بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاستشهاد في المسيحية

هذا المقال هو أحد مجموعة من المقالات عن بعض المفاهيم في المسيحية. ستجد في هذا الرابط قائمة بالمقالات المتاحة.

هذا المقال مجرد توضيح لمفهوم الاستشهاد في المسيحية لمن قد يختلط عليه الأمر. السبب الذي جعلني اكتب هذا المقال هو تكرر هذا المصطلح كثيراً في الآونة الأخيرة، وخلط المفاهيم الموجود عند الكثيرين، وذلك يؤدي إلى إخراج مصطلح الاستشهاد في المسيحية من معناه الأصلي ووضعه في سياق مختلف تماماً عن المقصود به.

هذا المقال موجه إلى المصريين من مسيحيين ومسلمين على حد سواء، والهدف منه التوعية. إن كان هناك مسيحياً يستخدم المصطلح في غير سياقه الصحيح أو يفهم المصطلح على غير معناه المقصود، فأرجو منه أن يفهم ويعيد النظر، وإن كان هناك مسلماً يتخوف من مصطلح الاستشهاد في المسيحية فهذا المقال للإيضاح وإزالة المخاوف.

ببساطة... الاستشهاد في المسيحية هو الموت على اسم المسيح ومن أجل التمسك بالإيمان المسيحي وهو لا يعني مطلقاً بأي شكل من الأشكال الدعوة إلى قتال مسلح من قبل المسيحيين، ولا يحمل في طياته بأي شكل من الأشكال الدعوة لحمل سلاح مادي من أي نوع.

وبكلمات أخرى، الاستشهاد في المسيحية لا يعني إعلان الحرب، وعندما يقول احدهم ”نحن مستعدون للدفاع عن هذا أو ذاك حتى الاستشهاد“ فإن قوله لا يعني أبداً القتال بأي شكل مادي. وعندما يقول أحد المسيحيين ”أنا مستعد للاستشهاد في سبيل هذا أو ذاك“ فإنه لا يقصد حمل السلاح في وجه أخيه الإنسان.

أي مسيحي يعرف القليل عن دينه يعلم أن السيد المسيح أنبأنا بالشقاء والاضطهاد والتعب والمشقة على الأرض، ولكنه أيضاً أنبأنا بالخلاص والفرح في الملكوت لمن يصبر إلى النهاية.

وَتُسَاقُونَ أَمَامَ وُلاَةٍ وَمُلُوكٍ مِنْ أَجْلِي شَهَادَةً لَهُمْ وَلِلأُمَمِ.......وَسَيُسْلِمُ الأَخُ أَخَاهُ إِلَى الْمَوْتِ، وَالأَبُ وَلَدَهُ، وَيَقُومُ الأَوْلاَدُ عَلَى وَالِدِيهِمْ وَيَقْتُلُونَهُمْ، وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي. وَلكِنِ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ. (متى ١٠ : ١٨ و ٢١-٢٢)

حِينَئِذٍ يُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى ضِيق وَيَقْتُلُونَكُمْ، وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنْ جَمِيعِ الأُمَمِ لأَجْلِ اسْمِي. وَحِينَئِذٍ يَعْثُرُ كَثِيرُونَ وَيُسَلِّمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُبْغِضُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا...... وَلكِنِ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ. (متى ٢٤ : ٩-١٠ و ١٣)

فَانْظُرُوا إِلَى نُفُوسِكُمْ. لأَنَّهُمْ سَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ، وَتُجْلَدُونَ فِي مَجَامِعَ، وَتُوقَفُونَ أَمَامَ وُلاَةٍ وَمُلُوكٍ، مِنْ أَجْلِي، شَهَادَةً لَهُمْ........وَسَيُسْلِمُ الأَخُ أَخَاهُ إِلَى الْمَوْتِ، وَالأَبُ وَلَدَهُ، وَيَقُومُ الأَوْلاَدُ عَلَى وَالِدِيهِمْ وَيَقْتُلُونَهُمْ. وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي. وَلكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ. (مرقس ١٣ : ٩ و ١٢-١٣)

وَقَبْلَ هذَا كُلِّهِ يُلْقُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، وَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَامِعٍ وَسُجُونٍ، وَتُسَاقُونَ أَمَامَ مُلُوكٍ وَوُلاَةٍ لأَجْلِ اسْمِي. فَيَؤُولُ ذلِكَ لَكُمْ شَهَادَةً...... وَسَوْفَ تُسَلَّمُونَ مِنَ الْوَالِدِينَ وَالإِخْوَةِ وَالأَقْرِبَاءِ وَالأَصْدِقَاءِ، وَيَقْتُلُونَ مِنْكُمْ. وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي. (لوقا ٢١ : ١٢-١٣ و ١٦-١٧)

فالاستشهاد لفظاً في اللغة العربية هو ’طلب الشهادة‘، فإضافة الألف والسين والتاء على أصل الفعل تفيد صيغة الطلب. والاستشهاد في المسيحية هو أن يطلب المسيحي الشهادة لاسم المسيح في العالم ويجاهر بشهادته متحملاً كل ما يمكن أن يلاقي من صعاب في سبيل ذلك.

الشهيد في اللغة الإنجليزية هو Martyr (مارتير) وفي اللغة الفرنسية تكتب بنفس اللفظ والهجاء وفي الإسبانية Mártir (مارتير) وفي الإيطالية Martire (مارتيريه)، وفي جميع الأحوال هي مأخوذة من اللاتينية martyr (مارتير) بمعنى شاهد والأخيرة مأخوذة من اليونانية μάρτυρος (مارتيروس) وتعني شاهد أو μάρτυρια (مارتيريا) وهي الصيغة المؤنثة من الاسم μάρτυριον (مارتيريون) بمعنى شهادة (كالشهادة أمام القاضي) من أصل الفعل μάρτυρι (مارتيري) بمعنى يشهد.

جاء السيد المسيح فلم يعد المؤمنين به بالنعيم الدنيوي ولكن قال:

لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا. فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ. (متى ١٠ : ٣٤-٣٦)

و لكي تفهم الآيات الأخيرة بشكل صحيح يجب الرجوع للآيات المذكورة قبلها لتعرف معنى ’ألقي سيفاً‘. السيف هو سيف ضد المسيحي وليس سيف في يد المسيحي. السيد المسيح يردف أن أعداء الإنسان سيكونون ’أهل بيته‘، وفي الآيات المذكورة قبلها يقول ’سوف تسلمون من الوالدين والإخوة والأقرباء والأصدقاء‘. فالأهل قد يضطهدون من يؤمن بالمسيح عن حق ويتبع وصاياه عن حق، فيصير اضطهادهم هذا سيفاً مشهوراً في وجه المسيحي. وفي إنجيل لوقا نجد لفظاً أكثر وضوحاً يحدد المعنى:

أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ؟ كَّلاَّ، أَقُولُ لَكُمْ: بَلِ انْقِسَامًا. لأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الآنَ خَمْسَةٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مُنْقَسِمِينَ: ثَلاَثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ، وَاثْنَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ. يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الابْنِ، وَالابْنُ عَلَى الأَبِ، وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ، وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ، وَالْحَمَاةُ عَلَى كَنَّتِهَا، وَالْكَنَّةُ عَلَى حَمَاتِهَا. (لوقا ١٢ : ٥١-٥٣)

فلماذا لا نفسر الآية على أنها دعوة للمسيحي أن يقاتل بالسيف من أجل المسيحية؟ عندما أتى الجنود ليقبضوا على السيد المسيح لمحاكمته أمام مجمع اليهود، حدث أن ضرب بطرس أذن عبد رئيس الكهنة، وكان اسمه ’مَلْخُس‘، بالسيف فقطعها. في ذلك الوقت، لو كان السيد المسيح يريد حرباً مادية بالسيف لشجع تلاميذه على الذود عنه والقتال بالسيف، ولم يكن في حياة السيد المسيح كما نعرفها وقت هو أحوج فيه للدفاع عن نفسه بالسيف من ذلك الوقت، ولكنه قال لتلميذه أن يرد سيفه إلى غمده وشفى أذن عبد رئيس الكهنة المقطوعة. هذه القصة ذكرت في الأناجيل الأربعة بحسب كل من متى ومرقس ولوقا ويوحنا.

إِذَا وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَ يَسُوعَ مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟ (متى ٢٦ : ٥١-٥٣)

فَاسْتَلَّ وَاحِدٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ السَّيْفَ، وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ. (مرقس ١٤ : ٤٧)

فَلَمَّا رَأَى الَّذِينَ حَوْلَهُ مَايَكُونُ، قَالُوا:«يَارَبُّ، أَنَضْرِبُ بِالسَّيْفِ؟» وَضَرَبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. فَأَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ:«دَعُوا إِلَى هذَا!» وَلَمَسَ أُذْنَهُ وَأَبْرَأَهَا. (لوقا ٢٢ : ٤٩-٥١)

ثُمَّ إِنَّ سِمْعَانَ بُطْرُسَ كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ، فَاسْتَلَّهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. وَكَانَ اسْمُ الْعَبْدِ مَلْخُسَ. فَقَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ:«اجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ! الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا؟». (يوحنا ١٨ : ١٠-١١)

فكيف إذاً نفسر قول السيد المسيح لتلاميذه:

{فَقَالَ لَهُمْ: ”لكِنِ الآنَ، مَنْ لَهُ كِيسٌ فَلْيَأْخُذْهُ وَمِزْوَدٌ كَذلِكَ. وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَلْيَبِعْ ثَوْبَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفًا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ فِيَّ أَيْضًا هذَا الْمَكْتُوبُ: ’وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ‘. لأَنَّ مَا هُوَ مِنْ جِهَتِي لَهُ انْقِضَاءٌ“. فَقَالُوا: ”يَارَبُّ، هُوَذَا هُنَا سَيْفَانِ“. فَقَالَ لَهُمْ: ”يَكْفِي!“. (لوقا ٢٢ : ٣٦-٣٨)

من يقرأ للفهم سيدرك أن هذا قد حدث قليلاً جداً قبل القبض على السيد المسيح حين رفض أن يضرب تلاميذه بالسيف. بعد أحد عشرة آية في نفس الإصحاح نجد السيد المسيح يرفض الضرب بالسيف. فهل يستقيم هذا مع ذاك؟ الواقع أن السيد المسيح لم يكن يقصد السيف المادي كسلاح للقتال، ولكنه كان يقصد السيف الروحي وهو كلمة الله، وحين فهمه التلاميذ خطأ قال ”يكفي“ أي ’يكفي كلاماً إذ انكم لا تفهمون‘ و ليس ’يكفي سيفان للقتال‘. فما دليلي على ذلك؟ الدليل هو ما ذكره بولس الرسول في رسالته إلى أهل أفسس ورسالته إلى العبرانيين.

مِنْ أَجْلِ ذلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا. فَاثْبُتُوا مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ، وَلاَبِسِينَ دِرْعَ الْبِرِّ، وَحَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ. حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ. وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ، وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ. (أفسس ٦ : ١٣-١٧)

لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ. (عبرانيين ٤ : ١٢)

وهذا المفهوم للاستشهاد في المسيحية هو ما كان مفهوماً أيضاً في العصور الأولى للمسيحية. لم نسمع في التاريخ عن حروب قامت بين المسيحيين وبين من يضطهدونهم، بينما سمعنا عن الآلاف من الشهداء على اسم المسيح في ذلك الزمان. التاريخ القبطي تحديداً مليء بمثل هؤلاء الشهداء، ويقدر عددهم في التاريخ القبطي بثمانمئة ألفاً، ومنهم الأسماء المشهورة مثل الشهيد مار مينا والشهيدة دميانة، ومنهم من الأطفال أيضاً مثل الشهيد أبانوب.

ويذكر المؤرخون المسيحيون سيرة هؤلاء الشهداء، ومن هؤلاء المؤرخين العلامة ترتليانوس ويوسابيوس القيصري، ولو كان مفهوم الشهادة في العصور الأولى للمسيحية يختلف عما أذكره هنا لما كان هؤلاء المؤرخين ذكروا هذه المذابح بمثل هذا الفخر، ولكنا سمعنا في التاريخ عن دعوات متكررة للقتال من أجل المسيحية وحماية المسيحيين المضطهدين. ومن أقصى عصور الاضطهاد التي عانى منها الأقباط هو عصر الوالي ’دقلديانوس‘ في القرن الثالث الميلادي، وهو أكثر وقت قدمت فيه الكنيسة شهداء للسماء.

وفي العصر الحديث قتل العديدون على اسم المسيح لمجرد أنهم يتبعون المسيح ويؤمنون به، ولم نسمع في معظم هذه الأحداث عن أحد من المسيحيين حاول أن ينتقم لقتل المسيحيين ظلماً، وإنما سمعنا عن تظاهرات سلمية من أجل استرداد حق الأقباط في الدولة المعاصرة. حرقت كنائس وهدمت كنائس وقتل من الأقباط ما قتل ولم نر من حمل السلاح ضد القتلة، خلافاً لما يدعي الكثيرون من تخزين أسلحة (و أحياناً ’أسود‘) في الكنائس والأديرة. في ظل الغياب الأمني الموجود حالياً لم نر هذه الأسلحة المزعومة تخرج للعلن وتستخدم في خدمة مصالح الأقباط.

يا سادة... الاستشهاد في المسيحية لا يعني القتال، وإنما يعني قبول القتل والتضحية بالحياة شهادة لاسم المسيح وللإيمان المسيحي. فلا تقلقوا من المسيحيين ممن على استعداد للشهادة بمفهومها المسيحي، فهم لن يرفعوا السلاح أبداً في وجه إنسان. اقتلوهم إن أردتم، فأنتم بذلك تسدون لهم خدمة العمر وتفتحون لهم باب الملكوت الذي يتعب الكثيرون من أجله ولا يصلون.

ويا إخوتي المسلمين... لا تظنوا أن الأقباط سيرفعون في وجهكم السلاح ليقتلوكم. ليست هذه الكنيسة القبطية ولن تكون. ومن أفهمكم ذلك خدعكم أو أراد أن يفتنكم ليضلكم فاحذروه.

ويا إخوتي المسيحيين... إن كان عند أحدكم مفهوماً آخر للاستشهاد في المسيحية، فأرجو منه أن يصححه. لم يوصنا السيد المسيح بالقتال أبداً، وإن كنت تظن أنك تدافع عن المسيحية برفعك السلاح في وجه أخيك الإنسان، فاعلم أنك قليل الإيمان وخاطئ، فالله الذي وعدك بالدفاع عن الكنيسة هو القادر على حماية الكنيسة ولا يحتاج إليك للدفاع عنها.

ويا إخوتي المصريين من مسلمين و مسيحيين... كونوا على استعداد للشهادة والتضحية بأموالكم وأرواحكم من أجل مصر، فمصر هي الوطن الذي يجمعنا جميعاً تحت سماء واحدة وفوق أرض واحدة، والتضحية من أجل مصر تشهد لكم بحبكم لوطنكم، وكل من ضحى من أجلها شهيد في نظري، وأظنه شهيداً في نظر الوطن. فكل من من أجل مصر مات شهيد وكل من من أجلها فقد عيناً أو عينين شهيد وكل من من أجلها أصابته عاهة مستديمة شهيد وكل من قدم من أجلها ابناً أو ابنة شهيد، وكلهم تشهد لهم تضحياتهم بحبهم لمصر.

أما ما عند الله، فالله أدرى به منا. لكل ما اعتقد و لله الحكم والأمر ولنا جميعاً مصر واحدة ليس لها بديل.

عاشت مصر للمصريين وعاش أبناؤها بدماء وتضحيات شهدائها.


نسب المصنفات

لماذا أرفض الاحتكام إلى الدين في الدستور والتشريع

هذا المقال هو أحد مجموعة من المقالات تختص بنقاش موضوعات إسلامية بشكل أو بآخر. ستجد في هذا الرابط قائمة بالمقالات المتاحة.

لأن الإيمان بالله غير متفق عليه بين جميع البشر

إذا كنت أنا أؤمن بالله ووجوده وتعاليمه للبشر، فهناك ما لا يقل عن ثلث سكان الكرة الأرضية ممن لا يؤمنون بوجود الله من الأساس. احتكامي إلى ما أعتقد أنه شرع الله يحكم يلزم هؤلاء بالأحكام التي أعتقد أنها من عند الله رغماً عن قناعاتهم الشخصية بعدم وجود إله أصلاً. يقول قائل أن هذا المنطق ينطبق على بلاد بها الكثير من الأديان مثل كندا أو أمريكا، ولا ينطبق على بلاد يؤمن كل أهلها تقريباً بوجود الله الواحد. وهذا صحيح ومنطقي و لكنه ليس السبب الوحيد الذي أستند عليه في رفضي لتحكيم الدين.

لأن الدين يختلف من شخص لآخر

حتى في البلاد الذي يؤمن كل أهلها بوجود الله ويعبدونه، تجد أن المواطنين غالباً ما لا يكونون على نفس الدين كلهم. وبالرغم من اتفاق معظم الأديان على مبادئ عامة كرفض الزنا والقتل والسرقة مثلاً، إلا أن كل الأديان تقريباً تختلف عن بعضها البعض في عدد من المبادئ الأخرى اختلافاً جذرياً، وما يراه أتباع دين أنه كلام الله وشرعه يراه أتباع دين آخر على أنه ’كلام فارغ‘. أستخدم كلمة ’رفض‘ وليس كلمة ’تحريم‘ لأن التحريم كمصطلح لا يتفق مع جميع الأديان التي يعرفها البشر. فأي الأديان نحكم بين المواطنين؟ هل نحكم دين الأغلبية؟ وهل إذا ما حكمنا دين الأغلبية نظلم الأقلية؟ بكل تأكيد نظلمهم، لأن نقاط الاختلاف سيكون مرجعها إلى دين الأغلبية وسيُحْرَم الأقليات من الاحتكام إلى دينهم.

ليس هذا وفقط، بل يجب الوضع في الاعتبار أن دين الأغلبية لو كان يُحَرِّم الخروج منه إلى دين آخر ويعاقب الخارج منه عقاباً شديداً يصل إلى القتل، فإن هذا يتنافى مع حرية الإنسان في اختيار دينه. بل وإن ذلك أيضاً يتعارض مع العقل والمنطق. إذا كنت تؤمن بوجود إله عالم كل شيء وقادر على كل شيء، فكيف تعاقب أنت الإنسان المحدود من يخرج عن الدين ولا يقدر الإله على ذلك؟ ولماذا يوكلك الإله القادر على كل شيء في عقاب البشر وهو قادر على عقابهم؟ وكيف يعاقب الله البشر على اختيار دين معين (حتى وإن كان هذا الدين لا يرضي الله) بالقتل فيكون مصيرهم العذاب الأبدي في النار (إن كنت تؤمن بذلك) بدلاً من إعطاء الفرصة للتوبة؟

حتى وإن كان دين الأغلبية لا يعاقب من يخرج منه، فلماذا يخضع الأقليات لأحكام دين الأغلبية؟ أليس هذا نوع من أنواع مصادرة الحريات الشخصية؟ المشكلة ليست في الأحكام ذاتها، فقد تكون الأحكام رائعة وموافقة لرأي كل المواطنين، ولكن إذا تغيرت الظروف، فلن تتغير الأحكام طبقاً لتغير الظروف لأنها بمنتهى البساطة ’كلام الله‘. أي أن الرجوع إلى أحكام الدين في القانون يجعل القانون جامداً لا يمكن تغييره، والقول بأن أحكام دين ما تناسب كل مكان وكل زمان هو محض افتراض، إذ أن القائل بذلك لا يعلم الغيب، ويعتمد في مقولته هذه على قناعاته الشخصية وليس على دليل منطقي.

لأن تفسير الدين يختلف من طائفة لأخرى

في جميع الأديان تقريباً نجد تفاسير ورؤى مختلفة للدين الواحد، منها ما ينتج عنه انشقاق واضح في الدين إلى فرعين أو أكثر ومنها ما يتخذ أقصى اليمين أو أقصى اليسار في تفسير الدين.

على سبيل المثال وليس الحصر، انشقت الكنيسة الأولى إلى الأرثوذكس والكاثوليك، ثم انشق البروتستانت عن الكاثوليك، وظهرت عدة طوائف أخرى من البروتستانتية. وانشق الإسلام في صدره إلى الشيعة والسنة، ثم انشق عن الشيعة البهائيون وانشق عن السنة الأحمديون والقرآنيون. وفي تفسير الدين من قِبَل نفس الطائفة تجد من هو في منتهى التشدد ويلتزم بالحرف من دون النظر إلى ’روح النص‘ وتجد من يغالي في التركيز على ’روح النص‘ حتى يلوي أعناق النصوص لتجاري فكرته.

فمن من هؤلاء نحكم؟ عند الحديث عن طوائف الدين الواحد قد يقول قائل إننا سوف نحتكم للطائفة التي تشكل الأغلبية من الشعب. فإن احتكمنا إلى هذه الطائفة، فأي من التفسيرات المختلفة للدين سنحكم؟ هل نحكم أقصى اليمين أم أقصى اليسار أم الوسط؟ ومن يحكم على الوسط أنه وسط؟ ثم ما هو رأي اليمينيين في اليساريين والعكس؟ هل يرى اليمينيون أن اليساريين عصاة ويرى اليساريون أن اليمينيين متخلفون؟ ومن منهم يملك الحقيقة في تفسير النصوص؟ وهل إن اتفقنا على أهل ’الوسط‘ سيرضي تفسيرهم للدين جميع الأطراف؟

ثم مع وضع كل ذلك في الاعتبار، أين هو ’كلام الله‘ فعلياً في كل هذه المعمعة؟ هل هو مع هؤلاء أم أولئك؟ إذاً فمن شبه المستحيل أن يتفق مواطنو أمة واحدة على تفسير واحد للدين على أنه إرادة الله وكلامه ووصاياه. ومن ثم، يصبح تطبيق رؤية معينة للدين دون غيرها فيه ظلم حتى لأتباع الدين الواحد.

لأن هناك من يستغل الدين لتحقيق مآرب شخصية

والأمثلة كثيرة على مر التاريخ ولا داعي لذكرها في هذا المقال. من يستغل الدين لتحقيق المآرب الشخصية غالباً ما يطمح في سلطان أو جاه أو مال أو أكثر من واحدة منها. نعلم جميعاً كيف أن رجال الدين مكرمون عند كل البشر وفي كل الأديان وكيف أن كلمتهم مطاعة باعتبارهم أقرب إلى الله وأعلم بكلام الله ووصاياه، وكيف أن تعامل الناس معهم من هذا المنطق يسهل لمن في نفسه مرض أن يستغل ذلك للتربح من وراء الدين.

ونعلم أن الكنيسة في العصور الوسطى سيطرت على السياسة والحكم من هذا المنطلق. في المسيحية، الكاهن ليس متكلماً نيابة عن الله، ولكنه الأعلم من عامة الناس بتعاليم الله وله عندهم مكانة خاصة. وعندما تزاوجت السياسة (متمثلة في الملك أو القيصر) مع الدين (متمثلاً في الكنيسة الكاثوليكية) نتجت الدولة الثيئوقراطية التي يحكم فيها رجال الدين ويتحكمون بصفتهم العالمين بشرع الله ووصاياه. وعندما حدث نفس الشيء ذاته في إيران وتزاوجت السلطة السياسية (الرئيس والحكومة) مع السلطة الدينية (آيات الله) نتجت أيضاً دولة ثيئوقراطية يحكم فيها آية الله بشرع الله كما يراه هو وينفذ له الحاكم ما يراه صواباً من واقع علمه الديني. وكيف لا يفعل ذلك وآية الله يوجهه إلى شرع الله؟

ويحقق تزاوج الدين بالسلطة (أي السياسة في العصر الحديث) منافع لرجل الدين والحاكم (أو السياسي) على حد سواء. عندما يكون السياسي ’مباركاً‘ ومؤيداً من رجل الدين، فإن العامة سيطيعونه لأنه ينفذ ’مشيئة الله‘ أو ’شرع الله‘. وعندما يحاول البعض من العامة التمرد على الفكر الديكتاتوري الديني الذي يصدره رجل الدين، فإن الحاكم يكون اليد الضاربة التي تبطش بالمعارضين، إذ أن رجل الدين لا يمتلك مثل هذه القوة. فالدين يخضع العامة طوعاً وطمعاً في نعيم الحياة الآخرة أو ترهيباً من العقاب، والسلطة تخضع العامة قهراً إن لم يفلح الإقناع بالدين، وفي جميع الأحوال فإن النتيجة هي إخضاع العامة (الشعب) للسلطة المزدوجة المكونة من الدين والسياسة.

لأن الدين (أي دين) لا يحتوي على أحكام لكل تفاصيل الحياة

وذلك لأن الحياة تتطور بمرور الزمن، وبالنسبة للأديان القديمة تحديداً، فإن ما قيل من قرون قد لا يصلح اليوم، أو أنه قد لا يتضمن نصوصاً لما نحياه اليوم في ظل التكنولوجيا والعلم المتاحين في القرن الحادي والعشرين. فما حكم الأديان القديمة مثلاً في استخدام السيارة أو الحاسوب (أي الكمبيوتر بلغة الفرنجة)؟ قد تستخدم هذه الماكينات أو الأجهزة في الخير أو الشر، ويصبح الحكم على الخطأ والصواب في هذه الحالة مرجعه إلى المبادئ الأخلاقية الأساسية التي يكاد يتفق عليها كل البشر. وعندما أضرب مثلاً بالسيارة والحاسوب، فينبغي أن يفهم أن هذا مثل وليس حصراً لكل ما لم تتضمنه تعاليم الأديان القديمة، وفي رأيي أن القرن الحادي و العشرين يحتوي على الكثير و الكثير من هذه الأشياء.

فإن كان الدين ليس به أحكام ثابتة أو واضحة لبعض الأشياء التي نستخدمها في حياتنا اليومية في القرن الحادي والعشرين، وفي رأيي أن عدد هذه الأشياء سيزيد حتماً في المستقبل، فكيف نُحَكِّم الدين فيما ليس فيه؟ وأي الآراء سنأخذ عندما نحتكم لأهل العلم في الدين؟ ففي أغلب الظن لن يجتمع الرأي في كل مكان في العالم على نقطة واحدة. وإن كان المرجع هو ’المبادئ الأساسية‘، فهو مرجع أخلاقي بالدرجة الأولى وليس مرجعاً دينياً، لأن البشر كما ذكرت سابقاً يتفقون أغلبهم على مبادئ أخلاقية واحدة.

لأن ربط الدين بمطبقي القانون فيه ظلم للدين

جميع البشر الذين يتبعون أي دين على وجه الأرض يؤمنون بأن الدين الذي يتبعونه دين نقي خالي من الشوائب، وإلا لما اتبعوه. أي أنه لو كان هناك عيب في التطبيق فهو عيب في البشر وليس عيباً في الدين. وهذا مفهوم ومقبول، كما يفهم أيضاً عندما لا يقبل أتباع دين تطبيقات أتباع دين آخر لأنهم يرون الدين الآخر منتقصاً مشوباً.

وعندما نربط الدين وتعاليمه بالسياسة وتطبيقات الحكم، فإن ذلك يتطور في عقول العامة إلى إرتباط بين الدين في حد ذاته وبين التطبيق والفهم البشري، وعندما يخطئ المطابق خطأ جسيماً فإن ذلك الخطأ ينسب للدين وليس للإنسان المخطئ، ويسيء للدين في عيون من لا يتبعوه وربما أيضاً في عيون بعض من يتبعونه.

أسوق مثالين على ذلك للتوضيح (وليس للحصر). في العصور الوسطى أخطأ رجال الدين في الكنيسة الكاثوليكية في تطبيقهم لتعاليم الدين المسيحي، فأصدروا صكوك الغفران وأقاموا محاكم التفتيش وعضدوا الحروب الصليبية، وما زال غير المسيحيين إلى يومنا هذا وبعد مرور عدة قرون على ما حدث يلصقون تلك الأفعال بالدين المسيحي وليس بمن فهموه وطبقوه بصورة خاطئة. وكما حدث هذا في المسيحية حدث أيضاً في الإسلام. هناك من فهم أن الإسلام يدعو للجهاد المتمثل في قتل الأبرياء العزل، وخطط لذلك ونفذ مخططاته، فألصق من لا يؤمنون بالإسلام التهمة بالإسلام بالرغم من تبرؤ الكثيرين من المسلمين منها.

فالحكم وتنفيذ ’القانون‘ أو ’الشرع‘ باسم الدين يسيء إلى الدين إن شَطَّ الحاكمون أو المنفذون ففرطوا أو أفرطوا.

لأني أؤمن أن من وضع ’القانون‘ سيحاسب من خالفه

عندما تضع الدولة (متمثلة في مؤسساتها) القانون فإنها تحاسب من يخالف القانون. وأرى أنه عندما يضع الله القانون (أي الشرع و الوصايا) فإن الله هو من يحاسب على مخالفته. هناك بعض التشريعات أو الوصايا في الكثير من الأديان قد لا يكون لها تفسير منطقي في عصرنا هذا، حتى وإن كان لها تفسير منطقي في عصور سابقة. وهناك بعض التشريعات أو الوصايا محل اختلاف بين أتباع الدين الواحد وأتباع الأديان المختلفة. وبالتالي، فإن المنطق يقول أن من وضع هذه التشريعات أو الوصايا هو الوحيد الأعلم بالمقصد منها وهو الوحيد المستحق والقادر على العقاب على مخالفتها أو الثواب على طاعتها.

من يؤمن بوجود إله كامل العلم وكامل القدرة، لا يمكن منطقياً في ظني أن يؤمن أن هذا الإله يوكل له تنفيذ أحكامه...! إذا كان الإله كامل القدرة، فلم لا ينفذ الإله الأحكام بنفسه وبذلك يكون المخطئ عبرة حقيقية لمن يعتبر؟ يقول قائل أن الله يريد أن ’يرانا‘ ندافع عن الدين وعن وصايا الله. فإذا كنت تؤمن بأن الإله كامل المعرفة، أفلا يعلم الله ما في قلب المؤمن من إيمان راسخ؟ ماذا يفيد الله أن يرى مؤمناً يعاقب إنساناً أخطأ؟ وهل يأمر الإله إنسان أن يعاقب إنساناً فيقتله؟ لا أقدر أن أقتنع أن الإله يأمر الإنسان بالقتل ليمتحن إيمانه وهو الأعلم بما في القلوب. فإن قُتِلَ مذنب خطأ من دون ذنب ارتكبه، فهل كانت إرادة الإله أن يقتل الإنسان أخاه ظلماً؟ وهل يمتحن الإله الإنسان بأن يجعله يقتل أخاه ظلماً؟ لا أظن أن إلهاً كامل العلم والمعرفة والحكمة يفعل مثل ذلك.

أما إن كانت الأحكام صادرة عن بشر، فيمكن أن أقبل فيها الخطأ وضيق الأفق وقلة المعرفة والحكمة.

لأن عدم الاحتكام للدين في الدستور والتشريع لا يعني إقصاء الدين

من يصوغ الدستور ومن يضع القوانين؟ أليسوا مواطني الدولة؟ فهل تتوقع من مواطني دولة يدين أغلبها بنفس الدين أن يكتبوا في الدستور ما يخالف الدين صراحة أو يشرعوا قانوناً يخالف حكماً ثابتاً من أحكام الدين؟ لا أظن...!

وإن إختلف مواطنو الدولة الواحدة في الدين و كانت نسبة أتباع دين منهم تساوي تقريباً نسبة أتباع الآخر، فلا أظن أبداً أن نقاط الإختلاف بين الدينين ستكون أكثر من نقاط الاتفاق. لا أعرف ديناً يحض على قتل الأبرياء ولا على السرقة ولا الزنا ولا التكاسل. لا أعرف ديناً لا يحض على الصدق والأمانة والإخلاص والعدل. وعندي ظن كبير أن نقاط الاتفاق تزيد على نقاط الإختلاف بما يسمح لأتباع الدينين أن يرجعوا إلى ما يتفقون فيه إن كانوا يعقلون.

وعدم الاحتكام للدين في الدستور والتشريع لا يعني تجريم الدين أو تحريمه. مبادئ حقوق الإنسان تكفل حرية العقيدة وحرية العبادة. فإن لم نحتكم للدين في البرلمان والمحاكم، فذلك لا يمنعنا أن نعبد الله ونعلم أولادنا الدين ونربيهم على التدين. ففي النهاية تنشئة الأطفال مرجعها إلى الأسرة بشكل أساسي وليس المدرسة أو الإعلام أو حتى دور العبادة. هذه الأخريات تلعب دوراً مساعداً في تنشئة الأطفال، ولكنها ليست الأساس، وكم نرى من أطفال يبعث بهم أهلوهم إلى مدارس دينية ودور عبادة، ولكن القدوة والتعليم مفقود في المنزل، فلا يستفيد هؤلاء الأطفال شيئاً من ذهابهم لهذه أو تلك.

كما أن الأمثلة كثيرة لأسر من دين ما يعيشون في دول يدين معظم مواطنوها بدين آخر، وعلى الرغم من ذلك تنشئ الأسرة الأطفال على دينها، والأمثلة كثيرة للأسر المسلمة أو الهندوسية في الدول الغربية التي يدين معظم سكانها بالمسيحية، وكذلك الأسر المسيحية في دول الشرق الأوسط التي يدين معظم أهلها بالإسلام. وربما كانت الدول الغربية مثالاً أقوى، حيث أن العديد منها دولاً علمانية بالدرجة الأولى، ولم يتم تحريم الدين فيها على الإطلاق.

نسب المصنفات

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...