بحث هذه المدونة الإلكترونية

مشكلة الرعاية الصحية في مصر

الرعاية الصحية من أهم مقومات الدولة الحديثة، ومن أعمدة التقدم والحضارة في كل زمان ومكان، غير أن الرعاية الصحية في مصر ظلت مهملة — مثلها مثل العديد من المجالات — لعدة عقود، ونتج عن ذلك سلسلة من المشكلات التي تصب في بعضها البعض مما ينتج عنه المزيد من التدهور في الرعاية الصحية في حلقة مفرغة صار من الصعب جداً كسرها بدون تضافر مجهودات العديدين من مسؤولي الدولة في عدة مجالات، والأطباء، وكل من يعمل فيما يختص بالمجال الطبي من صيادلة وأطباء علاج طبيعي وأطباء أسنان وتمريض وموظفين في المجال الإداري والتأمين الصحي والخدمة الإجتماعية، بل وإعادة تشكيل للوعي المجتمعي فيما يختص بالمفاهيم الأساسية للرعاية الصحة وتحجيم فكر ”نظرية المؤامرة“ المسيطر على فكر المواطن المصري، وهذا بالطبع لن يمكن تنفيذه في سنوات قليلة حتى إن بدأت خطة الإصلاح اليوم، ولكن إن لم تبدأ خطة الإصلاح في أسرع وقت ممكن فإن كل يوم يمر يزيد من صعوبة إمكانية الإصلاح.

وأكتب هذا المقال في محاولة مني لتوضيح بعض العوامل التي تساهم في فساد منظومة الرعاية الصحية في مصر، وجدير بالذكر أن منظومة الرعاية الصحية هي منظومة في غاية التعقيد ولذلك فإن الكلام يطول في هذا المجال، ولا أظن أنني ألم بكل هذه العوامل، ولا أظن انني أستطيع أن ألم بها كلها، ولا أملك الحل للمشكلة، وإنما كل ما يمكنني فعله هو عرض رأيي وطرح المشكلة للنقاش.

منظومة الرعاية الصحية تعتمد على عدة أعمدة أساسية هي في رأيي ما يلي:

ميزانية الرعاية الصحية

تشكل ميزانية الصحة في مصر (٨٢ مليون نسمة) أقل من ٥٪ من إجمالي المصروفات العامة الواردة في الميزانية، وتشمل هذه النسبة كل ما ينفق على مجال الرعاية الصحية في مصر بكل اشكاله من أجور وأدوية ومستهلكات وصيانة وتطوير، ومتوسط إنفاق الدولة على الفرد في مصر سنوياً في القطاع الصحي يعادل ٧٢ دولاراً أمريكياً في عام ٢٠١٤–٢٠١٥ مقارنة بمبلغ ٣٢٨٣ دولاراً أمريكياً في مقاطعة أونتاريو الكندية ومبلغ ٣٦٨٨ دولاراً أمريكياً في المملكة المتحدة في نفس الفترة، و يوضح ذلك تفصيلاً في جدول ١، والمشكلة القائمة هنا أن أغلب الأدوية وأغلب الأجهزة والأدوات والمستهلكات الطبية والجراحية ليست من إنتاج مصر، وبالتالي فإنها تستورد بالعملة الأجنبية، ولا يساهم استيرادها في تنشيط الاقتصاد المصري بأي شكل، مقارنة بتصنيعها محلياً (وهو ما لا يحدث) والذي قد ينتج عنه تخفيض الأسعار بالإضافة إلى إيجاد فرص عمل وزيادة الدخل الضريبي للدولة، فإذا كانت تكلفة الرعاية الصحية في المملكة المتحدة، وبها نظام تأمين صحي عام وآخر خاص، وفي أونتاريو حيث تتكفل الحكومة بالرعاية الصحية بشكل كبير، تتكلف حوالي ٥٠ قدر ما تصرفه مصر على الرعاية الصحية، مع العلم أن تلك البلاد تنتج بعض المستلزمات الطبية محلياً، فما هو مستوى الرعاية الطبية الذي يمكن أن نتوقعه في مصر؟

جدول ١ - مقارنة بين ميزانية الصحة في مصر ومقاطعة أونتاريو الكندية والمملكة المتحدة
ميزانية الصحة بالعملة المحلية
(مليار)
إجمالي المصروفات بالعملة المحلية
(مليار)
نسبة مصروفات الصحة من الإجمالي قيمة العملة المحلية في آخر يوليو ٢٠١٤
(دولار أمريكي)
قيمة ميزانية الصحة
(مليون دولار أمريكي)
تعداد السكان
(مليون نسمة)
متوسط نصيب الفرد من ميزانية الصحة سنوياً
(دولار أمريكي)
٤٢٫٤
جنيه مصري
٧٨٩٫٤
جنيه مصري
٥٫٤٪ ٠٫١٣٩٨١ ٥٩٢٨ ٨٢ ٧٢
٤٨٫٧
دولار كندي
١٢٥٫٨
دولار كندي
٣٨٫٧٪ ٠٫٩١٦٨٠ ٤٤٦٤٨ ١٣٫٦ ٣٢٨٣
١٤٠
جنيه إسترليني
٧٣٢
جنيه إسترليني
١٩٫١٪ ١٫٦٨٨٦٢ ٢٣٦٤٠٧ ٦٤٫١ ٣٦٨٨

وعلى الرغم من الشكوى المستمرة من ضعف مستوى الرعاية الصحية في مصر على مدار السنوات العديدة الماضية، إلا أن نسبة ميزانية قطاع الصحة من إجمالي مصروفات الدولة ظلت ثابتة تقريباً على مدار السنوات الخمس الأخيرة، كما هو موضح في جدول ٢، الذي يقارن نسبة ميزانية الصحة بنسب بعض الميزانيات الأخرى من مصروفات الدولة، و في شكل ١ الذي يوضح نفس المعلومات بشكل بياني. وما أريد التأكيد عليه في هذا السياق أن ميزانية الصحة تساوي تقريباً ميزانية الدفاع والأمن القومي وميزانية النظام العام وشئون السلامة العامة، والأخيرة تشمل ميزانية الشرطة والهيئات القضائية، وأن ميزانية الصحة نصف ميزانية التعليم تقريباً وحوالي خمس ميزانية الحماية الاجتماعية والتي تشمل الدعم والمعاشات والشئون الاجتماعية. في جميع الأحوال، فإن ما ترصده الدولة من ميزانية لقطاع الصحة لا يمكن أن يؤدي إلى توفير خدمة صحية جيدة على الإطلاق في المستشفيات العامة، وهي التي يعمل بها معظم الأطباء وتوفر الخدمة الصحية لمعظم المواطنين من ذوي الدخل المتوسط فما أقل. وقد أوردت ميزانية الأزهر ونشر الدعوة الإسلامية لغرض سيتضح لاحقاً في المقال.

جدول ٢ - نسبة المصروفات في بعض القطاعات من ميزانية الدولة
القطاع ٢٠١٠—٢٠١١ ٢٠١١—٢٠١٢ ٢٠١٢—٢٠١٣ ٢٠١٣—٢٠١٤ ٢٠١٤—٢٠١٥
قطاع الحماية الاجتماعية ٢٧٫٦٣٪ ٢٩٫٦٩٪ ٣٠٫٦٧٪ ٢٦٫٦٤٪ ٢٧٫٥٣٪
— الدعم ٢٥٫٨٩٪ ٢٦٫٨٣٪ ٢٥٫٨٧٪ ٢١٫٩١٪ ٢٢٫١٩٪
— المعاشات ٠٫٩٩٪ ٢٫٢٥٪ ٤٫٠١٪ ٣٫٩٣٪ ٤٫٢١٪
— الشئون الاجتماعية ٠٫٤٨٪ ٠٫٦٠٪ ٠٫٥١٪ ٠٫٥٣٪ ٠٫٨٢٪
قطاع التعليم ١١٫٣٩٪ ١٠٫٤٨٪ ١٠٫٣٩٪ ١١٫٢٦٪ ١١٫٩٥٪
— التعليم العالي ٢٫٤٨٪ ٢٫٢٢٪ ٢٫٢٣٪ ٢٫٥٣٪ ٢٫٥٣٪
قطاع الصحة ٤٫٩٢٪ ٤٫٨٦٪ ٤٫٤٥٪ ٤٫٥٢٪ ٥٫٣٧٪
قطاع الدفاع والأمن القومي ٦٫١٥٪ ٥٫٣٥٪ ٤٫٤٧٪ ٤٫١٧٪ ٤٫٩٨٪
قطاع النظام العام وشئون السلامة العامة ٤٫٤٩٪ ٤٫٦٤٪ ٤٫٢٧٪ ٤٫٣٨٪ ٤٫٩٤٪
— الشرطة ٣٫٢١٪ ٣٫٢٦٪ ٢٫٩٥٪ ٣٫٠٧٪ ٣٫٤١٪
— الشباب والثقافة والشئون الدينية ٣٫٣٨٪ ٣٫٢٤٪ ٣٫٣٠٪ ٣٫٢٢٪ ٣٫٥٩٪
— الأزهر ١٫٢٦ ١٫١٦٪ ١٫١١٪ ١٫٠٨٪ ١٫٤٠٪
— نشر الدعوة الإسلامية ٠٫٥٤٪ ٠٫٥٣٪ ٠٫١٧٪ ٠٫٦٤٪ ٠٫٨٧٪
قطاع الإعلام ٠٫٠٩٪ ٠٫٠٧٪ ٠٫٠٦٪ ٠٫٠٥٪ ٠٫٠٥٪
شكل ١ - رسم بياني يوضح نسبة مصروفات الدولة على بعض القطاعات من إجمالي الميزانية

وكما نرى فإن الدعم يشكل حوالي ربع مصروفات الدولة، ومن المفترض في هذا الدعم الوصول ”لمستحقيه“ كما نسمع مراراً وتكراراً، وهؤلاء هم المواطنون من الشرائح ذات الدخل الأقل، وهؤلاء المواطنون تحديداً هم من يعتمدون على الخدمات الصحية التي توفرها الدولة، وهؤلاء أيضاً هم الذين يعانون الأمرين من سوء مستوى الرعاية الصحية الحكومية، ولا يسعني سوى التفكير في أن الدعم لا يصل فعلاً لمستحقيه، وأن هناك سوء توزيع في المصروفات الحكومية في هذا القطاع، خاصة أنه يزيد خمس مرات تقريباً عن إجمالي المصروفات في قطاع الصحة.

التعليم

رأينا أن مصروفات التعليم في مصر تشكل من ١٠٪ - ١٢٪ من إجمالي المصروفات في ميزانية الدولة، وتشكل مصروفات التعليم العالي من ٢٪ - ٣٪ من إجمالي المصروفات، أي حوالي نصف ميزانية الصحة ككل. السؤال الآن هو: هل النتيجة المرجوة من التعليم العالي يتم تحقيقها أم أن هذه المليارات من الجنيهات تصرف بلا طائل؟ هل يتخرج من الجامعات المصرية خريجون جدد يستطيعون المنافسة في سوق العمل العالمي أم أنهم يتخرجون ليقضوا أوقاتهم جالسين على المقاهي أو أمام شاشات التليفزيون، أو ليلجأوا للعمل في أي مجال آخر لا يمت بصلة لمجال تعليمهم الذي تصرف عليه الدولة المليارات؟ الواقع أن خريجي الجامعات المصرية غالباً ما يفتقرون إلى العلم والمهارة الكافيتين للمنافسة في سوق العمل، وأن سوق العمل لا يحتاج إلا كل هذه الأعداد الغفيرة من الخريجين إلا في مجالات قليلة محددة.

والتعليم الطبي هو جزء من التعليم الجامعي، وهو أيضاً مكلف بدرجة كبيرة، وكجزء من منظومة التعليم المنهارة في مصر، فإن التعليم الطبي المصري يقل في مستواه عن المستوى المقبول عالمياً، وإنكار هذا يعد من قبيل الغباء أو التغابي، وكل من تخرج من كليات الطب المصرية في السنوات الأخيرة يعرف تمام المعرفة أن بكالوريوس الطب المصري لا يمكن معادلته بأي شهادة طبية في أي دولة شبه متقدمة، وأن الماجستير والدكتوراه المصريين فقدا قيمتهما بشكل كبير خارج (وربما داخل) مصر، وأن المتخصص في مجال طبي ما الحاصل على شهادة في تخصصه من دولة غربية يحصل على أجر في الدول العربية ضعف ما يحصل عليه حامل درجة الدكتوراه المصرية في الطب.

فأين تكمن مشكلة التعليم؟ أظن أنها تكمن في الرقابة على الجودة في المجال التعليمي، لأن الحافز المادي ليس بقليل مقارنة بأجور الأطباء، وللتوضيح فإن شكل ٢ يقارن بين بعض المكافآت والبدلات والحوافز التي تعطى للأطباء مقارنة بالبدلات العسكرية في ميزانية الدولة، وشكل ٣ يقارن بعض هذه البدلات التي تعطى جزئياً للأطباء (ويشاركهم فيها عدد ضخم من العاملين في الدولة) بالبدلات العسكرية، ولذلك يجب مراعاة هذه الحقيقة عند النظر للشكل، فالأطباء يحصلون على جزء صغير من هذه البدلات، وشكل ٤ يقارن بين البدلات والمكافآت في قطاع التعليم والتعليم العالي بالبدلات العسكرية، وفي كل هذه الأشكال رسمت البدلات العسكرية باللون الأحمر لتسهيل المقارنة عبر الأشكال الثلاثة، ولو كنت قد حاولت مقارنة البدلات في مجال التعليم ببدلات الأطباء لما ظهرت الأخيرة لضآلتها النسبية.

شكل ٢ - الحوافز والبدلات التي تمنح للعاملين بقطاع الصحة مقارنة بالبدلات العسكرية
شكل ٣ - بعض الحوافز والبدلات التي تمنح جزئياً فقط للعاملين بقطاع الصحة مقارنة بالبدلات العسكرية
شكل ٤ - بعض الحوافز والبدلات التي تمنح للمعلمين وكادر الجامعة مقارنة بالبدلات العسكرية

والرقابة على الجودة لا تشمل فقط التفتيش على المعلمين، ولكن تشمل أيضاً تطوير المناهج وأساليب التدريس وأساليب تقييم الطلبة، وهذا ينطبق على كل مراحل التعليم من أول التعليم الأساسي إلى آخر التعليم الجامعي وما بعده من ماجستير ودكتوراه، وطالما أن المصروف على قطاع التعليم لا يحقق النتيجة المرجوة، فإنه يعد من قبيل المال المهدر الذي لا بد من النظر إليه نظرة فاحصة لأن التعليم هو أساس المستقبل، سواء في المجال الطبي أو غيره.

ويحضرني في هذا الشأن كيف أن الكثير من الدول المتقدمة لا توفر التعليم الجامعي مجاناً لكل الطلبة، وإنما تعطي من يستحق المعونة والمكافأة ليحصل على التعليم الجامعي، فتعطي الطالب غير القادر مادياً سلفة للتعلم في الجامعة — بشرط عدم فشله في التعليم الجامعي — يسددها بعد التخرج من دخله، وتعطي الطالب المتفوق منحاً مالية ودراسية، وتمنح الطلاب غير القادرين مادياً من المتفوقين منحاً إضافية يمكنهم من خلالها تسديد أي قروض تعليمية أخذوها من الحكومة، وكيف أن مثل هذه الدول أيضاً لها اختبارات قبول خاصة في التعليم الجامعي بالإضافة لشهادة التعليم الثانوي، فلا يقبل في التعليم الجامعي سوى من له المقدرة العقلية والرغبة الحقيقية في التعلم والرؤية المستقبلية لما يريده من التعليم الجامعي، وبذلك لا تهدر موارد وطاقات الدولة على من لا يستحق ومن لا يرغب في التعلم ومن لا يأخذ التعليم الجامعي بجدية، وتتحقق العدالة الاجتماعية بتوفير فرص التعلم لكل المواطنين بغض النظر عن مقدرتهم المادية، ويتخرج من الجامعة من له العلم والخبرة العملية الكافيتين للمنافسة في سوق العمل وإفادة نفسه والمجتمع عوضاً عن إضاعة وقت وموارد الكثيرين.

التطوير المهني

ممارسة الطب في تحديث دائم ومستمر، الآن أكثر من أي وقت مضى، نتيجة الأبحاث العلمية الغزيرة في مختلف مجالات الطب، ونتيجة تطوير الكثير من الأدوية والأجهزة الطبية وطرق العلاج، ولذلك فإن التعلم لا ينتهي بالنسبة للطبيب بمجرد الحصول على شهادة البكالوريوس أو الماجستير أو حتى الدكتوراه، لأن الكثير مما تعلمه سيكون قد تغير في ظرف عشرة سنوات أو عشرين على الأكثر، ولذلك فإن التعلم في مجال الطب لا بد أن يكون مستمراً، ولا بد أن يكون ترخيص مزاولة المهنة مرتبطاً باستمرار الطبيب في تعلم الجديد، هذا إن كنا نأمل في توفير مستوى من الرعاية الصحية يليق بالإنسان في القرن الحادي والعشرين.

ويدرج في ميزانية الدولة في قطاع الصحة ما يزيد عن العشرين مليون جنيه مصري تحت بند ”البحوث والتطوير وتدريب العاملين،“ وهو ما يبدو مشجعاً للوهلة الأولي، بالرغم من قلة المبلغ بالنسبة لتكلفة التطوير في القطاع الطبي، ولكن بالنظر إلى التفاصيل نجد (كما يوضح شكل ٥) أن معظم هذه الميزانية تخص العاملين في ديوان وزارة الصحة، والذي يحتوي على عدد ضئيل جداً من الأطباء مقارنة بباقي المستشفيات والوحدات الصحية التابعة للوزارة، وهذا يعني أن هذه الملايين لا تنفق على تطوير وتدريب الأطباء الذين يمارسون الطب فعلاً ويقدمون الخدمة الطبية للمواطنين، فلا عجب إذاً أن مستوى الخدمة الطبية في مصر متدني.

شكل ٥ - تكاليف البحوث والتطوير وتدريب العاملين في ديوان وزارة الصحة مقارنة بباقي قطاع الصحة

دخل الأطباء

كثيراً ما نسمع مقولة أن الطب مهنة إنسانية، وهناك من يقول أن الطب ليست مهنة على الإطلاق، بل هي رسالة، وكل هذا الكلام العاطفي جميل جداً، غير أن الطبيب إنسان، شئت أم أبيت، وهو ملتزم بإعالة أسرة وملتزم بمستوى معيشة أدنى يفرضه عليه المجتمع بحجة أنه طبيب، فلا يمكن مثلاً أن تقبل أن يقدم لك الخدمة الطبية طبيباً حافي القدمين أو يرتدي ملابس ممزقة أو متسخة، والطبيب مثله مثل أي إنسان آخر له تطلعات مادية يطمح لها، وهذا جزء لا يتجزأ من إختياره لمهنة الطب بكل ما فيها من ضغوط نفسية وصعوبات، والطبيب من حقه أن يأخذ قسطاً كافياً من الراحة بدون أن يتأثر دخله المادي بحيث يتمكن من تقديم الخدمة الطبية وهو على درجة من اليقظة والتنبه تتيح له تقليل فرصة الخطأ إلى الحد الأدنى الآدمي.

الخلاصة أن الطبيب إنسان مثله مثل أي إنسان، وفكرة أنه ملاك منزه (أو يفترض فيه أن يكون هكذا) هي فكرة ساذجة تبعد كل البعد عن الواقع، ولا يمكن لهذا الإنسان تقديم خدمة طبية على مستوى جيد بدون التعويض المادي المناسب، وقد رأينا من قبل مقارنة بين البدلات والحوافز في قطاع الصحة وبين البدلات العسكرية وقطاع التعليم، وكيف أن البدلات المخصصة لقطاع الصحة ضئيلة جداً بالمقارنة بالأخرى، وفي هذا الشأن سنتناول مقارنة أخرى بين البند الأول في ميزانية المصروفات (وهو بند الأجور وتعويضات العاملين) في قطاع الصحة مقارنة ببعض القطاعات الأخرى. إجمالي وزارة الداخلية (وتشمل ديوان عام وزارة الداخلية والشرطة ومصلحة السجون) عشر أمثال قطاع الصحة بالكامل تقريباً، بينما الأزهر (ولا يشمل جامعات الأزهر ولا نشر الدعوة الإسلامية ولا دار الإفتاء المصرية) يقارب خمس أمثال قطاع الصحة بالكامل، والهيئات القضائية (المحكمة الدستورية العليا والقضاء والنيابة العامة ومجلس الدولة وهيئة قضايا الدولة وهيئة النيابة الإدارية) تقرب أربع أمثال قطاع الصحة بالكامل، كما هو موضح في شكل ٦.

شكل ٦ - مقارنة بين أجور وتعويضات العاملين في قطاع الصحة بالهيئات القضائية والأزهر ووزارة الداخلية

غير أن ذلك ليس كل ما في الأمر. بالنظر للبند الأول في الميزانية (وهو الأجور وتعويضات العاملين) في قطاع الصحة، نجد أن حوالي ثلثي البند يخص العاملين بديوان وزارة الصحة (شكل ٧)، وكما قلنا فهم أقل عدداً بكل تأكيد وبشكل كبير من باقي العاملين في قطاع الصحة من أطباء وتمريض وصيادلة وأخصائيي علاج طبيعي وموظفين وعمال، ولكن الجانب المضيء من الموضوع أن ميزانية البند الأول انخفضت من الثلثين لديوان الوزارة إلى الثلث تقريباً، ولكنها مع ذلك غير عادلة، لأن عدد العاملين في ديوان الوزارة ضئيل بالنسبة لباقي العاملين في قطاع الصحة، وجدير بالذكر أن هذا البند يخص — كما قلنا — كل العاملين وليس الأطباء فقط.

شكل ٧ - نسبة البند الأول في قطاع الصحة بين ديوان الوزارة وباقي قطاع الصحة

وبناء على ما سبق، فإنني لا أستطيع بضمير صادق أن ألوم على الأطباء بشدة لتقصيرهم في تقديم الخدمة الطبية الحكومية والاستمرار في التعلم لما هو جديد وحديث، فمع كل ما سبق من تحديات مادية لا توفر الحكومة للطبيب ما يلزم لمجاراة التقدم العلمي، ولا توفر له ما يمكنه بسهولة من استكمال الدراسات العليا في مجال التخصص، ولا ما يمكنه من توجيه كل طاقته لعمله الحكومي بدلاً من البحث عن مصدر دخل إضافي، ولا ما يمكنه من القيام بعمله على الوجه الأكمل نظراً لنقص المستلزمات الطبية والأدوية والأجهزة اللازمة.

جدير بالذكر أيضاً أن ميزانية الدولة لنشر الدعوة الإسلامية تزيد عن ميزانية الأجور وتعويضات العاملين في قطاع الصحة بشكل ملحوظ (جدول ٣). ولا أدري ماذا يستفيد المواطن المصري من إنفاق كل هذه الأموال على الأزهر ونشر الدعوة الإسلامية وهو لا يجد الرعاية الصحية. عندما تفكر في الشكوى من مستوى الرعاية الصحية في مصر تذكر أن المصروف على الأزهر يعادل تقريباً ربع المصروف في كل قطاع الصحة بالكامل، وأن المصروف على نشر الدعوة الإسلامية هو أضعاف أضعاف المصروف على أجور وتعويضات العاملين في المستشفيات والمراكز الصحية، وإن كنت ترى أن الأزهر ونشر الدعوة الإسلامية أولى بتلك الأموال، فليس لك الحق أن تشكو من ضعف مستوى الخدمات الصحية.

جدول ٣ - مقارنة ميزانية البند الأول في قطاع الصحة بميزانية الأزهر ونشر الدعوة الإسلامية (بالألف جنيه)
٢٠١٠—٢٠١١ ٢٠١١—٢٠١٢ ٢٠١٢—٢٠١٣ ٢٠١٣—٢٠١٤ ٢٠١٤—٢٠١٥
البند الأول في قطاع الصحة ٢٫١٠٣٫١٧٤ ٢٫٢٢١٫٤٨٥ ١٫١٥٩٫٣٣٢ ١٫٦٥٨٫٩٨٧ ٢٫٠١٣٫٣٠٣
الأزهر ٤٫٧٢٨٫٢٧٦ ٤٫٩٧٨٫٩١٣ ٧٫١٨٨٫٢٣٢ ٧٫٢١٨٫١٦٧ ١٠٫٢١٨٫١٦٧
نشر الدعوة الإسلامية ٢٫٢١١٫٥٦٧ ٢٫٥١٣٫٤٩٩ ١٫٠٧٥٫٤٣٩ ٤٫٧٣٠٫٨١٧ ٦٫٨٨٤٫٤٨٦

تحسين ظروف العمل

ظروف العمل ليست هي الأجر المعطى للعامل ولا الأدوات التي يستخدمها العامل ولا إتاحة الإمكانيات للعامل لأداء عمله على الوجه الأكمل، وإنما هي الظروف المحيطة به أثناء تأدية عمله. الأطباء — خاصة الصغار منهم — يحتاجون لمبيت في المستشفى يحقق الظروف الآدمية للمعيشة، وأذكر أن سكن الأطباء في مستشفى قصر العيني إبان ما كنت طبيباً مقيماً هناك كان في حالة مزرية، غير أنه كان الشيء الوحيد المتاح، ولم تكن هناك بدائل أخرى، هذا بالإضافة إلى أن الوجبات المقدمة للأطباء، خصوصاً في العشاء كانت لا تتغير مطلقاً وكانت في أغلبها من المعلبات، وكان مطبخ السكن وكافيتريا الأطباء حيث تقدم الوجبات الساخنة مرتعاً للصراصير من مختلف الأشكال والألوان. كل هذا كان من حوالي خمسة عشر سنة، وأظن أن الحال الآن أسوأ من ذي قبل.

شكل ٨ - سكن الأطباء بإحدى مستشفيات الدقهلية
شكل ٩ - سكن مستشفى المنصورة الدولي

أنا لا أتكلم عن إيجاد وسائل ترفيه للأطباء المقيمين (كما يفعل العالم المتحضر) ولا مراعاة أحوالهم الشخصية أثناء تلك الفترة العصيبة من حياتهم المهنية، وإنما أتكلم عن ظروف المعيشة البسيطة التي يواجهها الطبيب المقيم كل يوم، وعن ظروف العمل التي يواجهها الطبيب في العيادة الحكومية كل يوم، والتي تشمل على سبيل المثال عدم توافر دورات مياه تليق بالبشر. كيف تتوقع من الطبيب أن يؤدي مهمة صعبة على الوجه الأكمل في ظروف معيشية أقل من آدمية؟ تذكر أن الطبيب إنسان، وقدرته على الاحتمال لا تزيد عن قدرة أي إنسان آخر.

شكل ١٠ - دورة مياه من مستشفى سوهاج العام
شكل ١١ - دورة مياه من مستشفى دمياط التخصصي

الرقابة المهنية

من المعروف والمثبت عملياً أن أي عمل لا يتم على الوجه الأكمل بدون رقابة ومحاسبة، وهذا ينطبق على قطاع الرعاية الصحية كأي شيء آخر، والرقابة المهنية هي من صميم تخصص نقابات الأطباء في كل العالم، لأن الطب مهنة تحتاج لعلم واسع جداً وخبرة عملية تكتسب فقط بالممارسة، ولذلك فإن المتخصصين من الأطباء ذوي الخبرة هم فقط الذين يمكنهم الحكم على أداء الأطباء الآخرين، ولا يصلح القاضي للحكم على أداء الطبيب أو على قراراته المهنية من جهة الصحة أو الخطأ، ولكن الظلم كل الظلم أن نضع على عاتق الأطباء، وخصوصاً الصغار منهم، كل هذه الأعباء المادية والمعنوية ونطالبهم بأداء يماثل أداء الأطباء في الدول التي تحترم الطب والطبيب وترصد للرعاية الصحية ما يكفيها من الأموال.

لهذا أوردت الرقابة المهنية بعد ميزانية الصحة ودخل الطبيب وتحسين ظروف العمل، ولقد كانت نقابة الأطباء قد حادت عن وظيفتها الأساسية بعد سيطرة الإخوان المسلمين عليها، فوجهت اهتمامها وطاقتها لجمع التبرعات لمساعدة المسلمين في أنحاء العالم، وهذا كان من الممكن أن يكون عملاً خيرياً إضافياً تقوم به النقابة لو أنها التزمت بواجبها ووظيفتها الأساسية وهي الحفاظ على المهنة والارتقاء بها، وهو ما لم يحدث في ظل سيطرة الإخوان المسلمين على نقابة الأطباء. والحق أن مشروع علاج الأطباء الذي بدأه الإخوان المسلمون في نقابات المهن الطبية كان مفيداً للأطباء من الناحية المادية، إلا أنه كان أيضاً يحقق ربحاً للنقابة لا نعلم كيف استخدمه الإخوان المسلمون في الارتقاء بالمهنة، وأظن أنهم لم يستخدموه لذلك الغرض.

الرقابة على الأدوية

يعرف أي مواطن مصري أنه يمكنه الدخول إلى أي صيدلية طالباً هذا المضاد الحيوي أو ذاك، ويعرف أن الصيدلي سيعطيه الدواء بدون الرجوع إلى طبيب، ويعرف أنه بإمكانه أن يشتري من أي صيدلية "مجموعة برد" إذا ظهرت عليه أعراض الرشح والسعال والصداع، وربما احتوت هذه المجموعة على قرص واحد من مضاد حيوي أساسي مثل الأموكسيسيلين، وهو طبعاً ما ترفضه كل أعراف وممارسات الطب في كل الدول المتقدمة، ونتج عن هذا ظهور أنواع من البكتيريا في المجتمع المصري مقاومة لأغلب المضادات الحيوية، والويل لمن يصاب بعدوى من أحد هذه الأنواع البكتيرية، لأن علاجه سيكون في قمة الصعوبة.

بل أن هناك من الصيدليات من يبيع سراً بعض الأدوية المصنفة في جدول المخدرات (جدول ٢، حيث أن الرقابة على جدول ١ شديدة) لمدمنيها أو يبيع بعض الأدوية المهربة من الخارج التي لم يتم الموافقة على نزولها السوق المصري، وهناك من يتاجر في الأدوية (وهم ليسوا بصيادلة ولا يفقهون في علم الأدوية) لأن القانون المصري يسمح لهم بذلك، وهذا كله يخالف الأعراف المهنية وأحياناً الأخلاقية، ولا بد من إحكام الرقابة عليه لأن الدواء جزء أساسي من منظومة الرعاية الصحية.

التوعية الصحية

توعية المواطن بالممارسات الصحية السليمة في مختلف أوجه الحياة جزء أيضاً كبير من منظومة الرعاية الصحية. الكثير من الأمراض يمكن تجنبها أو تجنب مضاعفاتها بالتوعية الصحية السليمة، وقد كانت التوعية الصحية أفضل في الماضي مما هي عليه الآن، وربما نذكر إعلانات تنظيم الأسرة والوقاية من البلهارسيا والإيدز والتوعية بخطورة الإدمان، وفي عصر المعلومات الذي نحيا فيه الآن فإن المواطن -- وبالأخص صغير السن -- في حاجة إلى مصدر للمعلومات موثوق به، وهذا هو دور وزارة الصحة، لأن الإنترنت يحتوي على الكثير من المعلومات الخاطئة كما يحتوي على معلومات مفيدة، والمواطن العادي لا يمكنه التمييز بين هذه وتلك، ولهذا نجد الآن انتشار الخرافات والنصابين، ليس فقط لغياب الرقابة وإنما أيضاً لضعف الوعي الصحي لدى المواطن الذي لم يعد يعرف بمن يثق.

وأخيراً أكرر أنني لا أعرف كل أسباب المشكلة ولا أملك حلولاً مباشرة لها، ولكن أرجو أن يكون طرحي هذا نواة لحوار مجتمعي ومهني يصل في النهاية إلى حلول مقترحة، ولا أظن أن هناك حلولاً سريعة لتلك المشكلة التي تكونت وتضخمت على مدار عدة عقود، وأرجو أن يكون هذا المجهود المتواضع سبباً في إلقاء الضوء على بعض أوجه النقص في تخطيط ميزانية مصر لما فيه صالح المواطن المتوسط.

مصادر المعلومات والصور

القيمة الدولارية للجنيه المصري والجنيه الإسترليني والدولار الكندي مقارنة بالدولار الأمريكي في آخر يوليو من اعوام ٢٠١٠ إلى ٢٠١٥

موقع وزارة المالية المصرية - الميزانية المعتمدة

ميزانية المملكة المتحدة لعام ٢٠١٤-٢٠١٥

ميزانية الرعاية الصحية في أونتاريو كندا لعام ٢٠١٤-٢٠١٥

صور من سكن الأطباء - بوابة الدقهلية

صورة دورة مياه من مستشفى سوهاج العام - بوابة المندرة

صورة دورة مياه من مستشفى دمياط التخصصي - بوابة فيتو

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...