بحث هذه المدونة الإلكترونية

إسلاموفوبيا: مَنْ يخاف مِمَّنْ؟

هذا المقال هو أحد مجموعة من المقالات تختص بنقاش موضوعات إسلامية بشكل أو بآخر. ستجد في هذا الرابط قائمة بالمقالات المتاحة.

تُعَرَّف الفوبيا (phobia)—أو الخوف المرضي— على أنها خوف غير مُبَرّر ومستمر من موقف أو شيء محدد، لا يتناسب مقداره مع الخطر الحقيقي. والمريض بالفوبيا قد يبذل مجهوداً غير عادي لتجنب العوامل المسببة للخوف المرضي، وفي حالة عدم القدرة على تجنب مثل هذه العوامل، فإن المريض يعاني من حالة من الهلع تتسبب في التأثير بقوة وبشكل سلبي على أنشطته الاجتماعية أو الوظيفية (اقرأ المزيد في ويكيبيديا). وفي السياق العام للكلام (وأعني خارج السياق الإكلينيكي بغرض تشخيص المرض)، فإن الفوبيا عادة ما تُستَخدم للتعبير عن حالة من الخوف الشديد أو الاشمئزاز الشديد من شيء ما على وجه الخصوص، عادة بدون مبرر واضح، ويَغلُب استخدامها في هذا المعرض لوصم الموصوف به بنقيصة، مثل استخدام هوموفوبيا (homophobia) أي الاشمئزاز الشديد من مثليي الجنس (homosexuals) في المجتمعات الغربية، ويُعْنَى به الاشمئزاز الذي يدفع بصاحبه إلى تجنب التواجد مع مثليي الجنس في نفس المكان بأي طريقة ما، بل ومهاجمتهم ومحاولة إزاحتهم من كافة مجالات الحياة تماماً. فما هي قصة الإسلاموفوبيا، وهل فعلاً يصح تسميتها كذلك؟ وهل توجد أصلاً أم هي مصطلح وهمي لشيء وهمي؟ وأهم ما في الموضوع: من يخاف مِمَّن؟

جرت مناقشة بيني وبين صديق قديم مسلم بعد قيامي بانتقاد الإسلام في ضوء الأحداث الطائفية الأخيرة في محافظة المنيا بمصر، وبدأت باتهامي بأنني إسلاموفوب (Islamophobe) أي أنني أعاني من خوف مرضي من الإسلام! وبغض النظر عن أن انتقاد الإسلام لا يعد خوفاً منه، وبغض النظر عن أن هناك سبباً وجيهاً جداً لانتقاد الإسلام وهو الأحداث الطائفية المزعجة وما سبقها وما يليها من مشاكل في أنحاء مختلفة من العالم كلها متعلقة بالإسلام كدين وكفكر (ideology)، فإن صديقي هذا لم يناقش مطلقاً الأفكار التي عرضتها في نقدي للإسلام، وإنما بدأ حواره بالاتهام!! ولهذا قررت أن أكتب هذه التدوينة لأسجل فيها ردودي على هذا الاتهام السخيف، وأوضح كيف تطور الحوار بيني وبينه، وللأسف هكذا يتطور الحوار مع الكثير من المسلمين عندما يتعلق الأمر بنقد الإسلام.

تطور ”الحوار“—إن جاز تسميته هكذا—من الاتهام بالإسلاموفوبيا إلى:

  • الاتهام بالعنصرية وتشبيهي بأسوأ أمثلة للعنصرية عرفتها البشرية في تاريخها المعاصر
  • ثم الاتهام بارتكاب ما يعرف في بلاد العالم المتحضر بخطاب الكراهية (hate speech)، وهو جريمة يعاقب عليها القانون في تلك البلاد
  • ثم الاتهام بأنني أجهل جوهر العقيدة المسيحية الجميلة التي تحث على الإخاء والتسامح (أي بمعنى آخر محاولة إشعاري بالذنب) وضرب مثال بأن البابا بندكت السادس عشر، بابا الفاتيكان السابق، استقال من منصبه بعد ثورة القساوسة عليه بسبب تصريحاته عن الإسلام أنه من الشيطان (وهو ادعاء سخيف وكاذب كما سنرى لاحقاً)
  • ثم انتهى بمحاولة أخيرة بائسة يائسة للسخرية من كلامي!

كل هذا ولم يتعرض لنقاش محتوى ما عرضته مطلقاً! ورد الفعل هذا لانتقاد الإسلام ليس غريباً على الكثير من المسلمين، ولهذا قررت أن اكتب هذه التدوينة لأناقش فيها هذا الأمر.

هل نقد الإسلام إسلاموفوبيا؟

نقد أي فكرة لا يمكن بأي حال من الأحوال تصنيفه على أنه خوف مرضي، وخصوصاً إذا ما كان النقد منطقياً ومرتباً في نقاط واضحة وله من الأدلة العملية الواقعية ما يدعمه. والأصل في تعريف الخوف المرضي هو الخوف من شيء ما أو موقف ما، وليس فكرة ما، والإسلام لا هو موقف ولا هو شيء مادي، بل هو فكرة مثله مثل أي فكرة أخرى، أو بمعنى أدق هو منظومة من الأفكار تشكل ديناً اسمه الإسلام. جزء أساسي من تعريف الفوبيا هو أن يكون الخوف ’غير مبرر‘، وبالتالي فإن أي خوف له مبرراته الواضحة لا يمكن أن يصنف كخوف مرضي.

عرضت كمثال على هذا خوف شخص لا يعرف العوم من إلقائه في المياه العميقة في وسط البحر مثلاً. هذا خوف مُبَرَّر تماماً، ويتناسب مع حجم الخطر الذي يمكن أن يواجهه، وهو خطر الموت! وقد كنت عرضت مبرراتي التي تجعلني أنتقد الإسلام في تدوينات سابقة هي:

وأهمها أنه يميز بين المسلم وغير المسلم، فيصير غير المسلم تحت الشريعة الإسلامية مواطناً من الدرجة الثانية على أحسن الفروض. أنا يا سادة لا أريد أن أعيش كمواطن من الدرجة الثانية في وطني، وهذا من الأسباب التي دفعتني إلى الهجرة، ولكن هناك غيري الكثيرون من الأقباط الذين لم يسعفهم حظهم في الحياة بفرصة مثل التي حظيت بها، وأكره أن أراهم يعيشون كمواطنين من الدرجة الثانية في وطنهم ووطن أجدادهم من مئات السنين قبلهم. أليس هذا سبباً كافياً لانتقاد الإسلام الذي يميز بكل وضوح وبلا شبهة التباس بين المسلم وغيره؟

ثم أن الخوف المرضي يؤدي إلى أن يبذل المريض جهداً غير عادي لتجنب سبب الخوف، وكما قلت سابقاً فإن النقد ليس خوفاً، وبينما قد بذلت بالفعل جهداً غير عادي لكي أهاجر، إلا أنني لم أفعل ذلك تحديداً لأتجنب الإسلام، وإنما فعلته لأنني أردت أن أحيا بكرامة كمواطن مساوٍ لبقية المواطنين في وطنه، وأردت لأبنائي أن يحيوا كذلك. هل لا يوجد مسلمون حيث أعيش؟ بالطبع يوجد منهم الكثيرون، ولكن القانون هنا يعطيني حقي كاملاً ويساوي بيني وبين غيري على أكمل وجه، ولذلك لا أمانع مطلقاً في وجود أي شخص يخالفني في العقيدة أو الرأي، بل بالعكس أدافع عن حقه في الاختلاف معي لأنه نفس الحق الذي يمكنني من العيش بكرامة هنا.

والخوف المرضي يؤدي إلى حالة من الهلع عند عدم إمكانية تجنب سبب الخوف، فهل أنا أصاب بحالة من الهلع عند رؤية امرأة محجبة في الشارع مثلاً؟ بالطبع لا! أرى المسلمين هنا في الشارع وفي وسائل المواصلات وفي الأماكن العامة وفي المتاجر والمستشفيات وكل مكان يمكن أن يخطر على بالك، حتى الكنيسة أرى بعضهم فيها أحياناً. هل يؤثر هذا على أنشطتي الاجتماعية أو الوظيفية؟ لا يؤثر مطلقاً، بل وأمد لهم يد العون كلما أمكن مثلما أفعل مع غيرهم من البشر الذين لا أعرف عقيدتهم مطلقاً.

الإسلاموفوبيا ليس إلا مصطلح سخيف اخترعه المتشددون من المسلمين لممارسة الإرهاب الفكري على من ينتقدون الإسلام، والبلاد المتقدمة كلها فيها من القوانين ما يمنع التمييز ضد أي فئة من البشر بناء على عوامل عدة منها الدين، ولا تجد في تلك البلاد من يتحدث عن الكريستيانوفوبيا مثلاً أو الهندوفوبيا أو البوذوفوبيا. لا يتحدث عن الفوبيا من دين معين سوى المسلمون، وغالباً ما يستخدمون هذا التعبير كأسلوب ضغط لإيقاف انتقاد الإسلام. وحتى اليهود الذين يستخدمون أحياناً لفظ معاداة السامية (antisemitism) لا يستخدمونه لإسكات منتقدي الديانة اليهودية، ولكن يستخدمونه عند التمييز ضدهم كجنس يهودي في أمور الحياة العملية، وحتى لو أساؤوا استخدامه للحصول على أكثر من حقوقهم أحياناً (وهو ما لم أره شخصياً على الرغم من تعاملي مع الكثير منهم) فلا يستخدمونه أبداً في مجال انتقاد الدين.

يشبه الاستخدام الشائع لتعبير الإسلاموفوبيا في رأيي استخدام تعبير الهوموفوبيا لترهيب كل من ينتقد المثلية الجنسية كسلوك بدون أن يدعو إلى التمييز ضد المثليين. هناك مشكلة في فهم الفرق بين الرأي عن فكرة ما وبين الرأي عن معتنقي هذه الفكرة، وبين (وهو الأهم) الأفعال التي من شأنها التمييز فعلياً بين الناس في المجتمع. وهذا يقودنا إلى النقطة التالية.

هل نقد الأفكار عنصرية ضد معتنقيها؟

كان أسفي شديداً حين شبهني صديقي المسلم بأسوأ أمثلة العنصرية التي عرفتها البشرية في تاريخها الحديث، وهي النازية (Nazism) و(جماعة) كو كلاكس كلان (Ku Klux Klan)، وهي جماعات مارست فعلاً الإرهاب على أجناس بعينها وآذت بالفعل الكثيرين من البشر، ولم يكن أبداً منهجها فكرياً نقدياً، بل هي لا تختلف كثيراً عن جماعة القاعدة وداعش الذين يستقون فكرهم من التراث الديني الإسلامي، وكلها جماعات مارست الإرهاب والأذى والقتل بدلاً من النقاش والتعبير عن الرأي.

"Geração à Rasca" Demonstration.jpg
أمرأة تعبر عن رأيها باستخدام
مكبر للصوت في مظاهرة[١]

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (Universal Declaration of Human Rights) ينص في مادته الثامنة عشرة على أن ”لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة،“ وفي مادته التاسعة عشرة على أن ”لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.“

البلدان التي تحترم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (ومن المفترض أن مصر منها، ولكن هذا على الورق فقط للأسف) تضمن لي حقي في التعبير عن رأيي بدون أي تدخل، وإذاعته بأي وسيلة بدون تقيد، وتضمن لي حقي في التفكير! إن كان تفكيري ورأيي لا يعجبونك فأنت أمام حل من اثنين: إما أن تتجاهل رأيي وكأنك لم تره (وأنت حر بكل تأكيد في أن تعيش في حالة من الإنكار) أو أن تفكر أنت الآخر فيما أطرحه بشكل موضوعي، ولك مطلق الحرية في الرد عليه ونشر رأيك مثلما فعلت أنا. ما يجعل من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أهمية جمة في دساتير وقوانين البلاد المتقدمة أنه يساوي بين الجميع في الحقوق، فأنا من حقي أن أعبر عن رأيي في عقيدتك وأنت من حقك أن تعبر عن رأيك في عقيدتي، ولكن كل منا في النهاية له مطلق الحرية في اعتقاد ما يشاء. العنصرية هي أن يتم التمييز في الحقوق أو الواجبات بين الأشخاص، وأنا لا أحجر على رأيك مطلقاً، بل أدافع عن حقك في حرية الرأي مثلما أدافع عن هذا الحق لي. الواقع أنك أنت يا سيدي هو العنصري. أنت هو من يريد أن يحجر على حقي في التعبير عن رأيي، ولن أسمح لك بهذا.

المسلم يتوحد مع دينه، وفي نقاشي مع أغلب المسلمين من أصدقاء وغيرهم لاحظت أن المسلم يعتبر أي نقد لدينه هو إهانة شخصية له، وقد عبرت عن ذلك بقولي بالعامية المصرية ”تحس أن المسلم لو انتقدت دينه كأنك ضربته بالقلم على وشه.“ هل من المفروض علي ألا أنتقد أي فكر يعتنقه أي شخص لكي لا اجرح مشاعره؟ لا أظن!

رأيي في فكرة ما لا يعبر بالضرورة عن رأيي في مُعتَنِق الفكرة، ولن أبذل أي مجهود في الاختصام مع معتنق فكرة مخالفة ما لم تقع علي بالضرر. ضربت مثالاً لذلك أنني لن أختصم عامة مع من يقتنع أن ١+١=٥ ، وإن كنت سأقول له بمنتهى الصراحة أن رأيه خاطئ ١٠٠٪، ولكن إذا كان هذا الشخص يبيعني شيئين ويريدني أن أدفع ثمن خمسة، ففي هذه الحالة سأختصمه بشدة، لأن رأيه الخاطئ يقع علي بالضرر. هذا هو الحال بالنسبة للإسلام معي. الإسلام يقع علي بالضرر في حال تطبيق الشريعة الإسلامية، والتي هي حالياً المصدر الرئيسي للتشريع في مصر طبقاً لأحدث دستور. أنا لا أزال مواطناً مصرياً، ومن حقي أن أبدي رأيي في دستور مصر وفي قانونها، وحتى لو لم أكن مواطناً مصرياً، فمن حقي أن أبدي رأيي بوجه عام، ولكن في حالتي تحديداً، فإن الضرر الواقع علي وعلى أمثالي من المسيحيين بسبب الفكر الإسلامي العنصري سبب كافٍ لكي أنتقد الإسلام وأختصمه وبشدة.

والإسلام ليس هو المسلم بالضرورة، ولكن الكثيرين لا يدركون ذلك. المسلم كإنسان مثله مثل أي إنسان في أي مكان وزمان يتبع عادة الفطرة الإنسانية السليمة حتى تسيطر عليه العقائد الإسلامية مثل الولاء والبراء، ومعظم المسلمين الذي تعاملت معهم يعيشون بفطرتهم وليس بحذافير تعاليم دينهم، بل إن منهم الكثيرين ممن لا يعلمون تفاصيل التراث الديني الإسلامي، ذلك التراث الذي يرضعه الأطفال المسلمون في الريف والضواحي، والذي تسبب في توغل الفكر الديني المتطرف المملوء كراهية في ربوع مصر، فصرنا نرى الكثير من الحوادث الطائفية التي—على حد قول صديق آخر—لم تكن موجودة منذ ستين أو سبعين سنة (وإن كنت اختلف معه في هذا الرأي).

Freedom of Thought Ben Franklin.jpg
”بدون حرية الفكر لن توجد الحكمة،
ولن توجد الحريات العامة بدون
حرية التعبير عن الرأي“
—مقولة لبنيامين فرانكلين—[٢]

ومن تعامل معي من المسلمين عن قرب يعرف أنني لا أضمر لأي مسلم كراهية، بل إن هناك من اصدقائي المسلمين من هم قريبون مني قرابة الإخوة، ولم يؤثر في صداقتنا اننا نختلف في العقيدة، ولا أختصم أحداً إلا عندما ينتقص من حقي أو ينظر إلي كإنسان أقل شأناً. القانون لا يحاسب الأشخاص على أفكارهم، وإنما على أفعالهم، وأنا كذلك لا أحاسب أي إنسان على فكره، بل على سلوكه معي. كل سلوك طيب محمود، بغض النظر عن فكر فاعله، وكل سلوك خبيث مكروه بغض النظر أيضاً عن فكر فاعله. كل مسلم يتعامل معي على أرضية مساواة وينظر لي كمساوٍ له في الحقوق والواجبات ليس له عندي إلا كل مودة وحب، وكل من يحاول أن ينشر فكراً ينتقص من شأني أو من حقوقي، فمن واجبي على نفسي كإنسان يحترم وجوده أن أدافع عن هذا الوجود وأحارب الفكر بالفكر، وهذا مشروع في كل الأعراف إلا في المجتمعات الإسلامية المتطرفة.

ولذلك اكرر، ولن أمل من التكرار، أن المسلم ليس واحداً مع عقيدته. الفكر يختلف عن الإنسان، ونقد الفكر، بل حتى احتقار الفكر، لا يعني أبداً أن ذلك النقد أو الاحتقار موجه للإنسان ذاته. للإنسان كرامة لا بد أن تُحفَظ في كل الأحوال. أنتقد دينك وأكره ما فيه من تمييز وعنصرية، لكني لا أكرهك ولا أميز ضدك ولن أفعل ذلك، وسأحافظ على كل ما يضمن المساواة بين كل البشر.

هل نقد الإسلام خطاب كراهية؟

"Freedom go to hell".jpg
صورة لأحد المتظاهرين الإسلاميين في لندن
يحمل لافتة مكتوب عليها
”فلتذهب الحرية إلى الجحيم“[٣]

ربما أن مفهوم خطاب الكراهية (hate speech) ليس واضحاً في أذهان البعض، وربما أن توحد المسلم مع دينه هو الذي يجعله يفهم نقد الإسلام على أنه خطاب كراهية موجة للمسلمين. خطاب الكراهية هو ”كل قول يراد به الهجوم (أو التحريض على الهجوم) على شخص أو مجموعة من الأشخاص بناء على صفات معينة كالجنس والأصل العرقي والدين والإعاقة والميول الجنسية.“ الأصل في تعريف خطاب الكراهية هنا هو ’الهجوم‘ على الناس، وكل ما يعبر عن رأي في فكرة ما لا يعد هجوماً على معتنقها أو تحريضاً على الهجوم عليه، وخصوصاً لو كان من يعبر عن رأيه يطالب بالمساواة للجميع!!

نرى في الكثير من البلدان المتحضرة برامج ترفيهية يقوم فيها الكوميديان (comedian) بالسخرية من بعض أوضاع المجتمع، بما فيها التنميط (stereotyping) لبعض فئات المجتمع كالنساء أو الرجال أو اليهود أو السخرية من بعض الأفكار كالزواج أو الدين (غالباً ما يكون المسيحية)، ولكن لا يعاقب القانون في تلك البلدان السخرية بغرض انتقاد فكرة أو إبراز عيب ما في طريقة تفكير المجتمع، وذلك طالما لم يقم الكوميديان بالتحريض على العنف ضد أي من هذه المجموعات من البشر. فكيف يعتقد المسلم إذاً أن انتقاد دينه هو نوع من خطاب الكراهية ضد المسلمين؟!

انتقاد الإسلام ليس خطاب كراهية ضد المسلمين، ولكن المسلم لا يريد لأحد أن يذكر دينه إلا بالخير والفضل، ولأنه يتوحد مع دينه في كيان عقلي واحد، فإنه يرى في انتقاد دينه بذكر ما فيه من نقائص هجوماً مباشراً عليه كإنسان لأن تهديد وجود الإسلام يعني في ذهنه تهديد وجوده كإنسان بسبب توحده الفكري مع الدين، حتى لو كان هذا المسلم يحيا في بلد ذات أغلبية مسلمة تستمد قانونها من الشريعة الإسلامية طبقاً لدستورها!

Sydney Riots 2012
متظاهر إسلامي في سيدني بأستراليا يحمل لافتة عليها ”موتنا في الفردوس وموتاكم في الجحيم“ وآخر يعمل لافتة عليها ”اقطعوا رأس هؤلاء الذين يسيئون إلى النبي“[٤]

الكثير من المسلمين يرضعون منذ الصغر فكرة أن دينهم هو الدين الأعلى الذي يجب أن يسود العالم، وذلك مثل الحديث ”الإسلام يعلو ولا يعلى“ ومن القرآن ”إن الدين عند الله الإسلام“ (آل عمران ١٩) ومنه أيضاً ”قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله“ (البقرة ١٩٣) وغيرها الكثير، ويرى في التمييز ضد غير المسلمين حكمة إلهية غرضها حث الكفار على الدخول في الإسلام (بحسب ما سمعت من العديد من الأصدقاء المسلمين)، ولذلك فإنني أرى أن هذا جزء من المشكلة، لأن المسلم غالباً ما يرى أنه الأفضل والأعلى والأحق، بل هو الحق المطلق، ولذلك فإن كل انتقاد للإسلام الذي يعطيه هذه الأفضلية يهدد هذه المكانة العليا المقدسة الممنوحة من السماء. وربما يوجد مثل هذا الإحساس عند معظم المتدينين بوجه عام، غير أنني من تجربتي الشخصية مع الناس من مختلف الأديان (خبرة من أرض الواقع)، ومن قراءاتي في الإسلام (الفكر الذي يغذي السلوك على أرض الواقع)، أرى أنه أكثر بما لا يقارن في الإسلام عن غيره.

والخلاصة يا صديقي المسلم أن انتقاد دينك لا يعتبر هجوماً عليك. أنت كيان منفصل عن الفكرة التي يمثلها دينك.

هل نقد الإسلام يتعارض مع جوهر المسيحية؟

الخطوة الأخيرة قبل اللجوء للسخرية كنوع من قلة الحيلة هي الإشعار بالذنب. أظن أنني على دراية بجوهر المسيحية أكثر من صديقي المسلم الذي يستقي معلوماته عن المسيحية من مصادر إسلامية فقط أو يجعل مصادره الإسلامية هي المرجع الرئيسي لفهم المسيحية. سأناقش أولاً إذا ما كان انتقاد الأفكار المخالفة يعارض جوهر المسيحية أم لا، ثم سأناقش المثال الذي طرحه صديقي وهو ما قاله البابا بندكت السادس عشر عن الإسلام في محاضرة في ألمانيا.

هل تسامح المسيحية يعني منع نقد الرأي المخالف؟

بالطبع لا. التسامح مفهومه عند بعض المسلمين مشوه بشكل كبير، لأن التسامح في الإسلام هو غالباً السماح للآخرين بالتواجد مع الإسلام في نفس المكان ولكن على شروط الإسلام المجحفة التي تميز ضدهم لصالح المسلمين. التسامح في معناه الحقيقي هو أن تسمح بوجود الآخر المختلف معك على نفس شروط وجودك أنت شخصياً، فيكون له كافة الحقوق التي لك وعليه كافة الواجبات التي عليك، بدون أدنى نقص أو زيادة. أما أن تنتقص من حقوقه وتزيد على واجباته، فهذا ليس تسامحاً بالمرة، ومن الحقوق التي تنتقص من غير المسلم في البلدان ذات الأغلبية المسلمة حق انتقاد الإسلام، بل ويريدون نزع هذا الحق عن الناس في العالم أجمع، وقد رأينا كلنا ماذا حدث لرسام الكاريكاتير الذين جرؤوا على السخرية من الإسلام في هولندا وفي فرنسا! بل وتكرر نفس الموقف في الرد على محاضرة البابا بندكت كما سنرى لاحقاً.

ولأن موضوع التسامح يمكن أن يكتب فيه وحده عدة تدوينات، فسأكتفي بأن أذكر أن المسيحية التي توصي المسيحي بأن يحب أعداءه (الذين يناصبونه العداء فعلياً وليس من ’يظن‘ أنهم أعداؤه) ويطعمهم ويسقيهم إذا احتاجوا لذلك لم توصِ أحداً مطلقاً بألا يعبر عن رأيه في الآخرين. المحبة لا تعني يا صديقي أن أوافقك على أي رأي تعتنقه لكي لا تغضب. وبمنتهى البساطة، لو كان المبشرون الأوائل وافقوا كل الناس على معتقداتهم لكي لا يغضبوا لما كانت هناك مسيحية اليوم! وإذا كنت أنت أيضاً تعتقد أن الإسلام لم ينتشر بحد السيف والتمييز والإرهاب، فإنك لا بد أن تؤمن أن الإسلام انتشر بالدعوة الحسنة، والتي معناها أنه بين للآخرين أنهم على خطأ وأن الإسلام على صواب، أي أنه خالفهم في الرأي وعبر عن هذا الاختلاف.

أرى أن دينك ظالم، ولكن لو لم تكن أنت نفسك ظالماً، فليس عندي معك أدنى مشكلة، وفي جميع الأحوال سأدافع عن المساواة التامة في الحقوق الأصيلة للإنسان وفي واجبات المواطن للجميع، وكما ترى فإن الحقوق مقدمة على الواجبات.

البابا بندكت السادس عشر والإسلام

Papa Benedetto.jpg
البابا بينديكت السادس عشر[٥]

في محاضرة له في جامعة ريجينزبرج بألمانيا في الثاني عشر من سبتمبر عام ٢٠٠٦ اقتبس البابا بندكت السادس عشر، بابا الفاتيكان آنذاك، جملة من حوار دار في مطلع القرن الخامس عشر وترجمتها ”أرني الجديد الذي أتى به محمد وستجد فيه فقط الأشياء الشريرة وغير الآدمية مثل أمره بنشر الإيمان الذي دعا إليه بالسيف.“ وقامت الدنيا ولم تقعد في كل بلاد المسلمين لأن بابا الفاتيكان جرؤ على اقتباس عبارة قالها إمبراطور القسطنطينية في نقاش من ٥٠٠ عام أثناء حصار القسطنطينية من قبل جيش العثمانيين المسلم!

أوضح البابا بعدها وأوضح الفاتيكان بصورة رسمية أن البابا لم يقصد الإهانة للإسلام وأن العبارة مقتبسة، ولكن لم يؤثر هذا في رد فعل المسلمين في كافة أنحاء العالم والذي اشتمل على الحرق والقتل والتهديد بالقتل، على الرغم من أن البابا لم يكن مخطئاً فيما قال، حتى لو كان هذا هو رأيه شخصياً، فحرية الرأي مكفولة للجميع كما قلت سابقاً، وهو لم يحرض على أي أعمال من شأنها التمييز ضد المسلمين، وهذا ينفي كون كلامه يندرج تحت بند خطاب الكراهية.

ولا أدري من أين أتى صديقي بمعلوماته عن أن القساوسة في الفاتيكان ثاروا وغضبوا من تصريحات البابا بندكت السادس عشر، فلم أسمع شيئاً مثل هذا ولم أجد شيئاً مثل هذا عندما بحثت، ولا أدري أيضاً من أين أتى بمعلوماته عن أن البابا بندكت استقال من منصبه نتيجة ضغط قساوسة الفاتيكان الغضبانين عليه، وقد أكد البابا أنه استقال نتيجة إصابته بمرض الشلل الرعاش (Parkinsonism) وكبر سنه.

محاولات تكميم الأفواه

وهكذا عزيزي القارئ، فإن المسلم المتعصب الذي لا يريد أن يرى أي شيء في الوجود غير دينه يحاول بشتى الطرق تكميم الأفواه عندما يسمع ولو بالصدفة انتقاداً للإسلام، وذلك بدلاً من أن يرد على الفكر بفكر ويحترم حرية الآخر في الرأي والتعبير عن الرأي، وهو دائماً يريد أن يصير الإسلام هو الأعلى والحاكم والمسيطر، ولا أعني بهذا مجرد انتشار الإسلام بين الناس، بل سيطرة الإسلام على سلوك البشر عن طريق تطبيق الشريعة الإسلامية، والتي تعتبر—في رأي الكثيرين—أن انتقاد الإسلام هجوم عليه وعداء لله ورسوله مما يجعل المنتقد بالتبعية كافراً محارباً ليس له في شريعة الإسلام أي حقوق، ودمه يكون هدراً!

ولكن لأن أغلب المسلمين—كما أوضحت سابقاً—لا يتبعون تعاليم دينهم بكل دقة وحرفية، وإنما يحيون بالفطرة الإنسانية التي تقبل الاختلاف ولو على مضض، فإن أغلبهم لن يقتلك أو يؤذيك لمجرد انتقادك للإسلام، والكثيرون منهم لن يمارس ضدك أي نوع من العنصرية لمجرد انتقادك للإسلام ولكنه سيكرهك ويتجنبك، وهو ما لا بأس به في رأيي، إذ أن الحكم يكون على الأفعال لا الأفكار، والقليلون من المسلمين سيتقبلون النقد بصدر رحب وقد يحاولون الرد على الفكر بالفكر، ولكن هؤلاء في رأيي قلة تكاد تكون نادرة في بعض المجتمعات أو تنعدم في البعض الآخر.

وباستثناء هذه القلة، فإن المسلمين غالباً سيحاولون أن يسكتوك متى سمعوا نقداً لدينهم، وتتراوح محاولات الإسكات من القتل والأذى الجسدي والمعنوي والمادي (وهو نادر الحدوث) حتى التهديد بالإيذاء (أكثر شيوعاً ولكنه ما زال نادراً) ثم الترهيب بإلقاء الاتهامات المختلفة من ازدراء أديان (في المجتمعات الإسلامية) وعنصرية وخطاب كراهية (في المجتمعات المتحضرة) وإشعار بالذنب واخيراً—وهو شائع الحدوث بين المتعصبين من كافة الإتجاهات—السباب أو السخرية أو إدارة دفة الكلام بعيداً عن الدين أو استخدام قاموس المغالطات المنطقية كله!

المهم عند الكثيرين أن تكف عن الكلام، لا أن يناقشك في أفكارك.

من يخاف ممن؟

وأخيراً لا يسعني إلا أن أتساءل: مَن يخاف مِمَّن؟ هل يخاف العالم من الإسلام أم يخاف المسلم من نقد الإسلام؟ أرى أن العالم فيه من يخافون من الإسلام لأسباب واضحة، وهو مثل الخوف من النازية والفاشية بمختلف انواعها، وهذا خوف مبرر لا يمكن تصنيفه تحت بند الخوف المرضي. أما المسلم فيخاف من نقد الإسلام خوفاً مرضياً يجعله يدخل في حالة من الهلع عند سماع انتقاد الإسلام، ويحاول بشتى الطرق تجنب سماع هذا النقد، أو إسكات المنتقد بأي وسيلة، وكل هذا بدون أي سبب معقول!

نقد الفكر من حق أي إنسان، والفكر يقابل بالفكر وليس بالتهديد والترهيب أو بالهروب وصم الآذان، وإن كان الهروب وصم الآذان حق لكل إنسان لأنه لا يؤثر على الحقوق الأصيلة لمن حوله، أما التهديد والترهيب والإيذاء فمرفوض رفضاً باتاً قاطعاً.

وبينما أعترف أن هناك البعض ممن يمارسون العنصرية ضد المسلمين في بعض بقاع العالم، وهو بالنسبة لي شيء طبيعي لأن البشر فيهم الطيب وفيهم الخبيث، أؤكد أيضاً على أنني أرفض تلك العنصرية رفضاً قاطعاً، وأؤكد على ضرورة وجود قانون يحمي الكل ويعطي حقوقاً متساوية للكل بما فيهم المسلمين كافة بلا استثناء، ومثل هذا القانون غالباً ما تجده في البلدان المتحضرة مطبقاً على أرض الواقع، ولن تجده—إن وجد—في البلدان الإسلامية إلا حبراً على ورق.

وأخيراً، أرى أن الإسلاموفوبيا ليست هي الخوف المرضي الذي يصيب المجتمعات الغربية من الإسلام بلا مبرر، وإنما هي الخوف المرضي للمسلم من حرية الرأي التي تتيح للكل انتقاد الإسلام. الإسلاموفوبيا في رأيي هي نوع من الإسقاط النفسي من المسلم على المجتمعات الحرة. عافانا الله جميعاً من الأمراض.


نسب المصنفات

باستثناء المصنفات المنسوبة فيما يلي، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دوليرخصة المشاع الابداعي.

  1. أمرأة تعبر عن رأيها باستخدام مكبر للصوت في مظاهرة: موسوعة الإنترنت ويكيبيديا
  2. مقولة لبنيامين فرانكلين: موسوعة الإنترنت ويكيبيديا
  3. متظاهر إسلامي في لندن: موسوعة الإنترنت ويكيبيديا
  4. متظاهرين إسلاميين من سيدني بأستراليا: صفحة جيمي كيندي (Jamie Kennedy) على فليكر (Fickr)
  5. البابا بينديكت السادس عشر: موسوعة الإنترنت ويكيبيديا

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...