بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)


المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘


ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحيد وهو معامل النفي، والمعاملات الثنائية لعمليات الاتصال والانفصال والانفصال الحصري. كما أوضحت أن طرق الربط المختلفة بين متغيرين منطقيين عددها ١٦، منها ١٠ فقط ذات قيمة (non-trivial) وقد تضمن المقال السابق ٣ منها، وأناقش في هذا المقال أنواع الشرط الخمسة في الجبر البولياني.

أسلوب الشرط المنطقي يستخدم بغزارة في الاستنتاجات المنطقية، ويعتبر من أهم الأفكار في المنطق والفلسفة، وهناك مغالطات منطقية شائعة سببها الخطأ في استخدام أسلوب الشرط، وقد أتطرق لمثل هذه المغالطات في مقال لاحق.

رموز المعاملات البوليانية

أنواع الشرط الخمسة يمكن فهمها بسهولة نسبية إذا فُهِم النوع الأساسي منها والذي قد تعبر عنه الجملة الشرطية العادية في اللغة، وقد يبدو أن فهم هذا النوع من الربط المنطقي سهلاً، لكنه ليس بالضرورة كذلك. الأنواع الأربعة الأخرى هي نفي الشرط، والشرط المعكوس (أي في الاتجاه المعاكس) ونفيه، والشرط الثنائي وهو جملة شرطية تسري في الاتجاهين.

الجملة الشرطية في اللغة

لكي نفهم كيفية الربط بين قضيتين منطقيتين بمعامل الشرط المنطقي نبدأ أولاً بتعريف أجزاء الجملة الشرطية (conditional statement).

تتكون جملة الشرط التقليدية في اللغة العربية من ’أداة الشرط‘ (مثل إنْ، إذَا، لَوْ، كُلَّمَا، مَنْ، مَا، مَتَى، أَيْنَ) ومن جملتين إحداهما تسمى جملة ’فعل الشرط‘ وهي التي تلي أداة الشرط مباشرة، والأخرى تسمى جملة ’جواب الشرط‘ وقد تلي جملة الشرط أو تسبق أداة الشرط. على سبيل المثال، الجمل الآتية كلها شرطية في اللغة:

الجملة الشرطيةجملة فعل الشرطجملة جواب الشرط
من يجتهد ينجحيجتهدينجح
يمكنك دراسة المنطق إن أردت تعلمهأردت تعلمهيمكنك دراسة المنطق
إذا فرغت فانصبفرغتانصب
ما قدّمت من خير عاد إليكقدّمت من خيرعاد إليك
متى فاض النيل فرحنافاض النيلفرحنا
أين حللتم فعلى الرحب والسعةحللتم(حللتم) على الرحب والسعة
لو أن الفقر رجل لقتلتهالفقر رجلقتلته
إذا فرغت من واجباتي فماذا أفعل؟فرغت من واجباتيماذا أفعل؟
إن فعلت ذلك فأنت نعم الصديقفعلت ذلكأنت نعم الصديق
كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاًدخل عليها زكريا المحرابوجد عندها رزقاً
النور ضروري إذا أردت أن ترىأردت أن ترىالنور ضروري

وكما نرى في الأمثلة ليست كل جملة شرط في اللغة تصلح للاستعمال في الجبر البولياني، لأن بعض أجوبة الشرط لا تصلح كقضايا منطقية في الجبر البولياني، فبعضها في صيغة الاستفهام أو الأمر أو المدح وهي كما ناقشت في المقدمة لا تصلح لأنها لا تُفهَم يقيناً إما صدقاً وإما كذباً.

ليست كل جملة شرطية في اللغة تصلح لتكون شرطاً في الجبر البولياني.

فما هو معنى الجملة الشرطية؟ ناقشت في المقدمة أن الجبر البولياني يفصل المعنى عن الدلالة من جهة الصدق أو الكذب، وهكذا يقع عبء المعنى بالكامل على مستخدم الجبر البولياني. في الجملة الشرطية التقليدية التي تصلح للجبر البولياني يؤدي تحقق قضية فعل الشرط إلى تحقق قضية جواب الشرط، فنفهم من الجملة الشرطية ”من يجتهد ينجح“ أن تحقق الاجتهاد يتبعه تحقق النجاح، ويمكن أن نعيد صياغة الجملة لتكون ”إذا اجتهدت تنجح“. ولأن المنطق البولياني يتعامل مع القضايا كصدق تام أو كذب تام فلا مجال فيه للأمور الوسط، وفي واقع الحياة يمكن أن تجتهد ولا تنجح لأن أسباب النجاح معقدة، لكن لكي نفهم الشرط في الجبر البولياني نحتاج إلى جملة شرطية ليس فيها مثل هذا التعقيد.

سأستعير في هذا السياق عبارة الفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي رينيه ديكارت (René Descartes) الشهيرة ”أنا أفكر، إذاً أنا موجود“ (cogito ergo sum) والتي يمكن التعبير عنها في صورة شرط كالآتي: ”إذا كنت أفكر فأنا موجود“. فعل الشرط أنني أفكر وجوابه أنني موجود، ونرى أن صدق فعل الشرط يتبعه صدق جوابه، وتحقق فعل الشرط أولاً يستلزم تحقق جوابه كنتيجة. لهذا السبب تسمى قضية فعل الشرط ’المُقَدَّم‘ (antecedent) أو ’القضية المُقَدَّمة‘ لأنها تتقدم في التحقق أو الصدق، وتسمى قضية جواب الشرط ’التالي‘ (consequent) أو ’القضية التالية‘ لأن تحققها أو صدقها يلي (يتبع) تحقق فعل الشرط.

ويمكن لفظياً التعبير عن الشرط بمعناه في الجبر البولياني بطرق عديدة ولا يلزم استعمال أداة الشرط فيها، والمثال الذي طرحته في المقال السابق كان تعبير ’القمر لا يُرَى والشمس في كبد السماء‘ الذي يخلو من أداة الشرط. وكل الجمل الآتية تعبر عن معنى الشرط كما في مقولة رينيه ديكارت المذكورة سابقاً:

  • يكفي أن أكون مفكراً لأكون موجوداً
  • من الضروري لأكون مفكراً أن أكون موجوداً
  • كوني مفكراً يحتم كوني موجوداً
  • أكون مفكراً فقط إذا كنت موجوداً
  • كوني موجوداً يتبع من كوني مفكراً
  • يستحيل أن أكون مفكراً ولا أكون موجوداً

ولأن الشرط في الجبر البولياني قد يقابله تعبير لفظي يخلو تماماً من أداة الشرط، ولأن ترتيب كتابة فعل الشرط وجواب الشرط لا يتبع نسقاً معيناً، يُشَكِّل استخلاص الشرط البولياني من اللغة تحدياً ليس بالقليل في الكثير من الأحيان.

الشرط (Material implication) في الجبر البولياني

يُعَبَّر عن الشرط في الجبر البولياني بالرمز \(\rightarrow\) الذي يبدأ عند المُقَدَّم وينتهي عند التالي، وفي هذا يختلف الشرط اختلافاً كبيراً عن المعاملات الثنائية التي ناقشتها في المقال السابق لأن الشرط له اتجاه، أما الاتصال والانفصال والانفصال الحصري فلا يؤثر في نتيجتها تغيير موضع المتغيرين المنطقيين. وجملة الشرط التي فيها المُقَدَّم هو المتغير \(p\) والتالي هو المتغير \(q\) يُعَبَّر عنها بالشكل \((p\rightarrow q)\) ويكون ناتج الربط بالشرط كاذباً إذا صدق المُقَدَّم وكذب التالي، ويكون صادقاً في كل الأحوال الأخرى. ويمكن الاستغناء عن الأقواس في بعض السياقات كما سأناقش في مقال لاحق. وفيما يلي جدول الصدق للشرط.

\(p\)\(q\)\((p\rightarrow q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)

يمكن للقارئ تطبيق هذا على مثال مقولة ديكارت بجعل المتغير \(p\) يعبر عن قضية ’أنا أفكر‘ والمتغير \(q\) يعبر عن قضية ’أنا موجود‘. الجملة الشرطية صادقة في حال صدق المُقَدَّم والتالي كما في الصف الأول في جدول الصدق، وهي كاذبة في حال صدق المُقَدَّم وكذب التالي والذي يعني أنني أفكر لكنني لست موجوداً (وهو أمر مستحيل) ويعبر عنه الصف الثاني في جدول الصدق، وهي صادقة أيضاً في حالة كذب المُقَدَّم بغض النظر عن قيمة التالي وهو ما يعبر عنه الصفان الثالث والرابع في جدول الصدق، فمن الممكن أن يكون الشيء (أو الشخص) موجوداً ولا يفكر، ومن الممكن أن يكون الشيء تخيلاً لا وجود له وبالتالي لا يفكر.

ناتج الربط بين قضيتين بالشرط في الجبر البولياني يكون كاذباً فقط إذا صدق المُقَدَّم وكذب التالي، ويكون صادقاً في كل الأحوال الأخرى.

الشرط في اللغة يستخدم للتعبير عن معان كثيرة، فقد يعبِّر عن مجرد تبعية جواب الشرط لفعله (وهو ما نفهمه من كلمة الشرط بالدرجة الأولى) مثل مقولة ديكارت السابقة ومثل ”إذا توفر لي المال الكافي سأشتري سيارة“، وقد يعني السببية مثل ”إذا أشرقت الشمس ارتفعت درجة الحرارة“، وقد يعبِّر عن الارتباط مثل ”إذا جاء الصيف كثر مرتادو الشواطئ“، وقد يعبِّر عن التوقع مثل ”إذا أمطرت السماء ستقل درجة الحرارة“، وقد يعبِّر عن الاستنتاج مثل ”إذا كان المصعد يعمل فالتيار الكهربي لم ينقطع“، وقد يعبِّر عن التكرار مثل ”كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً“، وقد يعبِّر عن التفسير مثل ”لو كنت جوعاناً لأكلت“. في كل الأحوال السابقة تتوافق جمل الشرط مع جدول الصدق في الشرط البولياني.

وبعض صيغ الشرط في اللغة لا يعبِّر عن شرط بولياني على الإطلاق. فمثلاً قول ”أشهد بالحق وإن أضرني ذلك“ ليس إلا تقريراً لحقيقة أنني أشهد بالحق دائماً بغض النظر عما قد يحيق بي من ضرر، وقولنا ”لو كان معي مال لساعدت به الفقراء“ هو تَمَنٍّ وليس شرطاً، فإذا كنت لا أملك المال فمن المستحيل أن أساعد ’به‘ (وهذه هي الكلمة التي تمنع كونه شرطاً بوليانياً) الفقراء ويكون الربط كاذباً في الصف الثالث في جدول الصدق أعلاه، مما يجعله غير مطابق لتعريف الشرط البولياني (لكنه مطابق للشرط الثنائي كما سأناقش لاحقاً).

الشرط في الجبر البولياني يخلو من المعنى، ولهذا يسمى أيضاً ’تَضَمُّناً‘ أو ’تَضَمُّناً مادياً‘ وتعريف العلاقة بين قضيتين على أنها شرط بولياني يعتمد فقط على جدول الصدق.

ولأن الجبر البولياني يفصل بين معنى القضية وبين دلالتها من جهة الصدق أو الكذب كما ناقشت في المقدمة، ولأن كل ما يؤثر في ناتج الجبر البولياني هو حالة الصدق أو الكذب، فالشرط في الجبر البولياني ليس كالشرط في اللغة، وهذا من أكثر الأمور التي تسبب التباساً. الشرط في الجبر البولياني يخلو من المعنى، وكل ما يحدد كون الربط بين قضيتين شرطاً أو خلاف ذلك هو جدول الصدق الخاص بهذا الربط. ولهذا فإن الشرط في الجبر البولياني يطلق عليه أحياناً التَضَمُّن (implication) بدلاً من الشرط (condition)، والتسمية راجعة إلى أن تحقق فعل الشرط يتضمن تحقق جوابه (وليس العكس، وأذكّر القارئ أن الشرط له اتجاه).

ولأن التضمُّن قد يعني عند القارئ وجود ارتباط في المعنى بين المُقَدَّم والتالي بينما مثل هذا الارتباط غائب في الجبر البولياني، يسمى أيضاً هذا النوع من الربط التضمُّن المادي (material implication) للتذكير بأنه يخلو من المعنى، وهذا ما نجده أحياناً في بعض الجمل الشرطية في اللغة التي تهدف إلى تقرير نفي كل من المُقَدَّم والتالي مثل ”إذا كانت أوراق النقد تنمو على الأشجار فالشمس تشرق ليلاً“.

الضرورة والكفاية (Necessity and sufficiency)

بالنظر فقط إلى الأحوال التي تكون فيها العلاقة الشرطية بين قضيتين في الجبر البولياني صادقة (الصفوف الأول والثالث والرابع في جدول الصدق) وإسقاط الحالة التي تكون فيها العلاقة الشرطية كاذبة (الصف الثاني) نحصل على جدول الصدق التالي. وما يمكن استنتاجه منه مرهون بافتراض صدق العلاقة الشرطية.

\(p\)\(q\)\((p\rightarrow q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)

إذا علمنا صدق المُقَدَّم \(p\) فهذا يحصرنا في الصف الأول فقط في الجدول السابق، وهو ما معناه أن التالي صادق، ولا توجد حالات أخرى. هذا معناه أن في حالة صدق العلاقة الشرطية يكون صدق المُقَدَّم كافياً ليصدق التالي. وإذا تساءلنا عن الحالات التي يكون فيها المُقَدَّم صادقاً (وهذا يختلف عن العلم بصدق المُقَدَّم) نجد أيضاً أننا محصورون في حالة واحدة فيها التالي صادق. هذا معناه أن في حالة صدق العلاقة الشرطية يكون صدق التالي ضرورياً ليصدق المُقَدَّم.

كمثال على ذلك، في العلاقة الشرطية المتمثلة في بيت الشعر ”إِذَا الشَّعْبُ يَوْمًا أَرَادَ الْحَيَاةَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَدَرْ“ من قصيدة إرادة الحياة للشاعر التونسي أبي القاسم الشابي، المُقَدَّم هو إرادة الشعب للحياة والتالي هو استجابة القدر، ويُفهَم من المعنى أن تحقق إرادة الشعب أمر كافٍ لتحقق استجابة القدر وأن تحقق استجابة القدر أمر ضروري متى تحققت إرادة الشعب، وتظهر ضرورة تحقق التالي بوضوح في قول الشاعر ’لا بد‘.

وبالنظر إلى جدول الصدق السابق وإلى الأحوال التي يُعرَف فيها صدق التالي، هل يكفينا ذلك لمعرفة صدق أو كذب المُقَدَّم؟ التالي يصدق في صفين والمُقَدَّم يصدق في أحدهما ويكذب في الآخر، وهكذا لا سبيل لنا إلى معرفة صدق أو كذب المُقَدَّم من معرفة صدق التالي، أي أن صدق التالي لا يكفي لمعرفة صدق المُقَدَّم. وبالنظر للأحوال التي قد يكون فيها التالي صادقاً، هل من الضروري أن يصدق المُقَدَّم؟ نجد أيضاً أن المُقَدَّم قد يصدق أو يكذب، أي أنه ليس من الضروري أن يصدق المُقَدَّم لكي يصدق التالي. استيعاب الفكرة جيداً يحتاج إلى قدر من التمرين، وأنصح القارئ بالتفكير في جمل شرطية مختلفة وتطبيق ما سبق عليها.

في العلاقة الشرطية البوليانية وبفرض أنها صادقة، يكون صدق المقدم شرطاً كافياً لصدق التالي، ويكون صدق التالي شرطاً ضرورياً لصدق المقدم.

ونجد علاقة شرطية مثلاً في بيت الشعر ”وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ وَيُذْمَمِ“ من معلقة الشاعر زهير بن أبي سلمى ويمكن صياغة البيت كالآتي ”إذا بخل ذو فضل بفضله على قومه فإنه يُستَغنى عنه ويكون مذموماً“، ويكون المُقَدَّم هو بخل ذو الفضل بفضله على قومه والتالي أنه يُستَغنى عنه ويكون مذموماً، وليس كافياً صدق التالي في هذه الحالة لتحقق صدق المُقَدَّم، فالعديد من الأسباب قد تجعل من الشخص مُستَغنى عنه ومذموماً، وليس من الضروري صدق المُقَدَّم لتحقق صدق التالي، فليس من الضروري أن يكون الشخص ذا فضل ويبخل على قومه بفضله لكي يكون مُستَغنى عنه ومذموماً منهم.

ولهذا يطلق على المُقَدَّم أيضاً الشرط الكافي (sufficient condition) للتالي، وعلى التالي الشرط الضروري (necessary condition) للمُقَدَّم. وأحيل القارئ إلى الطرق المختلفة التي أوردتها للتعبير عن مقولة ديكارت ”أنا أفكر، إذاً أنا موجود“ أعلاه ليراجع التعبير عن الشرط الضروري والشرط الكافي فيها. والفرق بين الضرورة والكفاية يتضح أكثر عند دراسة نفي الشرط.

نفي الشرط (Material non-implication)

نفي الشرط هو نوع آخر من الربط بين قضيتين منطقيتين في الجبر البولياني، ومثل معظم المعاملات في الرياضيات يُعَبَّر عن نفي العملية بالرمز نفسه المعبر عنها مع وضع شرطة مائلة عليه، ويُعَبَّر عن نفي الشرط في الجبر البولياني بالرمز \(\nrightarrow\). وجملة نفي الشرط التي فيها المُقَدَّم \(p\) والتالي \(q\) يعبر عنها بالشكل \((p\nrightarrow q)\) ويكون ناتج نفي الشرط صادقاً فقط إذا صدق المُقَدَّم وكذب التالي، ويكون كاذباً في كل الأحوال الأخرى. وفيما يلي جدول الصدق لنفي الشرط وينتج من استعمال النفي مع ناتج الشرط البولياني.

\(p\)\(q\)\((p\rightarrow q)\)\(\neg(p\rightarrow q)\)\((p\nrightarrow q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)

وقد يُعَبَّر لغوياً عن نفي الشرط بتكذيب الجملة الشرطية، فمثلاً جملة الشرط ”إذا كان الماء سائلاً فهو بارد للملمس“ جملة كاذبة، وبالتالي نفيها صادق (من قانون التفكير الثاني) والتعبير عنه يمكن أن يكون في صورة ”من الكذب أن الماء بارد للملمس إذا كان سائلاً“. ونعلم مما سبق أن المُقَدَّم هو الشرط الكافي والتالي هو الشرط الضروري، وهكذا يمكن أن نعبر عن نفي الشرط في صورة:

  • ليس كافياً أن يكون الماء سائلاً ليكون بارداً للململس
  • برودة الماء للململس ليست ضرورية لكونه سائلاً
  • سيولة الماء لا تحتم كونه بارداً للملمس

وكل ما سبق يعبر عن نفي كون المقدم شرطاً كافياً أو نفي كون التالي شرطاً ضرورياً، وهو ما يتفق مع مفهوم الضرورة والكفاية السابق الحديث عنه.

الشرط المعكوس (Converse implication)

الشرط المعكوس أو عكس الشرط هو جملة شرطية تبادل فيها المُقَدَّم والتالي أدوار الضرورة والكفاية. ويُعَبَّر عن الشرط المعكوس في الجبر البولياني بالرمز \(\leftarrow\) وهو سهم في الاتجاه المعاكس لرمز الشرط \(\rightarrow\)، والشرط المعكوس الذي فيه المُقَدَّم \(p\) والتالي \(q\) يُعَبَّر عنه بالشكل \((p\leftarrow q)\) ويكون ناتج الشرط المعكوس كاذباً فقط إذا كذب المقدم وصدق التالي (قارن بالشرط) ويكون صادقاً في كل الأحوال الباقية. وفيما يلي جدول الصدق للشرط المعكوس.

\(p\)\(q\)\((p\leftarrow q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)

والشرط المعكوس من \(p\) إلى \(q\) ما هو إلا شرط عادي من \(q\) إلى \(p\)، وهكذا فإن التالي \(q\) في الشرط المعكوس هو الشرط الكافي والمُقَدَّم \(p\) في الشرط المعكوس هو الشرط الضروري. وفي اللغة يُعَبَّر عن الشرط المعكوس كشرط عادي لكن مع تبديل قضية المُقَدَّم وقضية التالي مكان بعضهما البعض.

في الشرط المعكوس يتبادل المُقَدَّم والتالي الأدوار فيكون المُقَدَّم هو الشرط الضروري والتالي هو الشرط الكافي.

فمثلاً معكوس الجملة الشرطية ”إذا أشرقت الشمس فالوقت نهار“ هو الجملة الشرطية ”إذا كان الوقت نهار فالشمس أشرقت“. وفي المثال السابق تحديداً نجد أن المعنى يستقيم (لأنه شرط ثنائي كما سنرى لاحقاً) لكنه لا يستقيم في جميع الأحوال، فمثلاً معكوس الجملة الشرطية ”إذا عطشت أشرب“ هو الجملة الشرطية ”إذا شربت أعطش“ والمعنى في الشرط المعكوس لا يستقيم في هذه الحالة.

نفي الشرط المعكوس (Converse non-implication)

نفي الشرط المعكوس ينتج من استعمال معامل النفي مع ناتج الشرط المعكوس كما ناقشت في نفي الشرط، ويُعَبَّر عن نفي الشرط المعكوس في المنطق البولياني بالرمز \(\nleftarrow\)، ونفي الشرط المعكوس الذي فيه المُقَدَّم \(p\) والتالي \(q\) يعبر عنه بالشكل \((p\nleftarrow q)\) ويكون ناتج نفي الشرط المعكوس صادقاً إذا كذب المُقَدَّم وصدق التالي ويكون كاذباً في كل الأحوال الأخرى. وفيما يلي جدول الصدق لنفي الشرط المعكوس.

\(p\)\(q\)\((p\leftarrow q)\)\(\neg(p\leftarrow q)\)\((p\nleftarrow q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)

ولغوياً يُعَبَّر عن نفي الشرط المعكوس بطريقة مشابهة لطريقة التعبير عن نفي الشرط، مع الوضع في الاعتبار تبادل أدوار المُقَدَّم والتالي. والربط بالشرط المعكوس ونفيه لا يختلف عن الربط بالشرط ونفيه (بهذا الترتيب) إلا في تبادل أدوار الضرورة والكفاية للمقدم والتالي، ويمكن دائماً التعبير عن أحدهما في صورة الآخر.

الشرط الثنائي (Biconditional) أو التكافؤ (Equivalence)

الشرط الثنائي هو جملة شرطية تسري في الاتجاهين، وهو ناتج اتصال الشرط بالشرط المعكوس، وقد أعطيت مثالاً سابقاً على ذلك الجملة الشرطية ”إذا أشرقت الشمس فالوقت نهار“ والتي لا تفقد صدقها إذا عكسناها فقلنا ”إذا كان الوقت نهار فالشمس أشرقت“. وهكذا يساوي الشرط الثنائي بين المُقَدَّم والتالي ويصير كل منهما شرطاً كافياً للآخر وكذلك شرطاً ضرورياً له، وبالتالي ليس للشرط الثنائي اتجاه، ويعبر عنه بالرمز \(\leftrightarrow\) وهو سهم يسري في الاتجاهين، والربط بالشرط الثنائي بين المتغير \(p\) والمتغير \(q\) يعبر عنه بالشكل \((p\leftrightarrow q)\) ويكون ناتج الشرط الثنائي صادقاً فقط إذا اتفقت القضيتان في الصدق أو الكذب، ويكون كاذباً إذا لم تتفقا. وفيما يلي جدول الصدق للشرط الثنائي ونرى فيه كيف أنه ناتج اتصال الشرط والشرط المعكوس.

\(p\)\(q\)\((p\rightarrow q)\)\((p\leftarrow q)\)\((p\rightarrow q)\wedge(p\leftarrow q)\)\((p\leftrightarrow q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)

ونرى من الجدول السابق كيف أن الشرط الثنائي يصدق فقط في حال اتفاق القضيتين من حيث الصدق أو الكذب، وفي هذا فهو المكافئ المنطقي لعلاقة التساوي كما أن الانفصال الحصري هو المكافئ المنطقي لعلاقة عدم التساوي كما ناقشت في المقال السابق. ولهذا السبب يسمى الشرط الثنائي أيضاً ’التكافؤ‘ (equivalence) بين متغيرين منطقيين.

ناتج الربط بين قضيتين بالشرط الثنائي يكون صادقاً فقط إذا اتفقتا في الصدق أو الكذب، ويكون كاذباً إذا اختلفتا. وكل من القضيتين يكون الشرط الكافي والضروري للأخرى.

ولأن كل من المتغيرين في الشرط الثنائي يعد شرطاً كافياً وكذلك ضرورياً للآخر، فكل منهما يسمى الشرط الكافي والضروري (necessary and sufficient condition) للآخر. ومعنى الشرط الكافي والضروري أن صدق أحد القضيتين يستلزم صدق الأخرى وكذبها يستلزم كذب الأخرى. وكثيراً ما نجد في الرياضيات استخدام مصطلح الشرط الكافي والضروري، فمثلاً إذا كان \(x^2\lt9\) فإن \(-3\lt x\lt3\) وبالعكس، وهكذا نقول أن \(x^2\lt9\) شرط كافٍ وضروري ليكون \(-3\lt x\lt3\)، ونعبر عن ذلك رمزياً بالشكل \(x^2\lt9\leftrightarrow-3\lt x\lt3\).

الخلاصة

جملة الشرط التقليدية تتكون من أداة الشرط وجملة فعل الشرط وجملة جواب الشرط، وتلي جملة فعل الشرط أداة الشرط مباشرة. ليست كل جملة شرطية (conditional statement) في اللغة تصلح لتكون شرطاً في الجبر البولياني.

تسمى جملة فعل الشرط في المنطق المُقَدَّم (antecedent) وتسمى جملة جواب الشرط التالي (consequent)، وصدق المقدم يتبعه صدق التالي.

الشرط في الجبر البولياني له اتجاه، ويكون كاذباً فقط في حالة صدق المُقَدَّم وكذب التالي، ويكون صادقاً في كل الأحوال الأخرى.

الشرط في الجبر البولياني يخلو من المعنى ويتم تعريفه عن طريق جدول الصدق. لهذا يسمى الشرط البولياني التَضَمُّن المادي (material implication). الشرط في اللغة يمكن أن يعبر عن كثرة من المعاني ولا يلزم أن تُصاغ هذه المعاني في صورة الشرط التقليدية، وهذا من أسباب صعوبة تطبيق الجبر البولياني على الشرط اللغوي.

المُقَدَّم في العلاقة الشرطية البوليانية هو الشرط الكافي (sufficient condition) للتالي، والتالي هو الشرط الضروري (necessary condition) للمُقَدَّم، ويمكن التعبير عن الشرط البولياني بكفاية أو ضرورة صدق قضية لصدق أخرى. نفي الشرط (non-implication) ينفي كفاية المُقَدَّم وضرورة التالي.

الشرط المعكوس (converse implication) ونفيه (converse non-implication) يمكن التعبير عنهما بالشرط العادي ونفيه (بهذا الترتيب) ويختلفان عنهما في تبادل المُقَدَّم والتالي لأدوار الضرورة (necessity) والكفاية (sufficiency).

الشرط الثنائي هو اتصال الشرط والشرط المعكوس بين قضيتين، ويكون صادقاً إذا اتفقت القضيتان في الصدق أو الكذب وكاذباً إذا اختلفتا. الشرط الثنائي ليس له اتجاه، وهو المكافئ المنطقي للتساوي. في الشرط الثنائي تكون كل من القضيتين شرطاً ضرورياً وكافياً (necessary and sufficient condition) للأخرى.


الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)


المقال السابق: ’الجبر البولياني: مقدمة‘


ناقشت في المقال السابق المعاملات المنطقية وأنواعها، وكل معامل منطقي يعبر عن عملية منطقية (logical operation) واحدة فقط، فمعامل النفي يعبر عن عملية النفي ومعامل الاتصال عن عملية الاتصال وهكذا. والمعامل الأحادي الوحيد هو معامل النفي، أما المعاملات الثنائية فتربط بين متغيرين منطقيين، وتوجد ١٦ طريقة مختلفة للربط بين أي متغيرين منطقيين \(p\) و \(q\)، لكن الطرق الستة الآتية يمكن اختزالها ولهذا فهي عديمة الأهمية (trivial):

  1. طريقة ينتج عنها الصدق في كل الأحوال وتسمى ’تكرار المعنى‘ أو ’التوتولوجيا‘ (tautology)
  2. طريقة ينتج عنها الكذب في كل الأحوال وتسمى ’التناقض‘ (contradiction)
  3. طريقة يكون ناتجها مطابقاً لقيمة المتغير المنطقي \(p\) (affirming the first)
  4. طريقة يكون ناتجها مطابقاً لقيمة المتغير المنطقي \(q\) (affirming the second)
  5. طريقة يكون ناتجها مطابقاً لخلاف قيمة المتغير المنطقي \(p\) (negating the first)
  6. طريقة يكون ناتجها مطابقاً لخلاف قيمة المتغير المنطقي \(q\) (negating the second)

هذا يتركنا فقط مع ١٠ طرق ربط (عمليات منطقية) ذات أهمية وهي:

رموز المعاملات البوليانية
  1. الاتصال (conjunction)
  2. الانفصال (disjunction)
  3. الانفصال الحصري (exclusive disjunction)
  4. الشرط (material implication)
  5. نفي الشرط (material non-implication)
  6. الشرط المعكوس (converse implication)
  7. نفي الشرط المعكوس (converse non-implication)
  8. الشرط الثنائي (biconditional)
  9. نفي الاتصال (joint denial)
  10. نفي الانفصال (alternative denial)

في هذا المقال سأناقش النفي والاتصال والانفصال والانفصال الحصري، أما الشرط بأنواعه فسأناقشه في مقال لاحق لتشابه وارتباط أنواع الشرط ببعضها، أما نفي الاتصال ونفي الانفصال فسأرجئه للنهاية وربما تجنبته تماماً لأنه ليس ضرورياً لاستخدام الجبر البولياني، وإنما يعلب دوراً أهم في مجال الحاسبات الآلية.

وقد آثرت أن يكون كل ما يحتوي على رموز رياضية فقط—سواء كان جدولاً أو غير ذلك—مقروءًا من اليسار إلى اليمين، وذلك لعدم معرفتي بتقنيات كافية للتعبير عن الرياضيات بشكل مريح بالحروف العربية ومن اليمين إلى اليسار، وأن يكون كل ما فيه جمل عربية مقروءًا من اليمين إلى اليسار ليتماشى مع اتجاه قراءتها. وفي حالة ضرورة الالتجاء إلى المزج بين العربية وبين الرموز الرياضية تُقرَأ الكلمات العربية من اليمين إلى اليسار والرموز الرياضية من اليسار إلى اليمين، وقد حاولت تجنب هذا المزج قدر الإمكان.

النفي (Negation)

معامل النفي في الجبر البولياني يعبر عنه بالرمز \(\neg\) ويُكتَب قبل المتغير المنطقي مباشرة، فإذا كان المتغير المنطقي \(p\) يكون نفيه \(\neg p\) ويكون لناتج نفي المتغير المنطقي قيمة مخالفة لقيمة المتغير المنطقي، فإذا كان المتغير يعبر عن قضية صادقة كان الناتج كاذباً، وإذا كان يعبر عن قضية كاذبة كان الناتج صادقاً.

جداول الصدق هي جداول تعبر عن كل القيم الممكنة لناتج دخول معامل منطقي أو أكثر على متغير منطقي أو أكثر.

وفي الجبر البولياني نعبر عن قيمة الناتج من دخول معامل منطقي (أو أكثر) على متغير منطقي (أو أكثر) بجداول نسميها جداول الصدق (truth tables)، وفيما يلي جدول الصدق لمعامل النفي. وقد آثرت استخدام الرمز اللوني (color coding) في جداول الصدق، فالقيمة الصادقة باللون الأزرق والكاذبة بالأحمر، وذلك لتسهيل إدراك معاني الرموز على القارئ، لكن الرمز اللوني غير ضروري في الجبر البولياني.

\(p\)\(\neg p\)\(\neg(\neg p)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)

ونلاحظ أن قيمة الناتج من نفي \(\neg p\) مكافئة لقيمة المتغير الأصلي \(p\)، وهو ما نعبر عنه بالقول الشائع ”نفي النفي إثبات“، والأقواس في التعبير \(\neg(\neg p)\) ليست ضرورية وإنما استعملت للتوضيح، ويمكن أن يكتب نفي النفي في صورة \(\neg\neg p\).

في التعبير اللغوي عن القضية المنطقية، دخول معامل النفي على المتغير المنطقي \(p\) يعادل التعبير عن نقيض القضية التي يعبر عنها هذا المتغير. على سبيل المثال:

\(p\)\(\neg p\)

القاهرة عاصمة مصرالقاهرة ليست عاصمة مصر
الدرفيل يعيش في البحار فقطالدرفيل لا يعيش في البحار فقط
لا أحد يحب الحريةالكل يحب الحرية
كل الشموس نجومليس من الشموس ما هو نجم

ويجب الانتباه إلى معنى النقيض، فهو ليس فقط المختلف، وقد ناقشت هذا بتفصيل أكثر في حديثي عن قانون التفكير الثاني.

ولا يلزم أن يدخل معامل النفي على قضية بسيطة فقط، بل يمكن أن يدخل على قضية مركبة، والقضية البسيطة يعبر عنها في الجبر البولياني متغير منطقي واحد، والقضية المركبة يعبر عنها عدد من المتغيرات المنطقية مرتبطة ببعضها بمعاملات ثنائية (وقد يدخل على بعضها معاملات أحادية).

ناتج نفي القضية يكون صادقاً إذا كانت كاذبة ويكون كاذباً إذا كانت صادقة.

وجرى العرف في المنطق البولياني على أن المتغير المنطقي يعبر عن قضية موجبة (affirmative proposition) وتعبر عنها جملة تثبت شيئاً أو تقرر صفة لشيء (مثل قضية ’القاهرة عاصمة مصر‘)، وهذا بخلاف القضية السالبة (negative proposition) التي تنفي شيئاً أو تنزع صفة ما عن شيء (مثل قضية ’القاهرة ليست عاصمة مصر‘)، وذلك لأن نفي النفي إثبات كما رأينا، واستعمال معامل النفي مع متغير \(p\) يعبر عن قضية سالبة يجعل من \(\neg p\) مكافئاً لقضية موجبة، لكن في الجبر البولياني المتغير نفسه يرمز له بحرف واحد فقط، ولا سبيل للمستخدم إلى معرفة أن هذا الحرف يعبر عن قضية سالبة، فإذا سبقه معامل النفي أُعطِي المستخدم إيحاء خاطئاً أن \(\neg p\) يعبر عن قضية سالبة، ولأن الغرض من استخدام المنطق الرياضي التخلص من الالتباس، يكون من الأفضل استعمال المتغيرات المنطقية للتعبير عن قضايا موجبة. هذا تفضيل وليس ضرورة.

الاتصال (Conjunction)

يُعَبّّر عن معامل الاتصال في الجبر البولياني بالرمز \(\wedge\) ويوضع بين المتغيرين الذين يربط بينهما، واتصال المتغير \(p\) بالمتغير \(q\) يُعَبّّر عنه بالشكل \((p\wedge q)\) ويربط معامل الاتصال بين متغيرين منطقيين فتكون قيمة الناتج صدقاً فقط إذا كانا كلاهما صادقاً، وتكون كذباً في كل الأحوال الأخرى. واستخدام الأقواس في هذه الحالة هو الأساس، لكن يجوز إهماله في بعض الحالات كما سأناقش في مقال لاحق. وفيما يلي جدول الصدق لعملية الاتصال.

\(p\)\(q\)\((p\wedge q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)

واجتماع قضيتين هو أن يكونا صادقتين معاً، وعليه فإن ناتج الاتصال يكون صادقاً إذا اجتمعت القضيتان اللتان يربط بينهما ويكون كاذباً في غير ذلك من الأحوال. وتسمية ’الاتصال‘ من وجوب أن تتصل القضيتان في صدقهما لكي يكون الرابط بينهما صادقاً كما نرى في جدول الصدق. وكما سأناقش في مقال لاحق، اتصال أكثر من قضيتين يكون صادقاً فقط في حال اجتماع كل القضايا ويكون كاذباً في كل الأحوال الأخرى، فاتصال الصدق بين القضايا واجب لتحقيق صدق ناتج الاتصال المنطقي مهما كان عدد القضايا.

ناتج الاتصال بين قضيتين يكون صادقاً فقط في حالة صدق القضيتين معاً، ويكون كاذباً في كل الأحوال الأخرى.

للتعبير عن الاتصال باللغة الطبيعية عادة ما يستخدم حرف العطف ’و‘، لكن يمكن التعبير عنه بطرق أخرى، فعلى سبيل المثال، كل الآتي يعبر عن اتصال القضية المنطقية ’التفاح من الفواكه‘ والقضية المنطقية ’القط من الثدييات‘.

  • التفاح من الفواكه والقط من الثدييات
  • التفاح من الفواكه وكذلك القط من الثدييات
  • القط من الثدييات كما أن التفاح من الفواكه
جدول الصدق لاتصال قضية ’التفاح من الفواكه‘ وقضية ’القط من الثدييات‘
’التفاح من الفواكه‘’القط من الثدييات‘’التفاح من الفواكه والقط من الثدييات‘
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)

وتحديد إذا ما كان الربط بين قضيتين اتصال أم خلاف ذلك مسؤولية مستخدم المنطق كما سبق الذكر، والأساس في هذا التحديد هو تعريف الاتصال كما في جدول الصدق، فإذا تحقق صدق الربط بينهما وكانت إحداهما كاذبة فالربط في هذه الحالة ليس اتصالاً.

فمثلاً، قولنا ”القمر لا يُرَى والشمس في كبد السماء“ قد يكون اتصالاً وقد لا يكون كذلك على حسب المعنى المفهوم من الجملة، فإذا كانت تقريراً للواقع—أي أنني أقرر أن القمر لا يُرَى الآن وأن الشمس في كبد السماء الآن—فهو اتصال، وفي هذه الحالة فالسياق هو الوقت الحاضر ويجب حصر أي استنتاج في هذا السياق، أما إذا كان المعنى المفهوم من الجملة هو التعميم فالربط شرطي وليس اتصالاً، وتُفهَم الجملة على أنها مكافئة لجملة ”إذا كانت الشمس في كبد السماء فالقمر لا يُرَى“، وفي هذه الحالة قد يصدق أن القمر لا يرى ولا يصدق أن الشمس في كبد السماء وتكون القضية المركبة غير كاذبة (أي صادقة)، فالقمر لا يُرَى في المحاق ولا يُرَى لكثافة الغيوم.

جدول الصدق لتعميم المعنى من قضية ’القمر لا يُرَى والشمس في كبد السماء‘. لاحظ أن الجدول يختلف عن جدول الصدق للاتصال المنطقي.
’القمر لا يُرَى‘’الشمس في كبد السماء‘’القمر لا يُرَى والشمس في كبد السماء‘
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)

وبوجه عام يضع الاتصال المنطقي شروطاً قاسية لصدق الربط بين القضايا المنطقية لأنه يتطلب أن تجتمع كلها لكي يصدق الربط، وغالباً ما يستخدم الاتصال المنطقي للتعبير عن وجوب شيئين أو أكثر لا عن التخيير بين أشياء. وعملية الاتصال في المنطق مشابهة لعملية التقاطع (intersection) في نظرية المجموعات (set theory)، بل إن تعريف التقاطع في نظرية المجموعات يعتمد على الاتصال المنطقي.

الانفصال (Disjunction)

يُعَبَّر عن معامل الانفصال في الجبر البولياني بالرمز \(\vee\)، وانفصال المتغير \(p\) عن المتغير \(q\) يُعَبَّر عنه بالشكل \((p\vee q)\) ويربط معامل الانفصال بين متغيرين منطقيين فتكون قيمة الناتج كذباً فقط إذا كانا كلاهما كاذبين، وتكون صدقاً في كل الأحوال الأخرى. واستخدام الأقواس في هذه الحالة هو الأساس، لكن يجوز إهماله في بعض الحالات كما سأناقش في مقال لاحق. وفيما يلي جدول الصدق لعملية الانفصال.

\(p\)\(q\)\((p\vee q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)

وارتفاع قضيتين هو أن يكونا كاذبتين معاً، وعليه فإن ناتج الانفصال يكون كاذباً إذا ارتفعت القضيتان اللتان يربط بينهما ويكون صادقاً في غير ذلك من الأحوال. وتسمية ’الانفصال‘ من أن صدق كل قضية بشكل منفصل يؤدي إلى صدق الناتج، ونرى ذلك في جدول الصدق للانفصال. وكما سأناقش في مقال لاحق، انفصال أكثر من قضيتين يكون كاذباً فقط في حال ارتفاع جميع القضايا ويكون صادقاً في كل الأحوال الأخرى، فصدق كل قضية منفصلة عن غيرها من القضايا يكفي لتحقيق صدق ناتج الانفصال المنطقي مهما كان عدد القضايا.

ناتج انفصال قضيتين يكون كاذباً فقط في حالة كذب القضيتين معاً، ويكون صادقاً في كل الأحوال الأخرى.

للتعبير عن الانفصال باللغة الطبيعية عادة ما يستخدم حرف العطف ’أو‘، لكن يمكن التعبير عنه بطرق أخرى. في قول مثل ”أدفع العدوان عن وطني أو أموت في سبيل ذلك“، يمكن أن تصدق القضية الأولى (دفع العدوان عن الوطن) وتكذب الثانية (عدم موت المدافع) أو تكذب الأولى (فشل دفع العدوان عن الوطن) وتصدق الثانية (موت المدافع) وقد تجتمع القضيتان، لكن المفهوم من جملة مثل هذه أن ارتفاع القضيتين غير مقبول (أمر كاذب) وأن القائل لن يرضى إلا بتحقق إحداهما. وهكذا فالتعبير انفصال منطقي.

جدول الصدق لانفصال قضية ’أدفع العدوان عن وطني‘ وقضية ’أموت في سبيل ذلك‘
’أدفع العدوان عن وطني‘’أموت في سبيل ذلك‘’أدفع العدوان عن وطني أو أموت في سبيل ذلك‘
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)

وما زال المستخدم مسؤولاً عن فهم المعنى. فمثلاً، إذا أردت أن تعرف اختياراتك الممكنة من قائمة الأشربة في أحد المقاهي، وسألت النادل عن المتاح فأجاب ”شاي وقهوة وسحلب وزنجبيل ومشروبات غازية“ فهل معنى ذلك اتصال أم انفصال؟ الأمر يتوقف على ما تريد التعبير عنه. إذا كان المراد التعبير عنه هو المتاح في المقهى فالربط اتصال، لأن كلام النادل لا يصدق إلا إذا كانت هذه جميعها متاحة فعلاً في المقهى، أما إذا كان المراد التعبير عنه هو ما ستطلبه لتشرب فالربط انفصال، إذ لا يتحتم عليك أن تطلب هذه جميعها وإنما تكفي واحدة منها فقط. لاحظ أن التعبير اللفظي هنا استعمل فيه حرف العطف ’و‘ الذي غالباً ما يقترن بعملية الاتصال.

فماذا عن قولنا ”تسافر من القاهرة إلى الإسكندرية بالقطار أو بالسيارة“؟ هل هذا يعد انفصالاً؟ الربط يصدق إذا صدقت القضية الأولى وسافرت بالقطار، ويصدق أيضاً إذا صدقت القضية الثانية وسافرت بالسيارة، لكن هل يمكن أن تجتمع القضيتان؟ بمعنى هل يمكن أن تسافر من القاهرة إلى الإسكندرية بالقطار وكذلك بالسيارة في نفس السياق (نفس الوقت)؟ الربط السابق لا يعبر عن انفصال منطقي، لأن اجتماع القضيتين مستحيل (أي كاذب)، وهو ما لا يتفق مع تعريف الانفصال من جدول الصدق. هذا النوع من الربط هو الانفصال الحصري الذي أناقشه لاحقاً.

جدول الصدق المعبر عن القضية المركبة ’تسافر من القاهرة إلى الإسكندرية بالقطار أو بالسيارة‘. لاحظ أن الجدول يختلف عن جدول الصدق للانفصال المنطقي.
’تسافر بالقطار‘’تسافر بالسيارة‘’تسافر بالقطار أو بالسيارة‘
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)

وقد يقول قائل إن السفر من القاهرة إلى الإسكندرية ممكن بالطائرة أيضاً أو بالحافلة، وهكذا يمكن تحقق السفر من القاهرة إلى الإسكندرية مع ارتفاع كل من القضيتين ’تسافر بالقطار‘ و’تسافر بالسيارة‘. والخلط هنا يكمن في تعريف القضية المنطقية التي يعبر عنها المتغير البولياني، فالمتغير الأول يعبر عن ’السفر من القاهرة إلى الإسكندرية بالقطار‘ والثاني يعبر عن ’السفر من القاهرة إلى الإسكندرية بالسيارة‘، ونزع وسيلة السفر عن فعل السفر يغير معنى القضية المنطقية التي يعبر عنها المتغير المنطقي إذ أنه لا يعبر عن فعل السفر في حد ذاته وإنما عن وسيلته كذلك، وقد ناقشت في المقال السابق أهمية استعمال المعنى ذاته للمتغير المنطقي داخل نفس السياق. وفي واقع الأمر القضيتان في هذه الحالة ليستا بسيطتين، وأترك للقارئ تحليلهما إلى قضايا أبسط مع الربط بينها كتمرين.

وبوجه عام يضع الانفصال المنطقي شروطاً متساهلة جداً لصدق الربط بين القضايا المنطقية لأن صدق واحدة منها على الأقل يكفي لتحقق صدق الربط، وغالباً ما يستخدم الانفصال المنطقي للتعبير عن التخيير بين شيئين أو أكثر، ويمكن أن يشمل الاختيار جميعها، ولا يلزم أن يقتصر على أحدهما أو بعضها، لكن يلزم اختيار أحدها على الأقل. وعملية الانفصال في المنطق مشابهة لعملية الاتحاد (union) في نظرية المجموعات، بل إن تعريف الاتحاد في نظرية المجموعات يعتمد على الانفصال المنطقي.

الانفصال الحصري (Exclusive disjunction)

يُعَبَّر عن معامل الانفصال الحصري في الجبر البولياني بالرمز \(\oplus\)، والانفصال الحصري للمتغير \(p\) عن المتغير \(q\) يُعَبَّر عنه بالشكل \((p\oplus q)\) ويربط معامل الانفصال الحصري بين متغيرين منطقيين فتكون دلالة الناتج صادقة إذا اختلف المتغيران في قيمتهما، وتكون كاذبة إذا اتفقا في قيمتهما. وفيما يلي جدول الصدق لمعامل الانفصال الحصري.

\(p\)\(q\)\((p\oplus q)\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)
\(\color{blue}\top\)\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{blue}\top\)\(\color{blue}\top\)
\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)\(\color{red}\bot\)

وتسمية هذا النوع من الربط بالانفصال ’الحصري‘ ترجع إلى حصر صدق ناتج الربط في وجوب انفصال القضيتين، أي أن اجتماع قضيتين ينتج ربطاً كاذباً في حالة الانفصال الحصري. ولأن اختلاف قيمة المتغيرين هو فقط ما ينتج ربطاً صادقاً، يمكن النظر إلى الانفصال الحصري على أنه عدم التساوي بين متغيرين منطقيين، فمثلاً في الرياضيات عموماً التعبير \(x\neq y\) يكون صادقاً فقط إذا كانت قيمة المتغير \(x\) تختلف عن قيمة المتغير \(y\)، ولأن الجبر البولياني فيه قيمتان فقط، فاختلاف قيمة المتغير \(p\) عن قيمة المتغير \(q\) يعني بالضرورة أن أحدهما صادق والآخر كاذب، وهكذا يكون التعبير \(p\neq q\) مكافئاً للتعبير \((p\oplus q)\)، ولأن وجود رمزين للتعبير عن نفس الشيء لا داعي له، يستخدم الانفصال الحصري بمعنى عدم التساوي بين متغيرين منطقيين.

ناتج الانفصال الحصري بين قضيتين يكون صادقاً إذا كانت إحداهما صادقة والأخرى كاذبة، ويكون كاذباً إذا اتفقتا في الصدق أو الكذب.

وكما ذكرت فيما سبق، يمكن التعبير عن الانفصال الحصري باستخدام حرف العطف ’أو‘، ويمكن فهم أن الانفصال حصري من معنى القضيتين، وإذا كان المعنى لا يُفهَم بالضرورة من القضيتين يضاف إلى الجملة ما يؤكد هذا المعنى. فمثلاً، الانفصال الحصري بين قضية ’تشتري حلوى‘ وقضية ’تشتري طعاماً‘ يمكن التعبير عنه ”بقول تشتري حلوى أو تشتري طعاماً وليس كلاهما“. وفي اللغة العربية يمكن التعبير عن الانفصال الحصري باستخدام ’إما... وإما...‘، ففي المثال السابق يجوز القول ”إما تشتري حلوى وإما تشتري طعاماً“، ولفظة ’إما‘ في معاجم اللغة تستعمل للتخيير ولا تعني بالضرورة اختياراً واحداً فقط من كثير، لكنني وجدت استعمالها الشائع يتفق مع اختيار واحد فقط كما ناقشت في الحديث عن قانون عدم التناقض.

يراعى أن الربط بين أكثر من متغيرين بشكل متسلسل بمعامل الانفصال الحصري لا يعني بالضرورة أن أحدها فقط صادق. وأعني بالربط المتسلسل بين المتغيرات المنطقية \(p,q,r,s\) تركيباً منطقياً مثل \(p\oplus q\oplus r\oplus s\). مثل هذا الاستعمال للانفصال الحصري يكون ناتجه صادقاً إذا كان عدد المتغيرات الصادقة فردياً، ويكون ناتجه كاذباً إذا كانت عدد المتغيرات الصادقة زوجياً. ولن أتطرق أكثر من ذلك للانفصال الحصري في هذا المقال، فما كنت أود التأكيد عليه هو أنه يختلف تماماً عن الانفصال من الجهة المنطقية وإن كانا قد يتشابهان في أسلوب التعبير اللفظي، ويجب على مستخدم الجبر البولياني أن يكون حريصاً لكي لا يخلط بينهما.

الخلاصة

يوجد معامل بولياني أحادي واحد وهو معامل النفي، وتوجد عشرة طرق ذات قيمة (non-trivial) تقابلها عشرة معاملات ثنائية للربط بين متغيرين منطقيين، ناقشت منها في هذا المقال الاتصال والانفصال والانفصال الحصري.

المتغير المنطقي في الجبر البولياني يعبر عن قضية منطقية (يفضل أن تكون بسيطة وموجبة لتجنب الوقوع في أخطاء)، وقيمة المتغير هي دلالة القضية من جهة الصدق أو الكذب.

معامل النفي يدخل على متغير منطقي واحد فيكون الناتج خلاف قيمة هذا المتغير، فإذا كان صدقاً يكون الناتج كذباً والعكس صحيح.

معامل الاتصال يربط بين متغيرين منطقيين فتكون قيمة الربط صادقة فقط إذا كان المتغيران كلاهما صادقاً، وتكون كاذبة في كل الأحوال الأخرى. يمكن استعمال معامل الاتصال للربط المتسلسل بين أكثر من متغيرين، وتكون قيمة الربط صادقة فقط إذا كانت كل المتغيرات صادقة، وتكون كاذبة في كل الأحوال الأخرى. الاتصال غالباً ما يستخدم في التعبير عن وجوب شيئين أو أكثر.

معامل الانفصال يربط بين متغيرين منطقيين فتكون قيمة الربط صادقة إذا كان أحدها على الأقل صادقاً، وتكون كاذبة إذا كانت كلها كاذبة. يمكن استعمال معامل الانفصال للربط المتسلسل بين أكثر من متغيرين، وتكون قيمة الربط صادقة إذا كان أحدها على الأقل صادقاً، وتكون كاذبة إذا كانت كلها كاذبة. الانفصال غالباً يستخدم في التخيير بين شيئين أو أكثر، على أن يلزم اختيار أحدها على الأقل ويمكن اختيار أكثر من واحد منها أو جميعها.

معامل الانفصال الحصري يربط بين متغيرين منطقيين فتكون قيمة الربط صادقة إذا اختلف المتغيران في قيمتهما وتكون كاذبة إذا اتفقا. الانفصال الحصري بين متغيرين يكافئ عدم التساوي بينهما في القيمة المنطقية. إذا استعمل الانفصال الحصري للربط المتسلسل بين أكثر من متغيرين تكون قيمة الربط صادقة إذا كان عدد المتغيرات الصادقة فردياً وتكون كاذبة إذا كان العدد زوجياً.

في جميع الأحوال، عبء فهم المعنى يقع بالكامل على مستخدم المنطق البولياني ولا توجد ألفاظ تحتم نوعاً من الربط المنطقي، بل يجب التفكير في كل حالة على حدة والرجوع إلى جداول الصدق الخاصة بالعمليات البوليانية لتحديد نوع الربط.


المقال التالي: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)‘


سلوك التهام البراز في الحيوان

قد يتقزز بعض القراء من أجزاء من محتوى هذا المقال أو من كل محتواه، لذا وجب التنويه.

سلوك التهام البراز (coprophagy) موجود في عالم الحيوان بشكل ليس بالقليل، وهو يتراوح من سلوك دائم لبعض أنواع الحيوانات يوجد في كل أفراد النوع أو في الغالبية العظمى منهم، إلى سلوك نادر في بعض الأنواع الأخرى، لكن بوجه عام تمت ملاحظته في الكثير من الأنواع في عالم الحيوان. ويقسم هذا السلوك على حسب علاقة الحيوان الملتهم للبراز بالحيوان المنتج له، فإذا كان يلتهم برازه هو نفسه سمي التهام البراز الذاتي (autocoprophagy) وإذا كان يلتهم براز غيره من الحيوانات سمي التهام البراز الخَيْفي (allocoprophagy) فإذا كانت هذه الحيوانات الأخرى محصورة على نوعه تحديداً سمي التهام البراز المناوع (conspecific coprophagy).

وأحياناً تُقارَن بعض السلوكيات الموجودة في الحيوان بسلوكيات مشابهة في الإنسان بغرض الوصول إلى استنتاج أن انتشار سلوك معين بين عدد كبير من أنواع الحيوانات يعني بالضرورة أنه ’طبيعي‘ في الإنسان، أو يعني بالضرورة أنه حتمية بيولوجية لا مفر منها ولا سبيل إلى تغييرها، وهو استنتاج فاسد، ولا أهدف في هذا المقال إلى مناقشة فساد هذا الاستنتاج من وجهة النظر المنطقية (والذي سأناقشه لاحقاً في مقال منفصل) وإنما إلى استعراض سلوك التهام البراز في الكائنات الحية المختلفة (ومنها الإنسان) وكذلك التفاسير المطروحة له، ولا أهدف إلى مناقشة الدوافع الحيوانية لهذا السلوك (والتي لا يزال معظمها محل تكهنات)، وإنما الغرض استخدام هذا السلوك كدليل على فساد الاستنتاجات السابقة وإيضاح أن مقارنة سلوك حيواني بسلوك البشر لا تجوز، وسأناقش في مقال لاحق أيضاً الأسباب التي أراها تفسد أمثال هذه المقارنات. وأشجع القارئ على مراجعة المصادر العلمية العديدة المذكورة في آخر المقال وغيرها من المصادر الموثوقة للتأكد من المعلومات والاستزادة إن أراد.

الحيوانات المائية

سمكة تأكل براز أخرى بمجرد تبرزه

جميع أنواع الحيوانات المائية (aquatic animals) تتبرز في الماء وتأكل من الماء، ولهذا فهي بالضرورة تأكل شيئاً من البراز الذي تتبرزه والذي يتبرزه غيرها، لكن من وجهة نظر علمية لا يندرج هذا تحت تعريف سلوك التهام البراز، إذ أن الأخير يتطلب أن يلتهم الكائن الحي عمداً البراز نفسه وليس الغذاء الملوث بالبراز.

أما من وجهة نظر عامة، فكل الكائنات المائية تأكل شيئاً من البراز من قبيل الضرورة. الكائنات المدرجة في تصنيف الأنواع يصل عددها إلى ١٫٢ مليون نوعاً، ويقدر أحد الأبحاث[i] عدد الأنواع التي تحيا في المياه المالحة (والتي لم يتم اكتشاف معظمها بعد) بحوالي ٢٫٢ مليون نوعاً، أي أننا يمكن بكل أريحية اعتبار أن هناك عشرات الآلاف من الحيوانات المائية التي تتبرز في الماء وتأكل منه.

زيبراسوما فيليفرم[1]
نيزو فلامينجيي[2]
ميلكثيس فيدوا[3]

لكن الكثير من الحيوانات المائية تلتهم البراز ليس من قبيل الضرورة وإنما عمداً. في دراسة[ii] مبنية على المشاهدة (observational study) أجريت عام ١٩٨٠ في الشعاب المرجانية (coral reefs) المجاورة لجزيرة بالاو (Palau) في المحيط الهادي، لاحظ الدارس إخراجاً للبراز في ٥٩٧٥ مرة من ٨٨ نوعاً مختلفاً من الأسماك، وفي حوالي ٥٤٪ من هذه المرات التهمت أنواع أخرى—لا تقل في عددها عن ٤٥ ومنها الأنواع الموجودة في الصور—ذلك البراز، ولاحظ أن التهام البراز المناوع كان شبه منعدم في هذه العينة.

قسم الباحث الأسماك في هذه الدراسة إلى أنواع يحتوي غذاؤها على نسبة عالية من الكربونات (high-carbonate diet) وتخرج برازاً باهت اللون يسقط إلى القاع بسرعة نظراً لثقله (كربونات الكالسيوم هي المكون الأعظم للحجر الجيري)، وأنواع يحتوي غذاؤها على نسبة قليلة من الكربونات (low-carbonate diet) وتخرج برازاً أخف يستغرق سقوطه إلى القاع فترة أطول بشكل ملحوظ. من المشاهدات التي سجلت في الدراسة، ١٧٥٢ كانت في أسماك يحتوي غذاؤها على كمية كبيرة من الكربونات، ومن تلك المشاهدات التُهِم البراز في ١٪ منها فقط، وهذا ليس بالأمر العجيب إذ تسقط إلى القاع بسرعة، والأسماك غالباً تلتهم ما يعلق بالماء وليس ما هو على القاع، وقد ناقش الباحث هذا الأمر في بحثه. وإذا استثنينا هذه المجموعة من المشاهدات، فإن نسبة البراز الذي التُهِم ترتفع إلى حوالي ٧٦٪ من المشاهدات.

الدراسة السابقة ليست الوحيدة في هذا المجال، والتهام أنواع من الأسماك لبراز أنواع أخرى أمر معروف، لكن ما يميز الدراسة السابقة عدد المشاهدات الكبير. الباحث ناقش الأسباب التي قد تدفع بعض أنواع الأسماك إلى التهام براز أنواع أخرى، لكن من الواضح أن السلوك متعمد لأن مجموعات الأسماك (schools of fish) من الأنواع الملتهمة للبراز تصاحب مجموعات الأسماك من الأنواع المخرجة له في الترحال.

والتهام البراز ليس مقصوراً على الأسماك، بل لوحظ[iii] أيضاً في اللافقاريات المائية (aquatic invertebrates) وهي الكائنات المائية التي لا يوجد لها عمود فقري (vertebral column) مثل الجمبري (shrimp)، ووجد أن بعضها التهم ما يعادل ٨٣٪ من وزنه من البراز على مدار ٤٨ ساعة. ليس ذلك فحسب، بل إن التهام البراز يُظَن[iv] أنه من أهم آليات تدوير المواد الغذائية (recycling of nutrients) في النظم البيئية المائية (aquatic ecosystems).

اللافقاريات البرية

ذبابة المرحاض[4]
خنفساء الروث[5]

اللافقاريات البرية (terrestrial invertebrates) هي الحيوانات التي ليس لها عمود فقري وتعيش على البر، ومن أمثلتها الحشرات.

غني عن الذكر أن الكثير من الحشرات تتغذى—في طورها اليافع أو في طور اليرقة—على براز الحيوانات[v] كما تتغذى على القمامة والجيف، ومنها الذبابة المنزلية (Musca domestica) وذبابة المرحاض (Chrysomya megacephala) والفصائل التي تعرف في العموم باسم الذباب الأزرق (Calliphoridae) وذباب اللحم (Sarcophaga)، وهذا مما يجعلها من أهم طرق انتشار العدوى وبالأخص للأمراض المعوية.

وليس الذباب فقط ما يتغذى على البراز، فهناك الصراصير (cockroaches) وهي أيضاً تعد من عوامل انتشار الأمراض المعوية[vi]، وهي بوجه عام كائنات قارتة (omnivores) تتغذى على ما يتوافر لها أياً كان، وفي المدن تعيش في أنظمة الصرف الصحي وتتغذى على البراز من ضمن ما تتغذى عليه.

بل إن هناك من أنواع الحشرات ما يتغذى بصفة أساسية أو بشكل حصري على الروث، ومن أمثلة ذلك خنافس الروث (dung beetles) الذي اكتسبت اسمها من التهامها للروث، وتحتوي هذه المجموعة من الحشرات على العديد من الأنواع. وبينما كل الكائنات السابق ذكرها تلتهم على براز كائنات أخرى، نجد أن حوريات حشرة أبي مقص الأوروبية (European earwig) تتغذى على براز الحوريات الأخرى في العش[vii].

الفقاريات البرية

الفقاريات البرية (terrestrial vertebrates) هي الكائنات التي لها عمود فقري وتعيش على البر، وهي أقرب للإنسان في شجرة الحياة من اللافقاريات، والكائنات المائية التي سبق الحديث عنها منها الفقاريات (مثل الأسماك) واللافقاريات (مثل القشريات كالجمبري)، وإذا كانت الظروف البيئية سبباً ممكناً لسلوك التهام البراز في الفقاريات المائية، فإنها بكل تأكيد ليست كذلك في الفقاريات البرية.

سنونو الشجر[6]
أبو الحناء الأمريكي[7]
العقاب المصري[8]

تخرج صغار العديد من أنواع الطيور برازاً محوطاً بطبقة من المخاط فيما يعرف باسم الحويصلات البرازية (faecal sacs) وتعمل الطيور اليافعة على إزالة هذه الحويصلات من العش، ويُظَن أن هذا السلوك يساعد على إبعاد الكائنات المفترسة. لكن بعض أنواع الطيور تأكل الأفراد اليافعة منها الحويصلات البرازية—أو البعض منها على الأقل—عوضاً عن مجرد إزالتها من العش.

في دراسة[viii] لطائر السمامة المألوفة (common swift) تم فيها تصوير ١٢ عشاً بكاميرات الفيديو على مدار ٦١٨ ساعة، لوحظ أن الطيور اليافعة كانت تبحث بشكل متعمد عن الحويصلات البرازية في الأعشاش وأنها التهمت براز صغارها ٣٤١ مرة أثناء فترة الملاحظة، وأن هذا السلوك قل بشكل ملحوظ مع ازدياد عمر الصغار، لكن قل كذلك عدد المرات التي تعاود فيها الطيور اليافعة العش والوقت الذي تقضيه في رعاية الصغار.

بحثت دراسة[ix] أخرى هذا السلوك في ثلاثة أنواع من الطيور هي سنونو الشجر (tree swallow) والشحرور أحمر الجناح (red-winged blackbird وأبو الحناء الأمريكي (American robin) ولوحظ سلوك مشابه لما سبق ذكره. في كل هذه الأمثلة في الطيور يعد التهام البراز مناوعاً (conspecific).

لوحظ[x] أن بعض أنواع الطيور مثل القرزبيل أبيض الجناح (white-winged crossbill) التهمت براز القضاعات (otters)، وفي هذا المقال يذكر الباحث أنواعاً وحالات أخرى مماثلة. وفي دراسة أخرى[xi] وجد أن طائر العقاب المصري (Egyptian vulture) المعروف عنه التهام روث الحيوانات ذوات الأظلاف (ungulates) قد يكون يمارس هذا السلوك للحصول على مركبات الكاروتين التي تعطي وجهة اللون الأصفر. في مثل هذه الحالات يصنف سلوك التهام البراز على أنه خيفي، وهو نادر في الطيور بخلاف التهام البراز المناوع.

وفي دراسة[xii] عن سلوك الرعي في صحراء وايوميج الحمراء (Wyoming Red Desert وجد أن النباتات المتاحة في البيئة تحتوي على نسبة من الفوسفور لا تكفي للاحتياجات اليومية للأبقار والخيول، وعلى الرغم من ذلك لم تظهر على أي منها أعراض نقص الفوسفور، وهو من العناصر المهمة جداً في عمليات الأيض (metabolism) في الحيوان. فسر الباحث عدم وجود ذلك النقص بلجوء هذه الحيوانات إلى التهام البراز لتعويض النقص الغذائي. والتهام براز الأم سلوك شائع في الخيول حديثي الولادة[xiii]، ويظن أن الدافع لذلك هو تأسيس نبتة بكتيريا في أمعاء الوليد لأن مثل هذه البكتريا مهمة لعملية الهضم، كما وجدت دراسة[xiv] أخرى أن الخيول اليافعة تظهر فيها ظاهرة التهام البراز الذاتي عند وجود نقص غذائي وتختفي عند إضافة مكملات غذائية.

لاحظت أيضاً دراسة[xv] أخرى أن غزلان سيكا (sika deer) المتعايشة في نفس المنطق الجغرافية مع قردة المكاك اليابانية (Japanese macaque monkeys) تلتهم براز القردة، ويُظَن أن الهدف من هذا السلوك الحصول على ما تبقى من المواد الغذائية في البراز، وهذا السلوك يصنف على أنه التهام براز خيفي (allocoprophagy).

الأبقار والغزلان والخيول كلها من ذوات الأظلاف (ungulates)، وهي أقرب إلى الإنسان في شجرة الحياة من الطيور، حيث أن الإنسان وذوات الأظلاف كلها من الثدييات، والفرق أن الغزلان والأبقار من ذوات الأظلاف مزدوجة الأصابع (Artiodactyla) بينما الخيول من ذوات الأظلاف فردية الأصابع (Perissodactyla). وعلى نفس الدرجة تقريباً من القرابة إلى الإنسان توجد آكلات اللحوم (Carnivora) والتي منها الكلبيات (Canidae).

كلب يلتهم برازه

في دراستين[xvi][xvii] أجريتا عن طريق استبيان جاوب عليه أصحاب الكلاب المنزلية (ويبدو أن الدراستين تشيران إلى نفس الاستبيان) اشتملتا على ٦٣٢ كلباً، وُجِد أن حوالي ٤٩٪ من الكلاب ظهر فيها سلوك التهام البراز مرة على الأقل وأن حوالي ٢٨٪ منها كان فيها السلوك ظاهراً وقت الدراسة، وأن هذا السلوك كان أشيع بدرجة محدودة في الإناث عن الذكور وفي الذكور المخصية عن غيرها، كما أنه ارتبط بشكل ملحوظ بأعراض القلق (anxiety) والميول الغذائية الغريبة (pica).

كما لوحظ أن السلوك لم يتأثر بنوع الكلب أو سنه (مما يستثني سلوك الفضول في الجراء)، ولا بوجوده بجوار المنزل أو بعيداً عنه (مما يستثني تحديد منطقة النفوذ كعامل مؤثر)، ولا بوجود كلاب أخرى أثناء التبرز أو التهام البراز (وهو عامل آخر متعلق بتحديد منطقة النفوذ)، ولا بالوقت الذي يقضيه الكلب خارج المنزل أو توافر الألعاب له (مما يستثني الملل كعامل مؤثر)، ولا بنوعية أو معدل إطعام الكلاب. كما لم يختلف تأثير استخدام نوعين مختلفين من المكملات الغذائية التجارية المطروحة في الأسواق عن بعض محاولات تعديل السلوك التي لم تستخدم أي مكملات غذائية.

أجريت دراسة أخرى مماثلة استخدمت استبيانين أظهر أحدهما أن ١٦٪ من إجمالي ١٥٥٢ كلباً ظهر فيها هذا السلوك ٦ مرات على الأقل، بينما تضمن الاستبيان الآخر فقط الكلاب التي ظهر فيها هذا السلوك ١٠ مرات على الأقل (أي بشكل أوضح من المجموعة الأولى) وأظهر أن حوالي ٥٧٪ من إجمالي ٢٥٦١ كلباً ظهر فيها هذا السلوك بشكل أسبوعي. واشترطت هذه الدراسة ألا تكون إناث الكلاب أمهات حديثة لها جراء، إذ أن بعض أنواع الكلبيات مثل القيوط (coyote) يظهر فيها سلوك التهام براز الجراء ويُظَن أن الغرض منه تنظيف العرين لتجنب الكائنات المفترسة أو تقليل فرصة إصابة الجراء بالعدوى المعوية. ووجدت الدراسة أن ١١ من المنتجات التجارية المطروحة في الأسواق كان تأثيرها شبه منعدم على تعديل هذا السلوك.

فوق الرئيسيات

أرنب[9]
خنزير غينيا[10]

الكائنات التي تصنف تحت فوق الرئيسيات (Euarchontoglires) هي من أقسام الثدييات المشيمية (placental mammals) أي التي تُكَوِّن أجنتها مشيمة أثناء الحمل، ومجموعة فوق الرئيسيات لا يربط بين أنواعها أي خصائص تشريحية (anatomical) أو شكلية (morphological)، وإنما يربط بينها تشابه في تركيب الحمض النووي (nucleic acid) الذي يكَوّن الجينات.

وبخلاف ما سبق الحديث عنه من الكائنات فإن فوق الرئيسيات أقرب إلى الإنسان من غيرها، وهذا من ضمن أسباب استخدامها في الأبحاث الدوائية، وتشمل هذه الكائنات رتبتي الأرنبيات (Lagomorpha) والقوارض (والتين أناقشهما في هذا القسم) كما تشمل الرئيسيات (Primates) التي منها الإنسان.

كل الحيوانات من الأرنبيات (كالأرانب كما هو واضح) والبعض من القوارض مثل خنازير غينيا (guinea pigs) والفئران (rats) تأكل عمداً بعض برازها[xix]. بعض هذه الحيوانات تعتمد في غذائها بشكل كبير على الألياف النباتية وهي صعبة الهضم، ولذلك يتجمع في جهازها الهضمي وتحديداً في منطقة الأعور (caecum) جزء من وجبتها الغذائية ويختلط بالخمائر والبكتريا التي تملك الإنزيمات القادرة على هضم الألياف النباتية وأهمها السليولوز (cellulose) وتحويلها لسكر الجلوكوز (glucose). هذه العملية تعرف باسم التخمر المعوي الخلفي (hindgut fermentation). وتخرج هذه الكائنات نوعين من البراز أحدهما كرات صغيرة جافة والآخر كرات رطبة نسبياً تسمى الغذاء الأعوري (caecotropes) وتلتهمها فور تبرزها لكي تستفيد بالألياف النباتية المهضومة التي تحتويها.

وليس هضم الألياف الفائدة الوحيدة من التخمر المعوي الخلفي، فالفئران مثلاً قد لا تعتمد في غذائها بشكل أساسي على الألياف، وقد وجد أن منع الأرنبيات والقوارض من التهام برازها نتج عنه نقص في المواد الغذائية بما فيها البروتينات والفيتامينات، ونتج عنه أيضاً تأخر في النمو. والقوارض لها آلية في التخمر المعوي الخلفي تختلف عن الأرنبيات[xx]، ويبدو أن الأخيرة آلياتها أكثر فعالية. الثابت أن هذا السلوك موجود في كل أنواع الأرنبيات والقوارض باستثناءات قليلة، وفي حالة وجوده في نوع ما فأنه يظهر في كل أفراد هذا النوع.

وعلى الرغم من أن التهام البراز في القوارض يبدو كأنه حتمية بيولوجية (biologically determined)، وعلى الرغم من أهميته الواضحة من جهة التغذية ووجوده في كل أفراد النوع، وجدت إحدى الدراسات[xxi] أن منع الفئران من التهام البراز لمدة ٤ أسابيع متواصلة مع توفير وجبة غذائية متكاملة لها نتج عنه ما يبدو كنسيان هذا السلوك، ففي اليوم الأول لرفع هذا المنع لم تلتهم الفئران برازاً على الإطلاق، وعادت لهذا السلوك بالتدريج على مدار ١٩ يوماً.

الرئيسيات

ليمر[11]
غوريلا[12]
شمبانزي[13]

الرئيسيات (primates) هي رتبة الحيوانات التي يندرج تحتها الإنسان والقردة وبعض الحيوانات القريبة مثل الليمر (lemur)، وسلوك التهام البراز يظهر في هذه الحيوانات أيضاً.

حيوان الليمر هو أبعدها عن الإنسان، والغوريلا (gorilla) أكثر قرباً وتشترك مع الإنسان في أسرة الإنسانيات (Homininae)، وأقربها للبشر هي القردة العليا من قبيلة أشباه البشر (Hominini) والتي تحتوي بالإضافة إلى الإنسان على جنس الشيمبانزي (Pan) والذي بدوره يحتوي على نوعين فقط من الكائنات وهما الشيمبانزي المألوف (Pan troglodytes) والبونوبو (bonobos).

في دراسة[xxii] مبنية على المشاهدة اجريت عامي ٢٠٠٣ و ٢٠٠٤ وتضمنت ٨٠ ساعة من الملاحظة وجد أن مجموعات من حيوان الليمر (عددها تراوح من ٩ إلى ١٢) تعمدت التهام براز البشر بالقرب من تجمع بشري في مدغشقر، واستمرت في فعل ذلك لفترات تراوحت من ٣ إلى ٣٨ دقيقة وبمتوسط ٢٣ دقيقة عام ٢٠٠٣ و ١٢ دقيقة عام ٢٠٠٤، ولوحظ أنها تنتقي قطع البراز الجافة لتلتهمها، كما لوحظ مرتين أنها التهمت روث الماشية ومرة أنها التهمت براز الكلاب. الدراسة اجريت في الموسم الجاف الذي يقل فيه الغذاء، ولوحظ أن أكثر الأفراد التي ظهر فيها هذا السلوك كانت تعاني من تساقط الأسنان.

أما في الغوريلا فقد وجدت دراسة[xxiii] نشرت عام ١٩٧٨ وتضمنت الآلاف من ساعات الملاحظة (ومن غير الواضح إذا ما كانت هذه الملاحظات مسجلة بالفيديو، ولكن أظنها ليست كذلك بسبب زمن إجراء الدراسة) أن التهام البراز حدث ٢٥ مرة في ٢١ يوماً مختلفاً، وفي ١٧ منها تمكن الباحثون من تحديد الحيوان المخرج للبراز، وفي ١٣ من هذه التهم الحيوان برازه هو نفسه (التهام براز ذاتي)، وفي ٤ مرات كانت الصغار تلتهم براز الكبار (التهام براز مناوع)، بل إن في ١١ من هذه المرات تبرز الحيوان في يده ثم التهم البراز فوراً.

في دراسة مبنية على المشاهدة[xxiv] تضمنت ٦ من حيوانات الشيمبانزي المألوف التي تم إنقاذها من الأسر واستمرت من ديسمبر ١٩٩٦ حتى يوليو ١٩٩٧ لوحظ أنها الفرد منها التهم برازه لعدد من المرات تراوح من ٢١٤ إلى ٥٠٤، وكان إجمالي عدد المرات في الأفراد الستة ١٩٧٣ مرة، ووجد أن هذا السلوك يزداد بازدياد نسبة نبات الدياليوم (Dialium) في غذاء الحيوانات، وكانت الحيوانات إما تلتهم برازها فوراً بعد إخراجه على يدها، أو تبحث فيه عن بذور الدياليوم لتأكلها، وبعض الحيوانات كان يأكل البراز المخرج بالكامل بينما البعض الآخر كان يأكل بعضه فقط.

ذكر غوريلا يتبرز في يده ليلتهم برازه

وفي دراسة[xxv] لاحقة مبنية على المشاهدة لحيوانات البونوبو أجريت على مدار ١٥٦ يوماً متفرقة وتضمنت ١١٤٢ ساعة من المشاهدة، وجد أن سلوك التهام البراز الذاتي حدث ٤ مرات، ويُظَن أن هذا السلوك متعلق برغبة الحيوان في أكل بذور نبات الدياليوم كما في حالة الشيمبانزي.

وفي دراسة[xxvi] تضمنت ٤٠ من حيوانات الشيمبانزي المألوف تحت ظروف الأسر (في حدائق الحيوان) وجد أن سلوك التهام الحيوان لبرازه ظهر في ٨٣٪ منها، وتراوح تكراره في ٣٠ ساعة من المشاهدة من مرة واحدة إلى ١٦ مرة، وكان هذا هو التغير الأشيع في سلوك الحيوانات تحت ظروف الأسر. وبينما يمكن أن يكون لهذا السلوك فائدة بيولوجية متعلقة بالتغذية في البيئة الطبيعية لهذه الحيوانات، لا يمكن تفسيره بهذا الشكل في ظروف الأسر، والتفسيرات المطروحة أنه إما سلوك ناتج عن الملل أو سلوك مكتسب تتعلمه الحيوانات من بعضها.

الإنسان

سلوك التهام البراز يعد بوجه عام من أعراض المرض العقلي في الإنسان، وتوجد العديد من تقارير الحالة (case reports) تناولت هذه الظاهرة في مرضى بعينهم، وعلى قدر علمي توجد دراستان مرجعيتان (retrospective studies) اشتملتا على أكثر من مريض لمقارنة هذا السلوك فيهم، أحدهما[xxvii] نشرت عام ١٩٨٥ وتضمنت ١٤ مريضاً والأخرى[xxviii] نشرت عام ٢٠١٦ وتضمنت ١٢ مريضاً.

وعادة يستثنى الأطفال الصغار من تعريف السلوك في الإنسان، إذ قد يعزى وجوده فيهم إلى الفضول وحب الاستكشاف، أما في الكبار فقد لوحظ هذا السلوك كعرض لبعض الأمراض مثل الخرف (dementia)، والذهان (psychosis) كما في حالات الفصام (schizophrenia)، وبعض حالات ضمور المخ (brain atrophy) باختلاف أسبابها، وبعض حالات الصرع (epilepsy) أو أورام المخ (brain tumours) أو التأخر العقلي (mental retardation) كما في بعض حالات متلازمة داون (Down syndrome).

وفي بعض الأحوال يرتبط البراز بالسلوك الجنسي غير المألوف، ففي بعض الأشخاص نجد أن التمسح بالبراز (faecal smearing) من التمائم الجنسية (sexual fetishes) وفي تقرير حالة[xxix] تحول أحد المرضى من التمسح بالبراز إلى التهامه مع ظهور أعراض اكتئاب عليه. وعلى قدر علمي لا توجد دراسات تحدد نسبة مثل هذا السلوك كتميمة جنسية—إن وجد—وهذا ليس بالأمر الغريب نظراً لخصوصية الجنس وندرة مثل هذا السلوك في الإنسان ولما قد يتضمنه السلوك من وصمة (stigma) وشعور بالعار (shame).

وسلوك التهام البراز في الإنسان ينتج عنه عدد من المخاطر الصحية التي قد تؤدي إلى الوفاة، ولكن يبدو أن الخوف من المخاطر الصحية ليس هو السبب في الندرة الفائقة لهذا السلوك في الإنسان العاقل ولكنه الشعور بالتقزز (disgust) والذي لا نجد له مثيلاً في عالم الحيوان، أو على الأقل لا نجد ما يدلل على وجوده. وليس الخطر الذي قد ينجم عن أي سلوك محدداً حتمياً لقبوله أو عدم قبوله في البشر، فالتدخين وتعاطي الكحوليات سلوكيات منتشرة على الرغم من ضررها الواضح والمثبت بالأدلة القوية، وقد تكون هذه السلوكيات مرفوضة بشكل جزئي في الوقت الحالي، لكن هذا يعني أيضاً أنها غير مرفوضة بشكل جزئي! فعندما نقول أن البعض يرفض سلوك التدخين، فهذا معناه بالضرورة أن البعض الآخر لا يرفض هذا السلوك.

وسلوك التهام البراز لم يكن أبداً مقبولاً في الإنسان على مر التاريخ حتى لو كان الدافع هو نقص بعض العناصر الغذائية، وفي هذا السياق لا أعني القبول الاجتماعي (والذي له أبعاد مختلفة) لكن قبول الفرد نفسه لهذا السلوك. وتاريخياً لا نجد أن التهام البراز كان حلاً مقبولاً لنقص العناصر الغذائية في البشر. وفي العصر الحديث نعلم جيداً ما قد يكون في البراز من مسببات لأمراض الإنسان، ويمكننا تعقيم البراز لقتل كل هذه المسببات وقد يمكننا حينئذ أن نستخدمه—ولو جزئياً—لحل مشكلة نقص الغذاء في العالم، وبالرغم من ذلك أظن إلى درجة تقارب اليقين أن التهام البراز المعقم سيظل غير مقبول عند الغالبية الساحقة من البشر، بل سيُنْظَر إلى مثل هذا الحل على أنه احتقار للفقراء أو أنه ضرب من الجنون، وأنا بكل تأكيد لا أدعو إلى مثل هذا الاستخدام للبراز لكنني أطرح الفكرة للتدليل على أن قبول السلوك أو عدمه ليس تبعية ضرورية لأضراره أو فوائده المحتملة.

إذاً قبول سلوك معين في البشر لا يتبع بالضرورة من وجوده في الكثير من أنواع الكائنات الحية ولا من فوائده الممكنة، وعدم قبوله لا يتبع بالضرورة من عدم وجوده في الكائنات الحية الأخرى (كما سأناقش في مقالات لاحقة) ولا من أضراره الممكنة، وتصنيف سلوك معين على أنه ’طبيعي‘ (normal) في البشر لا علاقة له بوجوده في كائنات أخرى وإنما بنسبة ظهوره في البشر كما ناقشت في مقال سابق، بل إن مقارنة سلوك البشر مباشرة بسلوك الحيوان هي من قبيل مد الخط على استقامته (extrapolation) بشكل غير مقبول كما ناقشت أيضاً في مقال سابق، وأرجو من القارئ الرجوع للمقالين لاستيضاح المعنى.

الخلاصة

سلوك الالتهام المتعمد للبراز يظهر في عدد كبير جداً من أنواع الكائنات الحية التي تنتشر عبر شجرة الحياة بالقرب من الإنسان وبعيداً عنه، والتي تعيش في بيئات متباينة من البر والبحر، والغرض من هذا السلوك لا يبدو واضحاً في كل الأحوال، والعديد من التفسيرات المحتملة له مطروح على الساحة لكن ليس منها ما هو مؤكد، وباستثناء الاحتياج الغذائي ليس منها ما يمكن التدليل عليه بدرجة قوية، وبعض التفسيرات في الكائنات التي تبدو على درجة ما من الذكاء (مثل الكلاب والرئيسيات) يرجعه إلى الشعور بالملل، وخاصة عند عدم وجود احتياج بيولوجي واضح فيها يفسر هذا السلوك.

في الإنسان يعتبر هذا السلوك عادة من علامات المرض العقلي، لكنه ليس كافياً للحكم على من يمارسه بالمرض العقلي، فقد يظهر أيضاً كجزء من الممارسات الجنسية غير المألوفة، وبوجه عام فإن هذا السلوك غير مقبول وغير طبيعي في البشر، ولا يوجد من يدافع عن كونه ’طبيعياً‘ بحجة وجوده في الكثير من أنواع الكائنات الحية، والحقيقة أن المقارنة المباشرة لسلوك الحيوان بسلوك الإنسان في العموم فاسدة ولا تصح.

ولهذا مقال آخر...


المراجع

  1. Mora C., Tittensor D.P., Adl S., et al. How many species are there on Earth and in the ocean? PLOS Biology 2011;9(8):e1001127. doi:10.1371/journal.pbio.1001127
  2. Robertson D.R. Fish feces as fish food on a Pacific coral reef. Marine Ecology–Progress Series 1982;7:253–265. PDF
  3. Dirk F., Jr. Smith K.L. Coprophagy in marine animals. Limnology and Oceanography 1967;12(3):443–450. doi:10.4319/lo.1967.12.3.0443
  4. Wotton R.S., MalmqvistB. Feces in aquatic ecosystems. BioScience 2001;51(7):537–544. doi:10.1641/0006-3568(2001)051[0537:FIAE]2.0.CO;2
  5. Adenusi A.A., Adewoga T.O.S. Human intestinal parasites in non-biting synanthropic flies in Ogun State, Nigeria. Travel Medicine and Infectious Disease 2013;11(3)181–189. doi:10.1016/j.tmaid.2012.11.003
  6. Pai H., Ko Y.C., Chen E.R. Cockroaches (Periplaneta americana and Blattella germanica) as potential mechanical disseminators of Entamoeba histolytica. Acta Tropica 2003;87(3):355–359. doi:10.1016/S0001-706X(03)00140-2
  7. Körner M., Diehl J.M.C., Meunier J. Growing up with feces: benefits of allo-coprophagy in families of the European earwig. Behavioral Ecology 2016;27(6):1775–1781. doi:10.1093/beheco/arw113
  8. Dell’omo G., Alleva E., Carere C. Parental recycling of nestling faeces in the common swift. Animal Behaviour 1998;56:631–637. doi:10.1006/anbe.1998.0839
  9. Hard P.L., Weatherhead P.J., McRae S.B. Parental consumption of nestling feces: good food or sound economics? Behavioral Ecology 1991;2(1)69–76. doi:10.1093/beheco/2.1.69
  10. Gallant D. White-winged crossbills obtain forage from river otter feces. The Wilson Bulletin 2004;116(2):181–184. Link
  11. Negro J.J., Grande J.M., Tella J.L., et al. An unusual source of essential carotenoids. Nature 2002;416:807–808. doi:10.1038/416807a
  12. Krysl L.J., Sowell B.F., Hubbert M.E., et al. Horses and Cattle Grazing in the Wyoming Red Desert, II. Dietary Quality. Journal of Range Management 1984;37(3):252–256. doi:10.2307/3899149
  13. Crowell-Davis S.L. Coprophagy by foals: Effect of age and possible functions. Equine Veterinary Journal 1985;17(1):17–19. doi:10.1111/j.2042-3306.1985.tb02030.x
  14. SchurgW.A., Frei D.L., Cheeke P.R., Holtan D.W. Utilization Whole Corn Plant Pellets by Horses and Rabbits. Journal of Animal Science 1977;45(6):1317–1321. doi:10.2527/jas1977.4561317x
  15. Nishikawa M, Mochida K. Coprophagy-related interspecific nocturnal interactions between Japanese macaques (Macaca fuscata yakui) and sika deer (Cervus nippon yakushimae). Primates 2010;51:95–99. doi:10.1007/s10329-009-0182-x
  16. Boze B. A comparison of common treatments for coprophagy in Canis familiaris. Journal of Applied Companion Animal Behavior 2008;2(1):22–28. PDF
  17. Boze B.G.V. Correlates of coprophagy in the domestic dog (Canis familiaris) as assessed by owner reports. Journal of Applied Companion Animal Behavior 2010;4(1):28–37 PDF
  18. Hart B.L., Bain M.J., Hart L.A., et al. The paradox of canine conspecific coprophagy. Veterinary Medicine and Science 2018;4:106–114. doi:10.1002/vms3.92
  19. Giovannetti P.M. Effect of coprophagy on nutrition. Nutrition Research 1982;2(3)335–349. doi:10.1016/S0271-5317(82)80015-8
  20. Franz R., Kreuzer M., Hummel J., et al. Intake, selection, digesta retention, digestion and gut fill of two coprophageous species, rabbits (Oryctolagus cuniculus) and guinea pigs (Cavia porcellus), on a hay-only diet. Journal of Animal Physiology and Animal Nutrition 2011;95:564–570. doi:10.1111/j.1439-0396.2010.01084.x
  21. Barnes R.H., Fiala G., McGehee B., Brown A. Prevention of coprophagy in the rat. Journal of Nutrition 1957;63:489–498. doi:10.1093/jn/63.4.489
  22. Fish K.D., Sauther M.L., Loudon J.E., Cuozzo F.P. Coprophagy by Wild Ring-Tailed Lemurs (Lemur catta) in Human-Disturbed Locations Adjacent to the Beza Mahafaly Special Reserve, Madagascar. American Journal of Primatology 2007;69:713–718. doi:10.1002/ajp.20392
  23. Harcourt A.H., Stewart K.J. Coprophagy by wild mountain gorilla. East African Wildlife Journal 1978,(16)223–225. doi:10.1111/j.1365-2028.1978.tb00442.x
  24. Krief S., Jamart A., Hladik C. On the possible adaptive value of coprophagy in free-ranging chimpanzees. Primates 2004;45:141–145. doi:10.1007/s10329-003-0074-4
  25. Sakamaki T. Coprophagy in wild bonobos (Pan paniscus) at Wamba in the Democratic Republic of the Congo: a possibly adaptive strategy? Primates 2010;51:87–90. doi:10.1007/s10329-009-0167-9
  26. Birkett L.P., Newton-Fisher N.E. How abnormal is the behaviour of captive, zoo-living chimpanzees? PLoS ONE 2011;6(6):e20101. doi:10.1371/journal.pone.0020101
  27. Ghaziuddin N., McDonald C. A Cinical Study of Adult Coprophagics. British Journal of Psychiatry 1985;147(3)312–313. doi:10.1192/bjp.147.3.312
  28. Josephs K.A.,Whitwell J.L.,Parisi J.E., Lapid M.I. Coprophagia in neurologic disorders. Journal of Neurology 2016;263(5):1008–1014. doi:10.1007/s00415-016-8096-1
  29. Wise T.N., Goldberg R.L. Escalation of a fetish: Coprophagia in a nonpsychotic adult of normal intelligence. Journal of Sex and Marital Therapy 1995;21(4):272–275. doi:10.1080/00926239508414647

نسب المصنفات

  1. صورة لسمكة من نوع زيبراسوما فيليفرم (Zebrasoma veliferum). بواسطة Shizhao. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  2. صورة لسمكة من نوع نيزو فلامينجيي (Naso vlamingii). بواسطة Hectonichus. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  3. صورة لسمكة من نوع ميلكثيس فيدوا (Melichthys vidua). بواسطة Izuzuki. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  4. صورة لذبابة المرحاض. بواسطة Muhammad Mahdi Karim. مرخص بموجب GNU Free Documentation License. الصورة الأصلية في الرابط.
  5. صورة لخنفساء الروث. بواسطة Rafael Brix. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  6. صورة لسنونو الشجر. بواسطة Iiii I I I. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 4.0 دولي. الصورة الأصلية في الرابط.
  7. صورة لأبي الحناء الأمريكي. بواسطة Mdf. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  8. صورة للعُقاب المصري. بواسطة Béotien lambda. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  9. صورة أرنب. بواسطة EIC. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.
  10. صورة خنزير غينيا. بواسطة Guinea pig. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 4.0 دولي. الصورة الأصلية في الرابط.
  11. صورة ليمر. بواسطة Mathias Appel. مرخص بموجب CC0رخصة المشاع الإبداعي—التخصيص للملكية العامة. الصورة الأصلية في الرابط.
  12. صورة غوريلا. بواسطة Marieke IJsendoorn-Kuijpers. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 2.0 عام. الصورة الأصلية في الرابط.
  13. صورة شمبانزي. بواسطة Thomas Lersch. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 3.0 غير موطَّنة. الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

الجبر البولياني: مقدمة

جورج بول[1]

الجبر البولياني (Boolean algebra) هو فرع من الرياضيات يختص بالبحث في الوصول إلى استنتاجات من قضايا منطقية (propositions) بناء على دلالتها من جهة الصدق أو الكذب وعلى كيفية الربط بينها، ويعتبر الجبر البولياني من أوائل ما تم تطويره في المنطق الرياضي (mathematical logic)، والهدف من تطوير المنطق الرياضي هو التعامل مع المنطق بلغة الرياضيات (mathematical language) التي تختلف عن اللغات الطبيعية (natural languages) في أنها خالية من الغموض (unambiguous) ودقيقة (rigorous) تلتزم بقواعد صارمة، ولهذا يمكن التأكد من استنتاجاتها باتباع القواعد والوضوح في التعريفات.

والجبر البولياني تم تطويره على يد عالم الرياضيات الإنجليزي جورج بول (George Boole) الذي عاش من ١٨١٥ إلى ١٨٦٤ ميلادية، والذي سُمِّي هذا النوع من المنطق الرياضي على اسمه. وهو مبني على قوانين التفكير الأساسية والتي ترتكز بدورها على أن القضايا المنطقية إما صادقة (true) وإما كاذبة (false)، وهو ما يطلق عليه مبدأ القيمة الثنائية (principle of bivalence)، ولا تتعامل مع ’احتمال‘ صدق أو كذب القضية، كما لا تتعامل مع ’تغير‘ حالة الصدق أو الكذب بتغير الظروف أو وجهات النظر أو حدود المعرفة البشرية.

هذا التبسيط في المنطق البولياني هو ما يضع حدوداً لما يمكن استعماله فيه وما يمكن استنتاجه منه، لكنه هو أيضاً الأساس في أن المنطق البولياني واسع الانتشار (ubiquitous) بدرجة كبيرة ، وهو أيضاً الأساس في قدرة المنطق البولياني على التعامل بشكل آلي (mechanical) لا يتطلب تفكيراً مع كل ما هو ثنائي، الأمر الذي جعله الأساس في عمل أجهزة الحاسبات الآلية (computers).

القضايا المنطقية القابلة للاستعمال

لكي تكون القضية قابلة للاستعمال في الجبر البولياني يجب أن تكون تامة الصدق أو تامة الكذب (حتى ولو في داخل سياق معين)، وأي جملة لا يمكن فهم دلالتها على أنها إما صدق تام وإما كذب تام لا تصلح للاستعمال في الجبر البولياني. وعادة ما يمكن الاتفاق على دلالة الجملة الخبرية من الصدق أو الكذب، والجملة الخبرية (statement) ليست هي الجملة الاسمية في اللغة العربية، وإنما هي الجملة التي تخبرنا بمعنى مفهوم، وقد تكون من جهة اللغة العربية جملة اسمية أو جملة فعلية، ولهذا يستخدم أحياناً تعبير ’الجملة الخبرية‘ كبديل مكافئ لتعبير ’القضية المنطقية‘ حينما تكون دلالة القضية إما صدقاً وإما كذباً.

ومن أمثلة الجمل التي لا تصلح للاستعمال في الجبر البولياني كل ما صيغ كأمر أو سؤال أو تعجب أو استنكار أو في صورة أسلوب مدح أو ذم، وعلى الرغم من أن بعض هذه الصيغ قد تخبرنا بمعنى يُفْهَم على أنه صدق أو كذب، إلا أن القضايا في المنطق يجب أن تُصاغ في صورة واضحة ليس فيها شبهة التباس، ولا يُتْرَك للقارئ مهمة استنباط المعنى من التركيب اللغوي.

القضايا الصالحة للاستعمال في الجبر البولياني هي فقط الجمل التي يمكن فهم دلالتها بشكل واضح على أنها إما صادقة تماماً وإما كاذبة تماماً، حتى وإن كان داخل سياق معين.

فلا يصح مثلاً أن تُعتَبر جملة ”ما أكرمك!“ قضية منطقية، فقد تعني التعجب من الكرم بالفعل أو السخرية من شدة البخل، والمعنيان على طرفي نقيض. وجملة ”اشهد بالحق“ لا يمكن فهمها على أنها صادقة أو كاذبة، وكل ما يمكن أن يُفهَم منها أن شخصاً يأمر أو يوصي آخر بالشهادة بالحق، كما أن سؤالاً مثل ”كم الساعة الآن؟“ لا يُفهَم على أنه صادق أو كاذب، وإنما تُفهَم الجملة على أن السائل يطلب من المسؤول معرفة الساعة وقت توجيه السؤال، وكلها جمل يشوبها غموض المعنى، والغموض لا يجوز في الجبر البولياني.

طائر الكيوي من الطيور التي لا تطير[2]

وربما يكون صدق أو كذب الجملة مطلقاً في سياق محدد فقط ومختلفاً خارج هذا السياق، ولا بأس في ذلك طالما حُصِر الاستنتاج في نفس السياق، فمثلاً قولنا ”هتلر مات“ صدق مطلق في الوقت الحاضر، لكنه لم يكن كذلك عام ١٩٤٣، وقولنا ”الجو حار“ قد يكون صدقاً مطلقاً في مصر في منتصف الصيف، إلا أنه كذب مطلق في الوقت نفسه في القارة القطبية الجنوبية.

وبعض الجمل الخبرية بضرورة الحال لا تناسب الجبر البولياني على الإطلاق، فقولنا ”بعض الطيور لا تطير“ ليس صدقاً مطلقاً ولا كذباً مطلقاً، لأن معنى الجملة كذلك أن ”بعض الطيور تطير“، وهكذا فهي تعبر عن صدق جزئي في داخل السياق نفسه. أمثال هذه الجمل لها نوع آخر من المنطق يناسبها هو ’منطق القياس‘ (syllogism)، وحالياً في المنطق الرياضي يشمل ’منطق الرتبة الأولى‘ (first-order logic) منطق القياس والجبر البولياني.

القضايا البسيطة والمركبة

تسمى القضية المنطقية بسيطة (simple) إذا كانت جملتها تعبر عن معنى مكتمل واحد بسيط لا يمكن تقسيمه إلى جمل أبسط مع الربط بينها، ومن أمثلة القضايا البسيطة الآتي:

  • الشمس ساطعة
  • الكلب من الحيوانات
  • مدينة شبين الكوم عاصمة مصر
  • الانفجار السكاني ليس مشكلة
  • التحزب الأعمى بغيض

لاحظ أن بعض القضايا السابقة كاذب، فمدينة شبين الكوم ليست عاصمة مصر، وبعضها منفي مثل الحديث عن الانفجار السكاني، وبعضها يتحدث عن صفات شيء معين مثل سطوع الشمس، وبعضها يتحدث عن تصنيفات مثل إدراج الكلب تحت تصنيف الحيوانات، وفيما يتحدث البعض منها عن أشياء مادية يتحدث الآخر عن أشياء مجردة مثل التحزب. العامل المشترك بينها أنها تعبر عن معنى واحد لا يمكن تقسيمه إلى جمل أبسط.

أما القضايا المركبة (compound) فيمكن تقسيم جملها إلى قضايا بسيطة مع الربط بينها بشكل أو آخر، والقضايا التالية كلها مركبة:

  • الجو بارد والسماء تمطر
  • الكلب من الحيوانات أو هو من الثدييات
  • لو كان الفقر رجلاً لقتلته
  • إذا كان بإمكانك فهم هذه الجملة فأنت تقرأ العربية والعكس صحيح
  • إذا كان تعلم المنطق شيئاً جيداً فسأتعلمه حتى لو كان تعلمه صعباً

الوحدات البنائية للجبر البولياني هي القضايا البسيطة

ولهذا فإن الوحدات البنائية للجبر البولياني هي القضايا البسيطة، فالقضايا المركبة يمكن التعبير عنها في صورة قضايا بسيطة والعكس غير ممكن، والجبر البولياني يشتمل على القواعد التي تحدد دلالة القضايا المركبة من الصدق أو الكذب بناء على دلالة القضايا البسيطة المكونة لها وعلى كيفية الربط بينها.

فصل المعنى عن الدلالة

جوتلوب فريجيه[3]

من أهم مميزات الجبر البولياني (وربما كذلك من أهم العوامل التي تحد من استعماله في بعض السياقات) الفصل التام بين المعنى (sense) والدلالة (reference)، وقد فصل بينهما أولاً الفيلسوف وعالم الرياضيات الألماني جوتلوب فريجيه (Gottlob Frege) فالدلالة في مفهوم فريجيه هي حالة الجملة من الصدق أو الكذب. الجبر البولياني لا يهتم إلا بدلالة القضايا المنطقية، وهكذا يمكن الوصول إلى استنتاجات حتمية بشكل آلي من المقدمات المنطقية ويعتمد صدق أو كذب الاستنتاج فقط على صدق أو كذب المقدمات وكيفية الربط بينها.

اعتماد المنطق البولياني حصراً على صدق أو كذب المقدمات يجعل من الممكن وضع قواعد رياضية جبرية محدودة العدد يمكن من خلالها الوصول إلى استنتاجات سليمة تعتمد على صورة التركيب المنطقي (logical form) وليس على معناه، ولأن عدد المعاني الممكنة يفوق الحصر فعدد وسائل الربط بينها يفوق الحصر بالضرورة، بينما حالتا الصدق والكذب اثنتان فقط، وطرق الربط بينهما محدودة جداً كما سنرى لاحقاً. وهكذا يلقي الجبر البولياني عبء المعنى على المستخدم بينما يوفر له صورة رياضية دقيقة يمكن من خلالها الوصول إلى استنتاجات معقدة يصعب الوصول إليها بدونه، بل ويمكنه من تبسيط الحجة المنطقية.

قواعد الجبر البولياني لا تتأثر مطلقاً بمعنى القضايا، وإنما تعتمد فقط على حالة القضايا من الصدق أو الكذب وكيفية الربط بينها.

كمثال على ما سبق، إذا استُعمِلت الجملتان البسيطتان الآتيتان واللتان لا يُفهَم لهما معنى واضح:

  • الحبشرون غلادة
  • الكلاشخ مسانيع

لصياغة هذه الجملة المركبة: ”إذا كان من الضروري أن تكون الكلاشخ مسانيع ليكون الحبشرون غلادة فالكلاشخ مسانيع أو الحبشرون غلادة“، فالجبر البولياني يمكن أن يُستَخدم لتبسيط الجملة المركبة إلى جملة بسيطة وهي ”الحبشرون غلادة“، وصدق أو كذب الجملة المركبة يكون مطابقاً لصدق أو كذب هذه الجملة البسيطة تماماً، أي أن الجملة الثانية لا تؤثر في دلالة الجملة المركبة على الإطلاق، وهذا الاستنتاج صالح لكل المعاني التي يمكن أن تفهم بها الجملتان!

ولهذا فإن تطور الجبر البولياني كان نقلة نوعية في المنطق الرياضي، إذ أن قواعده تنطبق بغض النظر عن معاني الجمل، وفي المثال السابق إذا استُبدِلت القضيتان المذكورتان بالآتي:

  • أن تكون عاقلاً
  • أن تكون إنساناً

فالجملة الشرطية الآتية: ”إذا كان من الضروري أن تكون إنساناً لكي تكون عاقلاً فأنت إنسان أو أنت عاقل“، مكافئة تماماً لقولنا ”أنت عاقل“، وقد يبدو أن هذا الاستنتاج غير بديهي على الإطلاق، بل قد تبدو الجملة غير مفهومة، لكن المنطق البولياني قادر على تحليلها وتبسيطها. وشرح كيفية الوصول لهذا الاستنتاج بدون استعمال الجبر البولياني أمر في غاية الصعوبة، وفي مقال تالي سأتعرض لصيغة الشرط في الجبر البولياني وما تعنيه، لكن المثال المعطى أعلاه يوضح قيمة الجبر البولياني في المنطق وقدر ما أحدثه من تأثير.

ولأن المعنى مفصول تماماً عن الدلالة، يجب على المستخدم تحري الدقة الشديدة في المعنى، إذ أن تغيّر المعنى في داخل نفس الاستنتاج يؤدي حتماً إلى نتيجة خاطئة. على سبيل المثال، الاستنتاج التالي خاطئ على الرغم من اتباع قواعد الجبر البولياني، وسبب الخطأ تغيّر معنى كلمة ’عين‘ داخل نفس الاستنتاج.

  • إذا غطيت عين الشيء فإنه لا يرى
  • عين الماء مغطاة
  • نستنتج أن الماء لا يرى

وعلى الرغم من سذاجة المثال السابق، إلا أنه يوضح المعنى المقصود، ويوضح أيضاً نقطة في منتهى الأهمية، وهي أن كذب الاستنتاج لا يتبع بالضرورة من خطأ أسلوب الاستنتاج، فمن المعروف أن الماء لا يرى، لكن استنتاج ذلك من تغطية عين الماء استنتاج فاسد. والمغالطات المنطقية الناتجة عن هذا الخطأ عادة لا تكون بمثل هذا الوضوح وإنما تنتج من اختلاف طفيف في المعنى، لكن لهذا مقال آخر. وقد ناقشت سابقاً أهمية الدقة في تعريف المعاني في حديثي عن قانون التفكير الأول.

رموز الجبر البولياني

القضايا المنطقية في الجبر البولياني يتم التعبير عنها كمتغيرات (variables) رياضية تسمى المتغيرات المنطقية (propositional variables)، وبخلاف الشائع في الرياضيات بوجه عام من استخدام للحروف \(a,b,c,x,y,z\) للتعبير عن المتغيرات، جرى العرف على تسميتها \(p,q,r,s,t\) في الجبر البولياني، وهو ما سأتبعه في هذا المقال وما يليه من نقاش للجبر البولياني.

الجبر البولياني فيه قيمتين منطقيتين ثابتتين يسمى كل منهما ثابت بولياني (Boolean constant) وهما الصدق أو الكذب، وعادة ما يعبر عن قيمة الصدق بالرمز \(\top\) المشتق من حرف T وهو أول حروف كلمة true، وعن الكذب بالرمز \(\bot\) وهو معكوس الرمز السابق (لأن الصدق نقيض الكذب)، لكن التعبير عن هاتين القيمتين بأي طريقة أمر مقبول تماماً طالما انتفت شبهة الالتباس، وقد نعبر عن الصدق بالحرف T أو t وعن الكذب بالحرف F أو f، وفي مجال الحاسبات الآلية يُعَبَّر عن الصدق بالقيمة \(1\) وعن الكذب بالقيمة \(0\).

قيمة المتغير المنطقي في الجبر البولياني هي دلالة القضية المنطقية التي يعبر عنها من جهة كذبها أو صدقها، فمثلاً إذا كان المتغير \(p\) يعبر عن قضية أن ’الشمس تشرق من جهة الغرب‘ تكون قيمته \(\bot\) لأن القضية كاذبة وإذا كان يعبر عن قضية أن ’الهواء أخف من الماء‘ تكون قيمته \(\top\) لأن القضية صادقة.

في المنطق البولياني يوجد أيضاً عدد من الروابط المنطقية (logical connectives) والتي تسمى أيضاً المعاملات المنطقية (logical operators) أو المعاملات البوليانية (Boolean operators)، وتسمى ’روابط‘ لأنها قد تربط بين قضيتين أو أكثر، وتسمى ’معاملات‘ لأنها قد تعمل على قضية واحدة أو أكثر، وهذه القضايا قد تكون بسيطة أو مركبة، وتتحدد دلالة التركيب المنطقي فقط بناء على دلالة مكوناته من القضايا البسيطة وعلى كيفية الربط بينها بالمعاملات المنطقية.

وإذا كان المعامل المنطقي يدخل على قضية واحدة فقط سمي معاملاً أحادياً (unary operator) وإذا كان يربط بين قضيتين سمي معاملاً ثنائياً (binary operator)، والمعامل الثنائي يحتاج إلى قضيتين ولا يجوز استعماله مع قضية واحدة. ولأن القضية المركبة من قضيتين بسيطتين لها أيضاً دلالتها من الصدق أو الكذب، ولأن كل الضروري في القضية المنطقية في الجبر البولياني هو أن يكون لها هذه الدلالة، يمكن بناء تركيبات منطقية معقدة باستعمال قضايا بسيطة وعدد محدود من الروابط المنطقية.

والمعامل المنطقي الأحادي الوحيد هو معامل النفي، بينما المعاملات الثنائية التي لها استعمال شائع هي معاملات الاتصال، والانفصال، والانفصال الحصري، والشرط بأنواعه.

الخلاصة

الجبر البولياني المسمى على اسم عالم الرياضيات جورج بول (George Boole) نوع من المنطق الرياضي يختص بالبحث في كيفية الوصول إلى استنتاجات من قضايا منطقية فقط عن طريق اعتبار دلالتها من جهة الصدق أو الكذب وكيفية الربط بينها.

القضايا المنطقية القابلة للاستعمال في الجبر البولياني هي جمل يمكن فهمها على أنها إما صدق تام أو كذب تام، حتى وإن كان داخل سياق معين فقط، وإذا كان الصدق أو الكذب محدودين بسياق يلزم أن يكون الاستنتاج محدوداً بنفس السياق.

القضايا البسيطة تعبر عن معنى مكتمل واحد ولا يمكن تقسيمها إلى قضايا أبسط. القضايا المركبة تتكون من قضايا بسيطة يتم الربط بينها بعدد محدود من الطرق في الجبر البولياني.

قواعد الجبر البولياني لا تتأثر مطلقاً بمعنى القضية، وكل ما يؤثر في ناتج الربط بين القضايا هو دلالتها من الصدق أو الكذب وكيفية الربط بينها. هذا الفصل بين المعنى والدلالة يجعل من الجبر البولياني أداة قوية في المنطق، إلا أنه يلقي بعبء فهم المعنى بالكامل على عاتق مستخدم الجبر البولياني.

المتغير المنطقي في الجبر البولياني يعبر عن قضية منطقية، وقيمة المتغير تكون دلالة القضية من جهة الصدق أو الكذب.

استخدام الجبر البولياني بشكل صحيح يتطلب الدقة في فهم المعنى، كما يستلزم أن يكون معنى القضية التي يعبر عنها المتغير المنطقي ثابتاً داخل السياق نفسه، فتغيره داخل السياق يفسد استنتاج الجبر البولياني.

الصدق والكذب هما القيمتان الثابتتان الوحيدتان في الجبر البولياني، والمعاملات المنطقية تدخل على قضية أو أكثر وتستعمل للربط بين القضايا البسيطة لتكوين قضايا مركبة. ما يدخل من المعاملات على متغير واحد يسمى معاملاً أحادياً وما يحتاج لمتغيرين يسمى معاملاً ثنائياً.


المقال التالي: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘


نسب المصنفات

  1. صورة جورج بول. Public Domain Mark هذا العمل خالٍ من أي قيود معروفة لحقوق التأليف والنشر. الصورة الأصلية في الرابط.
  2. صورة لطائر الكيوي. بواسطة Glen Fergus. مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - الترخيص بالمثل 2.5 عام. الصورة الأصلية في الرابط.
  3. صورة جوتلوب فريجيه. Public Domain Mark هذا العمل خالٍ من أي قيود معروفة لحقوق التأليف والنشر. الصورة الأصلية في الرابط.

باستثناء المصنفات المنسوبة أعلاه، يستحق القراءة بواسطة رفيق ميخائيل مرخص بموجب رخصة المشاع الابداعي رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف - غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي.

هذه الصفحة تستخدم مكتبة ماثجاكس (MathJax Library)

الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (٢)

المقال السابق: ’الجبر البولياني: المعاملات المنطقية (١)‘ ناقشت في المقال السابق عدداً من المعاملات المنطقية هي المعامل الأحادي الوحي...