلمين الطبيعيين (غير الداعشيين) كإخوة في البشرية لهم كل احترام وتقدير.


نسب المصنفات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...