بحث هذه المدونة الإلكترونية

البجعة السوداء

على مر قرون عديدة، لم ير سكان العالم القديم أي بجعة سوداء. كل طيور البجع التي رآها الملايين من البشر في وقت مضى كانت بيضاء. لك أن تتخيل عدد المشاهدات التي تمت في هذه الفترة، وفي ظني لا تقل عن البلايين (آلاف الملايين) من المشاهدات، و كلها لم تجد دليلاً واحداً على وجود بجعة سوداء. بالطبع، من المنطقي جداً أن يظن سكان العالم القديم أن البجع الأسود غير موجود، مثله مثل التنانين والأحصنة المجنحة و غيرها من الكائنات الخرافية، ولا نلومهم على ذلك بكل تأكيد، ولكن هل عدم رؤية بجعة سوداء وسط هذه البلايين من المشاهدات هو بالفعل دليل على عدم وجود البجع الأسود بشكل مطلق؟

طبقاً لقواعد نظرية الاحتمالات، لو افترضنا أن إحتمال وجود بجعة بيضاء (كلها أو معظمها، إذ أن رقاب بعض أنواع البجع قد لا تكون بيضاء) هو \(x\)، يكون احتمال وجود بجعة غير بيضاء هو \(y=1-x\)، ولو افترضنا أننا حصرنا خمسة مشاهدات منفصلة للبجع وكانت جميعها بجعات بيضاء، يكون احتمال أن تكون هذه المشاهدات كلها لبجعات بيضاء هو \(x\cdot x\cdot x\cdot x\cdot x=x^5\)، وبما أننا لم نجد ولا مشاهدة واحدة لبجعة غير بيضاء في المشاهدات الخمسة، فإن \(x^5>\frac{1}{5}\)، أي أن \(x>\left(\frac{1}{5}\right)^{\frac{1}{5}}\)، أي أن \(x>0.725\).

ولو ارتفع عدد المشاهدات إلى \(n\)، وفيها جميعاً لم نجد ولا مشاهدة واحدة لبجعة غير بيضاء، فإن \(x \gt \left(\frac{1}{n}\right)^{\frac{1}{n}}\)، وبناء عليه فلو صار عدد المشاهدات ألفاً فإن \(x \gt 0.993; y = 1-x \le 0.007\)، ولو صار مليوناً فإن \(x \gt 0.999986; y = 1-x \le 0.000014\)، أي أنه كلما زادت عدد المشاهدات الدالة على نفس النتيجة (بجعة بيضاء) بدون ولا مشاهدة تدل على نتيجة مختلفة (بجعة غير بيضاء) فإن احتمال كون تلك النتيجة حقيقياً يزداد إلى ما يقارب اليقين، واحتمال وجود نتيجة أخرى يتضائل إلى ما يقارب المستحيل.

لا يمكن إنكار هذه الحقيقة الرياضية على الإطلاق، ولكن...

هناك عوامل تحد من قابلية مثل هذه الاستنتاجات للتعميم المطلق، وهذه لا دخل لها مطلقاً بما استعرضناه من إثبات رياضي، وإنما بالمنهج المستخدم في الحصول على تلك المشاهدات. أين حدثت تلك المشاهدات؟ وهل شاهدها فرد واحد أم عدة أفراد؟ وما مدى صحة هذه المشاهدات؟ وخلال أي فترة زمنية حدثت المشاهدات؟ وهل يمكن لأي شخص آخر التأكد من هذه المشاهدات عن طريق إعادة التجربة؟ كل هذه عوامل تؤثر في صحة الاستنتاج القائم على الملاحظة بوجه عام، وإهمال هذه العوامل بتعميم الاستنتاج على كل شيء خطأ فادح يقع فيه الكثيرون. الاستنتاج القائم على الملاحظة هو ما يعرف أيضاً بالمنهج التجريبي أو المنهج العلمي، ويعرف في علم المنطق باسم الاستنتاج الاستقرائي (Inductive reasoning).

الواقع أن هناك بجع أسود يعيش في القارة الأسترالية، ولم تتح الفرصة لسكان العالم القديم أن يروا مثل هذا البجع، حتى اكتشاف القارة الأسترالية في القرن السابع عشر الميلادي. العامل الذي أهمله سكان العالم القديم في استنتاجهم أن البجع الأسود غير موجود هو أن مشاهداتهم تؤهلهم للوصول إلى استنتاج عما يمكن أن يرصدوه في مكان وزمان المشاهدات وبالطريقة التي استخدموها للمشاهدة، ولا ينطبق استنتاجهم على ما يخرج عن نطاق هذه الشروط، والقارة الأسترالية كانت خارج نطاق هذه الشروط، وبالتالي فإن تعميم الاستنتاج بشكل مطلق كان خاطئاً.

والكلام في هذا المقال مرتبط بمقال آخر سابق عن الفرق بين الدليل والبرهان، وبمقال آخر عن الفرق بين العلم والإيمان، وبمقولة رددتها ربما مئات المرات ولا زلت أرددها، وهي أن غياب الدليل ليس دليلاً على الغياب، أو كما يقولون بالإنجليزية «Absence of evidence is not evidence of absence»، وفي حالتنا هذه فإن غياب الدليل على وجود بجعات غير بيضاء لا يعد برهاناً قاطعاً على عدم وجود مثل هذه البجعات مطلقاً. والتاريخ مليء بالأمثلة الدالة على ذلك، وتاريخ العلم مليء بها لمن يريد البحث والتبحر، وسأذكر هنا نموذجاً شهيراً من تاريخ العلم.

عاش إسحق نيوتن (Isaac Newton) في الفترة من عام ١٦٤٢ ميلادي إلى ١٧٢٦ ميلادي، ونشر كتابه القواعد الرياضية للفلسفة الطبيعية (Philosophiæ Naturalis Principia Mathematica) عام ١٦٨٧ موضحاً فيه اكتشاف الجاذبية الأرضية والقوانين الرياضية التي تحكمها، كما وضح فيه العلاقات الرياضية التي تحكم الحركة الميكانيكية، فيما لا يزال يعرف حتى الآن بقوانين نيوتن للحركة، وما زالت تستخدم لمعظم الأغراض العملية، ومن المعروف عن نيوتن أيضاً أنه من مؤسسي علم التفاضل والتكامل، وذلك شيء لو تعلمون عظيم، ولكن الفرق بين اكتشافاته في مجال الرياضيات وبينها في مجال الفيزياء أن الأولى تعتمد على المنطق الاستنباطي (Deductions reasoning) والذي تعتمد عليه كل العلوم الرياضية، وهو لا يعرف إلا الصحة أو الخطأ، فإما أن يكون الشيء صحيحاً كلية أو خاطئاً كلية (طبقاً للمنهج التقليدي)، بينما الثانية تعتمد على المنهج العلمي التجريبي، وبالتالي فإنها تحتمل الخطأ والصواب، ولكن الملايين من المشاهدات على مر عدة قرون أكدت صحة قوانين نيوتن، واستمر الحال هكذا حتى مطلع القرن العشرين، حيث ظهرت بعض المشاهدات التي لا تفسرها قوانين نيوتن. هذا يعني أن تعميم صحة قوانين نيوتن بشكل مطلق كان خاطئاً.

ولد ألبرت آينشتاين (Albert Einstein) عام ١٨٧٩، وفي عام ١٩٠٥ نشر النظرية الخاصة للنسبية (Special relativity) والتي فسرت فشل قوانين نيوتن في بعض التجارب، ووضحت أن قوانين نيوتن صحيحة في حدود معينة، وفي عام ١٩١٥ نشر النظرية العامة للنسبية (General relativity)، والتي تعد من أعمدة الفيزياء الحديثة، وعلى أساسها بنيت المفاعلات النووية والقنبلة النووية التي غيرت مجرى التاريخ وأنهت الحرب العالمية الثانية.

ولكن بعض النظريات والمشاهدات الأخرى التي نشرها علماء آخرون لم تتفق مع النظرية النسبية، مثل ما نشره العلماء ماكس بلانك (Max Planck) وفيرنر هايزنبرج (Werner Heisenberg) ونيلز بور (Niels Bohr) وفولفجانج باولي (Wolfgang Pauli)، وظهر نوع آخر من القوانين الفيزيائية ينطبق على الجسيمات الذرية المكونة للذرة، وأطلق عليه اسم ميكانيكا الكم (Quantum mechanics)، ولا يزال العلماء يبحثون عن نظرية تجمع بين النسبية وميكانيكا الكم وتضع حدوداً لكل منهما، فظهرت نظرية الأوتار (String theory) من أجل هذا الغرض، ولكن التأكد منها بشكل عملي مستحيل في الوقت الحالي.

المقصود أن التحقق من أمر ما ممكن عن طريق المنهج التجريبي، ولكن في نطاق شروط التجربة، ولا يمكن تعميم الاستنتاج خارج هذه الشروط، وتكرار نفس النتيجة في التجارب العملية لا يعني مطلقاً أن نفس النتيجة ستتحقق إذا تغيرت شروط التجربة وظروفها، فالمنهج العلمي التجريبي إذاً محدود بشروط ينبغي مراعاتها عند الاستنتاج لنتجنب الوقوع في خطأ التعميم غير القائم على الدليل، والمنهج العلمي التجريبي لا يوفر برهاناً على أي شيء على الإطلاق، وأقصى ما يمكنه هو أن يقربنا لليقين عن طريق الاستدلال، ولا يمكنه البتة الوصول بنا لليقين التام، حتى تحت نفس الشروط والظروف التجريبية، لأننا لا يمكن أن نكون متأكدين مما سيحدث في المستقبل، ولكننا نقبل فرضية أن القوانين الفيزيائية لا تتغير بمرور الزمن.

فهل يستطيع المنهج العلمي التجريبي أن يؤكد أو ينفي وجود خالق؟ بكل تأكيد لا يستطيع، لأن من التعريف الأساسي للخالق في الكثير من الأديان أنه خارج نطاق المادة، وبالتالي لا يمكن رصده بشكل مباشر، وغياب الدليل المباشر على وجوده لا يمكن الاعتداد به كدليل على عدم وجوده، حتى لو كان ليس خارجاً عن نطاق المادة، فلا يمكننا الادعاء بأننا رصدنا كل ما هو موجود في الكون بشكل كامل، والطاقة المظلمة (Dark energy) مثال على ذلك، ولذلك فإن كل من يجزم بعدم وجود خالق يقع في خطأ منطقي وعلمي فادح، وكل من يؤكد وجود براهين علمية على وجود خالق يقع في نفس الخطأ وربما أفدح.

هو اختيار شخصي، عزيزي القارئ، لا يرقى لمرتبة اليقين إلا في ذهن الأفراد، ولا يمكن لعلم أو منطق أن يرجح إحدى الكفتين.

استعقلوا واسترشدوا، أُثِبتم!

الدليل و البرهان

في قاموس «مقاييس اللغة» نجد:

الدال واللام أصلان: أحدهما إبانة الشيء بأمارةٍ تتعلّمها، والآخَر اضطرابٌ في الشيء.
والدليل: الأمارة في الشيء.

ويقابل هذه الكلمة في اللغة الإنجليزية كلمة «Evidence»، ونجد في قاموس التراث الأمريكي (American Heritage Dictionary):

Evidence: A thing or things helpful in forming a conclusion or judgment.

وفي قاموس «لسان العرب» نجد:

وأَبْرَهَ الرجلُ: غلب الناس وأتى بالعجائب.
والبُرهانُ بيانُ الحجة واتِّضاحُها.
وفي التنزيل العزيز: قل هاتوا برهانكم. الأزهري: النون في البرهان ليست بأصلية عند الليث، وأما قولهم بَرْهَنَ فلانٌ إذا جاءَ بالبرهان فهو مولَّد، والصواب أَن يقال أَبْرَهَ إذا جاء بالبرهان، كما قال ابن الأعرابي، إِن صحَّ عنه، وهو رواية أبي عمرو، ويجوز أَن تكون النون في البرهان نون جَمْعٍ على فُعْلان، ثم جُعِلَت كالنون الأصلية كما جمعوا مَصاداً على مُصْدانٍ ومَصِيراً على مُصْرانٍ، ثم جمعوا مُصْراناً على مَصارِينَ، على توهم أنها أصلية.

ويقابل هذه الكلمة في اللغة الإنجليزية كلمة «Proof»، ونجد في قاموس التراث الأمريكي:

Proof: The evidence or argument that compels the mind to accept an assertion as true.

وعليه فإن الفارق بين الدليل والبرهان أن الدليل ما هو إلا ”أمارة“ يترجمها مُستَقبِله في عقله كيفما شاء، وقد يقوده إلى استنتاج صحيح إذا فهمه وترجمه بصورة صحيحة، أو إلى استنتاج خاطئ إذا أخطأ الفهم أو الترجمة، فنجد دليلاً على شيء ودليلاً آخر ينفي هذا الشيء، ونجد دليلاً يُفهَم على محمل معين ثم يُعاد فهمه على محمل مختلف في وقت لاحق لمجرد تغير الإطار الذي تُرجِم فيه هذا الدليل أو يُفهَم على محمل مختلف من شخص مختلف، بينما البرهان لا يقبل الشك ولا يقبل التأويل وليس حمّال أوجه، ولكن كم من براهين في تاريخ البشر ثبت لاحقاً أنها لم تكن براهين مطلقاً وإنما كانت أدلة أسيء فهمها.

ولذلك يجب على المفكر الباحث أن يتحرى الدقة في تفسير وفهم كل ما يظنه دليلاً لكي لا يرفعه إلى مرتبة البرهان وهو غير أهل لذلك، فيترتب عليه ما قد يترتب من أفكار وأحداث لا تلبث أن تنهار حينما يهبط البرهان المزعوم إلى مرتبة الدليل. أما المتسرع أو ضعيف العقل فقد يأخذ كل دليل على أنه برهان، و ربما يأخذ الجاهل ما هو ليس بدليل على أنه دليل وقد يرفعه في نظره إلى مرتبة البرهان، وهذا هو الفرق بين المفكر الباحث وبين المتسرع أو الجاهل أو ضعيف العقل.

فكيف يُعرَف الدليل وكيف يُعرَف البرهان؟ الدليل يرجح حدوث المدلول عليه ولا يؤكده، والدليل يُضحَد بدليل آخر، والدليل حمّال أوجه يتغير تفسيره بتغير الإطار الذي يتم فيه التفسير أو يختلف من شخص لآخر، أما البرهان فيؤكد حدوث المُبرَه عليه ويستحيل ضحده أو تغيير تفسيره.

وللإنسان عقل يميز به بين هذا وذاك، والصعوبة في التمييز لا تكمن في الحاجة لمستوى معين من الذكاء، وإنما في الحاجة لعلم كافٍ وحيادية في التفكير واتساع أفق. وبصفة عامة يكاد البرهان ألا يوجد خارج نطاق علوم الرياضيات كالجبر والهندسة والتفاضل والتكامل والمنطق (كتراكيب وليس كاستنتاجات) وغيرها، فمثلاً يستحيل أن يكون حاصل جمع ٦ و ٨ أي شيء إلا ١٤، وإذا قلنا أن س + ص = ٨ وأن ٢س – ص = ١٠ فلا يمكن إلا أن تكون س = ٦ وتكون ص = ٢.

وقد تكون التفرقة بين الدليل والبرهان صعبة في بعض الأحيان، فمثلاً هل يمكن أن نبرهن على أن أي جسم يترك من علٍ سيسقط حتماً ودون أدنى شك على الأرض؟ للوهلة الأولى سيقول القارئ «بكل تأكيد يمكن، فلو فعلت ذلك بنفسك المرة تلو الأخرى سيقع الجسم دائماً على الأرض.» والواقع أن هذا دليل وليس برهاناً. كيف؟! في كل مرة تترك فيها الجسم ليسقط هناك احتمالان: أن يسقط فعلاً (وهو احتمال نجاح التجربة) أو لا يسقط (وهو احتمال فشلها) ولو أجريت التجربة مرة واحدة لما زاد أي من الاحتمالين عن نسبة ٥٠٪، ولكن بتكرار التجربة وحساب عدد حالات النجاح وحالات الفشل يمكن أن نصل إلى تقريب أفضل لقيمة هذين الاحتمالين، فإذا نجحت التجربة مثلاً مئة مرة متتالية، فذلك يعني أن احتمال الفشل حتماً أقل من ١٪، والواقع أن احتمال الفشل في هذه الحالة هو واحد في العشرة آلاف تقريباّ. وهكذا لو كررت التجربة عدداً أكثر من المرات، وفي جميعها نجحت، لكان يصح أن نقول أن احتمال الفشل يكاد يكون صفراّ، ولا يصح أن نقول أنه صفر مطلق، وما يُدري أياً منا أن نفس الشيء سيحدث غداّ؟ أو في الأسبوع المقبل؟ أو السنة المقبلة؟ لا يمكن لأي منا أن يؤكد ما سيحدث في المستقبل بشكل مطلق. و لهذا فإن كل العلوم التجريبية تعتمد على أدلة ولا تعتمد على براهين، اللهم إلا فيما يختص بالمعادلات الرياضية التي قد تستخدم في تلك العلوم.

وإذا كان الأمر كذلك فيما يختص بالمنهج العلمي في العلوم الحديثة، فكم بالحري فيما يختص بأمور الحياة اليومية التي تخلو عادة من التدقيق والفحص. إن العقل البشري يمكن خداعه بسهولة، ومن الثابت في علم النفس أن ترجمة المستحثات المختلفة سواء عن طريق السمع أو النظر أو اللمس يتأثر بشكل كبير جداّ بالحالة الذهنية للمُستَقبِل، ولهذا يمكن لعدة أشخاص يرون ويسمعون نفس الأحداث أن يفهموها بطرق مختلفة تماماً عن بعضهم البعض، ولهذا أيضاً تعتبر شهادة شهود العيان من أضعف الأدلة في التحقيقات الجنائية.

وأعني بما قلت سابقاً أن ما تراه وتسمعه في حياتك اليومية لا يعد برهاناً على شيء مطلقاً، وإنما هو في أحسن الحالات دليل يقبل الشك، حتى لو كان الشك ضئيلاّ، فلا تتمسك بوجهة نظر معينة تمسكاً مطلقاً بناء على أدلة، ودَعْ مجالاً للشك، ولا أعني بقولي هذا أن تهمل احتمالاً كبيراً لصحة شيء ما، لإنه لو كان الحال كذلك لما كان للعقل فائدة، بل أعني أن قناعتك بشيء ما لا يجب أبداً أن تجعلك منغلقاً رافضاً لاعتبار أي أفكار أو وجهات نظر مخالفة. فليكن العقل دائماً هو الحكم في قناعاتك، وليست القناعات السابقة أو السائدة. افتح عقلك لكل الأفكار والآراء، حتى ما قد يبدو لك منها غريباً أو مرفوضاً للوهلة الأولى، ولا تقتنع إلا بما تراه مرجحاً، وتذكر أن حياتنا اليومية تكاد تخلو من البراهين. لنفسي أقول الجمل السابقة، ولمن يراها ذات فائدة.

المصريون

من هم المصريون؟ هل هم قدماء المصريين الذين اندثرت حضارتهم من مئات السنين؟ هل هم شخصيات تاريخية لا وجود لها في عصرنا الحاضر؟ هل هم الأقباط، بدعوى أن من ظل على دين المسيحية من سكان مصر بعد الغزو العربي هو من ينحدر من سلالة المصريين القدماء، وأن غيره وافد أو غازٍ؟ أم هل هم المسلمون الذين يشكلون الغالبية العظمى من سكان مصر في الوقت الحالي؟ وهل المهاجرون من المصريين مصريون أيضاً أم أن مصريتهم سقطت عنهم بالتقادم؟ وماذا عن اليهود الذين يحملون الجنسية المصرية؟ صحيح أن عددهم ضئيل جداً حالياً، ولكن الوضع لم يكن كذلك في الأربعينات من القرن الماضي وما قبلها. واليهود جنس مختلف عن المصريين، وهم في الغالبية شبه المطلقة يتزوجون من جنسهم فقط، ولذا فهم ليسوا من نسل قدماء المصريين. فهل هم مصريون؟ وماذا عن المتجنسين بالجنسية المصرية من الوافدين والمهاجرين؟ هل هم مصريون؟

الحقيقة أنني أرى مصر في ضوء تاريخها الطويل المعقد، وفي ضوء التنوع العرقي والثقافي لسكانها على مر العصور. في زماننا هذا، يفترض أن المصري هو من يكون ولاؤه الأول لمصر كوطن، وليس من ينحدر من نسل الفراعنة أو من يحمل جواز سفر مصري، وإن كان التاريخ يحكي لنا أن المصريين—مثل غيرهم من الأعراق—كانوا في حقبة ما مقصورين على أصلهم العرقي، مثلهم مثل اليهود والفرس والإغريق والرومان، ومثل قبائل العرب التي كان أهلها ينتسبون لقبائلهم وأصولهم العرقية، ثم تحولت النظرة مع الغزو العربي لمصر، فصار المصري من ولد في مصر أو سكن بها، وصار الانتماء والولاء للإسلام أولاً قبل الوطن، أو لنقل أن مفهوم الوطن كأرض محددة جغرافياً نفاه الإسلام تماماً، وظل الحال هكذا حتى عصرنا الحديث، والذي لا يتجاوز المئة عام الأخيرة.

وعلى مر تاريخ مصر الطويل، غزاها وحكمها الكثير من الأعراق، مثل الهكسوس والنوبيين والآشوريين والفرس والإغريق والرومان والعرب وبلاد ما وراء النهر (كزاخستان وأوزبكستان وطاجكستان وكرجستان حالياً) والأكراد والشراكسة والعثمانيين والفرنسيين والإنجليز، ووفد إليها الكثير من الأعراق مثل اليهود والتركمان والأمازيغ والأرمن والشوام والسودانيين واليونانيين والإيطاليين، ويكاد يكون من المستحيل أن سكان مصر الأوائل قد احتفظوا بنقائهم العرقي مع كل هذه الأعراق الوافدة. المصريون الحاليون هم مزيج من اختلاط تلك الأعراق جميعها بقدماء المصريين، سواء كان هذا الامتزاج ناتجاً عن اغتصاب النساء في فترات الغزو أو عن طريق الزواج، والنتيجة المحققة لذلك أن المصريين الحاليين، على الرغم من تغلب العرق الأصلي عليهم، هم أبعد ما يكون عن النقاء العرقي، إلا ربما في بعض قرى الصعيد البعيدة عن العمران والتي لم تختلط بكل هذه الأعراق.

أما ادعاء أن الأقباط هم النسل الذي احتفظ بنقائه العرقي عن قدماء المصريين فهذا أيضاً مردود، فحتى مع أنهم لم يتزوجوا من المسلمين، وإن تزوجت مسيحية بمسلم فأولادهما وبناتهما يصيرون مسلمين بالتبعية للأب كما في الشرع الإسلامي (انظر الرابط الأول والثاني والثالث والرابع)، فلا يمكن إثبات أنهم لم يتزوجوا من المسيحيين الوافدين من الشام وأرمينيا وأوروبا، بل العكس هو الصحيح، فنجد ممن نعرفهم من لهم أصول من أحد هذه الأعراق، بالإضافة إلى أننا لا يمكننا التأكد من أن المصريين الذين قبلوا المسيحية في القرن الأول الميلادي كانوا أنقياء العرق، وربما كانت لهم أصول أجنبية ناتجة عن الاختلاط مع أعراق أخرى قبل دخول المسيحية إلى مصر.

ولا يمكن أيضاً الادعاء أن مسلمي مصر الحاليين ليسوا مصريين، فنحن نعلم من التاريخ أن عدداً ليس بقليل من المصريين دخل في الإسلام مع الغزو العربي لمصر، والأوقع أن يكون مسلمو مصر الحاليون في مثل نقاء أقباطها عرقياً أو أقل قليلاً نتيجة الاختلاط مع الغزاة العرب، ولكن هم أيضاً مصريون من وجهة النظر العرقية، وفي جميع الأحوال لا يصح مجرد الادعاء أن مسلمي مصر لا ينحدرون من نسل قدماء المصريين وبالتالي فهم ليسوا مصريين. هذا من وجهة النظر العرقية، وهي ليست كل ما في الأمر.

أما ثقافة المجتمع المصري فهي مزيج أيضاً من كل ما وفد عليها، وإن كان الطابع المصري القديم قد ترك فيها بصمات في العادات والتقاليد واللغة لم يمحها الزمن، فنرى المصريين يحتفلون بيوم شم النسيم، وهو عيد مصري قديم جداً، ونراهم يحزنون على موتاهم أربعين يوماً، وهي الفترة التي كانت تلزم لتحنيط الموتي في مصر القديمة، ونرى سلطان الأم في مجتمعات الصعيد الأعلى كما كان في مصر القديمة، وغيرها الكثير الذي يتضح لمن يبحث في هذا الأمر، ونجد فيها أيضاً بعض الطابع المسيحي، وهو ليس بالكثير لأن الإسلام لم يسمح بأكثر من ذلك، ونراه في ارتباط شم النسيم بعيد القيامة الذي يتغير تاريخه من عام للآخر، ونرى فيها الطابع الإسلامي بوضوح، وذلك لا يحتاج لتفسير. المصريون لهم ثقافة مختلفة تميزهم عمن حولهم من الجنسيات، وهي هذا المزيج العبقري من كل ما مر عليها عبر السنين، ولهجاتهم العربية لا شبيه لها في البلدان الأخرى الناطقة بالعربية. المصريون ليسوا عرباً ولا أفريقيين ولا شوام ولا فراعنة ولا أتراك ولا أوروبيين، بل هم كل ذلك مجتمعاً، وهذا ما يميزهم عن غيرهم وما يجعلهم يفتخرون بأنهم مصريون.

فمن هو المصري الآن؟ المواطن في الدولة الحديثة الذي يحمل جنسية هذه الدولة وينتمي إليها هو من يضع انتماءه لهذه الدولة أولاً قبل أي انتماء آخر، بغض النظر عن أصله العرقي أو دينه أو أي شيء آخر، ولهذا أرى أن المتطرفين من المسلمين الذين يضعون انتماءهم الديني قبل انتمائهم للوطن ليسوا مصريين، كذلك الذي قال «إن المسلم الإندونيسي أقرب للمسلم المصري من النصراني المصري» أو «طز في مصر وأبو مصر»، وأرى أن القبطي الذي يدعي أنه ”صاحب البلد“ وأن المسلم ضيف عليه هو أيضاً ليس مصرياً، لأنه يضع انتماءه الديني قبل انتماءه للوطن الذي يجمعه مع من يختلف معه في الدين، بينما ذلك الوافد الذي يعيش على أرض مصر ويعشقها وهو على استعداد أن يضحي بحياته من أجلها هو مصري مصري مصري، حتى إن قال جواز سفره خلاف ذلك. وأرى أن من يريد أن يمحو الهوية المصرية بدمجها في أخرى فيجعل من المصريين عرباً أو أفريقيين ليس مصرياً أيضاً. وأرى أن من يتنكر لتاريخ مصر الطويل ويعتبر الآثار التي أبهرت العالم أصناماً والحضارة الفرعونية عفنة ليس مصرياً أيضاً. وأرى أن من يحتقر مصر—وليس من يحزن على حالها أو ينتقده—ويريد أن ينسلخ منها كلية ويصير جزءًا من وطن آخر ليس مصرياً. ومن يتنكر للغتها وثقافتها ليس مصرياً، حتى إن كانت هذه الثقافة بها الكثير من الأخطاء، فالواجب إصلاح الأخطاء بمواجهتها وليس التنكر لها.

وأراني مصرياً، فحتى في غربتي لا تزال مصر تشغلني، ولا تزال ممتزجة بكياني امتزاجاً لا ينفصل، ولا أزال أحاول إصلاحها بقدر ما تسمح به الإمكانيات، وكان يمكنني أن أنساها وأحيا في غربتي مستمتعاً بما بقي لي من سنين بعيداً عن كل المشكلات التي لا تمسسني بشكل مباشر أو غير مباشر، ولكنني لم أستطع، لأني مصري.

وأسأل القارئ أخيراً، من تظن أنه مصري؟

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...