بحث هذه المدونة الإلكترونية

الزواج في المسيحية

هذا المقال هو أحد مجموعة من المقالات عن بعض المفاهيم في المسيحية. ستجد في هذا الرابط قائمة بالمقالات المتاحة.

هذا المقال بكل تأكيد يتعلق بعقيدة مسيحية، وهذا معناه أنه ليس نقاشاً فلسفياً ولا هجوماً على أحد ولا دفاعاً عن أحد، ولكنه شرح للعقيدة المسيحية (وخاصة الأرثوذكسية) في الزواج. ومن هذا المنطلق فإن الشواهد المذكورة في المقال كلها كتابية (من الكتاب المقدس) وليست فلسفية، وهي تعكس ما يؤمن به المسيحيون، فإن كانت لك فلسفة أخرى في الزواج فلا بأس بذلك وأنت حر فيما تؤمن به، ولكن يجب التوضيح أن هذه هي عقيدة الكنيسة لمن أراد أن ينتمي للكنيسة.

الزواج في المسيحية يكون من امرأة واحدة فقط.

الزواج في العهد القديم

يقول الكتاب المقدس عن خلق آدم و حواء إن الله خلق ذكراً وأنثى ولم يخلق ذكراً وإناث، مع أنه كان بكل تأكيد قادراً على ذلك.

{فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.} تك ١ : ٢٧

وبالرغم من أن الله قال لهم أن يثمروا ويكثروا ويملأوا الأرض، ولو كان الله يرضى بأن تكون لآدم أكثر من امرأة لخلق له أكثر من واحدة، والمعروف أن عدد الإناث هو المحدد الأساسي للتكاثر.

{وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ».} تك ١ : ٢٨

ويقول الكتاب أيضاً إن الله رأى أن كل ما عمله هو حسن، ويعني ذلك أنه حسن في عيني الرب خلق رجل واحد وامرأة واحدة:

{وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا سَادِسًا.} تك ١ : ٣١

وعندما اختار الله نوحاً وبنيه ليدخلوا إلى الفلك وينجوا من الطوفان، كان لكل منهم امرأة واحدة، وكذلك أمر الله نوحاً أن يأخذ من كل المخلوقات أزواجاً (عدد الذكور بقدر عدد النساء) ولو كان الله يريد إعمار الأرض بسرعة بعد الطوفان لكان من الأولى أن يأمر نوحاً أن يأخذ من الإناث عدداً أكبر من الذكور.

{مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ تَأْخُذُ مَعَكَ سَبْعَةً سَبْعَةً ذَكَرًا وَأُنْثَى. وَمِنَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَيْسَتْ بِطَاهِرَةٍ اثْنَيْنِ: ذَكَرًا وَأُنْثَى. وَمِنْ طُيُورِ السَّمَاءِ أَيْضًا سَبْعَةً سَبْعَةً: ذَكَرًا وَأُنْثَى. لاسْتِبْقَاءِ نَسْل عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ........دَخَلَ اثْنَانِ اثْنَانِ إِلَى نُوحٍ إِلَى الْفُلْكِ، ذَكَرًا وَأُنْثَى، كَمَا أَمَرَ اللهُ نُوحًا........فِي ذلِكَ الْيَوْمِ عَيْنِهِ دَخَلَ نُوحٌ، وَسَامٌ وَحَامٌ وَيَافَثُ بَنُو نُوحٍ، وَامْرَأَةُ نُوحٍ، وَثَلاَثُ نِسَاءِ بَنِيهِ مَعَهُمْ إِلَى الْفُلْكِ......وَدَخَلَتْ إِلَى نُوحٍ إِلَى الْفُلْكِ، اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ. وَالدَّاخِلاَتُ دَخَلَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ، كَمَا أَمَرَهُ اللهُ. وَأَغْلَقَ الرَّبُّ عَلَيْهِ.} تك ٧ : ٢ - ٣ و ٩ و ١٣ و ١٥ - ١٦

ونرى في العهد القديم أن الآباء اتخذوا لأنفسهم أكثر من زوجة، فنرى أن إبراهيم اتخذ سارة (زوجته الأولى) ثم هاجر (بناء على إلحاح سارة عليه لإقامة النسل):

{وَاتَّخَذَ أَبْرَامُ وَنَاحُورُ لأَنْفُسِهِمَا امْرَأَتَيْنِ: اسْمُ امْرَأَةِ أَبْرَامَ سَارَايُ، وَاسْمُ امْرَأَةِ نَاحُورَ مِلْكَةُ بِنْتُ هَارَانَ، أَبِي مِلْكَةَ وَأَبِي يِسْكَةَ........فَقَالَتْ سَارَايُ لأَبْرَامَ: «هُوَذَا الرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ الْوِلاَدَةِ. ادْخُلْ عَلَى جَارِيَتِي لَعَلِّي أُرْزَقُ مِنْهَا بَنِينَ». فَسَمِعَ أَبْرَامُ لِقَوْلِ سَارَايَ.} تك ١١ : ٢٩ و ١٦ : ٢

غير أن الله لم يقم عهده مع ابن هاجر، بل أقامه مع ابن الزوجة الأولى:

{فَقَالَ اللهُ: «بَلْ سَارَةُ امْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ إِسْحَاقَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْدًا أَبَدِيًّا لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ. وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. اِثْنَيْ عَشَرَ رَئِيسًا يَلِدُ، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً. وَلكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ الَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هذَا الْوَقْتِ فِي السَّنَةِ الآتِيَةِ».......فَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ».} تك ١٧ : ١٩ - ٢١ و ٢١ : ١٢ - ١٣

ونرى أيضاً أن يعقوب اتخذ زوجتين (ليئة وراحيل) وبالرغم من أنه خدع في زواجه من ليئة إلا أنها كانت الزوجة الأولى، وأنجبت له يهوذا، السبط الذي خرج منه ملوك اليهود ويسوع المسيح:

{وَحَبِلَتْ أَيْضًا وَوَلَدَتِ ابْنًا وَقَالَتْ: «هذِهِ الْمَرَّةَ أَحْمَدُ الرَّبَّ». لِذلِكَ دَعَتِ اسْمَهُ «يَهُوذَا». ثُمَّ تَوَقَّفَتْ عَنِ الْوِلاَدَةِ.} تك ٢٩ : ٣٥

{كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ: إِبْراهِيمُ وَلَدَ إِسْحاقَ. وَإِسْحاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يَهُوذَا وَإِخْوَتَهُ...........وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ.} مت ١ : ١ - ٢ و ١٦

فكان نسل الزوجة الأولى أعلى شأناً من غيرها ومنه جاء السيد المسيح له المجد لخلاص العالم.

ولا نرى في العهد القديم تحريماً واضحاً لتعدد الزوجات، ولكننا لا نرى أيضاً ما يؤيده. وإن كان هناك ما يشير إلى هذا أو ذاك، فليس أوضح من قول الله في سفر التكوين:

{لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا.} تك ٢ : ٢٤

فكيف يكون الرجل جسداً واحداً مع أكثر من امرأة؟ وكيف تكون المرأة جسداً واحداً مع امرأة أخرى لزوجها؟ كما نرى أن الله في العهد القديم حرم العديد من الزيجات في أحوال معينة (لا ١٨) ووضع شرطاً خاصاً للكهنة (إذ أنهم مقدسين لله) ألا يتزوجوا من مطلقات أو زانيات، وللكاهن الأعظم ألا يتخذ زوجة إلا عذراء (فلا يكون عاشرها قبل الزواج):

{وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «كَلِّمْ الْكَهَنَةَ بَنِي هَارُونَ وَقُلْ لَهُمْ:........إِمْرَأَةً زَانِيَةً أَوْ مُدَنَّسَةً لاَ يَأْخُذُوا، وَلاَ يَأْخُذُوا امْرَأَةً مُطَلَّقَةً مِنْ زَوْجِهَا. لأَنَّهُ مُقَدَّسٌ لإِلهِهِ.......وَالْكَاهِنُ الأَعْظَمُ.......هذَا يَأْخُذُ امْرَأَةً عَذْرَاءَ. أَمَّا الأَرْمَلَةُ وَالْمُطَلَّقَةُ وَالْمُدَنَّسَةُ وَالزَّانِيَةُ فَمِنْ هؤُلاَءِ لاَ يَأْخُذُ، بَلْ يَتَّخِذُ عَذْرَاءَ مِنْ قَوْمِهِ امْرَأَةً.»} لا ٢١ : ١ و ٧ و ١٠ و ١٣ - ١٤

ونص التلمود على أن الحد الأقصى للزوجات هو أربع، ثم حرم الراباي جرشوم بن يهوذا في القرن الحادي عشر تعدد الزوجات على اليهود الأشكيناز، وهو النظام المعمول به حالياً بين اليهود.

الزواج في العهد الجديد

قال السيد المسيح بوضوح أن من طلق امرأته واتخذ أخرى فإنه يزني ومن تزوج مطلقة فإنه يزني بها، وأوضح أن ”الله خلقهما منذ البدء ذكراً و أنثى“:

{أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ........وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبَب الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي.} مت ١٩ : ٤ - ٦ و ٩

{وَلكِنْ مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ، ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمَا اللهُ. مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقْهُ إِنْسَانٌ. ثُمَّ فِي الْبَيْتِ سَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ أَيْضًا عَنْ ذلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ:«مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي عَلَيْهَا. وَإِنْ طَلَّقَتِ امْرَأَةٌ زَوْجَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ تَزْنِي»} مر ١٠ : ٦ - ١٢

{كُلُّ مَنْ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَيَتَزَوَّجُ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَكُلُّ مَنْ يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ مِنْ رَجُل يَزْنِي.} لو ١٦ : ١٨

فإذا كان السيد المسيح يقول إن المطلق أو المطلقة يزنون إذا تزوجوا ثانية (وهم غير مرتبطين بعقد الزواج) فكم بالحري من هو متزوج بإمرأة؟ كما نرى أن السيد المسيح قال:

{وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي، يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ.} مت ١٩ : ٢٩

{فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ:لَيْسَ أَحَدٌ تَرَكَ بَيْتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولاً، لأَجْلِي وَلأَجْلِ الإِنْجِيلِ،إِلاَّ وَيَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ الآنَ فِي هذَا الزَّمَانِ، بُيُوتًا وَإِخْوَةً وَأَخَوَاتٍ وَأُمَّهَاتٍ وَأَوْلاَدًا وَحُقُولاً، مَعَ اضْطِهَادَاتٍ، وَفِي الدَّهْرِ الآتِي الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ.} مر ١٠ : ٢٩ - ٣٠

{إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا.} لو ١٤ : ٢٦

ونلاحظ أن السيد المسيح ذكر ما يحتمل الجمع مما يمكن أن يتركه الإنسان في صيغة الجمع، وذكر في صيغة المفرد الأب والأم والمرأة، وحتى عندما قال أنه يعوض في هذا الزمان، لم يذكر المرأة، وذكر الأولاد في صيغة الجمع كما ذكر الأمهات، وهذا يوضح أنه سيعوض بمن يكونون في منزلة الأم وفي منزلة الولد وليس أمهات بالجسد ولا أولاداً بالجسد، ولهذا فهو لا يحتاج لامرأة ليعوض بالأولاد. فكما أن للرجل أب واحد وأم واحدة، كذلك يكون له زوجة واحدة. أذكركم أن تعدد الزوجات كان مسموحاً به بين اليهود في أيام السيد المسيح، وبالرغم من ذلك ذكر المرأة بصيغة المفرد.

ويثبت بولس الرسول هذا القول ويوضحه في رسائله:

{وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الأُمُورِ الَّتِي كَتَبْتُمْ لِي عَنْهَا: فَحَسَنٌ لِلرَّجُلِ أَنْ لاَ يَمَسَّ امْرَأَةً. وَلكِنْ لِسَبَبِ الزِّنَا، لِيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ امْرَأَتُهُ، وَلْيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رَجُلُهَا.......لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهَا، بَلْ لِلرَّجُلِ. وَكَذلِكَ الرَّجُلُ أَيْضًا لَيْسَ لَهُ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهِ، بَلْ لِلْمَرْأَةِ.} ١ كو ٧ : ١ - ٢ و ٤

فلكل رجل امرأة (وليس نساء) ولكل امرأة رجل (وليس رجال). وكيف يكون للمرأة تسلط على جسد الرجل وهو متزوج بأخرى؟ نذكر أيضاً أنه في الأيام الأولى للكنيسة كان هناك من يؤمنون بالسيد المسيح من الوثنيين وهم في وضع اجتماعي كانت تسمح به مجتمعاتهم وعقيدتهم القديمة، ولذلك فإنه كان من الممكن جداً أن يكون من قد تزوج بأكثر من امرأة ثم اعتنق المسيحية، وفي هذا قال بولس الرسول:

{وَأَمَّا الْبَاقُونَ، فَأَقُولُ لَهُمْ أَنَا، لاَ الرَّبُّ: إِنْ كَانَ أَخٌ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ، وَهِيَ تَرْتَضِي أَنْ تَسْكُنَ مَعَهُ، فَلاَ يَتْرُكْهَا. وَالْمَرْأَةُ الَّتِي لَهَا رَجُلٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ، وَهُوَ يَرْتَضِي أَنْ يَسْكُنَ مَعَهَا، فَلاَ تَتْرُكْهُ. لأَنَّ الرَّجُلَ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ مُقَدَّسٌ فِي الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ غَيْرُ الْمُؤْمِنَةِ مُقَدَّسَةٌ فِي الرَّجُلِ. وَإِلاَّ فَأَوْلاَدُكُمْ نَجِسُونَ، وَأَمَّا الآنَ فَهُمْ مُقَدَّسُونَ.} ١ كو ٧ : ١٢ - ١٤

فلم يكن الرجل الذي آمن بالسيد المسيح ليترك امرأته أو تترك المرأة زوجها. وفي هذا أيضاً قال بطرس الرسول في رسالته:

{كَذلِكُنَّ أَيَّتُهَا النِّسَاءُ، كُنَّ خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِكُنَّ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ لاَ يُطِيعُونَ الْكَلِمَةَ، يُرْبَحُونَ بِسِيرَةِ النِّسَاءِ بِدُونِ كَلِمَةٍ.} ١ بط ٣ : ١

وأوضح بولس الرسول أنه إن كان أحد بلا لوم فهو ”بعل إمرأة واحدة“:

{إِنْ كَانَ أَحَدٌ بِلاَ لَوْمٍ، بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، لَهُ أَوْلاَدٌ مُؤْمِنُونَ، لَيْسُوا فِي شِكَايَةِ الْخَلاَعَةِ وَلاَ مُتَمَرِّدِينَ.} تي ١ : ٦

وكان الأسقف في بداية التبشير يشترط أن يكون بعل إمرأة واحدة، إذ لم يكن الكثيرون من المؤهلين روحياً للقيام بهذه المسئولية متبتلين، وكذلك كان الشمامسة المختارين للخدمة:

{فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ، بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، صَاحِيًا، عَاقِلاً، مُحْتَشِمًا، مُضِيفًا لِلْغُرَبَاءِ، صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ..........لِيَكُنِ الشَّمَامِسَةُ كُلٌّ بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، مُدَبِّرِينَ أَوْلاَدَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ حَسَنًا} ١ تي ٣ : ٢ و ١٢

فشريعة المرأة الواحدة موجودة في المسيحية منذ عصورها الأولى، وإن لم يذكر في الأناجيل أن السيد المسيح صرح بها قولاً، فإنه يذكر أيضاً أنه علم تلاميذه الكثير مما لم يكتب في الأناجيل في الأربعين يوماً التي كان يظهر لهم فيها بعد قيامته ويعلمهم:

{اَلَّذِينَ أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ مَا تَأَلَّمَ، وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ.} أع ١ : ٣

وكذلك نؤمن أن الروح القدس الذي حل على التلاميذ وهم مجتمعون في العلية كان يعلم التلاميذ والرسل ويرشدهم إلى الحق:

{وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ. كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي. لِهذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ.} يو ١٦ : ١٣ - ١٥

{وَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ، وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا.} أع ٢ : ١ - ٤

فليس فقط كل ما هو مكتوب في الأناجيل الأربعة تعاليم الرب ووصاياه، وإنما كل ما ذكر في العهد الجديد وكل ما سلم شفاهة من الآباء الرسل وتحتفظ به الكنيسة فيما يعرف ب-’الدسقولية‘ وهي تعاليم الآباء الرسل الأولين.

العلاقة بين الزوج والزوجة في المسيحية

أوضحنا سابقاً أن الله قال أن الرجل يلتصق بامرأته ويصيران جسداً واحداً، ويقول بولس الرسول عن هذا:

{أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا......كَذلِكَ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُحِبُّوا نِسَاءَهُمْ كَأَجْسَادِهِمْ. مَنْ يُحِبُّ امْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ. فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ، بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ.} أف ٥ : ٢٥ و ٢٨ - ٢٩

وأوصى بطرس الرسول الرجال قائلاً:

{كَذلِكُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ، كُونُوا سَاكِنِينَ بِحَسَبِ الْفِطْنَةِ مَعَ الإِنَاءِ النِّسَائِيِّ كَالأَضْعَفِ، مُعْطِينَ إِيَّاهُنَّ كَرَامَةً، كَالْوَارِثَاتِ أَيْضًا مَعَكُمْ نِعْمَةَ الْحَيَاةِ.} ١ بط ٣ : ٧

فالكتاب المقدس أوصى الرجل أن يعامل امرأته كجسده ويعلمه أنهما صارا جسداً واحداً بالزواج، ويوصيه أن يعطيها كرامة، وأن يبذل نفسه عنها كما بذل المسيح نفسه عن الكنيسة، وفي هذا تشبيه عظيم، حيث أنه ليس حب أعظم من أن يبذل إنسان نفسه عمن يحب:

{لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ.} يو ١٥ : ١٣

وكما أوصى الكتاب المقدس الرجل هكذا أوصى المرأة. يقول بولس الرسول:

{أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ، لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ. وَلكِنْ كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ.} أف ٥ : ٢٢ - ٢٤

ويقول بطرس الرسول في رسالته:

{وَلكِنْ كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. فَإِنَّهُ هكَذَا كَانَتْ قَدِيمًا النِّسَاءُ الْقِدِّيسَاتُ أَيْضًا الْمُتَوَكِّلاَتُ عَلَى اللهِ، يُزَيِّنَّ أَنْفُسَهُنَّ خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِهِنَّ، كَمَا كَانَتْ سَارَةُ تُطِيعُ إِبْرَاهِيمَ دَاعِيَةً إِيَّاهُ «سَيِّدَهَا». الَّتِي صِرْتُنَّ أَوْلاَدَهَا، صَانِعَاتٍ خَيْرًا، وَغَيْرَ خَائِفَاتٍ خَوْفًا الْبَتَّةَ.} ١ بط ٣ : ١ و ٥ - ٦

فالكتاب المقدس أوصى المرأة بالخضوع للرجل كخضوع الكنيسة للمسيح (وهو أيضاً تشبيه عظيم) وضرب مثلاً سارة التي كانت تنادي إبراهيم ”سيدي“. إذا التزم كل طرف من طرفي الزواج بتعاليم الكتاب المقدس صارت الحياة الزوجية قطعة من الجنة على الأرض. الرجل يحب امرأته ويبذل نفسه من أجلها ويكرمها والمرأة تخضع لزوجها بالمحبة.

هل يتزوج المسيحي أو المسيحية بغير المؤمنين؟

لا توافق الكنيسة على ذلك ولا تقره وتعتبره زنى. يقول بولس الرسول:

{لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟ فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ.} ٢ كو ٦ : ١٤ - ١٦

وهذا هو الموقف الثابت والدائم للمسيحية لمن له الإختيار. فمن كان مسيحياً ومن كانت مسيحية لا يختار أن يسكن مع غير المؤمنين، وإلا فصل نفسه أو فصلت نفسها عن الكنيسة. الإستثناء هو ما سبق إذا آمن بالمسيح من كان متزوجاً من قبل، والقاعدة أن المسيحي لا يتزوج من غير المسيحيين.

الكنيسة تؤمن بأن الزواج هو سر من أسرار الكنيسة السبعة، ومعنى كلمة سر أن الروح القدس يعمل بشكل غير مرئي ويحدث تغييراً غير مرئي فلا نعلم كيف يحدث ذلك ولكننا نؤمن أنه يحدث. الأسرار السبعة هي سر المعمودية (لمغفرة خطية آدم) وسر الميرون (لحلول الروح القدس) وسر الاعتراف والتوبة (لمغفرة الخطايا المكتسبة في الحياة) وسر التناول (للاتحاد بالسيد المسيح) وسر الكهنوت (لتقديس الكاهن ليؤهل لممارسة الأسرار) وسر الزيجة (أي الزواج) وسر مسحة المرضى (للشفاء من الأمراض). الكنيسة تؤمن أن الروح القدس يحل على الزوجين فيجعل منهما جسداً واحداً ويقدس الحياة الزوجية. ولذلك، لا تزوج الكنيسة المؤمنين بالمسيح من غير المؤمنين، لأن غير المؤمنين لا يحق لهم ممارسة الأسرار الكنسية، وتعتبر الكنيسة أن الجنس خارج إطار الزواج كما تعرفه الكنيسة كسر من الأسرار المقدسة هو زنى.

أرجو أن أكون قد وضحت بعض المفاهيم المسيحية الخاصة بالزواج، وكالعادة أرجو عدم التعليق. لست أحاول إقناع أحد بشيء ولست أحاول الدخول في مجادلات، ولكنني أوضح مفاهيم مسيحية قد تكون خافية على البعض، حتى على بعض المسيحيين مع الأسف.

الكذب في المسيحية

هذا المقال هو أحد مجموعة من المقالات عن بعض المفاهيم في المسيحية. ستجد في هذا الرابط قائمة بالمقالات المتاحة.

Pinocchio Meets Jiminy Cricket
الشخصية الخيالية بينوكيو[١]

الكتاب المقدس ينقسم إلى قسمين اساسيين هما العهد القديم والعهد الجديد وما يفصل بينهما هو مجيء السيد المسيح، فكل الكتاب قبل مجيء السيد المسيح هو العهد القديم، وكل ما بعد مجيئه هو العهد الجديد.

المسيحيون يؤمنون بكل من الكتابين، وهم معاً يشكلون الكتاب المقدس في الإيمان المسيحي. فماذا ذكر عن الكذب في العهد القديم؟

قال الرب لموسى النبي:

وَهذِهِ هِيَ الأَحْكَامُ الَّتِي تَضَعُ أَمَامَهُمْ:... اِبْتَعِدْ عَنْ كَلاَمِ الْكَذِبِ (خروج ٢١ : ١ و ٢٣ : ٧)

وذكر أيضاً في العهد القديم آيات متعددة تدل على كراهية الله للكذب ومنها على سبيل المثال وليس الحصر:

كَرَاهَةُ الرَّبِّ شَفَتَا كَذِبٍ، أَمَّا الْعَامِلُونَ بِالصِّدْقِ فَرِضَاهُ. (أيوب ١٢ : ٢٢)
تُهْلِكُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِالْكَذِبِ. رَجُلُ الدِّمَاءِ وَالْغِشِّ يَكْرَهُهُ الرَّبُّ. (مزمور ٥ : ٦)

وحدث في العهد القديم أن إسحق خاف وكذب عند مجيئه إلى جرار وقال عن رفقة امرأته أنها أخته (تكوين ٢٦)، وتمر الأيام ويكذب يعقوب على أبيه إسحق ليأخذ بركة الابن البكر (تكوين ٢٧)، ثم تمر الأيام أيضاً ويكذب بنو يعقوب عليه مدعين أن يوسف أخاهم افترسه وحش رديء (تكوين ٣٧)، وربما كان في هذا عظة ودرساً أن بِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ وَيُزَادُ لَكُمْ (مرقس ٤ : ٢٤)

في العهد الجديد لم يُضِف السيد المسيح للوصية شيئاً أو يغيرها، وأكد عليها بولس الرسول في رسالاته:

لِذلِكَ اطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ، وَتَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ (أفسس ٤ : ٢٥)
لاَ تَكْذِبُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ (كولوسي ٣ : ٩)

تأكد المفهوم في سفر الرؤيا أن الكذبة لا مكان لهم في ملكوت السموات:

وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ، فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي........وَلَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ وَلاَ مَا يَصْنَعُ رَجِسًا وَكَذِبًا (رؤ ٢١ : ٨ و ٢٧)

إذاً فالكذب في المسيحية غير وارد على الإطلاق لمن يريد أن يتبع وصايا الله للبشر. و يحضرني هنا سؤال هام جداً و هو:

ما موقف من يؤمن بالسيد المسيح و يريد أن يخفي إيمانه (أي يكذب أمام الناس)؟

دعونا نبدأ بأمثلة من العهد القديم لنرى كيف كان القديسون يعلنون ايمانهم بالله من دول خوف ولا تردد.

129.Shadrach, Meshach and Abednego in the Furnace.jpg
الفتية الثلاثة في أتون النار[٢]

من أشهر الأمثلة في العهد القديم هو مثال الفتية الثلاثة ’شدرخ‘ و’ميشخ‘ و’عبدنغو‘. أمر ’نبوخذنصر‘ بصنع تمثال طوله ستون ذراعاً من الذهب وأمر في الشعب أن يسجدوا للتمثال وإلا يُلقوا في أتون النار المتقدة. رفض الفتية الثلاثة السجود للتمثال فحمى عليهم غضب الملك وألقاهم في أتون النار الذي كان محمياً سبعة أضعاف حتى أن الذين القوهم فيه قتلوا من شدة النار، فرآهم يتمشون في النار ومعهم رابع شبيه بابن الآلهة. فنادى عليهم فخرج الثلاثة ولم تحترق شعرة من رؤوسهم ولم تأت عليهم رائحة النار (دانيال ٣).

Daniel's Answer to the King
دانيال في جب الأسود[٣]

وبالطبع لا ننسى ’دانيال‘ النبي حين أمر داريوس ملك الفرس بأن من يطلب طلبة من إله أو إنسان لثلاثين يوماً يلقى في جب الأسود، فما كان من دانيال حين علم بالأمر إلا أنه ذهب إلى بيته ’وكواه مفتوحة‘، أي أنه أراد عن يظهر إيمانه بالله، فصلى وسجد ثلاث مرات في اليوم كما كان يفعل، فاشتكاه الحاقدون عند الملك فألقاه في جب الأسود وسدّ الجب بحجر وختم عليه، فسد الله أفواه الأسود فلم تمسس دانيال بأذى، فعلم الملك في فجر اليوم التالي، فأخرج دانيال وأمر بشاكيه فألقوا في الجب هم وعائلاتهم ففتكت بهم الأسود (دانيال ٦).

وكانت وصية السيد المسيح لنا في العهد الجديد واضحة وصريحة:

فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، وَلكِنْ مَنْ يُنْكِرُني قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (متى ١٠ : ٣٢ - ٣٣)

وأكد بولس الرسول على هذا المفهوم قائلاً:

إِنْ كُنَّا نَصْبِرُ فَسَنَمْلِكُ أَيْضًا مَعَهُ. إِنْ كُنَّا نُنْكِرُهُ فَهُوَ أَيْضًا سَيُنْكِرُنَا. (٢ تيموثاوس ٢ : ١٢)

وكذلك يوحنا الرسول في رسالته:

كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الابْنَ لَيْسَ لَهُ الآبُ أَيْضًا، وَمَنْ يَعْتَرِفُ بِالابْنِ فَلَهُ الآبُ أَيْضًا. (١ يوحنا ٢ : ٢٣)
The Denial of St. Peter - Gerard Seghers - Google Cultural Institute.jpg
بطرس ينكر المسيح[٤]

ونعرف قصة بطرس تلميذ المسيح الغيور الذي قال أنه يمضي إلى الموت مع المسيح ولا ينكره، ولكنه ضعف وأنكر المسيح ثم عاد فحزن وبقى بكاء مراً وندم على فعلته (متى ٢٦ ومرقس ١٤ ولوقا ٢٢ ويوحنا ١٨). ولتوبته غفر له السيد المسيح (يوحنا ٢١)، ثم إنه عاد فبشر بالمسيح أمام الآلاف من اليهود (أعمال الرسل ٢) حتى أن نحو ثلاثة آلاف نفس آمنوا في ذلك اليوم، ثم عاد فبشر بالمسيح في الهيكل (أعمال الرسل ٣) حتى أن عدد الرجال (من دون النساء) صار خمسة آلاف من المؤمنين، وألقي في السجن ثم اعترف بالمسيح والشيوخ والكتبة الذين سجنوه، ثم سجنه هيرودس أيضاً من أجل علانية إيمانه وتبشيره (أعمال الرسل ١٢) ويقول لنا التقليد الكنسي أنه مات مصلوباً منكس الرأس على يد الملك الروماني نيرون.

وقصة بطرس الرسول مشهورة لأنه أنكر المسيح أولاً لخوفه من العواقب، ثم عاد فندم وجاهر بالإيمان وبشر بالمسيح وقُتِل على إسمه. ولكن التاريخ الكنسي مليء بالشهداء والمعترفين والقديسين الذين نالوا من العذاب أشكالاً من أجل اعترافهم العلني بإيمانهم المسيحي، ومنهم من عاش بعاهة مستديمة ومنهم من قُتِل. والأمثلة أكثر من أن تحصر.

إذاً فلا كذب في المسيحية مطلقاً، حتى وإن كانت حياة المؤمن في خطر من قول الحق، وخاصة إذا كان هذا الحق يتعلق بالإيمان المسيحي. ولا نصيب لمن ينكر المسيح على الأرض في ملكوت السموات.

لا يصح أن يبيح الله الكذب وقد نهى عنه، حتى وإن كان المؤمن في ضيق. وأي إيمان ذلك الذي ينكر في الضيق ويشهر في الرحب والسعة؟ أي إيمان ذلك الذي ينكر في الضعف ويشهر في القوة؟ الإيمان ثابت لا يتزعزع ولا يتغير بالأحوال المحيطة، ورب الإيمان قادر على المجازاة العادلة في الدنيا أو الآخرة لمن يتمسك بإيمانه. أو لعله غير قادر على حماية المؤمن المجاهر بالإيمان من الضيق أو تعويضه عنه؟

لا كذب في المسيحية مطلقاً يا سادة، ولا يعني هذا أن كل المسيحيين شرفاء وصادقون، ولكن يعني أن من يريد من المسيحيين أن يلتزم بتعاليم دينه لا يكذب على الإطلاق، وإن كان السيف على رقبته.

المسيحي لا يكذب ولا ينكر إيمانه يا سادة، وإلا فقد شركته مع المسيح وخسر الملكوت، ومن ثم صارت مسيحيته عديمة القيمة وكأنها لم تكن.

أكرر ما أكرره دائماً. إن فهمت فالحمد لله، وإن لم تفهم فاقرأ ثانية. وإن لم تكن تريد أن تفهم فسر في حال سبيلك ولا تزعجني بما لا طائل منه من المجادلات.


نسب المصنفات

باستثناء المصنفات المنسوبة فيما يلي، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دوليرخصة المشاع الابداعي.

  1. الشخصية الخيالية بينوكيو: صفحة ديفيد جرينوالد (David Greenwald) على فليكر (Flickr)
  2. الفتية الثلاثة في أتون النار: موسوعة الإنترنت ويكيبيديا
  3. دانيال في جب الأسود: موسوعة الإنترنت ويكيبيديا
  4. بطرس ينكر المسيح: موسوعة الإنترنت ويكيبيديا

التثليث والتوحيد في المسيحية

هذا المقال هو أحد مجموعة من المقالات عن بعض المفاهيم في المسيحية. ستجد في هذا الرابط قائمة بالمقالات المتاحة.

مبدئياً أقول لمن يظن أن المسيحيين يعبدون ثلاثة آلهة: ”أنت مخطئ في فهمك للعقيدة المسيحية خطأ فادحاً يا عزيزي وأرجو أن تقرأ عساك أن تفهم“

وأقول لمن يعرف أن المسيحيين يعبدون إلهاً واحداً: ”اقرأ ربما أفدتك بشيء أو أفدتني بشيء“

عندما نرشم علامة الصليب قبل و بعد كل صلاة و مرات كثيرة أثناء الصلاة نقول ”باسم الآب و الابن و الروح القدس الإله الواحد آمين“. نحن نعبد إلهاً واحداً وليس ثلاثة. نعبد إلهاً واحداً مثلث الأقانيم (أي الصفات الذاتية).

وفي قانون الإيمان الذي نتلوه في كل صلاة من صلوات الأجبية (صلوات سبعة تتلى في ساعات معينة من النهار أو الليل لمن أراد أن يصليها، وتم تجميعها في كتاب ’الأجبية‘ و هي كلمة قبطية بمعنى ’المنسوب إلى الساعات‘ ويطلق على الأجبية ’كتاب صلوات السواعي‘ أو ’كتاب السواعي‘ وهو صيغة جمع خاطئة ولكن شائعة لكلمة ’ساعة‘) وفي كل قداس في الكنيسة نبدأ بقولنا: ”بالحقيقة نؤمن بإله واحد“.

نحن لا نقول أن الله ثالث ثلاثة يا أحبائي، ولكن نقول أن الله ذو صفات ثلاثة نطلق عليها الكلمة السريانية (الآرامية) ’أقانيم‘ (جمع ’أقنوم‘) وهي الآب والإبن والروح القدس.

الله موجود بذاته، ظاهر للكل بكلمته، عامل في القلوب بروحه القدوس.

الله (الآب) موجود منذ الأزل بذاته. كما أن الأب هو الأصل والأبناء هم الفروع، فالله هو أصل كل شيء، واستخدام كلمة الآب للدلالة على وجود الله الأزلي أصل الكون وما فيه.

الله (الإبن) ظاهر بكلمته، بخلقه للكون بكلمة ’كن‘. ليس لله لسان ولا فم مثلنا، ولكن كما نشبه إرادة الله الخالقة بالكلمة، فهكذا الابن (صفة الله الخالق)، وكما لا أرى أفكارك ولكني أعرفها من خلال كلامك، فهكذا لم نر الله و لكن عرفناه من خلال تجسده في شخص السيد المسيح ’كلمة الله‘، وهو الله ’الظاهر في الجسد‘. الابن ليس منفصلاً عن الآب، بل هما واحد في جوهر واحد لا ينفصل ولا يتجزأ، ولكننا ’رأينا‘ الابن ولم نر الآب، بمعنى أننا رأينا السيد المسيح وكلم البشر وعاش بينهم ولم نر وجود الله الأزلي.

الله (الروح القدس) عامل في القلوب بروحه. ما هو الضمير وما هي الفطرة؟ هل هي جزء من الجسم مخلوق فينا يمكن أن نحدده؟ لماذا نشعر بالخزي والخجل عندما نخطئ؟ كيف نعرف الخطأ من الصواب من دون توجيه مباشر؟ هذا هو روح الله العامل في قلوبنا الذي يرشدنا إلى الصواب ويجعلنا نميز بين الخير والشر وبين الحق والباطل. هذا العمل الإلهي المستمر في القلوب هو أيضاً لا يتجزأ ولا ينفصل عن الجوهر الإلهي الواحد. هذا الروح العامل في قلوبنا هو من يعطينا السلام حينما نطلبه من رب السلام، وهو من يثمر في أعمالنا ثماراً نعرف بها وسط العالم كما قال بولس الرسول:

وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ (غل ٥ : ٢٢ - ٢٣)

وجود الله الأزلي وظهوره للبشر بكلمته وروحه العامل في القلوب هي جميعاً جوهر واحد وإله واحد لا يتجزأ ولا ينقسم.

الآب هو الله الواحد الأزلي الوجود.

والإبن هو الله الواحد الظاهر للبشر بخلقته وتجسده.

والروح القدس هو الله الواحد العامل في قلوب البشر.

أنظر إلى النار. هي لهب وضوء وحرارة، والجميع كيان واحد لا يتجزأ. إذا أدرت ظهرك للنار لن ترى اللهب، ولكنك سترى الضوء وتشعر بالحرارة. وإذا ابتعدت عن النار لن تشعر بالحرارة ولكنك سترى اللهب والضوء. لن تقول ساعتها أن اللهب منفصل عن الضوء وكلاهما منفصل عن الحرارة. الكل كيان واحد لا يتجزأ.

لا نقول في المسيحية أن الآب صار له ولد من امرأة كما يصير للرجل من جنس البشر. عندما أراد الله أن يتجسد ليتمم الفداء اتخذ جسداً بشرياً من مريم العذراء دون أن تعرف رجلاً في إعجاز لم ولن يتكرر، وهذا هو الإيمان المسيحي. المسيحيون يؤمنون أن السيدة العذراء لها مكانة مميزة عن باقي البشر، إذ أنها الوحيدة التي اختارها الله ليتجسد منها، ولكنها في الأول والآخر بشر وليس إلهاً، وهم أيضاً يؤمنون أن السيدة العذراء ظلت عذراء حتى بعد ولادة السيد المسيح له المجد، ولا يوجد في الإيمان المسيحي القويم غير ذلك مطلقاً.

نحن نؤمن أن الله ”لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد“. الله الأزلي الأبدي لم يولد، وهو موجود منذ الأزل. السيد المسيح وهو الله الظاهر في الجسد ولد من السيدة العذراء، ولكن نقول أنه ’تأنس‘ منها، أي أخذ منها الجسد الإنساني، وكان ذاك الجسد متحداً بالطبيعة الإلهية ”بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير“ كما نقول في قداساتنا. الجسد ولد من العذراء وليس الذات الإلهية. وليس السيد المسيح ابناً لله بمفهومنا الأرضي العالمي، فلم يتزوج الله وحاشا له، وإنما نؤمن أن السيد المسيح هو نفسه الله الظاهر في الجسد. السيد المسيح في الإيمان المسيحي هو الأقنوم الثاني (أو الصفة الثانية) لله، وهو الابن لأننا رأينا فيه الآب، كشبه الابن لأبيه.

اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ. (يو ١ : ١٨)

أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ. (يو ١٠ : ٣٠)

قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ:«يَا سَيِّدُ، أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا». قَالَ لَهُ يَسُوعُ:«أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟ أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟ (يو ١٤ : ٨ - ١٠)

ونحن لا نؤمن أن ’الله هو المسيح‘ وحسب ولكن نؤمن أن ’المسيح هو الله‘ أيضاً، وهناك فرق كبير. أن نحصر الإله غير المحدود بزمان أو مكان أو مقدرة في شخص السيد المسيح كإنسان، فهو مرفوض تماماً في العقيدة المسيحية القويمة. نحن نؤمن أن الله كان ولا يزال يملأ الكون كله بلا حدود، وقد اتحدت الطبيعة الإلهية بالسيد المسيح اتحاداً فريداً من نوعه فكان إنساناً كاملاً و إلهاً كاملاً.

هل إذا فتحت النافذة ليدخل الضوء منها إلى الغرفة يترك الضوء الخارج ويدخل إلى الغرفة؟ أم أنه يدخل إلى الغرفة ويظل بالخارج أيضاً؟ هكذا أيضاً، والتشبيه مع الفارق، لم تنحصر الذات الإلهية في جسد السيد المسيح البشري وإنما اتحدت به وهي لازالت تملأ الكون كله.

هذه هي عقيدة المسيحيين في التثليث والتوحيد باختصار شديد، وعلى من يريد الاطلاع على المزيد الرجوع للكتب المسيحية وهي كثيرة على حد علمي المحدود. وعلى من اكتفى بمعرفة فكرة بسيطة عن العقيدة المسيحية الاحتفاظ بآرائه لنفسه وإن كانت هناك أسئلة فلست أنا المجيب عنها. وعلى من لم يقتنع أن يصمت، فلست هنا لدعوة أحد للمسيحية وإنما لعرض مفهوم العقيدة. وعلى من لم يفهم أن يقرأ ثانية أو يبتعد في سلام.

التكفير في المسيحية

هذا المقال هو أحد مجموعة من المقالات عن بعض المفاهيم في المسيحية. ستجد في هذا الرابط قائمة بالمقالات المتاحة.
هذا المقال هو أحد مجموعة من المقالات تختص بنقاش موضوعات إسلامية بشكل أو بآخر. ستجد في هذا الرابط قائمة بالمقالات المتاحة.

أصل كلمة ’كفر‘ في اللغة العربية معناه الستر أو التغطية.

في لسان العرب:

كفرت الشيء أكفره (بكسر الفاء) أي سترته

والكافر الليل، وفي الصحاح: الليل المظلم لأنه يستر بظلمته كل شيء

وكفر الليل الشيء وكفر عليه: غطاه

وكفر الليل على أثر صاحبي: غطاه بسواده وظلمته

وكفر الجهل على علم فلان: غطاه

والكافر: البحر لستره ما فيه

والكافر: السحاب المظلم

وتقول العرب للزراع كافر لأنه يكفر البذر المبذور بتراب الأرض

والكَفر بالفتح: التغطية

والكافر والكفر: الظلمة لأنها تستر ما تحتها

والكفَر بفتح الفاء: التراب لأنه يستر ما تحته

والكفُر بضم الفاء: القير الذي تطلى به السفن لسواده وتغطيته

دروع الفرسان في العصور الوسطى[١]

والكافر الذي كفر درعه بثوب أي غطاه ولبس فوقه

وكل شيء غطى شيئاً فقد كفره

ورجل كافر ومُكَفَّر في السلاح (بتشديد وفتح الفاء): داخل فيه

والمُكَفَّر (بتشديد وفتح الفاء) الموثق في الحديد كأنه غطي به وستر

والمُتَكَفِّر (بتشديد وكسر الفاء) الداخل في سلاحه

والتكفير أن يتكفر المحارب في سلاحه

وسميت الكفارات كفارات لأنها تكفر الذنوب أي تسترها

الكفارة....هي عبارة عن الفعلة والخصلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تمحوها وتسترها

وفي الصحاح في اللغة:

كفرت الشيء أكفِره بالكسر كفراً أي سترته

ورماد مكفور، إذا سفت الريح عليه حتى غطته

والكافر الليل المظلم لأنه ستر كل شيء بظلمته

View of South China Sea.jpg
صورة للبحر[٢]

كفرت الشيء أكفِره بالكسر كفراً أي سترته

ورماد مكفور، إذا سفت الريح عليه حتى غطته

والكافر الليل المظلم لأنه ستر كل شيء بظلمته

والكافر الذي كفر درعه بثوب أي غطاه ولبس فوقه

وكل شيء غطى شيئاً فقد كفره، ومنه سمي الكافر لأنه يستر نعم الله عليه

والكافر: البحر

والكافر: الزارع، لأنه يغطي البذر بالتراب

والمتكفر: الداخل في سلاحه

وفي القاموس المحيط:

كفر نعمة الله وكفر بها كفوراً وكفراناً: جحدها وسترها

وكفر عليه يكفر: غطاه

وكفر الشيء: ستره

والكافر: الليل والبحر....والسحاب المظلم والزارع

والمكفر: الموثق في الحديد

و في مقاييس اللغة:

Cambodian farmers planting rice.jpg
مزارعو أرز في كامبوديا[٣]

الكاف والفاء والراء أصل صحيح يدل على معنى واحد وهو الستر والتغطية

يقال لمن غطى درعه بثوب: قد كفر درعه

والمُكَفَّر الرجل المتغطي بسلاحه

ويقال للزارع كافر لأنه يغطي الحب بتراب الأرض

ورماد مكفور: سفت الريح التراب عليه حتى غطته

والكفر ضد الإيمان، سمي لأنه تغطية الحق

وكذلك كفران النعمة: جحودها وسترها

وإن كنت قرأت ما سبق من اقتباسات المعاجم فقد عرفت أن الكفر بالله هو جحده وإنكاره (في تشبيه لتغطية الحق من وجود الله)

وأظن على قدر علمي الضعيف أن الكفر بالمفهوم الشائع حالياً (وهو ضد الإيمان) مستحدث إسلامي في اللغة العربية ولم يكن معروفاً بهذا المعنى قبل الإسلام.

ولا كفر ولا تكفير في المسيحية....!

ذُكِر الكفر بمفهومه كضد للإيمان في الكتاب المقدس مرة واحدة فقط:

لِئَلاَّ أَشْبَعَ وَأَكْفُرَ وَأَقُولَ: ”مَنْ هُوَ الرَّبُّ؟“ أَوْ لِئَلاَّ أَفْتَقِرَ وَأَسْرِقَ وَأَتَّخِذَ اسْمَ إِلهِي بَاطِلاً (أمثال ٣٠ : ٩)

في الترجمة الإنجليزية:

Lest I be full, and deny thee, and say, Who is the LORD?

وفي الترجمة الفرنسية:

De peur que, dans l'abondance, je ne te renie Et ne dise: Qui est l'Éternel?

وفي هاتين الترجمتين جائت الكلمة بمعنى ’أنكر‘

في الإنجليزية ’deny

في الفرنسية ’renier

ولم ترد كلمة الكفر أو التكفير بمعناها الشائع حالياً في العهد الجديد ولا مرة، ولم تتكرر في العهد القديم في ترجمته العربية في غير هذه المرة، ونرى أنه لو استبدلت في الترجمة العربية بتعبير مثل ’أنكر الله‘ لما تغير المعنى مطلقاً.

وبينما كان بولس الرسول يبشر في أثينا لم يقذف الأثينيين بالكفر بل امتدحهم ’كقوم متدينين‘ مرشداً اياهم إلى الإله المجهول:

Arazzi di raffaello, cartone 02.jpg
بولس الرسول يبشر في أثينا[٤]
فَوَقَفَ بُولُسُ فِي وَسْطِ أَرِيُوسَ بَاغُوسَ وَقَالَ:
”أَيُّهَا الرِّجَالُ الأَثِينِوِيُّونَ!
أَرَاكُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَأَنَّكُمْ مُتَدَيِّنُونَ كَثِيرًا، لأَنَّنِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَجْتَازُ وَأَنْظُرُ إِلَى مَعْبُودَاتِكُمْ، وَجَدْتُ أَيْضًا مَذْبَحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: ’لإِلهٍ مَجْهُول‘.
فَالَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، هذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ.
الإِلهُ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، هذَا، إِذْ هُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لاَ يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي“
(أعمال الرسل ١٧ : ٢٢ - ٢٤)

لا كفر و لا تكفير في المسيحية يا سادة.

من آمن بالمسيح فله أجره في السماء وله ضيقته على الأرض، ومن لم يؤمن فهو يحمل وزر نفسه.

المسيحية لم تصف غير المؤمن بالمسيح بالكفر ولم تقل أن من لم يؤمن بالمسيح ينكر وجود الله. المسيحية تقول إن من لم يؤمن بالمسيح مخلصاً وإلهاً متجسداً من أجل فداء البشر لن يدخل ملكوت السموات كما علمنا السيد المسيح نفسه.

المسيحي لا يدافع بقوته عن إلهه أو عن دينه، ولا يريد الله أن يراه يستخدم قوته في الدفاع عن إلهه أو دينه. عندما استل بطرس الرسول تلميذ السيد المسيح سيفه وضرب أذن عبد رئيس الكهنة فقطعها إذ جاء الجمع ليقبضوا على السيد المسيح ليحاكموه، حدث الآتي:

Douffet, Gérard - Taking of Christ with the Malchus Episode - c. 1620.jpg
القبض على المسيح في
بستان جسثيماني[٥]

فَلَمَّا رَأَى الَّذِينَ حَوْلَهُ مَايَكُونُ، قَالُوا: ”يَارَبُّ، أَنَضْرِبُ بِالسَّيْفِ؟“ وَضَرَبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. فَأَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ: ”دَعُوا إِلَى هذَا!“ وَلَمَسَ أُذْنَهُ وَأَبْرَأَهَا. (لوقا ٢٢ : ٤٩ - ٥١)

وَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَ يَسُوعَ مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: ”رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟ فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟“ (متى ٢٦ : ٥١ - ٥٤)

الله خالق كل شيء ومدبر الكون والقادر على كل شيء يقدر حتماً أن يدافع عن دينه وعن نفسه وعن اتباعه (وفي المسيحية هم المسيحيون الذين دعيوا أبناءً لله برحمته ومحبته وفدائه). لم تطلب المسيحية من المسيحيين أن يكفروا أحداً على الإطلاق ولم تضع قواعد للتكفير. ولم تطلب من المسيحيين قتال غير المؤمنين.

عندما أرسل السيد المسيح تلاميذه للتبشير قال لهم:

المسيح يخاطب تلاميذه[٦]
اِشْفُوا مَرْضَى. طَهِّرُوا بُرْصًا. أَقِيمُوا مَوْتَى. أَخْرِجُوا شَيَاطِينَ. مَجَّانًا أَخَذْتُمْ، مَجَّانًا أَعْطُوا. لاَ تَقْتَنُوا ذَهَبًا وَلاَ فِضَّةً وَلاَ نُحَاسًا فِي مَنَاطِقِكُمْ، وَلاَ مِزْوَدًا لِلطَّرِيقِ وَلاَ ثَوْبَيْنِ وَلاَ أَحْذِيَةً وَلاَ عَصًا، لأَنَّ الْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌّ طَعَامَهُ... وَمَنْ لاَ يَقْبَلُكُمْ وَلاَ يَسْمَعُ كَلاَمَكُمْ فَاخْرُجُوا خَارِجًا مِنْ ذلِكَ الْبَيْتِ أَوْ مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ، وَانْفُضُوا غُبَارَ أَرْجُلِكُمْ... هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ كَغَنَمٍ فِي وَسْطِ ذِئَابٍ، فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ. وَلكِنِ احْذَرُوا مِنَ النَّاسِ، لأَنَّهُمْ سَيُسْلِمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ، وَفِي مَجَامِعِهِمْ يَجْلِدُونَكُمْ. وَتُسَاقُونَ أَمَامَ وُلاَةٍ وَمُلُوكٍ مِنْ أَجْلِي شَهَادَةً لَهُمْ وَلِلأُمَمِ. فَمَتَى أَسْلَمُوكُمْ فَلاَ تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَتَكَلَّمُونَ، لأَنَّكُمْ تُعْطَوْنَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مَا تَتَكَلَّمُونَ بِهِ، لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ. وَسَيُسْلِمُ الأَخُ أَخَاهُ إِلَى الْمَوْتِ، وَالأَبُ وَلَدَهُ، وَيَقُومُ الأَوْلاَدُ عَلَى وَالِدِيهِمْ وَيَقْتُلُونَهُمْ، وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي. وَلكِنِ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ. (متى ١٠ : ٨ - ١٠ ، ١٤ ، ١٦-٢٢)

التلاميذ في تبشيرهم بالمسيحية أُمِروا بفعل الخير ووُصُّوا بألا يتخذوا لهم زاداً أو ثوبين في الطريق (الاتكال على الله) ووُصُّوا أيضاً أن يخرجوا من البيت الذي لا يقبلهم نافضين عنهم غبار أرجلهم (فلا قتال ولا جهاد مسلح في المسيحية) وأخبرهم السيد المسيح أنهم سيعانون ويلاقون الاضطهاد، وأوصاهم بالصبر للمنتهى من أجل نيل الخلاص.

المسيحية لا تقذف الناس بالكفر وتدعي أنهم ينكرون وجود الله، ولكنها توضح الطريق للإيمان الصحيح من المفهوم المسيحي، والاختيار متروك بالكامل لكل إنسان في أن يتبع هذا الطريق أو سواه، وفي النهاية فالحكم في الآخرة لله وحده فيمن يدخل الملكوت ومن لا يدخل، إذ نحن ذوو علم محدود وبالقطع لسنا مطلعين على خفايا القلوب.

لا كفر ولا تكفير في المسيحية يا سادة.

وعلى من لم يفهم أن يقرأ ثانية عله يفهم.


نسب المصنفات

باستثناء المصنفات المنسوبة فيما يلي، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دوليرخصة المشاع الابداعي.

  1. من صفحة جيف كوبينا (Jeff Kubina) على فليكر (Flickr)
  2. صورة للبحر: موسوعة الإنترنت ويكيبيديا
  3. مزارعو أرز في كامبوديا: موسوعة الإنترنت ويكيبيديا
  4. بولس الرسول يبشر في أثينا: موسوعة الإنترنت ويكيبيديا
  5. القبض على المسيح في بستان جسثيماني: موسوعة الإنترنت ويكيبيديا
  6. المسيح يخاطب تلاميذه: نفحات من الأناجيل Inspirations ~ from the Gospels

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...