بحث هذه المدونة الإلكترونية

تعدد الزوجات في الإسلام

هذا المقال هو أحد مجموعة من المقالات تختص بنقاش موضوعات إسلامية بشكل أو بآخر. ستجد في هذا الرابط قائمة بالمقالات المتاحة.

قرأت مقالاً عن تعدد الزوجات في الإسلام لأحد مستخدمي تويتر الذين اتابعهم إعجاباً بآرائه غير التقليدية، و هو مسلم، و لذلك قرأت مقاله بعناية محاولاً أن أستوعب نظرته المختلفة و الحضارية إلى مسألة تعدد الزوجات في الإسلام، و النص الكامل للمقال موجود في هذا الرابط. و في حالة عدم تمكن القارئ من الوصول للنص على موقع الفيسبوك، فقد أخذت نسخة من النص أعرضها هنا دون أدنى تغيير، ثم أعلق عليها بوجهة نظري الخاصة.

"وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ " النساء (3)
هذه الأية التي يتخذها المفسرون كدليل على التعددية المشترطة بأربعة زوجات وبعضهم قال تسع والبعض الاخر قال ثمانِ عشرة زوجة .
الواضح أن تلك الآية القرآنية هي مثار جدل على مدار الأعوام والسنوات الماضية ولكن لماذا لا ننظر لها بعيدا عن تلك النظرة التي نظرها لها السلف من المفسرين الذين كان لهم اجتهادهم في رؤيتها هكذا !!
لكي نفهم تلك الآية يجب أن نقف على أمرين :
الأول منهما هو سبب نزول تلك الأية ، فسبب نزول تلك الآيات من سورة النساء هو كون النساء فقدت عوائلهن في غزوة أحد فكثير من النساء أصبحن أرامل وأصبح أولادهن يتامى ..
الثاني : من يخاطب الله في تلك الآيات ؟
الله يخاطب المجتمع لكي يراعي حقوق اليتامى والأرامل وليس للزواج بمطلق عام ..
ولننظر إلى الآيات يقول تعالى :
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا "
يستهل الله السورة بالدعوة إلى تقواه ، لأنه خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، ويدعو الله إلى صلة الرحم ، فالله يبدأ السورة بآية ذات غرض إنساني بحت لكي يحث الناس على التقوى وصلة الرحم في علاقة إنسانية ولا أروع .
ثم يكمل الله كلامه في الآية الثانية قائلا :
"وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا "
الله يتحدث عن اليتامى ويأمر الناس بأن يأتوا أموالهم وعدم أكلها ، وألا يسرقوها وأن يرعوا هؤلاء اليتامى الذين خرجوا إلى المجتمع بسبب ما حدث من موت العائل سواء في غزوة ( كغزوة احد وقتها ) أو وباء أو حادثة ، فالأمر نوعا من التكافل الاجتماعي وكفالة اليتيم ، ثم يكمل الله تعالى في الآية التي حملت الاختلاف في فهمها وقبل أن نبدأ فيها يجب أن نرسي قواعد هي :
أولها أن الشرع في القرآن عندما تعرض لبعض الأمور الإجتماعية كقضايا المرأة، لم يكن الهدف هو هدم كل الأعراف الاجتماعية بل إصلاح ما اعوج منها فقط، لذا فسكوت التشريع عن بعض الأمور الاجتماعية هو إقراراً بتوافقها مع سنة الله في خلقه فلا حاجة لتبديلها.
وثانيها أن النبي هو الأسوة الحسنة للمؤمنين، لذا تأويل أن النبي له شرعة خاصة به وحده في الزواج أمر غير مقبول شرعاً ولا عقلاً، فكيف بداعية لا يعطي الأسوة لما يدعو إليه؟
وثالثهما أن الفكر السلفي المغلوط عن ملك اليمين أنها تنكح بغير زواج نتج عن تفسير خاطئ للعدد في تلك الآية، فالأمة تنكح زواجاً وبمهر.
ورابعهما أن الله تعالى يخاطب المجتمع بأكمله في هذه الآية، لعلاج مشكلة مجتمعية ظهرت بعد وفاة الكثير من أفراد هذا المجتمع وبالتالي فقدت زوجاتهم وأولادهم العائل الوحيد للأسرة، ومن ثم تفاقم هذا الوضع قد يؤدي إلى مشكلات أكبر نعاصرها نحن الآن من انحراف أخلاقي وضياع للذرية والنسل بسبب غياب العائل للعديد من الأسباب.
ولننظر هنا إلى الآية القرآنية التي تقول :
"وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ "
نزول تلك الآية ليس لتعدد النكاح ( الزواج ) كما هو متعارف أو كما سيق لنا على مدار العصور الماضية ، وليس بعدد محدد كما في الآية أو كما اتفق جمهور العلماء والمفسرين القدامى والحاليين لأمور عديدة سوف أتعرض لها تدريجيا :
مبدئيا اتفقنا أن الآيات كانت نزولا لكفالة اليتيم وأن يأتوا اليتيم حقه ولا يأكلوا مال اليتيم ، والسؤال هنا مَن هو اليتيم ؟
اليتيم هو كل إنسان ( ذكرا كان أو أنثى ) لم يبلغ سن البلوغ ، فقد والده ، بينما مَن فقد أمه فهو ( لطيم ) حسنا من أين علمنا أنه حتى يبلغ أو تبلغ سن البلوغ يكون يتيما لأنه في الآية السادسة من سورة النساء يبلغنا بأنهم يتامى حتى يبلغوا سن النكاح ، بينما اليتيم هو يتيم الأب كما قال الله في سورة أخرى وهي سورة ( الكهف ) الآية (82) يخبرنا أن اليتيمين كانا قد فقدا والدهما ، وقلنا أن من يفقد أمه فهو لطيم ..
هذه المقدمة عن من هو اليتيم وما الفرق بينه وبين اللطيم هو ما يقودنا تدريجيا إلى ما نراه في خطاب الله لنا في الآية : يستهل المشرع الآية بقوله ( وإن خفتم ) ، يبدأ الله الآية بأسلوب شرط قائلا إن خفتم ( إذا شعرتم بالخوف في ماذا ؟ ) في أن تقسطوا اليتامى ( في أن تعدلوا في اليتامى وأن تراعوهم حق الرعاية ، فهذا اليتيم يستحق رعاية كاملة منك كعائل له ، وإنك لن تأخذه من أمه لأن هذا يخالف ما في الآية الأولى من مراعاة صلة الرحم والتي استهل الله بها السورة بعد ذكر تقواه ..
فكيف يكون الحل أن تقسط ( تعدل إلى اليتامى فاقدي الأب ) أعطى الله الحل في تلك الفترة وهو بأن تنكح ( تتزوج ) ما طاب لك وليس ما شئت ( أي أن الأمر قاصر على تلك الزوجة الأرملة ذات الأطفال اليتامى ) أي أن تكون زوجتك هي الأرملة التي فقدت زوجها وعائلها ولها أطفال يتامى وأن تكفلت أن ترعاهم ، ثم نسأل ما هو النكاح ؟
النكاح كما اتفق الجميع هو الزواج ، والسؤال هنا هل هو بوطء أم دونه ؟
النكاح هو الزواج دون وطء ، فنكح فلانة أي تزوجها واستنكح فلانة أو زوجها ، فلا وجود للوطء هنا . بل هو كما معروف اشهار الزواج وأن فلانة أصبحت زوجة لفلان أي فلان أصبح عائلها ، الخلاصة النكاح هو عقد الزواج ..
ثم يكمل المشرع قائلا ( مثنى وثلاث ورباع ) لم يقل المشرع ( اثنين وثلاثة وأربعة ) !!
فما الفرق بين مثنى وثلاث ورباع وبين اثنين وثلاثة وأربعة ؟
دعني أخبرك آية أخرى في القرآن الكريم فيقول الله :
" الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
الآية السابقة أولها المفسرون على أنها عدد غير محدود من الأجنحة، فالله يزيد في الخلق ما يشاء، لأن مثنى وثلاث ورباع تعني مضاعفات الأعداد إثنان وثلاثة وأربعة، ولكن عندما أولوا نفس المعنى في سورة النساء قصروها على عدد محدود وهذا يدعو للتعجب حقاً.
فالفرق بين مثنى واثنين مثلا هو أن مثنى هو مضاعفات العدد اثنين والتكرار وهو أن الله لم يشترط عدد محدد في كفالة اليتامى ( وأمهاتهم الأرامل )
نقطة أخرى هي كون الله قال لك مثنى وثلاث ورباع ، فالأمر هنا ليس جمعهم مع بعضهم البعض بل هو أنه لا يتم جمعهم سويا .. كيف هذا ؟
حينما أسأل إنسان كم رداءا لديك ؟
يخبرني إن لديه ثلاثة مثلا ولا يقول ثلاث .. وإن سألته كيف يرتديهم فيقول مثنى وثلاث ورباع ، ولا يقول اثنين وثلاثة وأربعة ، فإن أجابني بثلاثة وأربعة فمعنى هذا إنه يرتدي الثلاثة أو الأربعة فوق بعضهم البعض ، بينما حين يخبرني مثنى وثلاث ورباع إي إنه أبدلهم الواحد بعد الأخر .
حسنا هذا للتفريق بين مثنى وثلاث ورباع وبين اثنين وثلاثة وأربعة وأن وقفنا على رأي المفسرين بأنه العدد الذي أقصاه أربعة حسنا فلننظر إلى الآية من هذا السياق ، المشرع هنا يخبرك بأن تكون متزوج ولست عازبا لأنه يخبرك عن زوجتك الثانية ( مثنى ) إذا فأنت لديك زوجة بالفعل .
بالتالي هناك شرطين هنا لكي تعدد أولها : أن يتحقق الخوف من عدم الإقساط لليتامى ( العدل في كفالتهم ) والثاني أن تكون الزوجة الثانية أو الثالثة أو الرابعة هي أرملة ذات أيتام .
إذًا الله أنزل الآية لتوجه إنساني كامل وهو رعاية اليتيم وكفالته ، وليس لتعدد بزيادة عدد الزوجات ، واشترط حتى في هذا التعدد ، فالسياق يحكي لنا عن تكامل إنساني وليس عن منظور جنسي ، فالنص يدور حول البر والقسط إلى اليتامى وكفالتهم وليس إلى الزيادة من عدد الزوجات ، وحتى هذا التوجه الإنساني أحكمه المشرع قائلا :
"إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا"
فيقول الله تعالى أن من يملك القدرة على الإعالة هو من يتقدم حتى يستطيع الاعالة وألا يقع في العول ، فيقول أن خفتم ( خشيتم ) ألا تعدلوا ( ليس العدل المادي والجنسي كما ذهب إليه الفقهاء بين الزوجات ، بل هو عدم العدل ( المساواة ) في إعالة هؤلاء الأيتام والأرملة مع أهل بيته فعليه بالواحدة ( واحدةً ) منونة والتنوين للتعريف وهو يخبرنا أن تكتفي بتلك الزوجة التي معك ( زوجتك الأولى ) أو ما ملكت أيمانكم ( وهذه لها باع طويل وهي ليست استباحة الوطء مع الأمة ) لماذا يا الله نكتفي بالزوجة الواحدة أو ملكات اليمين ؟ فيجيب المولى ذلك أدنى ألا تعولوا ( هذا أقل حتى لا يعول ..
ما قبل الخلاصة :
  • تلك الآيات ليست للمنظور الجنسي بل هي للتكافل الاجتماعي الإنساني الملازم لهذا الفترة أثناء وجود أطفال يتامى كُثر وأرامل بعد غزوة أحد وبعد ذلك .
  • اشترط الله شروطا من أجل هذا ، أولا الخوف من عدم الاقساط لليتامى وعدم مراعاتهم ، فيحل لك الأمر من النكاح من الأرملة ذات الأيتام ( هنا عليك أن تدرك أن الزوجة الثانية يجب أن تكون أرملة ذات أيتام )
  • من يتزوج يجب أن يكون متزوج من أخرى وليس بعازب . فإن كان عازبا وتزوج أرملة فهذا ليس تشريع الزواج من أجل الكفالة بل هو زواجا عاديا .
  • النكاح ليس بمعنى الوطء ولكن معناه الزواج عقدا ولا يشترط الوطء .
  • ان خشي العائل عدم العدل مع ابنائه واليتامى فعليه أن يكتفي بزوجته الأولى أو ما ملكت يمينه حتى لا يقع في العول .
  • إن تأملنا أزواج النبي سنجده قد حقق شرط الآية الذي يتيح التعدد بلا حد (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى)، أي أن العلة في التعدد هو إعالة اليتامى ،وذلك اتساقاً مع ظروف مجتمع فقد أغلب رجاله المعيلين في حرب أو وباء أو غيرهما، فإن لم تتحقق تلك الظروف في المجتمع كتبني الدولة أو المنظمات المدنية هذه الإعالة صار شرط التعدد ليس محققاً (كما حدث في تونس مثلاً)....
الخلاصة :
  • التعدد مشترط بأن تكون الزوجة الثانية أرملة ذات أيتام والغرض تكافل انساني لليتيم وليس منظور جنسي فإن كان كما يقولوا أن الرجل يحق له الزواج على زوجته لأنها لا تنجب ، حسنا فإن كان الزوج هو من لا ينجب فهل تتزوج زوجته عليه ؟
  • التعدد ليس من أجل الشبق الجنسي عند الرجل الذي قالوا إنه يبيح التعددية ، فالأنثى أيضا لديها الشبق الجنسي فهل يسمح لها بالتعددية ؟ .
  • التعدد للتكافل الاجتماعي والبر والقسط إلى اليتيم وليس من أجل نظرة جنسية بحتة
  • إن استطاعت الدولة أن تكفل اليتيم والأرملة ( عن طريق منظمات المجتمع المدني وكفالة اليتيم ) ، انتفى هذا الشرط من التعددية .
  • تعدد زواج الرسول صلى الله عليه وسلم ارتبط ارتباطا وثيقا بهذا الأمر وهو القسط والبر إلى اليتامى وليس لمجرد غرض جنسي كما روج عن الأمر .
هذا التأويل طبعاً يهدم فكرة التعدد للزواج بفتاة صغيرة أو بكراً أو غير ذلك من خرافات السلفية
* شكرا للصديق أمير سيد الذي أمدني بمعلومات وتدبر في هذا الموضوع .

و كما رأيت أيها القارئ العزيز، فإن هذا رأي متفتح و متحضر و مختلف تماماً عن الرأي الإسلامي التقليدي و عن الممارسة الفعلية لمبدأ تعدد الزوجات في الإسلام. و ما أعجبني حقاً في هذا المقال هو اعتماد الكاتب على الأدلة المنطقية في الدفاع عن رأيه، و خروجه عن الإطار المحدود المرسوم في كتب التراث الإسلامي. و لكن لي تحفظات على هذا الرأي عديدة، و أنا أيضاً لي أدلتي المنطقية التي أدعم بها رأيي.

أولاً: في معاني الكلمات

هناك معنيان جانب الصواب فيهما الكاتب و تصحيحهما يؤثر على استنتاج المقال و على الفكرة عامة، و هناك معنًى آخر جانبه الصواب فيه أيضاً، غير أن تصحيحه لا يؤثر على فكرة المقال، و إنما أُورِده لإكمال النقد. و قد رجعت في البحث عن معاني الكلمات إلى معجم لسان العرب، و هو من أشهر و أشمل المعاجم العربية على الإطلاق، و يمكن الوصول لمحتواه عن طريق الدخول على موقع الباحث العربي.

مثنى و ثلاث و رباع

تعتمد فكرة المقال بشكل جزئي، و إن كان ليس بالقليل، على معاني كلمات «مَثْنَى» و «ثُلَاثَ» و «رُبَاعَ»، و قد بحثت عن معاني هذه الكلمات في أصولها العربية، و هي — لمن لا يذكر كيفية البحث في المعجم — «ثني» (الثاء و النون و الياء) لكلمة «مثنى»، و «ثلث» (الثاء و علام و الثاء) لكلمة « «ثلاث» و «ربع» (الراء و الباء و العين) لكلمة «رباع»، و في جميع هذه الكلمات وجدت نفس المعنى.

يذكر الكاتب أن مثنى و ثلاث و رباع تعني مضاعفات الاثنين و الثلاثة و الأربعة، و يحتج بذكر أجنحة الملائكة بهذه الصيغة، و بأن المفسرين أولوها أن الملائكة قد يكون لهم عدد غير محدود من الأجنحة، و الواقع أن العدد غير المحدود تفسره عبارة «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ» و ليس معنى مثنى و ثلاث و رباع. ثم لا أدرى كيف نفسر مثنى و ثلاث و رباع على أن الأشياء تُبَدّل مع بعضها البعض و لا تجمع في آن واحد. ففي لسان العرب، مثنى تعني «اثنين اثنين» و ثلاث تعني «ثلاثة ثلاثة» و رباع «أربعة أربعة»، فإذا قيل «جاء الجمع رباعاً» يكون المقصود أنهم جاءوا في مجموعات من أربعة، و القياس في اللغة في هذا المعنى يشمل الأرقام من ثلاثة إلى عشرة، أما اثنين فمنها مثنى، و أما واحد فمنها فرادى أو أفراد.

و نقرأ في سورة سبأ في الآية ٤٦ «قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ۖ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» و تُفسّر الآية أن يقوموا اثنين اثنين أو واحداً واحداً، و لا يستقيم المعنى لو كانت كلمة «مثنى» تعنى ألا يجتمع الاثنان، لأنها لو كانت كذلك لما كانت هناك حاجة لقوله «و فرادى». و من هذا ندرك أن مثنى و ثلاث و رباع تعني اجتماع زوجتين أو ثلاث أو أربع. ثم إن الكاتب لو قصد أن الرجل لا ينبغي أن يجمع أكثر من زوجة في نفس الوقت، فكيف يقول أن المُعَدِّد ينبغي أن يكون متزوجاً؟ فهل يطلق الأولى ليتزوج الثانية؟

و لأن المعنى كما ذكرت سابقاً، يذكر الكاتب أيضاً أن بعض المفسرين قالوا إن الرجل مباح له الزواج من ثمان عشرة زوجة، فقد جمعوا الأرقام في «اثنين اثنين» و «ثلاث ثلاث» و «أربع أربع» و لو لم يكن هذا معنى الكلمات لما استطاعوا أن يأتوا بمثل هذا التفسير. و لنفس السبب، فإن فكرة الكاتب أن من يتزوج من أرملة تنطبق عليه الآية فقط إذا كان متزوجاً من قبل لا تستند على أساس من اللغة، و المقصود لغوياً أن الرجل مباح له في مثل هذه الحالة الزواج بامرأتين أو ثلاث أو أربع دفعة واحدة، و هو الأقرب إلى معنى و مقصد كفالة اليتيم في ظل وجود عدد كبير من الأيتام.

هذا و لا نجد مطلقاً في لسان العرب ما يدعم المعنى الذي ذكره الكاتب.

النكاح

يذكر لسان العرب أن النكاح كان يعني عند العرب الزواج أو الوطء، و يذكر أيضاً أنه كان يعني الزواج لأنه المحلل للوطء، فالظاهر أن الكلمة أصل معناها الوطء، و استخدامها لتعني الزواج جاء لاحقاً. و يقول الكاتب إن النكاح يعني الزواج سواء كان فيه وطء أم لم يكن، و نقرأ في سورة البقرة في الآية ٢٣٠ «فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» فهل يعني النكاح هنا زواجاً بدون وطء؟

فلنَرَ كيف فسر محمد هذا المعنى. نقرأ في صحيح البخاري الحديث رقم ٢٤٩٦ في كتاب الشهادات حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفاعَةَ الْقُرَظِيِّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فَقَالَ أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَهُ وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

و هو أيضاً في صحيح مسلم في كتاب النكاح، و مسند أحمد في باقي مسند الأنصار، و سنن الترمذي في كتاب النكاح، و سنن ابن ماجة في كتاب النكاح، و سنن الدرامي في كتاب الطلاق، و موطأ مالك في كتاب النكاح، و سنن النسائي في كتابي النكاح و الطلاق. و عليه يبدو واضحاً جلياً أن النكاح لا يعني الزواج فقط سواء كان بوطء أو بدونه، و بالرغم من أن النكاح و مشتقاته لم ترد في القرآن إلا بمعنى الزواج و ليس بمعنى الوطء فقط، فإن الحديث المذكور يوضح أنها لا تعني زواجاً بدون وطء، و أن الكلمة تعني ممارسة الجماع بالضرورة.

اليتيم و اللطيم

ذكر الكاتب أن اليتيم هو من فقد أباه تحديداً، و أن اللطيم هو من فقد أمه، و الصحيح أن من فقد أمه هو العجيّ و من فقد أبويه كليهما هو اللطيم.

ثانياً: في قواعد النحو

يذكر الكاتب أن ذكر «فواحدةً» منونة هو للتعريف، و لا أدري علام يستند في قوله هذا أو من أين أتى بالمعلومة هذه، فالكلمة منونة لأنها في صيغة المفرد النكرة، و لو كان المراد التعريف لكان قد قال «فالواحدةَ» و لكان التعريف قد وجب لدخول لام التعريف، و لانتفى الشرط النحوي الذي على أساسه نُوِّنت الكلمة. فالواقع أن التنوين لا يعني أبداً التعريف، و أن التعريف ينفي صيغة التنوين لأن المعرف لا يُنَوَّن. و بناء عليه، فإن المعنى هنا لا يقصد واحدة بعينها، و إنما أي واحدة من الأرامل. و لذا فإن من يتزوج من أرملة و هو أعزب تنطبق عليه نفس شروط الآية و هو ليس استثناءًا، و إنما حالته لا تدخل في نطاق مناقشة تعدد الزوجات لأنه لم يعدد. و ربما اختلط على الكاتب استخدام التنكير إما للتحقير أو التعظيم، و لا علاقة للتنوين بأي شيء سوى قواعد النحو.

ثالثاً: في زوجات محمد

يقول الكاتب إن النبي قد حقق في حياته شرط تعدد الزوجات فقط في حالة إعالة اليتامى. و الحقيقة أنني حاولت أن أبحث عن مرجع يذكر أن زوجات محمد كن لهن أبناء أو بنات من قبله لكنني لم أتوصل لما يفيد بذلك إلا في حالة هند بنت أمية بن المغيرة التي يقال لها أم سلمة، غير أن هناك مثلين واضحين لا جدال عليهما يوضحان أن فكرة الكاتب غير صحيحة.

كانت أولى زوجات محمد بعد موت خديجة بنت خويلد هي سودة بنت زمعة، و ثانيهما عائشة بنت أبي بكر، و بغض النظر عن الجدل القائم حول سن عائشة وقت زواجها، فإنه من الثابت و المعروف أنها كانت بكراً حين دخل بها محمد، و بالتأكيد لم يكن لها أبناء أو بنات يتامى يحتاجون للإعالة، و في الواقع كانت هي البكر الوحيدة من زوجات محمد و كانت الباقيات ثيبات. و المثل الثاني هو مارية القبطية، و هي آخر زوجاته، و إن كان هناك خلافاً في كونه تزوجها أم لم يفعل، إذ لم يذكر صراحة أنه تزوجها، و لكنه في الوقت ذاته ضرب عليها الحجاب كسائر أمهات المؤمنين، و كانت جارية قد أهديت إليه من المقوقس مع أختها، و من غير المعقول أن يكون المقوقس أرسلها هدية و هي تحمل طفلاً رضيعاً، و لو كان لها أولاد من قبل تخطوا سن الرضاعة لاحتفظ بهم سيدها و أعطاهم لغيرها تربيه، فهم في حكم العرف عبيده أيضاً، و لا يذكر لنا التاريخ الإسلامي أي شيء عن أولاد لمارية القبطية قبل أن يدخل بها محمد، و بالتالي لم يكن زواجه منها لإعالة اليتامى.

هذا و على قدر علمي — و قد بذلت مجهوداً ليس بقليل في البحث — لا يذكر التراث الإسلامي أولاداً لأية من زوجات محمد بخلاف ما سبق ذكره. فأين ما يدعيه الكاتب من أن الرسول كان قدوة في الالتزام بالتعدد فقط لإعالة اليتيم؟ و نرى أن زواجه من حفصة بنت عمر بن الخطاب تم لأن عمر أباها كان يبحث لها عن زوج بعد ترملها و كان محمد قد ذكرها لأبي بكر بحسب الروايات، و زواجه بجويرية بنت الحارث — و كانت بنت عشرين سنة وقتئذ — كان مقابل عتقه لها و إسلامها، و زواجه بميمونة بنت الحارث صار لأنها وهبت نفسها له و فيها الآية «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا» (الأحزاب 50)، و زواجه بزينب بنت جحش صار لأنه وقع في قلبه هواها، و فيها الآية «وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا» (الأحزاب 37) و نقرأ القصة في تفسير القرطبي و تفسير الطبري و تفسير الرازي و غيرها الكثير من كتب التفسير و في المسترك على الصحيحين للنيسابوري و في العديد من كتب السيرة، فلم يكن هذا الزواج كفالة ليتيم.

رابعاً: في مسألة ملك اليمين

كما قال الكاتب، وطء الجارية ليس مستباحاً بلا قيد و لا شرط، و هذا صحيح ثابت في القرآن و في التاريخ الإسلامي، و لكنه قد جانبه الصواب حينما ساوى ملكات اليمين بالجواري، و لأن الحديث في هذا الموضوع يطول، فإنني أنصح الجميع بالبحث في هذا الموضوع ليعرفوا الفرق بسن الجارية و ملكة اليمين. و الخلاصة أن وطء ملكة اليمين جائز دون قيد أو شرط، و قد وطأ محمد مارية القبطية بملك اليمين و لم يعتقها إلا بعد أن ولدت له إبراهيم.

خامساً: في الفهم الصحيح للدين

في المسيحية نعطي اهتماماً خاصاً لكل ما وصلنا من كتابات آباء الكنيسة الأولين، لأنهم كانوا أقرب تاريخياً إلى بدء البشارة (الدعوة) و بالتالي فإن مفهومهم يعبر عن الفهم الصحيح للدين منذ نشأته، حيث لم يمر زمن كبير يسمح بتبدل مفاهيم الدين، و أظن أن هذا ينطبق منطقياً على جميع الأديان.

و نجد أن في الإسلام ما التزم الصحابة بشرط كفالة اليتيم و إعالته كشرط لتعدد الزوجات، و الأمثلة كثيرة جداً لا مجال لذكرها هنا، و البحث عنها لا يتطلب مجهوداً كبيراً في ظل وجود الإنترنت. و بالتالي فإن الآية القرآنية لم تُفهَم من قبل الصحابة الذين عاصروا محمداً على أنها تضع شرطاً لتعدد الزوجات هو إعالة اليتيم، خاصةً و إننا لا نجد في القرآن شرطاً واضحاً — لا يقبل التأويل على غير معنى الشرط — يحدد إعالة اليتيم كمبرر لتعدد الزوجات.

و بالرغم من النقد الطويل و المفصل الذي ذكرته سابقاً، فإنني أحيي الكاتب على استخراجه معنًى إنسانياً رائعاً و هو تحبيذ التعدد فقط في حالة كفالة اليتيم و في حالة توفر القدرة على ذلك، و أن القدرة ليست القدرة الجنسية و إنما القدرة على الإعالة بكل ما يتطلبه ذلك من مقومات مادية و نفسية، و أن الدولة إذا تكفلت بهذا فلا يوجد سبب يحبذ تعدد الزوجات، و الأفضل للمسلم أن يكتفي بواحدة. و أختلف معه في أن هذا شرط للتعدد كما شرحت في هذا المقال. و تبقى في النهاية الفطرة الإنسانية الطبيعية التي تجعل من المرأة كارهة أن تشاركها في زوجها أخرى، حتى أن الزوجات الأخريات يسمين «ضرائر» من إلحاق الضرر بالمرأة، فأحيي كاتب المقال على فهمه للنص في ضوء الفطرة الطبيعية التي يولد بها الإنسان. و أتمنى أن أقرأ له المزيد، كما أتمنى أن يكثر الله من أمثاله، فنحن في حاجة ماسة لإعمال العقل الذي ميزنا به الله عن كافة مخلوقاته.

مفهوم الوحي في المسيحية

هذا المقال هو أحد مجموعة من المقالات عن بعض المفاهيم في المسيحية. ستجد في هذا الرابط قائمة بالمقالات المتاحة.
أعتذر عن طول المقال، ولكن معظم المكتوب هو استشهادات من الكتاب المقدس لتدعيم الفكرة، ومحتوى المقال بدون هذه الاستشهادات ليس بالكثير على ما أعتقد. حاولت قدر الإمكان أن أستخدم روابط خارجية لما قد يفيد القارئ عند الرجوع إليه، وذلك أيضاً تدعيماً لفكرة المقال.

يؤمن المسيحيون بأن الكتاب المقدس كله بعهديه القديم والجديد موحًى به الله كما قال بولس الرسول:

«كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ» (٢ تي ٣ : ١٦)

ولكن مفهوم الوحي يختلف عند المسيحيين عن غيرهم، ولنبدأ بتوضيح المفاهيم الخاطئة للوحي في المسيحية، ثم نوضح المفهوم الصحيح للوحي في المسيحية.

  1. الوحي في المسيحية ليس مجرد إملاءً إلهياً حرفياً، بمعنى أن كلمات الكتاب المقدس ليست كلمات منزلة من الله إلى رجاله القديسين ينقلونها كما هي نصاً من فم الله مباشرة، أوبمعنًى أدق، ليس كل الكتاب المقدس كلمات الله نصاً.
    الله لا يريد أن يمحو الطابع البشري في الوحي، لأن الله خلق الإنسان مكرماً، «عَلَى صُورَةِ ٱللهِ خَلَقَهُ» (تك ١ : ٢٧)، بل من يريد أن يسيطر على الإنسان ويلغي شخصيته تماماً هو الشيطان، كما نرى عندما جاء يسوع إلى كورة الجدريين
    «فاسْتَقْبَلَهُ مِنَ الْقُبُورِ إِنْسَانٌ بِهِ رُوحٌ نَجِسٌ، كَانَ مَسْكَنُهُ فِي الْقُبُورِ، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَرْبِطَهُ وَلَا بِسَلَاسِلَ، لِأَنَّهُ قَدْ رُبِطَ كَثِيرًا بِقُيُودٍ وَسَلَاسِلَ فَقَطَّعَ السَّلَاسِلَ وَكَسَّرَ الْقُيُودَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُذَلِّلَهُ. وَكَانَ دَائِمًا لَيْلًا وَنَهَارًا فِي الْجِبَالِ وَفِي الْقُبُورِ، يَصِيحُ وَيُجَرِّحُ نَفْسَهُ بِٱلْحِجَارَةِ.» (مر ٥ : ٢ - ٥)
    ويقول الكتاب المقدس أنه «كَانَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا» (لو ٨ : ٢٧) فما أن شفاه الرب يسوع حتى صار «لَابِسًا وَعَاقِلًا، جَالِسًا عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ» (لو ٨ : ٣٥)
    ولهذا نجد أسلوب الكتابة يختلف بحسب شخصية وثقافة الكاتب، فنجد داود المحب للموسيقى يكتب المزامير، ونجد في مزاميره الكثير من التضرع والانسحاق أمام الله لأن في عهده كملك كانت هناك حروب كثيرة، أما سليمان ابنه فقد وُلِد ابن ملك وقال عنه الكتاب أنه «تَعَظَّمَ … عَلَى كُلِّ مُلُوكِ الْأَرْضِ فِي الْغِنَى وَالْحِكْمَةِ» (٢ أخ ٩ : ٢٢) فنجده قد كتب حكمته في سفري الأمثال والجامعة، ونجد بولس الرسول المتعلم يكتب بأسلوب فلسفي، ونجد بطرس الرسول صياد السمك يكتب ببساطة.
  2. الوحي في المسيحية لا يرتبط فقط بمواقف معينة تُنزَل فيها آيات من الله لحل مشكلات محددة تواجه الأنبياء، ولكنه رسالة من الله إلى بني البشر تحكي قصة الخلاص والفداء على الصليب منذ بداية تأسيس العالم وخلق البشرية وحتى موت السيد المسيح على الصليب وقيامته والتبشير به وتأسيس الكنيسة الأولى، ويعطينا لمحة عما هو عتيد أن يكون في آخر الأيام في سفر الرؤيا آخر أسفار الكتاب المقدس. ولهذا فلا توجد في المسيحية أسباب ’لنزول‘ الآيات، وكما قلنا سابقاً مفهوم التنزيل غير موجود في المسيحية، فالله العالم بكل شيء الذي لا يحد معرفته زمان أو مكان يرسل كلمته على لسان أنبيائه مشيراً إلى فداء الصليب من قبل حدوثه بخمسة عشر أو ستة عشر قرناً من الزمان.
  3. الوحي في المسيحية ليس مجرد أفكار يضعها الله في عقول رجاله القديسين ويترك لهم حرية التعبير عنها بأساليبهم الشخصية دون تدخل من الله، فلا إنسان معصوم من الخطأ، ولا علم بشري إلا ناقص، والله لا يمكن أن يترك رسالته إلى البشر يشوبها الخطأ أو يعيبها الجهل.
    نلاحظ أن الله كان يكلم موسى النبي مباشرة، ونجد عبارة «كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى» تتكرر مرات كثيرة في الكتاب المقدس، ونقرأ «وَيُكَلِّمُ الرَّبُّ مُوسَى وَجْهًا لِوَجْهٍ، كَمَا يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ» (خر ٣٣ : ١١) ونجد أن الله أمر بتدوين كلماته في بعض الأحيان نصاً كما قالها، فمثلاً نجد «وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: ”اكْتُبْ لِنَفْسِكَ هذِهِ الْكَلِمَاتِ، لأَنَّنِي بِحَسَبِ هذِهِ الْكَلِمَاتِ قَطَعْتُ عَهْدًا مَعَكَ وَمَعَ إِسْرَائِيلَ“» (خر ٣٤ : ٢٧) ونجده يقول لإرميا النبي «هكَذَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: ”اكْتُبْ كُلَّ الْكَلاَمِ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ إِلَيْكَ فِي سِفْرٍ“» (إر ٣٠ : ٢).
    وفي مواضع أخرى نجد أن الله يأمر رجاله القديسين بالكتابة عن أحداث عاصروها، مثل:
    «فَهَزَمَ يَشُوعُ عَمَالِيقَ وَقَوْمَهُ بِحَدِّ السَّيْفِ. فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: اكْتُبْ هَذَا تَذْكَارًا فِي الْكِتَابِ، وَضَعْهُ فِي مَسَامِعِ يَشُوعَ. فَإِنِّي سَوْفَ أَمْحُو ذِكْرَ عَمَالِيقَ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ» (خر ١٧ : ١٤)
    ونجدهم أيضاً يوثقون الأحداث التي عاصروها بدون أمر مباشر من الله «وَكَتَبَ يَشُوعُ هذَا الْكَلاَمَ فِي سِفْرِ شَرِيعَةِ اللهِ» (يش ٢٤ : ٢٦).
    وفي جميع الأحوال، فإن ما كتبه رجال الله القديسون هو شهادة حق عما رأوه وعاصروه وكشف الله لهم عنه في الرؤى، فنجد القديس لوقا البشير يفتتح إنجيله بقوله:
    «إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الْأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْأَوَّلِ بِتَدْقِيقٍ، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلَامِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ» (لو ١ : ١ - ٤)
    ونجد يوحنا البشير يختتم إنجيله قائلاً: «هَذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهَذَا وَكَتَبَ هَذَا. وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ» (يو ٢١ : ٢٤) ونجد بولس الرسول يقاوم من يحاول أن يغير بشارة رسل المسيح قائلاً:
    «إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هَكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيلٍ آخَرَ! لَيْسَ هُوَ آخَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ. وَلَكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلَاكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا! كَمَا سَبَقْنَا فَقُلْنَا أَقُولُ الْآنَ أَيْضًا: ”إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا!“» (غل ١ : ٦ - ٩).
    ولعل من أبلغ آيات الكتاب المقدس التي تعبر عن مفهوم الوحي قول الرب لإرميا النبي:
    «فَقَالَ الرَّبُّ لِي: ”لَا تَقُلْ إِنِّي وَلَدٌ، لِأَنَّكَ إِلَى كُلِّ مَنْ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِ تَذْهَبُ وَتَتَكَلَّمُ بِكُلِّ مَا آمُرُكَ بِهِ. لَا تَخَفْ مِنْ وُجُوهِهِمْ، لِأَنِّي أَنَا مَعَكَ لِأُنْقِذَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ“. وَمَدَّ الرَّبُّ يَدَهُ وَلَمَسَ فَمِي، وَقَالَ الرَّبُّ لِي: ”هَا قَدْ جَعَلْتُ كَلَامِي فِي فَمِكَ. اُنْظُرْ! قَدْ وَكَّلْتُكَ هَذَا الْيَوْمَ عَلَى الشُّعُوبِ وَعَلَى الْمَمَالِكِ، لِتَقْلَعَ وَتَهْدِمَ وَتُهْلِكَ وَتَنْقُضَ وَتَبْنِيَ وَتَغْرِسَ“.» (إر ١ : ٧ – ١٠)
    فالله يضع كلماته في فم أنبيائه ورسله، ولكنه لا يمليهم حرفياً ما يقولونه أو يكتبونه فيطغى كليةً على شخصياتهم، ويقول أيضاً داود النبي «وَحْيُ دَاوُدَ بْنِ يَسَّى، وَوَحْيُ الرَّجُلِ الْقَائِمِ فِي ٱلْعُلَا، مَسِيحِ إِلَهِ يَعْقُوبَ، وَمُرَنِّمِ إِسْرَائِيلَ الْحُلْوِ: رُوحُ الرَّبِّ تَكَلَّمَ بِي وَكَلِمَتُهُ عَلَى لِسَانِي» (٢ صم ٢٣ : ١ - ٢) :ويكتب إشعياء النبي عن نفس المفهوم
    «وَقَدْ جَعَلْتُ أَقْوَالِي فِي فَمِكَ، وَبِظِلِّ يَدِي سَتَرْتُكَ لِغَرْسِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَتَأْسِيسِ ٱلْأَرْضِ، وَلِتَقُولَ لِصِهْيَوْنَ: أَنْتِ شَعْبِي» (إش ٥١ : ١٦)
    «قَالَ ٱلرَّبُّ: ”رُوحِي الَّذِي عَلَيْكَ، وَكَلَامِي الَّذِي وَضَعْتُهُ فِي فَمِكَ لَا يَزُولُ مِنْ فَمِكَ، وَلَا مِنْ فَمِ نَسْلِكَ، وَلَا مِنْ فَمِ نَسْلِ نَسْلِكَ،“ قَالَ الرَّبُّ، ”مِنَ الْآنَ وَإِلَى الْأَبَدِ“.» (إش ٥٩ : ٢١)
  4. الوحي في المسيحية يشمل كل الكتاب المقدس وليس أجزاءً منه، فحتى حينما كان رجال الله القديسون يكتبون أشياء تخص زمانهم فقط أو شخصهم فقط، كان يوحى إليهم أيضاً لئلا يخطئوا، فنجد بولس الرسول مثلاً يطلب من تيموثاوس بعض مطالب شخصية:
    «بَادِرْ أَنْ تَجِيءَ إِلَيَّ سَرِيعًا، لِأَنَّ دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ وَذَهَبَ إِلَى تَسَالُونِيكِي، وَكِرِيسْكِيسَ إِلَى غَلَاطِيَّةَ، وَتِيطُسَ إِلَى دَلْمَاطِيَّةَ. لُوقَا وَحْدَهُ مَعِي. خُذْ مَرْقُسَ وَأَحْضِرْهُ مَعَكَ لِأَنَّهُ نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ. أَمَّا تِيخِيكُسُ فَقَدْ أَرْسَلْتُهُ إِلَى أَفَسُسَ. اَلرِّدَاءَ الَّذِي تَرَكْتُهُ فِي تَرُواسَ عِنْدَ كَارْبُسَ، أَحْضِرْهُ مَتَى جِئْتَ، وَالْكُتُبَ أَيْضًا وَلَا سِيَّمَا الرُّقُوقَ» (٢ تي ٤ : ٩ - ١٣)
    ونجده يطلب من أجل أنسيمس:
    «أَطْلُبُ إِلَيْكَ لِأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي، الَّذِي رَدَدْتُهُ. فَاقْبَلْهُ، الَّذِي هُوَ أَحْشَائِي. الَّذِي كُنْتُ أَشَاءُ أَنْ أُمْسِكَهُ عِنْدِي لِكَيْ يَخْدِمَنِي عِوَضًا عَنْكَ فِي قُيُودِ الْإِنْجِيلِ، وَلَكِنْ بِدُونِ رَأْيِكَ لَمْ أُرِدْ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا، لِكَيْ لَا يَكُونَ خَيْرُكَ كَأَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الِاضْطِرَارِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ. لِأَنَّهُ رُبَّمَا لِأَجْلِ هَذَا افْتَرَقَ عَنْكَ إِلَى سَاعَةٍ، لِكَيْ يَكُونَ لَكَ إِلَى الْأَبَدِ، لَا كَعَبْدٍ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ أَفْضَلَ مِنْ عَبْدٍ: أَخًا مَحْبُوبًا، وَلَا سِيَّمَا إِلَيَّ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ إِلَيْكَ فِي الْجَسَدِ وَالرَّبِّ جَمِيعًا! فَإِنْ كُنْتَ تَحْسِبُنِي شَرِيكًا، فَاقْبَلْهُ نَظِيرِي. ثُمَّ إِنْ كَانَ قَدْ ظَلَمَكَ بِشَيْءٍ، أَوْ لَكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَٱحْسِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ.» (فل ١ : ١٠ ، ١٢ - ١٨)
    ونجده ينصح تيموثاوس حسب علم زمانه إذ علم أنه يعاني من معدته «لَا تَكُنْ فِي مَا بَعْدُ شَرَّابَ مَاءٍ، بَلِ اسْتَعْمِلْ خَمْرًا قَلِيلًا مِنْ أَجْلِ مَعِدَتِكَ وَأَسْقَامِكَ الْكَثِيرَةِ» (١ تي ٥ : ٢٣). وهذه الاقتباسات السابقة توضح لنا أيضاً كيف أن الطابع الشخصي لكتاب الأسفار المقدسة كان يظهر في كتاباتهم كما قلنا من قبل.
  5. كُتّاب الوحي في المسيحية ليسوا معصومين من الخطأ في حياتهم إلا عند كتابة الوحي وفقط فيما يخص كتابة الوحي، ويظهر هذا بوضوح عدة مرات في الكتاب المقدس الذي يبين لنا كيف أن منهم من أخطأ ثم تاب فعاقبه الرب أو لم يعاقبه، فنرى كيف أن موسى النبي كليم الله لم ينفذ أمر الله له فعاقبه الله بحرمانه من الدخول إلى أرض الموعد:
    «وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: ”خُذِ الْعَصَا وَاجْمَعِ الْجَمَاعَةَ أَنْتَ وَهَارُونُ أَخُوكَ، وَكَلِّمَا الصَّخْرَةَ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ أَنْ تُعْطِيَ مَاءَهَا، فَتُخْرِجُ لَهُمْ مَاءً مِنَ الصَّخْرَةِ وَتَسْقِي الْجَمَاعَةَ وَمَوَاشِيَهُمْ“. فَأَخَذَ مُوسَى الْعَصَا مِنْ أَمَامِ الرَّبِّ كَمَا أَمَرَهُ، وَجَمَعَ مُوسَى وَهَارُونُ الْجُمْهُورَ أَمَامَ الصَّخْرَةِ، فَقَالَ لَهُمُ: ”اسْمَعُوا أَيُّهَا الْمَرَدَةُ، أَمِنْ هذِهِ الصَّخْرَةِ نُخْرِجُ لَكُمْ مَاءً؟“. وَرَفَعَ مُوسَى يَدَهُ وَضَرَبَ الصَّخْرَةَ بِعَصَاهُ مَرَّتَيْنِ، فَخَرَجَ مَاءٌ غَزِيرٌ، فَشَرِبَتِ الْجَمَاعَةُ وَمَوَاشِيهَا. فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى وَهَارُونَ: ”مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمَا لَمْ تُؤْمِنَا بِي حَتَّى تُقَدِّسَانِي أَمَامَ أَعْيُنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِذلِكَ لاَ تُدْخِلاَنِ هذِهِ الْجَمَاعَةَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا“» (عد ٢٠ : ٧ - ١٢)
    ونرى كيف أن داود النبي زنا بامرأة أوريا الحثي (٢ صم : ١١) وكيف أن الله أرسل له ناثان لتوبيخه فتاب وعاقبه الله بخطئه (٢ صم : ١٢)، ونرى كيف أن سليمان أحب نساء أمميات كثيرات فزنا بهن في شيخوخته وأملن قلبه فعاقبه الله (١ مل ١١)، ونرى كيف عصى يونان الله عندما أمره بالذهاب لأهل مدينة نينوى وكيف أن الله أدبه (يون ١)، وكيف أن إبراهيم أب الآباء خاف فكذب على أبيمالك وقال أن سارة أخته وليست امرأته (تك ٢٠). الكتاب المقدس يعلمنا أن أنبياء الله ورجاله القديسين بشر يخطئون مثل كل البشر، ويقول بولس الرسول مردداً قول داود النبي في المزمور «الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ.» (رو ٣ : ١٢) ثم يردف «إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ» (رو ٣ : ٢٣). وكما نرى توبيخ ناثان لداود النبي نرى أيضاً في العهد الجديد توبيخاً من بولس الرسول لبطرس الرسول:
    «وَلَكِنْ لَمَّا أَتَى بُطْرُسُ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً، لِأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا. لِأَنَّهُ قَبْلَمَا أَتَى قَوْمٌ مِنْ عِنْدِ يَعْقُوبَ كَانَ يَأْكُلُ مَعَ الْأُمَمِ، وَلَكِنْ لَمَّا أَتَوْا كَانَ يُؤَخِّرُ وَيُفْرِزُ نَفْسَهُ، خَائِفًا مِنَ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْخِتَانِ. وَرَاءَى مَعَهُ بَاقِي الْيَهُودِ أَيْضًا، حَتَّى إِنَّ بَرْنَابَا أَيْضًا انْقَادَ إِلَى رِيَائِهِمْ! لَكِنْ لَمَّا رَأَيْتُ أَنَّهُمْ لَا يَسْلُكُونَ بِاسْتِقَامَةٍ حَسَبَ حَقِّ الْإِنْجِيلِ، قُلْتُ لِبُطْرُسَ قُدَّامَ الْجَمِيعِ: ”إِنْ كُنْتَ وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ تَعِيشُ أُمَمِيًّا لَا يَهُودِيًّا، فَلِمَاذَا تُلْزِمُ الْأُمَمَ أَنْ يَتَهَوَّدُوا؟“» (غل ٢ : ١١ - ١٤).
  6. الوحي في المسيحية ليس هدفه سرداً تفصيلياً للأحداث التاريخية، بل يذكر كُتّاب الوحي في الكتاب المقدس ما ألهمهم روح الله القدوس أن يكتبوه فيه لتوصيل رسالة الله إلى البشر. وعلى الرغم من عدم اعتبار الكتاب المقدس كتاب تاريخ (بمعنى أنه لا يُعْنَى به أن تقديم سرد مفصل للتاريخ)، إلا أن محتوى الكتاب المقدس التاريخي لا يجوز أن يكون على خطأ، إذ أنه وحي الله المعصوم من الخطأ، فإن لم تتوافق الحقائق والاكتشافات التاريخية مع ما جاء في الكتاب المقدس يفقد مصداقيته ككتاب موحى به من الله. والواقع أن الكثير من الكتب والمؤلفات صدرت عن توافق محتوى الكتاب المقدس مع الاكتشافات التاريخية و ما ذكره المؤرخون.
    ويقول يوحنا الرسول الإنجيلي في بشارته «وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ» (يو ٢٠ : ٣٠) ويقول أيضاً «وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ.» (يو ٢١ : ٢٥) وذلك ليعرف القارئ أن ما كُتِب في بشارته ليس حصراً لمعجزات السيد المسيح وإنما أمثلة من تاريخ تلك الفترة.
  7. الكتاب المقدس ليس كتاباً علمياً. وكما أن الكتاب المقدس ليس كتاب تاريخ ولكن ينبغي ألا تتعارض الأحداث التاريخية المذكورة فيه مع الاكتشافات التاريخية وتوثيق المؤرخين، فهو كذلك لا يهدف إلى تعليم البشر علماً أرضياً، ولا يصح اتخاذه كمرجع علمي بأي شكل من الأشكال، ولكن ما ورد فيه ينبغي أيضاً ألا يتعارض مع العلم الحديث، وأنا شخصياً أرفض فكرة ’الإعجاز العلمي في الكتاب المقدس‘، فالله لم يوحِ للأنبياء بعلم دنيوي، ولو كان الأمر كذلك لكان اليهود المؤتمنون على الوحي الكتابي أعظم أهل الأرض علماً، ولكننا نرى في الكتاب المقدس بعض آيات تجعلنا نتوقف أمامها للتفكير، وتدلنا بشكل أو بآخر على أن الكتاب المقدس هو وحي الله المعصوم من الخطأ، وسأكتفي بسرد مثل واضح لهذه الفكرة، وهناك الكثير من الكتب التي تتكلم عن اتفاق ما جاء في الكتاب المقدس مع العلم.
    فكرة كروية الأرض نُسِبت للإغريق تاريخياً، وأقدم ذكر لها يُنسَب للفيلسوف وعالم الرياضيات فيثاغورث (حوالي ٥٧٠ ق.م. إلى حوالي ٤٩٥ ق.م.)، والبعض ينسبه للفيلسوف والشاعر بارمنيدس (حوالي ٥١٥ ق.م. وتاريخ الوفاة غير مؤكد) أو الشاعر هسيود (ولد ٧٥٠ ق.م. على أقصى تقدير). نجد في سفر أيوب « يَمُدُّ الشَّمَالَ عَلَى الْخَلاَءِ، وَيُعَلِّقُ الأَرْضَ عَلَى لاَ شَيْءٍ.» (أي ٢٦ : ٧)، وقد كُتِب سفر أيوب فيما بين القرن السادس والرابع قبل الميلاد، وفي هذا الزمان، وحتى مع بداية ظهور فكرة كروية الأرض، إلا أن الحضارات القديمة كانت تعتقد بوجود ما يحمل الأرض، وأشهر مثال على ذلك هو إله الإغريق أطلس الذي كان يحمل الأرض على كتفيه، وهناك أيضاً الكائن الخرافي بهموت الذي صُوِّر على شكل سمكة ضخمة تحمل الأرض بطبقانها السبع، ولكن سفر أيوب يحدثنا عن أرض معلقة على لا شيء، أيضاً بخلاف كل معتقدات ذلك الزمان.

ما هو الوحي إذاً في المسيحية؟

يقول بولس الرسول «كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ» (٢ تي ٣ : ١٦) وبالرجوع للنص اليوناني «πασα γραφη θεοπνευστος και ωφελιμος προς διδασκαλιαν προς ελεγχον προς επανορθωσιν προς παιδειαν την εν δικαιοσυνη» الذي كتب به معظم العهد الجديد نجد أن كلمة موحى مترجمة من الكلمة اليونانية θεοπνευστος وتنطق ثيونيفستوس وهي مكونة من مقطعين، أولهما من كلمة θεός وتنطق ثيوس وتعني الله والثاني من كلمة πνευστιώ بمعنى يتنفس بشدة أو يلهث وتنطق نفستيو ومنها أيضاً πνεῦμα بمعنى روح أو نفخة الحياة وتنطق نيفما وأيضاً πνεύμων بمعنى رئة وتنطق نيفمون وأيضاً πνευστά بمعنى نفخة أو رياح وتنطق نيفستا، وكل هذه الكلمات من أصل يعني الهواء أو النَفَس أو النفخة، والترجمة اللاتينية لهذه الكلمة هي divinitus inspirata والكلمة الأولى منها من أصل divus بمعنى إله والثانية من أصل inspira بمعنى يتنفس، والخلاصة أن المقصود أن الكتاب المقدس هو نفخة الله أو روح الله.

وكذلك يقول بطرس الرسول في رسالته الثانية «عَالِمِينَ هَذَا أَوَّلًا: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ. لِأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.» (٢ بط ١ : ٢٠ - ٢١) وبالرجوع للأصل اليوناني «τουτο πρωτον γινωσκοντες οτι πασα προφητεια γραφης ιδιας επιλυσεως ου γινεται ου γαρ θεληματι ανθρωπου ηνεχθη ποτε προφητεια αλλ υπο πνευματος αγιου φερομενοι ελαλησαν οι αγιοι θεου ανθρωποι» نجد أن كلمة مسوقين مترجمة من الكلمة اليونانية φερομενοι وتنطق فيرومينوي من أصل φέρω وتنطق فيرو بمعنى يحمل أو يُحضِر، فالله يريد أن يخبرنا أن روحه القدوس يحمل أناس الله القديسين ليكتبوا الوحي.

وأقرب تشبيه يعبر عن مفهوم الوحي في المسيحية أن نتصور كما لو أن الله سبحانه مؤلف سيمفونية لأوركيسترا مكونة من العديد من الآلات الموسيقية، ولكل العازفين ’نوتة‘ موسيقية بها اللحن الذي سيعزفه، وهؤلاء العازفون هم كُتّاب الوحي، وطريقة تدوينهم للوحي هي صوت آلاتهم الموسيقية، فالمؤلف في هذه الحالة يعطي العازف لحناً محدداً ليعزفه والعازف سيلتزم باللحن الذي أخذه لكي تتناغم آلات الأوركيسترا، ولكن صوت الآلة يختلف من آلة لأخرى، وبالمثل فإن شخصية كاتب الوحي لا تُلغَى عندما يكتب الوحي المقدس، وكما أن الآلات جميعاً تشترك — على اختلاف أصواتها — في إصدار السيمفونية المتناغمة يشترك كُتّاب الوحي جميعاً في كتابة الكتاب المقدس المتناغم المتجانس الذي يتجه كله من سفر التكوين حتى سفر الرؤيا في اتجاه واحد هو خلاص جنس البشر، والمدهش أن هذا التناغم موجود على الرغم من كتابة الوحي على مدار ١٦٠٠ عام.

ويمكن تلخيص ذلك في التعريف الآتي: الوحي في المسيحية هو هيمنة روح الله القدوس على كُتّاب الوحي ليكتبوا كلمات الله في رسالته للبشر، عاصماً إياهم من الخطأ أثناء كتابة الوحي، ويُفهَم الوحي فهماً صحيحاً بالرجوع للغته الأصلية التي كُتِب بها، إذ أن المترجمين ليسوا معصومين من الخطأ بقدرة روح الله القدوس.

ما هي أهمية الالتزام بهذا التعريف للوحي في المسيحية؟

  1. الإعلانات والحكمة الموجودات في الكتاب المقدس من عند الله وليست حكمة بشر
    يقول بطرس الرسول في رسالته الثانية:
    «وَاحْسِبُوا أَنَاةَ رَبِّنَا خَلَاصًا، كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ، كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلَاكِ أَنْفُسِهِمْ.» (٢ بط ٣ : ١٥ - ١٦)
    كما يقول بولس الرسول في رسائله:
    «لَكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ، وَلَكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الدَّهْرِ، وَلَا مِنْ عُظَمَاءِ هَذَا الدَّهْرِ، الَّذِينَ يُبْطَلُونَ. بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرٍّ: الْحِكْمَةِ ٱلْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا، الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هَذَا الدَّهْرِ، لِأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ. بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: ”مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ“. فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لِأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ. لِأَنْ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الْإِنْسَانِ إِلَّا رُوحُ الْإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟ هَكَذَا أَيْضًا أُمُورُ اللهِ لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلَّا رُوحُ اللهِ. وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الْأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ، الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لَا بِأَقْوَالٍ تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ. وَلَكِنَّ الْإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لَا يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا. وَأَمَّا الرُّوحِيُّ فَيَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ لَايُحْكَمُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ. ”لِأَنَّهُ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ فَيُعَلِّمَهُ؟“. وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ.» (١ كو ٢ : ٦ - ١٦)
    «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نَحْنُ أَيْضًا نَشْكُرُ اللهَ بِلَا انْقِطَاعٍ، لِأَنَّكُمْ إِذْ تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ خَبَرٍ مِنَ اللهِ، قَبِلْتُمُوهَا لَا كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ بِالْحَقِيقَةِ كَكَلِمَةِ اللهِ، الَّتِي تَعْمَلُ أَيْضًا فِيكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ.» (١ تس ٢ : ١٣)
    فمن يؤمن بالمسيحية يؤمن ضمناً أن ما كتب في الكتاب المقدس هو وحي الروح القدس وحكمة الله وفهمه الذين أُعطيا لرجاله القديسين ليفهموا عن الله وطبيعته ما لم يكن ممكناً إدراكه بالعقل البشري وحده، ولذلك فإن الفهم الصحيح للمسيحية لا يمكن أن يأتي فقط عن طريق الحكمة الأرضية وفلسفة هذا العالم، ولكن يجب أن يصاحب ذلك صلاة وطلب من الله ليكشف للقارئ بروحه القدوس روحانيات الكتاب المقدس. ونجد مثالاً واضحاً لهذه الفكرة في قصة تلميذي عمواس الذين ظهر لهما السيد المسيح بعد قيامته فعلمهما وفسر لهما كيف أعلن الله لأنبياء العهد القديم عن خطة الخلاص:
    «فَقَالَ لَهُمَا:”أَيُّهَا الْغَبِيَّانِ وَالْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ! أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ؟“ ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ. ثُمَّ اقْتَرَبُوا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَا مُنْطَلِقَيْنِ إِلَيْهَا، وَهُوَ تَظَاهَرَ كَأَنَّهُ مُنْطَلِقٌ إِلَى مَكَانٍ أَبْعَدَ. فَأَلْزَمَاهُ قَائِلَيْنِ:”امْكُثْ مَعَنَا، لأَنَّهُ نَحْوُ الْمَسَاءِ وَقَدْ مَالَ النَّهَارُ“. فَدَخَلَ لِيَمْكُثَ مَعَهُمَا. فَلَمَّا اتَّكَأَ مَعَهُمَا، أَخَذَ خُبْزًا وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَنَاوَلَهُمَا، فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ ثُمَّ اخْتَفَى عَنْهُمَا، فَقَالَ بَعْضُهُمَا لِبَعْضٍ:”أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي الطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا الْكُتُبَ؟“» (لو ٢٤ : ٢٥ - ٣٢)
    كما نقرأ في نفس الإصحاح كيف أن المسيح فتح ذهن تلاميذه عندما ظهر لهم بعد القيامة ليفهموا الكتب:
    « وَقَالَ لَهُمْ:”هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ“. حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ. وَقَالَ لَهُمْ:”هكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ“.» (لو ٢٤ : ٤٤ - ٤٧)
    كما نقرأ في رسالة بطرس الرسول الأولى أن أنبياء الله في العهد القديم تنبأوا عن فداء السيد المسيح بإعلان من روح الله القدوس:
    «الْخَلَاصَ الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لِأَجْلِكُمْ، بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ، إِذْ سَبَقَ فَشَهِدَ بِالْآلَامِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ، وَالْأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا. الَّذِينَ أُعْلِنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَيْسَ لِأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لَنَا كَانُوا يَخْدِمُونَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي أُخْبِرْتُمْ بِهَا أَنْتُمُ الْآنَ، بِوَاسِطَةِ الَّذِينَ بَشَّرُوكُمْ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُرْسَلِ مِنَ السَّمَاءِ. الَّتِي تَشْتَهِي الْمَلَائِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا.» (١ بط ١ : ١٠ - ١٢)
    ونقرأ في العهد القديم عدة مرات كيف أن روح الرب كان يقود رجاله القديسين، ويمنحهم الحكمة والقوة والفهم:
    «فَيَحِلُّ عَلَيْكَ رُوحُ الرَّبِّ فَتَتَنَبَّأُ مَعَهُمْ وَتَتَحَوَّلُ إِلَى رَجُل آخَرَ.» (١ صم ١٠ : ٦)
    «رُوحُ الرَّبِّ تَكَلَّمَ بِي وَكَلِمَتُهُ عَلَى لِسَانِي.» (٢ صم ٢٣ : ٢)
    «وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ.» (إش ١١ : ٢)
  2. الوحي فيه كلمات الله ووصاياه والطريق إليه
    الكتاب المقدس لا يحتوي على أحداث تاريخية ولا فلسفة روحانية فقط، لكنه يحتوي على وصايا الله لبني البشر وطريقهم للخلاص الأبدي بدم يسوع المسيح الفادي، ولذلك فهو مقدس عند المسيحيين، ويقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس:
    «إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْسِبُ نَفْسَهُ نَبِيًّا أَوْ رُوحِيًّا، فَلْيَعْلَمْ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ أَنَّهُ وَصَايَا الرَّبِّ.» (١ كو ١٤ : ٣٧)
    ومخالفة وصايا الله لا تؤخذ بتهاون، والتعليم والتبشير بما يخالف الكتاب المقدس وعقيدة الكنيسة لا يؤخذ بتهاون أيضاً، ونرى هذا في قول بولس الرسول في رسالته إلى أهل غلاطية:
    «وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ ”أَنَاثِيمَا“! كَمَا سَبَقْنَا فَقُلْنَا أَقُولُ الآنَ أَيْضًا: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ "أَنَاثِيمَا"!» (غل ١ : ٨ - ٩)
    وكلمة أناثيما تعني ملعون أو مكرس للشر، واستخدمتها الكنيسة لتعني بها الحرمان من الشركة الكنسية، ونجد أن بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس يفرق بشكل واضح بين وصية الرب التي لا ينبغي تجاوزها، وبين رأيه الشخصي ونصيحته كقديس ورسول:
    «وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُونَ، فَأُوصِيهِمْ، لَا أَنَا بَلِ الرَّبُّ، أَنْ لَا تُفَارِقَ الْمَرْأَةُ رَجُلَهَا، وَإِنْ فَارَقَتْهُ، فَلْتَلْبَثْ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ، أَوْ لِتُصَالِحْ رَجُلَهَا. وَلَا يَتْرُكِ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ. وَأَمَّا الْبَاقُونَ، فَأَقُولُ لَهُمْ أَنَا، لَا الرَّبُّ: إِنْ كَانَ أَخٌ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ، وَهِيَ تَرْتَضِي أَنْ تَسْكُنَ مَعَهُ، فَلَا يَتْرُكْهَا. وَالْمَرْأَةُ الَّتِي لَهَا رَجُلٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ، وَهُوَ يَرْتَضِي أَنْ يَسْكُنَ مَعَهَا، فَلَا تَتْرُكْهُ. لِأَنَّ الرَّجُلَ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ مُقَدَّسٌ فِي الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ غَيْرَ الْمُؤْمِنَةِ مُقَدَّسَةٌ فِي الرَّجُلِ. وَإِلَّا فَأَوْلَادُكُمْ نَجِسُونَ، وَأَمَّا الْآنَ فَهُمْ مُقَدَّسُونَ. وَلَكِنْ إِنْ فَارَقَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، فَلْيُفَارِقْ. لَيْسَ الْأَخُ أَوِ الْأُخْتُ مُسْتَعْبَدًا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَلَكِنَّ اللهَ قَدْ دَعَانَا فِي السَّلَامِ. وَأَمَّا الْعَذَارَى، فَلَيْسَ عِنْدِي أَمْرٌ مِنَ الرَّبِّ فِيهِنَّ، وَلَكِنَّنِي أُعْطِي رَأْيًا كَمَنْ رَحِمَهُ الرَّبُّ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا. الْمَرْأَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِالنَّامُوسِ مَا دَامَ رَجُلُهَا حَيًّا. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَ رَجُلُهَا، فَهِيَ حُرَّةٌ لِكَيْ تَتَزَوَّجَ بِمَنْ تُرِيدُ، فِي الرَّبِّ فَقَطْ. وَلَكِنَّهَا أَكْثَرُ غِبْطَةً إِنْ لَبِثَتْ هَكَذَا، بِحَسَبِ رَأْيِي. وَأَظُنُّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا عِنْدِي رُوحُ اللهِ.» (١ كو ٧ : ١٠ - ١٥ ، ٢٥ ، ٣٩ - ٤٠)
    ولهذا فكل ما لا يُفهَم صراحة على أنه ليس وصية إنسان أو رأيه أو نقلاً نصياً لقوله فهو وصية الله لبني البشر. ويقول لنا السيد المسيح في إنجيل يوحنا كيف أن الكتاب المقدس هو الذي يشهد للرب، وكيف أنه ينبغي علينا أن نبحث بالتدقيق فيه لنعرف طريق الله:
    «فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي.» (يو ٥ : ٣٩)
    وفي العهد القديم نجد أن الله يحذر بشدة ويعاقب بحزم كل من يدعي النبوة وأنه يتكلم باسم الله:
    «وَأَمَّا النَّبِيُّ الَّذِي يُطْغِي، فَيَتَكَلَّمُ بِاسْمِي كَلاَمًا لَمْ أُوصِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، أَوِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ آلِهَةٍ أُخْرَى، فَيَمُوتُ ذلِكَ النَّبِيُّ.» (تث ١٨ : ٢٠)
    ولذلك كان اليهود — ولا يزالون — يلتزمون بمنتهى الدقة عند نسخ أسفار التوراة ، وتكتب على مواد معينة وبأحبار معينة، ويلتزم الناسخ بشكل الحرف الأصلي بالضبط وعلامات التشكيل وحتى الزخارف الموجودة في النص الأصلي. وأي خطأ في حرف في غير كلمة "الله" يمكن كشطه من الصفحة، أما عند الخطأ في نسخ كلمة "الله" فتقطع الصفحة كاملة وتُدفن وتُكتب مكانها صفحة جديدة. ولذلك تكلم عنهم بولس الرسول قائلاً:
    «إِذًا مَا هُوَ فَضْلُ الْيَهُودِيِّ، أَوْ مَا هُوَ نَفْعُ الْخِتَانِ؟ كَثِيرٌ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ! أَمَّا أَوَّلاً فَلأَنَّهُمُ اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللهِ.» (رو ٣ : ١ - ٢)
    ولأن الكتاب المقدس هو كلمات الله، نجد أن السيد المسيح — وهو الله الظاهر في الجسد — يقول بسلطان: «اَلسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ تَزُولَانِ وَلَكِنَّ كَلَامِي لَا يَزُولُ.» (مت ٢٤ : ٣٥ ؛ مر ١٣ : ٣١ ؛ لو ٢١ : ٣٣) تماماً كما قال أشعياء النبي عن كلام الله في العهد القديم «يَبِسَ الْعُشْبُ، ذَبُلَ الزَّهْرُ. وَأَمَّا كَلِمَةُ إِلهِنَا فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ» (إش ٤٠ : ٨)
  3. الوحي له مصدر واحد، والعهد الجديد مرتبط بالعهد القديم
    كل الكتاب المقدس موحى به من الله، ولهذا فكله مترابط، فالعهد القديم به نبوات تشير إلى العهد الجديد وفداء الصليب، والعهد الجديد به إشارات لتلك النبوات لتوضيحها، ونرى السيد المسيح ذاته في تجربة إبليس قد استخدم كلمات الوحي ليرد بها على مكره:
    «أَمَّا يَسُوعُ فَرَجَعَ مِنَ الْأُرْدُنِّ مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَكَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنْ إِبْلِيسَ. وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ. وَلَمَّا تَمَّتْ جَاعَ أَخِيرًا. وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: ”إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ، فَقُلْ لِهَذَا الْحَجَرِ أَنْ يَصِيرَ خُبْزًا“. فَأَجَابَهُ يَسُوعُ قَائِلًا: ”مَكْتُوبٌ: أَنْ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الْإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ“. ثُمَّ أَصْعَدَهُ إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ ٱلْمَسْكُونَةِ فِي لَحْظَةٍ مِنَ الزَّمَانِ. وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: ”لَكَ أُعْطِي هَذَا السُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ، لِأَنَّهُ إِلَيَّ قَدْ دُفِعَ، وَأَنَا أُعْطِيهِ لِمَنْ أُرِيدُ. فَإِنْ سَجَدْتَ أَمَامِي يَكُونُ لَكَ الْجَمِيعُ“. فَأَجَابَهُ يَسُوعُ وَقَالَ: ”اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! إِنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ“. ثُمَّ جَاءَ بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَأَقَامَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ وَقَالَ لَهُ: ”إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ مِنْ هُنَا إِلَى أَسْفَلُ، لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ، وَأَنَّهُمْ عَلَى أَيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لَا تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ“. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: ”إِنَّهُ قِيلَ: لَا تُجَرِّبِ ٱلرَّبَّ إِلَهَكَ“. وَلَمَّا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ.» (لو ٤ : ١ - ١٣) وانظر أيضاً (مت ٤ : ١ - ١١)
    «فَأَذَلَّكَ وَأَجَاعَكَ وَأَطْعَمَكَ الْمَنَّ الَّذِي لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ وَلاَ عَرَفَهُ آبَاؤُكَ، لِكَيْ يُعَلِّمَكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الرَّبِّ يَحْيَا الإِنْسَانُ.» (تث ٨ : ٣)
    «الرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقِي، وَإِيَّاهُ تَعْبُدُ، وَبِاسْمِهِ تَحْلِفُ.» (تث ٦ : ١٣)
    «إِنْ كُنْتُمْ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ رَاجِعِينَ إِلَى الرَّبِّ، فَانْزِعُوا الآلِهَةَ الْغَرِيبَةَ وَالْعَشْتَارُوثَ مِنْ وَسْطِكُمْ، وَأَعِدُّوا قُلُوبَكُمْ لِلرَّبِّ وَاعْبُدُوهُ وَحْدَهُ، فَيُنْقِذَكُمْ مِنْ يَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ» (١ صم ٧ : ٣)
    «لاَ تُجَرِّبُوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ كَمَا جَرَّبْتُمُوهُ فِي مَسَّةَ.» (تث ٦ : ١٦)
    ثم نجده يرد على الصدوقيين من اليهود من الكتاب المقدس أيضاً:
    «وَجَاءَ إِلَيْهِ قَوْمٌ مِنَ الصَّدُّوقِيِّينَ، الَّذِينَ يَقُولُونَ لَيْسَ قِيَامَةٌ، وَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ: ”يَا مُعَلِّمُ، كَتَبَ لَنَا مُوسَى: إِنْ مَاتَ لِأَحَدٍ أَخٌ، وَتَرَكَ امْرَأَةً وَلَمْ يُخَلِّفْ أَوْلَادًا، أَنْ يَأْخُذَ أَخُوهُ امْرَأَتَهُ، وَيُقِيمَ نَسْلًا لِأَخِيهِ. فَكَانَ سَبْعَةُ إِخْوَةٍ. أَخَذَ الْأَوَّلُ امْرَأَةً وَمَاتَ، وَلَمْ يَتْرُكْ نَسْلًا. فَأَخَذَهَا الثَّانِي وَمَاتَ، وَلَمْ يَتْرُكْ هُوَ أَيْضًا نَسْلًا. وَهَكَذَا الثَّالِثُ. فَأَخَذَهَا السَّبْعَةُ، وَلَمْ يَتْرُكُوا نَسْلًا. وَآخِرَ الْكُلِّ مَاتَتِ الْمَرْأَةُ أَيْضًا. فَفِي الْقِيَامَةِ، مَتَى قَامُوا، لِمَنْ مِنْهُمْ تَكُونُ زَوْجَةً؟ لِأَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةً لِلسَّبْعَةِ“. فَأَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهُمْ: ”أَلَيْسَ لِهَذَا تَضِلُّونَ، إِذْ لَا تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلَا قُوَّةَ اللهِ؟ لِأَنَّهُمْ مَتَى قَامُوا مِنَ الْأَمْوَاتِ لَا يُزَوِّجُونَ وَلَا يُزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلَائِكَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْأَمْوَاتِ إِنَّهُمْ يَقُومُونَ: أَفَمَا قَرَأْتُمْ فِي كِتَابِ مُوسَى، فِي أَمْرِ الْعُلَّيْقَةِ، كَيْفَ كَلَّمَهُ اللهُ قَائِلًا: أَنَا إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ؟ لَيْسَ هُوَ إِلَهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلَهُ أَحْيَاءٍ. فَأَنْتُمْ إِذًا تَضِلُّونَ كَثِيرًا!“.» (مر ١٢ : ١٨ - ٢٧)
    «ثُمَّ قَالَ: ”أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ“. فَغَطَّى مُوسَى وَجْهَهُ لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى اللهِ... وَقَالَ اللهُ أَيْضًا لِمُوسَى: ”هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ وَهذَا ذِكْرِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ“.» (خر ٣ : ٦ ، ١٥)
    ويرد على الفريسيين منهم من الكتاب المقدس أيضاً:
    «وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ: ”هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟“. فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: ”أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الِاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لَا يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ“.» (مت ١٩ : ٣ - ٦) وانظر أيضاً (مر ١٠ : ٢ - ٩)
    «فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.» (تك ١ : ٢٧)
    «لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا.» (تك ٢ : ٢٤)
    ويفحم الفريسيين الناموسيين من الكتاب المقدس:
    «وَفِيمَا كَانَ الْفَرِّيسِيُّونَ مُجْتَمِعِينَ سَأَلَهُمْ يَسُوعُ قَائلاً:”مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟“ قَالُوا لَهُ:”ابْنُ دَاوُدَ“. قَالَ لَهُمْ: ”فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبًّا؟ قَائِلاً: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِيني حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا، فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟“ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ بَتَّةً.» (مت ٢٢ : ٤١ - ٤٦) وانظر أيضاً (مر ١٢ : ٣٥ - ٣٧)
    «قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: ”اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ“.» (مز ١١٠ : ١)
    وأيضاً نجده له المجد يرد على اليهود الذين أرادوا أن يرجموه من الكتاب المقدس:
    «فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضًا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: ”أَعْمَالًا كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي. بِسَبَبِ أَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟“. أَجَابَهُ الْيَهُودُ قَائِلِينَ: ”لَسْنَا نَرْجُمُكَ لِأَجْلِ عَمَلٍ حَسَنٍ، بَلْ لِأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلَهًا“. أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: ”أَلَيْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟ إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ، فَالَّذِي قَدَّسَهُ الْآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لِأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟ إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فَلَا تُؤْمِنُوا بِي. وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ، فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالْأَعْمَالِ، لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ ٱلْآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ“.» (يو ١٠ : ٣١ - ٣٨)
    «أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ.» (مز ٨٢ : ٦)
    ويوبخ اليهود على ريائهم مستخدماً الكتاب المقدس:
    «يَا مُرَاؤُونَ! حَسَنًا تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلًا: يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هَذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا. وَبَاطِلًا يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ.» (مت ١٥ : ٧ - ٩)
    «لأَنَّ هذَا الشَّعْبَ قَدِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ بِفَمِهِ وَأَكْرَمَنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَأَبْعَدَهُ عَنِّي، وَصَارَتْ مَخَافَتُهُمْ مِنِّي وَصِيَّةَ النَّاسِ مُعَلَّمَةً.» (إش ٢٩ : ١٣)
    ونجد رسل المسيح يصلون معاً مستخدمين مزامير داود النبي في العهد القديم:
    «فَلَمَّا سَمِعُوا، رَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ صَوْتًا إِلَى اللهِ وَقَالُوا: ”أَيُّهَا السَّيِّدُ، أَنْتَ هُوَ الْإِلَهُ الصَّانِعُ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، الْقَائِلُ بِفَمِ دَاوُدَ فَتَاكَ: لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الْأُمَمُ وَتَفَكَّرَ الشُّعُوبُ بِالْبَاطِلِ؟ قَامَتْ مُلُوكُ الْأَرْضِ، وَٱجْتَمَعَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ“.» (أع ٤ : ٢٤ - ٢٦)
    «لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الْأُمَمُ، وَتَفَكَّرَ الشُّعُوبُ فِي الْبَاطِلِ؟ قَامَ مُلُوكُ الْأَرْضِ، وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى ٱلرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ، قَائِلِينَ: ”لِنَقْطَعْ قُيُودَهُمَا، وَلْنَطْرَحْ عَنَّا رُبُطَهُمَا“.» (مز ٢ : ١ - ٣)
    ونقرأ عظة بولس الرسول لليهود في مجمعهم في أنطاكية بيسيدية فنجد عدة استشهادات من العهد القديم:
    «إِنَّ اللهَ قَدْ أَكْمَلَ هذَا لَنَا نَحْنُ أَوْلاَدَهُمْ، إِذْ أَقَامَ يَسُوعَ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَيْضًا فِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي: أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. إِنَّهُ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، غَيْرَ عَتِيدٍ أَنْ يَعُودَ أَيْضًا إِلَى فَسَادٍ، فَهكَذَا قَالَ: إِنِّي سَأُعْطِيكُمْ مَرَاحِمَ دَاوُدَ الصَّادِقَةَ. وَلِذلِكَ قَالَ أَيْضًا فِي مَزْمُورٍ آخَرَ:لَنْ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا.» (أع ١٣ : ٣٣ - ٣٥)
    «إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: ”أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ“.» (مز ٢ : ٧)
    «أَمِيلُوا آذَانَكُمْ وَهَلُمُّوا إِلَيَّ. اسْمَعُوا فَتَحْيَا أَنْفُسُكُمْ. وَأَقْطَعَ لَكُمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا، مَرَاحِمَ دَاوُدَ الصَّادِقَةَ.» (إش ٥٥ : ٣)
    «لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَادًا.» (مز ١٦ : ١٠)
    ويستشهد بولس الرسول في رسالاته بالعهد القديم في عدة مواضع:
    «لأَنَّهُ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟ ”فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا“.» (رو ٤ : ٣)
    «ثُمَّ أَخْرَجَهُ إِلَى خَارِجٍ وَقَالَ: ”ٱنْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ وَعُدَّ النُّجُومَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعُدَّهَا“. وَقَالَ لَهُ: ”هَكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ“. فَآمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا.» (تك ١٥ : ٥ - ٦)
    «فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالنَّامُوسِ كَانَ الْوَعْدُ لِإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلْعَالَمِ، بَلْ بِبِرِّ الْإِيمَانِ. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: ”إِنِّي قَدْ جَعَلْتُكَ أَبًا لِأُمَمٍ كَثِيرَةٍ“. أَمَامَ اللهِ الَّذِي آمَنَ بِهِ، الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى، وَيَدْعُو الْأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ. فَهُوَ عَلَى خِلَافِ الرَّجَاءِ، آمَنَ عَلَى الرَّجَاءِ، لِكَيْ يَصِيرَ أَبًا لِأُمَمٍ كَثِيرَةٍ، كَمَا قِيلَ: ”هَكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ“.» (رو ٤ : ١٣ ، ١٧ - ١٨)
    «فَلَا يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لِأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الْأُمَمِ.» (تك ١٧ : ٥)
    «وَأَمَّا الْأُمَمُ فَمَجَّدُوا اللهَ مِنْ أَجْلِ الرَّحْمَةِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: ”مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ سَأَحْمَدُكَ فِي الْأُمَمِ وَأُرَتِّلُ لِاسْمِكَ«. وَيَقُولُ أَيْضًا: ”تَهَلَّلُوا أَيُّهَا الْأُمَمُ مَعَ شَعْبِهِ“. وَأَيْضًا: ”سَبِّحُوا الرَّبَّ يَا جَمِيعَ الْأُمَمِ، وَامْدَحُوهُ يَا جَمِيعَ الشُّعُوبِ“. وَأَيْضًا يَقُولُ إِشَعْيَاءُ: ”سَيَكُونُ أَصْلُ يَسَّى وَالْقَائِمُ لِيَسُودَ عَلَى الْأُمَمِ، عَلَيْهِ سَيَكُونُ رَجَاءُ الْأُمَمِ“.» (رو ١٥ : ٩ - ١٢)
    «لِذَلِكَ أَحْمَدُكَ يَا رَبُّ فِي الْأُمَمِ، وَأُرَنِّمُ لِاسْمِكَ.» (مز ١٨ : ٤٩ ؛ ٢ صم ٢٢ : ٥٠)
    «تَهَلَّلُوا أَيُّهَا الْأُمَمُ، شَعْبُهُ، لِأَنَّهُ يَنْتَقِمُ بِدَمِ عَبِيدِهِ، وَيَرُدُّ نَقْمَةً عَلَى أَضْدَادِهِ، وَيَصْفَحُ عَنْ أَرْضِهِ عَنْ شَعْبِهِ.» (تث ٣٢ : ٤٣)
    «سَبِّحُوا الرَّبَّ يَا كُلَّ الْأُمَمِ. حَمِّدُوهُ يَا كُلَّ الشُّعُوبِ.» (مز ١١٧ : ١)
    «وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَصْلَ يَسَّى الْقَائِمَ رَايَةً لِلشُّعُوبِ، إِيَّاهُ تَطْلُبُ الْأُمَمُ، وَيَكُونُ مَحَلُّهُ مَجْدًا.» (إش ١١ : ١٠)
    «وَعَنِ الْمَلَائِكَةِ يَقُولُ: ”الصَّانِعُ مَلَائِكَتَهُ رِيَاحًا، وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ“. وَأَمَّا عَنْ الِابْنِ: ”كُرْسِيُّكَ يَا اللهُ، إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. أَحْبَبْتَ الْبِرَّ، وَأَبْغَضْتَ الْإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلَهُكَ بِزَيْتِ الِابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ“. وَ ”أَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الْأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَلَكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، وَكَرِدَاءٍ تَطْوِيهَا فَتَتَغَيَّرُ. وَلَكِنْ أَنْتَ أَنْتَ، وَسِنُوكَ لَنْ تَفْنَى“. ثُمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ قَطُّ: ”ٱجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ“؟ أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لِأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا ٱلْخَلَاصَ!» (عب ١ : ٧ - ١٤)
    «الصَّانِعُ مَلَائِكَتَهُ رِيَاحًا، وَخُدَّامَهُ نَارًا مُلْتَهِبَةً.» (مز ١٠٤ : ٤)
    «كُرْسِيُّكَ يَا اللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. أَحْبَبْتَ ٱلْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الْإِثْمَ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلَهُكَ بِدُهْنِ الِابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ.» (مز ٤٥ : ٦ - ٧)
    «مِنْ قِدَمٍ أَسَّسْتَ الْأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَأَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، كَرِدَاءٍ تُغَيِّرُهُنَّ فَتَتَغَيَّرُ. وَأَنْتَ هُوَ وَسِنُوكَ لَنْ تَنْتَهِيَ.» (مز ١٠٢ : ٢٥ - ٢٧)
    «لِذَلِكَ كَمَا يَقُولُ الرُّوحُ الْقُدُسُ: ”الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ، فَلَا تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الْإِسْخَاطِ، يَوْمَ التَّجْرِبَةِ فِي الْقَفْرِ حَيْثُ جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ. اخْتَبَرُونِي وَأَبْصَرُوا أَعْمَالِي أَرْبَعِينَ سَنَةً. لِذَلِكَ مَقَتُّ ذَلِكَ الْجِيلَ، وَقُلْتُ: إِنَّهُمْ دَائِمًا يَضِلُّونَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا سُبُلِي. حَتَّى أَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي: لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي“.» (عب ٣ : ٧ - ١١)
    «لِأَنَّهُ هُوَ إِلَهُنَا، وَنَحْنُ شَعْبُ مَرْعَاهُ وَغَنَمُ يَدِهِ. الْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ، فَلَا تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي مَرِيبَةَ، مِثْلَ يَوْمِ مَسَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ، حَيْثُ جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ. اخْتَبَرُونِي. أَبْصَرُوا أَيْضًا فِعْلِي. أَرْبَعِينَ سَنَةً مَقَتُّ ذَلِكَ الْجِيلَ، وَقُلْتُ: ”هُمْ شَعْبٌ ضَالٌّ قَلْبُهُمْ، وَهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا سُبُلِي“. فَأَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي: ”لَا يَدْخُلُونَ رَاحَتِي“.» (مز ٩٥ : ٧ - ١١)
    بل ونجد بولس الرسول يمزج بين الاستشهاد بالعهد القديم والعهد الجديد في نفس الجملة، ذاكراً أن هذا قول الكتاب بصيغة المفرد:
    «لِأَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ: ”لَا تَكُمَّ ثَوْرًا دَارِسًا“، وَ”ٱلْفَاعِلُ مُسْتَحِقٌّ أُجْرَتَهُ“.» (١ تي ٥ : ١٨)
    «لَا تَكُمَّ ٱلثَّوْرَ فِي دِرَاسِهِ.» (تث ٢٥ : ٤)
    «وَلَا مِزْوَدًا لِلطَّرِيقِ وَلَا ثَوْبَيْنِ وَلَا أَحْذِيَةً وَلَا عَصًا، لِأَنَّ الْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌّ طَعَامَهُ.» (مت ١٠ : ١٠) وانظر أيضاً (لو ١٠ : ٧)
  4. الكلمات المفردة لها أهمية في فهم المعنى لا تقل عن المعنى العام
    الدقة في ترجمة معاني الكتاب المقدس والرجوع للغة الأصلية التي كتبت بها الأسفار لها أهمية خاصة لأن التغيير في بعض الكلمات البسيطة قد يغير العقيدة أو يعطي إيحاءات بما ليس من العقيدة السليمة. على سبيل المثال يوضح بولس الرسول أهمية الدقة في التعبيرات في رسالته إلى أهل غلاطية:
    «وَأَمَّا الْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ. لَا يَقُولُ: ”وَفِي الْأَنْسَالِ“ كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ: ”وَفِي نَسْلِكَ“ الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ.» (غل ٣ : ١٦)
    وفي إنجيل يوحنا البشير نجد السيد المسيح يقول
    «وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ.» (يو ٣ : ١٣)
    وأهمية الدقة في استخدام الكلمات هنا تكمن في استخدام الفعل المضارع في قول السيد المسيح ’الذي هو في السماء‘، فإيمان المسيحية أن السيد المسيح له المجد هو الله الظاهر في الجسد، والله موجود في كل مكان ولا تحده حدود، وعليه فإن ابن الإنسان (المسيح) هو في السماء في نفس الوقت الذي هو موجود فيه على الأرض. وكمثال آخر نرى سؤال السيد المسيح للفريسيين عن قول داود النبي «قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي» (مز ١١٠ : ١) فلو نُزِع الضمير من ’ربي‘ لتغير معنى الجملة تماماً وما كانت لتصلح كنبوءة عن السيد المسيح له المجد.
  5. الكتاب المقدس يفسر بعضه البعض ويكمل بعضه البعض
    الكثير من غير المسيحيين، وأحياناً المسيحيون أيضاً، يأخذون البعض من آيات الكتاب المقدس ويحاولون فهمها بدون الرجوع لباقي الكتاب المقدس، متناسين أنه وحدة واحدة من مصدر واحد هو الله، وكما أن الكتب الأرضية تفهم في جملتها ولا تفهم جملاً منفصلة فإن الكتاب المقدس أيضاً يفهم في جملته. والأمثلة على هذا كثيرة، فقد قال السيد المسيح «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا.» (مت ١٠ : ٣٤) وانظر أيضاً (لو ١٢ : ٥١) ويفسرها البعض على أن السيد المسيح كان يدعو تلاميذه إلى العنف وحمل السلاح، ويتجاهلون سياق الآية التي قيلت فيه، فالسيد المسيح قال هذا في إرساليته لتلاميذه موصياً إياهم بالاعتراف بالإيمان والتبشير به وتحمل الآلام في سبيل إيمانهم، والسياق يوصي بالسلمية التامة لا العنف (مت ١٠ ؛ لو ١٢) ويتجاهلون أن السيد المسيح عندما أُلقِي القبض عليه فضرب بطرس أذن عبد رئيس الكهنة فقطعها (مت ٢٦ : ٥١ ؛ مر ١٤ : ٤٧ ؛ لو ٢٢ : ٥٠ ؛ يو ١٨ : ١٠) وبخه السيد المسيح وأمره أن يرد السيف إلى غمده (مت ٢٦ : ٥٢ ؛ يو ١٨ : ١١) وأبرأ العبد (لو ٢٢ : ٥١)، ولو كان السيد المسيح يدعو إلى العنف لكانت هذه المناسبة أنسب وقت ليجعل تلاميذه يستلون السيوف ويدافعون عنه، ثم أن السيد المسيح في نفس السياق قال لتلاميذه أنهم ’سيُساقون‘ أمام ولاة وملوك من أجل اسم المسيح، والتعبير لا يوحي أبداً باستخدام العنف وقال لهم السيد المسيح أنهم سيُعطَون ما ’يتكلمون‘ به، وليس ما يحاربون به، وغير ذلك الكثير من آيات الكتاب المقدس، فمثلاً:
    «فَكَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ:”أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي“. ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ:”يَارَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ“. وَإِذْ قَالَ هذَا رَقَدَ.» (أع ٧ : ٥٩ - ٦٠)
    «فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ. فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا.» (رو ٨ : ١٧ - ١٨)
    «لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ... لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ.» (في ١ : ٢١ ، ٢٩)
    «فَلاَ يَتَأَلَّمْ أَحَدُكُمْ كَقَاتِل، أَوْ سَارِق، أَوْ فَاعِلِ شَرّ، أَوْ مُتَدَاخِل فِي أُمُورِ غَيْرِهِ... فَإِذًا، الَّذِينَ يَتَأَلَّمُونَ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ، فَلْيَسْتَوْدِعُوا أَنْفُسَهُمْ، كَمَا لِخَالِق أَمِينٍ،فِي عَمَلِ الْخَيْرِ.» (١ بط ٤ : ١٥ ، ١٩)

أرجو أن يكون هذا المجهود المتواضع قد ساهم بشكل أو بآخر في توضيح مفهوم الوحي في المسيحية، لأن غياب هذا المفهوم يترتب عليه حتماً فهم خاطئ للكتاب المقدس، وأرحب بكل الأسئلة والتعليقات والنقد والاستفسارات.

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...