بحث هذه المدونة الإلكترونية

العدالة الإسلامية

هذا المقال هو أحد مجموعة من المقالات تختص بنقاش موضوعات إسلامية بشكل أو بآخر. ستجد في هذا الرابط قائمة بالمقالات المتاحة.

بدون التفاف حول الموضوع، رأيي أن الشرع الإسلامي غير عادل، ويميز لصالح المسلم ضد غير المسلم، وقد أوضحت هذا سابقاً في مقال «معضلة الإسلام الليبرالي» ومقال «هل يطالب الأقباط بتطبيق الشريعة الإسلامية؟» ومقال «الإلزام القانوني و الالتزام الديني». فهل الشرع الإسلامي عادل وأنا المفتري عليه؟ هذا موضع نقاش مقالي هذا.

الأطروحات المنطقية التي أتلقاها عادة في هذا الشأن تنحصر في الآتي:

الإسلام يسمح لغير المسلمين بالاحتكام لشرعهم في شئون دنياهم

وهذا ينطبق فقط على أمور الأحوال الشخصية والمواريث وفقط في حال كون المتنازعين أمام القضاء كليهما غير مسلمين وكليهما ينتميان لنفس الطائفة أو الديانة، فإذا كان أحد الأطراف المتنازعة مسلماً طبق الشرع الإسلامي بغض النظر عن أي شيء آخر لأن الإسلام هو ’الدين الأعلى‘، وإن إختلفت الأطراف المتنازعة في الدين أو الطائفة طبق الشرع الإسلامي لكونه القانون الأساسي (default) في الدولة. الأساس في الإسلام أن القانون هو الشرع الإسلامي وأن الإسلام ’لسماحته‘ يسمح لغير المسلمين بالاحتكام لشرائعهم في أحوالهم الشخصية، وكأن الإسلام يعتبر غير المسلمين ضيوفاً على الدولة وليسوا مواطنين مساوين في الحقوق والواجبات لأي مواطن آخر في الدولة. الواقع أن الإسلام لا يساوي بين المواطنين، حتى المسلمين منهم، وإن كان المسلمون راضين بهذه التفرقة فأنا كمواطن لا أرضى بها و أرفض أن تكون قانوناً. لمن يريد أن يلتزم بأوامر دينه أن يلتزم بها كيفما شاء، ولكن ليس له الحق أن يفرض التفرقة أساساً للتشريع في الدولة بحجة أنها كلام الله.

المشكلة في تطبيق القانون وليست في القانون

البعض يدعي أن المشكلة في تطبيق القانون وليست في النص نفسه، والحقيقة أن نص القانون يختلف عن تطبيقه، وفي كل أرجاء العالم وعلى مر العصور اختلف النص عن التطبيق، وكثيراً ما كان النص عادلاً والتطبيق مجحفاً، ولكن هذا لا ينطبق على الشرع الإسلامي. النص في الشرع الإسلامي به تفرقة واضحة بين الناس، وبالأخص لصالح الرجل دون المرأة و لصالح المسلم دون غير المسلم، وهذا يجعل من فكرة فساد التطبيق أكذوبة ومغالطة، لأن النص نفسه لا يساوي بين الناس. إن كان أحد يساوي بين الناس في التطبيق، فهذا لا يتماشى مع النص، وإن كان أحد يزيد في التمييز بين الناس فهذا يزيد من إجحاف النص. الأصل هو النص، والفرع هو التطبيق، وفساد التطبيق يمكن إصلاحه بالتوعية والمراقبة، وفساد النص لا يمكن إصلاحه إلا بتغيير النص، وفي الإسلام تغيير النص مستحيل لأن النص مقدس. القانون الوضعي الذي يساوي بين الكل هو الحل، وللجميع الحق في الالتزام بتعاليم دينهم متى أرادوا، و لكن إن لم يريدوا فإن القانون يجب أن يساوي بينهم مساواة كاملة.

في الغرب لا توجد مساواة بدليل أننا لا نرى مسلمين في مناصب عالية

وهذا الأمر به مغالطتين واضحتين. الأولي منهما هي افتراض عدم وجود مسلمين في مناصب عالية في الغرب. في الحقيقة يوجد مسلمون في الغرب في مناصب عالية مثل كيث إليسون (Keith Ellison) في الكونجرس الأمريكي، وهو عضو منتخب (على النقيض من الأعضاء المعينين في مصر لإظهار شبه مساواة زائفة) ومثل مهرين فاروقي (Mehreen Faruqi) التي اختيرت من حزبها لشغل مقعد فرغ قبل أوان الإنتخابات في البرلمان الأسترالي ومثل ثمانية أعضاء منتخبين في البرلمان البريطاني من المسلمين, وهؤلاء هم من استطعت التوصل اليهم سريعاً في عشر دقائق على الإنترنت. والمغالطة الثانية هي افتراض أن مجرد عدم وجود مسلمين في مناصب رفيعة في بلاد الغرب هو في حد ذاته دليل على أن القانون في الغرب لا يساوي بين المواطنين.

قلة المسلمين في المناصب الرفيعة في تلك البلاد يمكن أن يعود إلى عدة أسباب، منها أن نسبة المسلمين في تلك البلاد أقل بشكل واضح من نسبة غير المسلمين في الشرق الأوسط، فهم في المملكة المتحدة ٤٫٤٪، وفي فرنسا ٧٫٥٪، وفي الولايات المتحدة ٠٫٩٪، وفي كندا ٢٫١٪، وفي أستراليا (التي تصنف كدولة غربية لمجرد أن غالبية سكانها مسيحيون) ٢٫٤٪، في نفس الوقت الذي تدعي فيه مصر والمغرب أن سكانهما لا يدينون إلا بالإسلام أو بالمسيحية، على الرغم أننا نعرف أن هناك مصريين بهائيين و لا دينيين و ملحدين عددهم ليس صفراً..!! ومن هذه الأسباب أيضاً أن العديدين من المسلمين في تلك البلاد مهاجرون، مما لا يعطيهم فرصة الوقت لبناء مهنة سياسية تؤهلهم لتلك المناسب، ومنها أيضاً أن أفعال المتطرفين من المسلمين في أرجاء العالم تركت إنطباعاً سيئاً عند أهل تلك البلاد جعلهم متخوفين من المسلمين، ولا ألومهم مطلقاً على ذلك، ولكن ما لا خلاف عليه أن نص القانون لا يميز بين مواطن و آخر بناء على الديانة مطلقاً، إلا في بعض الحالات القليلة في بعض تلك البلدان، وتعود تلك الحالات إلى أحداث وموروثات تاريخية وليس إلى ثوابت دينية مقدسة، على خلاف الشرع الإسلامي الذي يستمد قدسيته من كونه أحكام إلهية.

الشرع الإسلامي يميز بين الناس لأغراض عادلة مثل كذا أو ذاك

هذا ما تعتقده أنت يا عزيزي. ليس كل ما تعتقد في صحته هو فعلاً صحيح، وليس كل ما تعتقد في صحته يوافقك عليه من يخالفك في العقيدة. ما لا خلاف عليه فعلاً هو أن المساواة التامة بين المواطنين لا تشكل تمييزاً. الأطروحات العقيمة مثل أن الرجل يرث ضعف المرأة لأنه مسئول عن إعالة المرأة لا محل لها من الإعراب عندي، لأن المرأة في المجتمع المتحضر يمكنها أن تعول نفسها بنفسها ولا حاجة لها إلى رجل يعولها، وأرى أن مجرد اعتبار المرأة عالة على الرجل إهانة للمرأة وليس تكريماً لها، والتكريم الحقيقي أن نعتبرها مساوية للرجل ونقدرها كعضو فعال في المجتمع قادر على كل ما يقدر الرجل عليه من مسئولية. أعطها مثل الرجل واترك لها حرية الاختيار في أن تكون عالة عليه فتعطيه مالها ليعولها أو أن تعول نفسها أو أن تشارك الرجل على قدم المساواة في إعالة الأسرة، أما أن تقيدها بـ«واجب» الرجل أن يعولها فهو تقليل من شأنها. وعلى قدر علمي، ملكة إنجلترا لا تحتاج لملك يعولها!

الغرض من التشريع هو مجرد تنظير لا قيمة له على أرض الواقع، وإنما الواقع الذي نراه هو أن المرأة في المجتمعات الإسلامية مقهورة في الأغلب، وفي الطبقات الفقيرة من المجتمع نجد نسبة كبيرة من العائلات تعولها امرأة. التنظير سهل ومن الممكن التنظير لأي شيء تقريباً، ولكن الواقع يختلف. الفرق بين التنظير وبين الواقع كمثل الفرق بين الفلسفة والعلم: في الفلسفة كل شيء معقول مقبول، أما في العلم فلا يقبل إلا ما يمكن التأكد منه حقيقة. صحيح أن العلم وليد الفلسفة، ولكن الزمن أثبت أن الفلسفة ليست بالضرورة مرتبطة بالواقع، وأن العديد من الآراء الفلسفية ثبت أنها لا تمت للواقع بصلة مطلقاً.

المساواة ليست دائماً عدلاً

وهذه الحقيقة من أكبر المغالطات التي واجهتها، ولا أدري من العبقري الذي ابتكرها، ولكنه بالفعل ذكي. رأيت هذه الأطروحة ممثلة في صورة كارتونية لثلاثة أطفال مختلفين في الطول، وثلاثتهم رسموا واقفين على صناديق ليتمكنوا من مشاهدة مباراة رياضية من فوق سور، ورسم أطولهم واقفاً على صندوق واحد، و أكثرهم على ثلاثة صناديق، والثالث على صندوقين، وكتب الرسام تحت الصورة ”المساواة ليست دائماً عدلاً“.

الحقيقة أن المساواة لها أوجه كثيرة جداً، وأزعم أنه من المستحيل أن تساوي بين الجميع في كل شيء وإلا لصار البشر نسخاً طبق الأصل من نفس الشيء، ولكن المقصود بالمساواة في الحوار الدائر حول القانون والتشريع المساواة في الحقوق والواجبات أمام القانون، وحتى في تلك الصورة الكارتونية التي ذكرتها عالياً فإن المساواة تبدو جلية في أن الجميع تساوى في الحصول على فرصة لمشاهدة المباراة، فالعبرة إذاً بالغرض من المساواة، وعليها يحدد وجه المساواة.

هل من العدل أن يتساوى الجميع في دفع نفس قيمة الضريبة على الدخل، و لتكن ٥٠٠ جنيهاً مثلاً؟ هل الذي راتبه ١٠٠٠ جنيهاً يجب أن يدفع من دخله مثل الذي راتبه ٥٠٠٠ جنيهاً، وذلك الآخر مثل رجل الأعمال الذي يحصل في الشهر على ٧٠٠٠٠ جنيهاً؟ لن يختلف معظم البشر على أن هذا لن يكون عدلاً. العدل في هذه الحالة أن نحدد قانوناً واحداً للضريبة يسري على الجميع و يتدرج في قيمة الضريبة كنسبة من الدخل، و يعطي كل المواطنين في الدولة حداً أدنى من الدخل لا ضريبة عليه لضمان العيش الكريم. الغرض هنا هو المساواة في فرصة العيش الكريم، و ليس المساواة في الضرائب، و لذلك يتساوى الجميع في المقدار الأدنى من الدخل المعفي من الضريبة، و يتساوى الجميع في تطبيق القانون الضريبي عليهم طبقاً لدخلهم.

الحقوق التي أعنيها في هذا الإطار هي الحقوق المذكورة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة، والذي وقعت عليه مصر، والذي لا تلتزم به مصر أيضاً، ومن ضمن أسباب عدم الالتزام اتخاذ الشرع الإسلامي أساساً للتشريع القانوني.

المسيحيون هم الذين يفرطون في حقوقهم

وهذا الادعاء من المضحكات المبكيات. المسيحيون في مصر يعانون من التمييز منذ دخول الإسلام لمصر، وعلى قدر خبرتي الشخصية وخبرات أفراد عائلتي المباشرين القانون لا يضمن للمسيحيين في مصر المساواة لأنه ببساطة يحتكم (طبقاً للدستور) للشرع الإسلامي كمصدره الرئيسي، وكما أوضحت في مقالاتي السابقة فإن الشرع الإسلامي يميز لصالح المسلم، فكيف يمكن القول بأن التمييز ضد المسيحيين في مصر سببه أن المسيحيين يفرطون في حقوقهم؟! هذا مشابه لادعاء أن تطبيق القانون بشكل خاطئ هو السبب في التمييز مع أن القانون نفسه لا يساوي بين المواطنين. المسيحيون في مصر يحاولون بشتى الطرق ”القانونية“ أن يحصلوا على حقوقهم، وأحياناً على أبسط الحقوق كترميم كنيسة مثلاً، ولكن القانون نصاً و تطبيقاً يحرمهم من ذلك. هل سمعت عن رفض أهالي منطقة ما أن تبنى بها كنيسة أو ترمم الكنيسة التي بها؟ إن لم تسمع فأنت غائب عن الحاضر، و إن سمعت فقد سمعت قشور الحقيقة. الواقع أمر من ذلك بكثير. و إن كنت مصراً أن تخادع نفسك لتجميل الواقع لكي لا يتصادم مع معتقداتك فلك مطلق الحرية، لكنني لن أوافقك على خداعك لنفسك ولا للآخرين.

المسيحيون أهل ذمة و الإسلام أوصى المسلمين بهم

هذا الادعاء هو أيضاً من المضحكات المبكيات. البعض يدعي أن الإسلام يقدر المسيحيين كأهل كتاب ويجعلهم في ذمة المسلمين، وأن التشريع الإسلامي معظمه ظني الثبوت ظني الدلالة ومفتوح للاجتهاد وبقدر ما أقدر لهم شعورهم النبيل بقدر ما أرفض أن أكون في ذمة مواطن آخر لمجرد خلافي معه في الدين. ما الذي يميز المسلم عن المسيحي في الدولة المعاصرة لكي يجعله الأعلى في الدولة ويجعل المسيحي في ذمته؟ ولماذا أوضع كمواطن في دولة حديثة تحت رحمة مواطن آخر، فإن كانت ذمته خربة أذلني؟ لماذا لا يساوي القانون في الدولة بين المواطنين جميعاً بغض النظر عن الدين؟ الإجابة واحدة لكل هذه الأسئلة و هي أن الشرع الإسلامي يقول بذلك.

ختاماً

لا أدعي في هذا المقال ولا في غيره أن الإسلام هو السبب في انحطاط المجتمع المصري أو الدولة المصرية، فالأسباب كثيرة وضاربة في القدم وحصرها في دين واحد هو ضرب من العبث، وما أدعيه و أناقشه و أؤكد عليه و أسوق عليه البراهين هو أن الشرع الإسلامي غير عادل. هذا لا يتفق حتماً مع رأي المسلمين الذين يرون أن الإسلام هو الدين عند الله وأن لا دين حق غيره، وأن شرع الله متمثلاً في الشرع الإسلامي هو الخير كله لأهل الأرض جميعاً، و لكنه يتفق مع آرائي حتماً التي تفصل بين الدين كعلاقة شخصية بين الإنسان و ربه تخص الإنسان وحده كفرد و بين الدولة و القانون الذين يخصان كل من يعيش على أرضها و يحمل جنسيتها.


نسب المصنفات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...